إسلام ويب

شرح سنن أبي داود [304]للشيخ : عبد المحسن العباد

  •  التفريغ النصي الكامل
  • راعت الشريعة حفظ حقوق المخلوقات، حتى الدواب المسخرة للعباد، فقد منعتهم من إيذائها وإعناتها، كما أرشدت الناس إلى مصالحهم، فجاء فيها النهي عن التعريس في الطريق، والأمر بالدلجة في السفر، والتأني بالإبل في المكان الخصب لترعى دون الجدب.

    1.   

    ما جاء في الوقوف على الدابة

    شرح حديث (إياكم أن تتخذوا ظهور دوابكم منابر...)

    قال المصنف رحمه الله تعالى: [ باب في الوقوف على الدابة.

    حدثنا عبد الوهاب بن نجدة حدثنا ابن عياش عن يحيى بن أبي عمرو السيباني عن أبي مريم عن أبي هريرة رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (إياكم أن تتخذوا ظهور دوابكم منابر، فإن الله إنما سخرها لكم لتبلغكم إلى بلد لم تكونوا بالغيه إلا بشق الأنفس، وجعل لكم الأرض، فعليها فاقضوا حاجتكم) ].

    أورد أبو داود هذه الترجمة، وهي: باب في الوقوف على الدابة، أي: الركوب والجلوس عليها، والاستقرار عليها، فالإنسان لا يستقر عليها إلا لحاجة، إما كونه راكباً مسافراً، أو لحاجة، ككونه وقف عليها بعرفة كما وقف رسول الله صلى الله عليه وسلم، أما أن يستقر الإنسان عليها ويتحدث ويقضي الساعات وهو جالس عليها لا تمشي، وليس بحاجة إلى أن يركب عليها، وإنما يتخذها مستقراً وكأنه جالس على منبر يحدث صاحبه في الأمور المختلفة، فإن هذا لا يصلح ولا ينبغي؛ لأن هذا فيه إضرار بالدابة، والله تعالى جعل تلك الدواب ليركب عليها، ولتوصل إلى مكان لا يوصل إليه إلا بشق الأنفس، أما أن تتخذ مستقراً ومركباً يجلس الإنسان ويستقر عليها وهي واقفة، ويتحدث مع صاحبه وكأن كلاً منهما جالس على منبر فهذا لا يصلح ولا يليق؛ لأن هذا فيه إضرار.

    والإنسان إذا أراد أن يتحدث يجلس على الأرض ولا يجلس على الدابة فيؤذيها، ويكون جالساً عليها كأنه جالس على كرسي أو على منبر، وأما إذا كان هناك حاجة بأن يكون مرتفعاً أو أن يقف عليها بعرفة يخطب عليها كما خطب الرسول صلى الله عليه وسلم وهو على ناقته، فذلك لا بأس به، وإنما المحذور أن يتخذها مستقراً له، والمقصود بالوقوف هو الاستقرار عليها، وليس معنى ذلك أن يقف عليها على رجليه؛ لأن الواقف على رجليه إذا تحركت يسقط، وإنما المقصود أن يستقر ويجلس عليها فتكون مستقراً وكأنه جالس على الأرض، فهذا هو الذي يمنع منه، وهو الذي نهى عنه الرسول صلى الله عليه وسلم.

    أورد أبو داود حديث أبي هريرة: (إياكم أن تتخذوا ظهور دوابكم منابر) يعني: تجلسون وتستقرون عليها كاستقرار الواحد على المنبر وجلوسه على المنبر.

    قوله: [ (فإن الله إنما سخرها لكم لتبلغكم إلى بلد لم تكونوا بالغيه إلا بشق الأنفس) ].

    أي: سخرها لتركبوا عليها؛ ولتقطعوا المسافات، أما أن يتخذها الإنسان مستقراً له وهي واقفة، ويجلس يحدث صاحبه كأنهما جالسان على الأرض يتحدثان ويؤذيان الدابة فهذا لا يليق ولا يصلح.

    [ (وجعل لكم الأرض فعليها فاقضوا حاجتكم) ].

    أي: اجلسوا على الأرض وتحدثوا كيف شئتم، أما أن يكون الواحد مستقراً على البعير يحدث صاحبه ويؤذي البعير فهذا لا يصلح.

