إسلام ويب

شرح سنن أبي داود [310]للشيخ : عبد المحسن العباد

  •  التفريغ النصي الكامل
  • رخص الشرع لابن السبيل إذا كان محتاجاً أن يحلب من الماشية التي يلقاها في طريقه فيشرب من لبنها، لكن لا يحمل معه شيئاً، وكذلك للمحتاج أن يأكل من ثمر البستان دون أن يدخر، وفي الأحاديث ذكر ضوابط ذلك وآدابه.

    1.   

    ما جاء في ابن السبيل يأكل من التمر ويشرب من اللبن إذا مر به

    شرح حديث (إذا أتى أحدكم على ماشية فإن كان فيها صاحبها فليستأذنه...)

    قال المصنف رحمه الله تعالى: [ باب في ابن السبيل يأكل من التمر ويشرب من اللبن إذا مر به.

    حدثنا عياش بن الوليد الرقام حدثنا عبد الأعلى حدثنا سعيد عن قتادة عن الحسن عن سمرة بن جندب رضي الله عنه أن نبي الله صلى الله عليه وسلم قال: (إذا أتى أحدكم على ماشية: فإن كان فيها صاحبها فليستأذنه، فإن أذن له فليحتلب وليشرب، فإن لم يكن فيها فليصوت ثلاثاً، فإن أجابه فليستأذنه وإلا فليحتلب وليشرب ولا يحمل) ].

    أورد أبو داود هذه الترجمة، وهي: باب في ابن السبيل يأكل من التمر ويشرب من اللبن إذا مر به.

    يعني: إذا مر بالتمر وبالمواشي التي فيها لبن، وذكره المصنف هنا في كتاب الجهاد مثلما ذكر الأحاديث والأبواب التي سبق أن تقدمت في آداب المسافر مثل: ماذا يقول عند الركوب.

    وابن السبيل هو المسافر الذي تنتهي نفقته، ولا يكون معه نفقة، ويكون بحاجة إلى أن يأكل أو يشرب، فأورد أبو داود هذا الباب في كتاب الجهاد لكون المجاهد من جملة المسافرين الذين قد يمرون بماشية فيحتاجون إلى شرب شيء من لبنها أو يحتاجون لشيء من الثمر.

    والمأذون في ذلك أنه يستأذن صاحب المحل إذا وجده، فإن لم يجده فإنه يأكل دون أن يحمل، يعني: لا يتزود شيئاً يحمله معه، وإنما يقضي حاجته بأكله فقط، أما كونه يجذ ويأخذ شيئاً يقتاته في سفره فهذا لا يجوز، والمقصود الأكل عند الحاجة.

    أورد أبو داود حديث سمرة بن جندب رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (إذا أتى أحدكم على ماشية فإن كان فيها صاحبها فليستأذنه..).

    يعني: يطلب منه أن يسقيه من ألبان هذه الماشية، وإن لم يكن موجوداً فليناد ثلاثاً، فإن أجابه استأذنه، وإلا شرب ولم يحمل شيئاً، وإنما يصوت ثلاثاً لأنه قد يكون هذا الشخص في مكان مختف لا يراه، إما وراء شجرة أو بين بعض الغنم إذا كانت الغنم متفرقة أو مجتمعاً بعضها مع بعض، فقد يكون مضطجعاً بين بعضها، فيصوت وينادي ثلاث مرات حتى يعرف صاحبها إذا كان موجوداً معها فيستأذنه، وإن لم يجد أحداً وهو بحاجة فإنه يشرب ولكن لا يحمل معه شيئاً، بمعنى أنه لا يحلب في سقاء ويحمل في هذا السقاء، فليس له أن يأخذ شيئاً في السقاء، ولكنه يشرب ويقضي حاجته من الشرب دون أن يتزود بشيء، وهذا خاص بالمسافر.

    وكذلك لو جاء إلى بستان ووجد صاحبه فيه استأذنه، فإذا لم يجده فيه دخل وأكل وخرج، فقد ورد ما يدل على جواز ذلك عند الحاجة ولو كان في الحضر، أي: في أطراف البلد.

    تراجم رجال إسناد حديث (إذا أتى أحدكم على ماشية فإن كان فيها صاحبها فليستأذنه...)

    قوله: [ حدثنا عياش بن الوليد الرقام ].

    عياش بن الوليد الرقام ، وهو ثقة، أخرج له البخاري وأبو داود والنسائي .

    [ حدثنا عبد الأعلى ].

    عبد الأعلى بن عبد الأعلى البصري ، ثقة، أخرج له أصحاب الكتب الستة.

    [ حدثنا سعيد ].

    هو سعيد بن أبي عروبة ، وهو ثقة، أخرج له أصحاب الكتب الستة.

    [ عن قتادة ].

    وهو ابن دعامة السدوسي البصري ، ثقة، أخرج له أصحاب الكتب الستة.

    [ عن الحسن ].

    الحسن بن أبي الحسن البصري ، وهو ثقة، أخرج له أصحاب الكتب الستة.

    [ عن سمرة بن جندب ].

    رضي الله تعالى عنه، وحديثه أخرجه أصحاب الكتب الستة.

    والحديث من رواية الحسن عن سمرة ، ومعروف الكلام الذي في رواية الحسن عن سمرة ، فمن العلماء من قال: إنها تقبل مطلقاً، ومنهم من قال: لا تقبل مطلقاً، ومنهم من قال: يقبل حديثه في العقيقة ولا يقبل في غيره، ولكن غيره إذا جاءت له شواهد فإنه يعتبر به ويقبل لشواهده، والألباني صحح هذا الحديث، ولعل ذلك لوجود الشواهد.

    الفرق بين الاضطرار والحاجة

    وليس الأمر متعلقاً بالمضطر الذي لا يجد طعاماً ويخاف على نفسه التلف، بل الذي يبدو أن الأمر أوسع من هذا، فالمضطر كما هو معلوم له أن يأكل الميتة، ولكن الكلام هنا عن الذي هو بحاجة ولو لم يكن مضطراً، فهذا أوسع من الاضطرار.

    فالمضطر كما هو معلوم لا يكون له إلا الموت أمامه، وأما صاحب الحاجة فهو من إن أمكنه أن يشتري منه فذاك أو يطلب منه فذاك وإلا تجاوزه وبحث عن غيره، أما المضطر فله أن يأكل، ولكنه إذا كان عنده شيء فيدفع له القيمة، أو يجعله في ذمته إذا لم يسمح له.

    على كل: إن كان الشخص قد سرقت نفقته، أو كانت قيمة النفقة غير موجودة معه، ويعلم أن المسافة طويلة بينه وبين المكان المقصود، فهو إن أخذه بقيمته فيعتبره شيئاً واجباً في ذمته لهذا الشخص صاحب هذا البستان.

    شرح حديث (... ما علمت إذ كان جاهلاً ولا أطعمت إذ كان جائعاً...)

    قال المصنف رحمه الله تعالى: [ حدثنا عبيد الله بن معاذ العنبري حدثنا أبي قال: حدثنا شعبة عن أبي بشر عن عباد بن شرحبيل رضي الله عنه قال: (أصابتني سنة فدخلت حائطاً من حيطان المدينة ففركت سنبلاً، فأكلت وحملت في ثوبي، فجاء صاحبه فضربني وأخذ ثوبي، فأتيت رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال له: ما علَّمت إذ كان جاهلاً، ولا أطعمت إذ كان جائعاً -أو قال: ساغباً- وأمره فرد علي ثوبي وأعطاني وسقاً أو نصف وسق من طعام) ].

    أورد أبو داود حديث عباد بن شرحبيل رضي الله عنه قال: أصابتني سنة، يعني: فاقة، أي: سنة فيها جدب وقحط.

    قوله: [ (فدخلت حائطاً من حيطان المدينة ففركت سنبلاً) ].

    السنبل: الرزع، وفركه: أخرج الحب من قشره وأكله.

    قوله: [ (فجاء صاحبه فضربني وأخذ ثوبي) ].

    يعني: جاء صاحب الزرع فضربه وأخذ ثوبه الذي كان فيه هذا الحب عقاباً له، فبلغ ذلك رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: (ما علمت إذ كان جاهلاً) يعني: بدلاً من أن تعاقبه بهذه العقوبة تنبهه وتعذره لجهله، أو تطالبه بالشيء الذي لا توافق له عليه. (ولا أطعمت إذ كان جائعاً أو قال: ساغباً).

    والساغب بمعنى الجائع؛ لأن المسغبة هي الجوع، ومعناه: أنك تحسن إليه وتعلمه لجهله، ثم إنه أمره برد ثوبه الذي أخذه منه.

    قوله: [ (وأعطاني وسقاً أو نصف وسق من طعام) ].

    يعني: أعطاه الرسول صلى الله عليه وسلم لحاجته وسقاً أو نصف وسق من طعام، يعني: إما هذا وإما هذا -شك الراوي- وهذا لا يدل على أن الإنسان يتخذ شيئاً، لكن ينبغي أن يعذر الإنسان الجاهل، وإذا كان الإنسان لم يسمح بهذا الذي أخذه وحمله معه فيطالبه بقيمته أو يسترجعه، ولكن لا يأخذ زيادة على حقه كالثوب.

    تراجم رجال إسناد حديث (... ما علمت إذ كان جاهلاً ولا أطعمت إذ كان جائعاً..)