    فالمحذور أن تجلسوا على الإبل والدواب فتؤذوها بطول الجلوس الذي لا يحصل من ورائه فائدة، والفائدة إنما هي بقطع المسافات، وكون الإنسان يسلم من التعب والنصب في المشي فيركب، فهذا هو الذي يناسب مع الإبل، أما أن يتخذها الإنسان منبراً أو مستقراً فهذا لا يصلح، فالحديث إذا كان مجرد حديث أو قطع الوقت بالأحاديث فليكن والمتحدثان على الأرض لا على الدواب.

    تراجم رجال إسناد حديث (إياكم أن تتخذوا ظهور دوابكم منابر...)

    قوله: [ حدثنا عبد الوهاب بن نجدة ].

    عبد الوهاب بن نجدة ، ثقة، أخرج له أبو داود والنسائي .

    [ حدثنا ابن عياش ].

    وهو: إسماعيل بن عياش ، وهو صدوق في روايته عن الشاميين مخلط في غيرهم، وهذا من روايته عن الشاميين، أخرج له البخاري في رفع اليدين وأصحاب السنن.

    [ عن يحيى بن أبي عمرو السيباني ].

    يحيى بن أبي عمرو السيباني ، وهو ثقة، أخرج له البخاري في الأدب المفرد وأصحاب السنن.

    [ عن أبي مريم ].

    أبو مريم الأنصاري ، وهو ثقة، أخرج له البخاري في الأدب المفرد وأبو داود والترمذي .

    [ عن أبي هريرة ].

    عبد الرحمن بن صخر الدوسي ، صاحب رسول الله صلى الله عليه وسلم، وهو أكثر أصحابه حديثاً على الإطلاق رضي الله عنه وأرضاه.

    1.   

    ما جاء في الجنائب

    شرح حديث (تكون إبل للشياطين وبيوت للشياطين...)

    قال المصنف رحمه الله تعالى [ باب في الجنائب.

    حدثنا محمد بن رافع حدثنا ابن أبي فديك حدثني عبد الله بن أبي يحيى عن سعيد بن أبي هند قال: قال أبو هريرة رضي الله عنه: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (تكون إبل للشياطين، وبيوت للشياطين، فأما إبل الشياطين فقد رأيتها، يخرج أحدكم بجنيبات معه قد أسمنها، فلا يعلو بعيراً منها، ويمر بأخيه قد انقطع به فلا يحمله، وأما بيوت الشياطين فلم أرها) كان سعيد يقول: لا أراها إلا هذه الأقفاص التي يستر الناس بالديباج ].

    أورد أبو داود هذه الترجمة، وهي: باب في الجنائب. جمع جنيبة، وهي الدابة أو الناقة التي تسمن ثم لا يستفاد منها عند الحاجة إليها.

    أورد أبو داود حديث أبي هريرة رضي الله عنه قال: (تكون إبل للشياطين، وبيوت للشياطين، أما إبل الشياطين فقد رأيتها، يخرج أحدكم بجنبيات معه قد أسمنها) يعني: قد قام بعلفها وهي سمينة، وقادرة على أن يركب عليها، وأن يحمل عليها، ولكنه لا يجعل أحداً يعلو عليها، وقد يمر بشخص منقطع في الفلاة فلا يحمله عليها، مع أنه بحاجة إليها، شحاً بالإحسان، وعدم قيام بالإحسان إلى من هو محتاج إليه.

    (وأما بيوت الشياطين فلم أرها) قال أحد الرواة: كان سعيد يقول: لا أراها إلا هذه الأقفاص التي يستر الناس بالديباج.

    سعيد هو الذي يروي عن أبي هريرة، فقال: لا أراها إلا هذه الأقفاص التي يسترها الناس بالديباج، يريد بها الهوادج التي تحمل على البعير ويركب عليها ويسترونها بالديباج من داخلها يعني: يجعلون فيها الديباج لتجلس عليها المرأة صاحبة الهودج.