    قوله: [ حدثنا عبيد الله بن معاذ العنبري ].

    عبيد الله بن معاذ بن معاذ العنبري ، ثقة، أخرج له البخاري ومسلم وأبو داود والنسائي .

    [ حدثنا أبي ].

    معاذ بن معاذ ، وهو ثقة، أخرج له أصحاب الكتب الستة.

    [ حدثنا شعبة ].

    شعبة بن الحجاج الواسطي ثم البصري، ثقة، أخرج له أصحاب الكتب الستة.

    [ عن أبي بشر ].

    وهو جعفر بن إياس المشهور بـابن أبي وحشية ، وهو ثقة، أخرج له أصحاب الكتب الستة.

    [ عن عباد بن شرحبيل ].

    عباد بن شرحبيل رضي الله عنه، وحديثه أخرجه أبو داود والنسائي وابن ماجة .

    إسناد حديث (ما علمت إذ كان جاهلاً ولا أطعمت إذ كان جائعاً) من طريق أخرى وتراجم رجاله

    قال المصنف رحمه الله تعالى: [ حدثني محمد بن بشار حدثنا محمد بن جعفر عن شعبة عن أبي بشر قال: سمعت عباد بن شرحبيل رضي الله عنه رجلاً منا من بني غبر، بمعناه ].

    أورد الحديث من طريق أخرى، وهو بمعنى الحديث الأول.

    قوله: [ حدثني محمد بن بشار ].

    محمد بن بشار هو الملقب: بندار البصري ، ثقة، أخرج له أصحاب الكتب الستة.

    [ حدثنا محمد بن جعفر ].

    محمد بن جعفر الملقب غندر البصري ، ثقة، أخرج له أصحاب الكتب الستة.

    [ عن شعبة ].

    وقد مر ذكره.

    [ عن أبي بشر عن عباد ].

    أبو بشر وعباد قد مر ذكرهم.

    قوله: [ رجلاً منا من بني غبر ].

    هذه زيادة تعريف له.

    1.   

    من قال إنه يأكل مما سقط

    شرح حديث (فلا ترم النخل وكل مما يسقط في أسفلها...)

    قال المصنف رحمه الله تعالى: [ باب من قال إنه يأكل مما سقط.

    حدثنا عثمان وأبو بكر بن أبي شيبة -وهذا لفظ أبي بكر - عن معتمر بن سليمان قال: سمعت ابن أبي حكم الغفاري يقول: حدثتني جدتي عن عم أبي رافع بن عمرو الغفاري رضي الله عنه قال: (كنت غلاماً أرمي نخل الأنصار، فأتي بي النبي صلى الله عليه وسلم فقال: يا غلام! لم ترم النخل؟ قال: آكل قال: فلا ترم النخل وكل مما يسقط في أسفلها، ثم مسح رأسه فقال: اللهم أشبع بطنه) ].

    أورد أبو داود حديث أبي رافع بن عمرو الغفاري رضي الله عنه أنه كان يرمي تمراً على رءوس النخل بالحجارة، حتى إذا ضرب الحجر القنو تساقط منه التمر بسبب الضربة التي حصلت برمي الحجارة عليها، فيأكل من ذلك.

    قوله: [ (كنت غلاماً أرمي نخل الأنصار فأتي بي النبي صلى الله عليه وسلم) ].

    أي: شكوه إليه وأتوا به إليه؛ لأنه عمل هذا العمل.

    قوله: [ (فقال: يا غلام! لم ترم النخل؟ قال: آكل، قال: فلا ترم النخل وكل مما يسقط في أسفلها) ].

    يعني: آكل مما يسقط بسبب الرمي بالحجارة، فقال النبي صلى الله عليه وسلم: لا ترم النخل، وكل مما يتساقط بسبب الريح أو أي سبب من الأسباب، المهم ألا يرميه الشخص بالحجارة حتى يتساقط، وإنما يمشي تحت النخل فيأخذ من الشيء الذي تساقط بسبب الريح، ولا يفعل هذا الفعل الذي هو الرمي بالحجارة؛ لأن الرمي بالحجارة قد يفسد التمر بمعنى أنه يتمزق.

    وكونه يسقط بالريح أو بغير ذلك من الأشياء التي لا تمزقه فإنه يستفيد منه بهذه الطريقة.

    والترجمة هي: (من قال إنه يأكل مما سقط) يعني: ولا يأخذ شيئاً من النخل، فلا يصعد ويأخذ شيئاً من النخل، وإنما يأخذ من المتساقط.

    وهذا الحديث ضعيف، ولكن يجوز للمرء إذا كان في حاجة أن يصعد النخلة ويأكل منها، ولكن لا يحمل معه شيئاً.