    والشيخ ناصر رحمة الله عليه يقول: لعله هذه السيارات التي وجدت والتي هي مثل البيوت، والإنسان يكون مستقراً فيها، ولكن الحديث ضعيف، والشيخ ناصر حسنه في بعض كتبه، بناءً على ظاهر إسناده، ولكنه بعد ذلك تبين أن سعيد بن أبي هند لم يلق أبا هريرة ؛ فيكون منقطعاً، وقد نبه على ذلك في السلسلة الضعيفة بعد أن أورده في السلسلة الصحيحة في أوله، وقد أتى به في الضعيفة رقم (2303)، وبين أنه تنبه لهذا فيما بعد، وأن الحديث يكون ضعيفاً، ولا يكون حسناً كما قال من قبل، حيث أورده في الصحيحة، وذلك أنه حسنه بناءً على ظاهر إسناده، لكنه لما تبين أن سعيد بن أبي هند لم يلق أبا هريرة فيكون منقطعاً، فعلته الانقطاع، فهو حديث ضعيف لا تقوم به حجة.

    وكان قد ذكره في المائة الأولى من الصحيحة، ولكنه بعد ذلك أشار إلى وقوفه على هذه العلة، وأنه ضعفه لذلك.

    والبيوت: على تفسير سعيد تتعلق بالإبل؛ لأن الهوادج إنما تحمل على الإبل، والمرأة تكون في هودج تدخل وتستقر فيه، وعائشة رضي الله عنها كانت في هودج لما كانوا في الغزوة التي كانت فيها وفقدت لما تخلفت وكانت خفيفة، فحملوا الهودج وظنوا أنها فيه، ثم بعد ذلك ذهبوا وتركوها، وأتى بها صفوان بن معطل ، يعني: كانت في الهودج، فحملوا الهودج وكانت هي خفيفة فطنوا أنها فيه، فالهوادج: هي الأقفاص على ما قال سعيد ، ويحتمل أن تكون غير ذلك، لكن الحديث من أصله غير ثابت.

    تراجم رجال إسناد حديث (تكون إبل للشياطين وبيوت للشياطين...)

    قوله: [ حدثنا محمد بن رافع ].

    محمد بن رافع النيسابوري القشيري ، هو شيخ مسلم ، وهو من بلده وقبيلته؛ لأن مسلماً قشيري ونيسابوري، ولهذا لما ذكر ابن الصلاح البخاري ومسلماً قال: إن البخاري الجعفي مولاهم، وذكر مسلماً قال: القشيري من أنفسهم، يعني أنه منسوب إليهم نسبة أصل ونسب، وليست نسبة ولاء.

    وهو ثقة، أخرج له أصحاب الكتب الستة إلا ابن ماجة ، وهو - محمد بن رافع - الذي روى مسلم عن طريقه كل الأحاديث التي هي من صحيفة همام بن منبه التي انتقى منها أحاديث كثيرة، منها ما اتفق معه البخاري فيه، ومنها ما انفرد عن البخاري فيه، وكلها من طريق محمد بن رافع عن عبد الرزاق عن معمر عن همام عن أبي هريرة فـمسلم مكثر عن محمد بن رافع هذا، وهو من أهل بلده وقبيلته.

    [ حدثنا ابن أبي فديك ].

    وهو: محمد بن إسماعيل بن مسلم بن أبي فديك ، صدوق، أخرج له أصحاب الكتب الستة.

    [ حدثني عبد الله بن أبي يحيى ].

    عبد الله بن أبي يحيى ، وهو ثقة، أخرج له البخاري في الأدب المفرد وأبو داود .

    [ عن سعيد بن أبي هند ].

    سعيد بن أبي هند ، وهو ثقة، أخرج له أصحاب الكتب الستة.

    [ عن أبي هريرة ].

    أبو هريرة عبد الرحمن بن صخر الدوسي ، صاحب رسول الله صلى الله عليه وسلم، وأكثر أصحابه حديثاً على الإطلاق رضي الله عنه وأرضاه.

    والعلة: هي الانقطاع بين سعيد بن أبي هند وأبي هريرة ؛ لأنه لم يلقه، فروايته مرسلة عن أبي هريرة .

    1.   

    ما جاء في سرعة السير والنهي عن التعريس في الطريق

    شرح حديث (إذا سافرتم في الخصب فأعطوا الإبل حقها...)

    قال المصنف رحمه الله تعالى: [ باب في سرعة السير والنهي عن التعريس في الطريق.

    حدثنا موسى بن إسماعيل حدثنا حماد أخبرنا سهيل بن أبي صالح عن أبيه عن أبي هريرة رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال (إذا سافرتم في الخصب فأعطوا الإبل حقها، وإذا سافرتم في الجدب فأسرعوا السير، فإذا أردتم التعريس فتنكبوا عن الطريق) ].