    تراجم رجال إسناد حديث (فلا ترم النخل وكل مما يسقط في أسفلها..)

    قوله: [ حدثنا عثمان وأبو بكر بن أبي شيبة ].

    عثمان بن أبي شيبة ، ثقة، أخرج له أصحاب الكتب الستة إلا الترمذي والنسائي فأخرج له في عمل اليوم والليلة.

    و أبو بكر أخوه وهو: عبد الله بن محمد بن أبي شيبة ، وهو ثقة، أخرج له أصحاب الكتب الستة إلا الترمذي .

    [ وهذا لفظ أبي بكر ].

    أي: هذا لفظ الشيخ الثاني.

    [ عن معتمر بن سليمان ].

    معتمر بن سليمان بن طرخان التيمي ، ثقة، أخرج له أصحاب الكتب الستة.

    [ قال: سمعت ابن أبي حكم الغفاري ].

    ابن أبي الحكم الغفاري ، قيل: اسمه حسن وقيل: عبد الكبير ، وهو مستور، يعني: مجهول الحال، أخرج له أبو داود وابن ماجة .

    [ حدثتني جدتي ].

    لا توجد لها ترجمة.

    [ عن عم أبي رافع بن عمرو الغفاري ].

    أبو رافع بن عمرو ، أخرج له مسلم وأبو داود والترمذي وابن ماجة .

    ففي الحديث: هذا المستور، وفيه هذه الجدة التي لا ندري ما حالها، ولو عرفت على أنها ثقة فسبطها هذا الذي هو ابن أبي الحكم يعل به الحديث وحده لو لم تضف إليه علة أخرى.

    1.   

    ما جاء فيمن قال لا يحلب

    شرح حديث (لا يحلبن أحد ماشية أحد بغير إذنه...)

    قال المصنف رحمه الله تعالى: [ باب فيمن قال: لا يحلب.

    حدثنا عبد الله بن مسلمة عن مالك عن نافع عن عبد الله بن عمر رضي الله عنهما أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: (لا يحلبن أحد ماشية أحد بغير إذنه، أيحب أحدكم أن تؤتى مشربته، فتكسر خزانته، فينتثل طعامه، فإنما تخزن لهم ضروع مواشيهم أطعمتهم، فلا يحلبن أحد ماشية أحد إلا بإذنه).

    أورد أبو داود هذه الترجمة، وهي: باب فيمن قال لا يحلب.

    يعني: أن ابن السبيل أو الذي يمر بالغنم لا يحلب منها شيئاً إلا بإذن صاحبها وإذا لم يكن صاحبها، موجوداً ليأذن له فإنه لا يحلب.

    وقد أورد حديث عبد الله بن عمر أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (لا يحلبن أحد ماشية أحد بغير إذنه).

    نعم إذا كان موجوداً فإنه يستأذنه كما سبق أن مر في الحديث، وإذا لم يكن موجوداً ولم يره فإنه ينادي ثلاثاً حتى يتبين له مكانه، فإن لم يجده وكان محتاجاً فإنه يشرب ولا يحمل، فيحمل ما جاء في هذا الحديث على غير الحاجة، أما إذا كان محتاجاً فقد رخص له كما جاء في الحديث السابق، وعلى هذا يوفق بين هذا الحديث وبين ذاك الحديث السابق.

    ثم إن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (أيحب أحدكم أن تؤتى مشربته فتكسر خزانته؟).

    والمشربة: هي الغرفة المرتفعة يكون فيها الشيء الذي يخزن، (فتكسر خزانته فينتثل طعامه) يعني: يفرق أو يؤخذ منه شيء، وضروع مواشيهم هي مثل هذه الخزانة، وكما أن الإنسان لا يجب أن يؤتى إلى مشربته وتنتثل الخزانة فكذلك لا يأتي للضروع ويستخرج ما فيها، ولكن هذا كما هو معلوم محمول على غير الحاجة، وأما مع الحاجة فقد مر في الحديث السابق ما يدل على الرخصة.

    تراجم رجال إسناد حديث (لا يحلبن أحد ماشية أحد بغير إذنه...)

    قوله: [حدثنا عبد الله بن مسلمة عن مالك ].

    عبد الله بن مسلمة القعنبي ، ثقة، أخرج له أصحاب الكتب الستة إلا ابن ماجة .

    و مالك بن أنس الفقيه المحدث الإمام، أحد أصحاب المذاهب الأربعة المشهورة من مذاهب أهل السنة، وحديثه أخرجه أصحاب الكتب الستة.

    [ عن نافع عن ابن عمر ].

    نافع وابن عمر قد مر ذكرهما، وهذا من أعلى الأسانيد عند أبي داود ؛ لأنه رباعي.