    أورد أبو داود هذه الترجمة، وهي: باب في سرعة السير، يعني: في السفر، والنهي عن التعريس في الطريق.

    سرعة السير أي: الذي لا يكون فيه مشقة على الإبل والدواب، وإلحاق الضرر بها.

    والتعريس في الطريق يعني: النوم في آخر الليل على الطريق، وذلك أن النوم على الطريق قد يتسبب في انجفال الإبل التي تأتي مع الطريق، فقد تلحق ضرراً بمن يكون نائماً حوله، أو أن الطريق التي تسير فيها الإبل تكون لينة، ويكون فيها سهولة، فقد تأتي الحشرات إليها والدواب التي يحصل من ورائها ضرر، وقد يرمى عليه من الراكبين أشياء، فتأتي تلك الحشرات ودواب الأرض من أجل هذا الذي قد يرمى في الطريق، فالنزول على الطريق يترتب عليه محاذير، ولهذا جاءت السنة في التنكب عن الطريق والابتعاد عنه، يعني: ما يكون حوله شيء بحيث يلحق الإنسان به ضرر، إما بكون إبل تنفر فتطؤه، أو دواب تكون جاءت إلى الطريق تلتمس شيئاً رمي من المارة والمشاة فيها، فيترتب على ذلك إضرار بمن حول الطريق من الذين عرسوا وناموا فيه.

    أورد أبو داود حديث أبي هريرة أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (إذا سافرتم في الخصب فأعطوا الإبل حقها) يعني: خففوا السير حتى ترعى وتستفيد من هذا الخصب، (وإذا سافرتم في الجدب فأسرعوا السير)؛ لأن الإسراع بها فيه قطع للطريق لئلا يصيبها ضعف فتعجز عن إيصال من تحمله إلى ما يريد، وقد يكون وراء هذا المكان المجدب مكان مخصب تستفيد الإبل منه، فجاءت السنة في أن الأرض المخصبة لا يسرع فيها حتى تستفيد الإبل منها، والأرض المجدبة يسرع فيها حتى لا يحصل إعياء بها وعدم قدرة على مواصلة السير، وأيضاً لما يمكن أن يحصل من وجود خصب بعد ذلك.

    قوله: [ (فإذا أردتم التعريس فتنكبوا عن الطريق) ].

    أي: وإذا أردتم التعريس وأردتم أن تستريحوا وتنزلوا في آخر الليل فتنكبوا الطريق، يعني: ابتعدوا عن الطريق حتى لا يحصل لكم أذى بسبب النزول قريباً منه.

    تراجم رجال إسناد حديث (إذا سافرتم في الخصب فأعطوا الإبل حقها...)

    قوله: [ حدثنا موسى بن إسماعيل ].

    موسى بن إسماعيل التبوذكي البصري ، ثقة، أخرج له أصحاب الكتب الستة.

    [ حدثنا حماد ].

    حماد بن سلمة بن دينار البصري ، ثقة، أخرج له البخاري تعليقاً ومسلم وأصحاب السنن.

    [ أخبرنا سهيل بن أبي صالح ].

    سهيل بن أبي صالح ، وهو صدوق، أخرج له أصحاب الكتب الستة، وروى له البخاري مقروناً.

    [ عن أبيه ].

    أبو صالح السمان ذكوان ، وهو ثقة، أخرج له أصحاب الكتب الستة.

    [ عن أبي هريرة ].

    أبو هريرة قد مر ذكره.

    شرح حديث (إذا سافرتم في الخصب فأعطوا الإبل حقها) من طريق أخرى

    قال المصنف رحمه الله تعالى: [ حدثنا عثمان بن أبي شيبة حدثنا يزيد بن هارون أخبرنا هشام عن الحسن عن جابر بن عبد الله رضي الله عنهما عن النبي صلى الله عليه وسلم نحو هذا، قال بعد قوله (حقها): (ولا تعدوا المنازل) ].

    أورد أبو داود حديث جابر وهو بمعنى الأول، وقال فيه: (ولا تعدوا المنازل) يعني: من حيث الإسراع، كونه أمر بالإسراع في حال الجدب، ففي حال كون الأرض مجدبة لا يعدو المنازل يعني: التي اعتيد أنهم يعدونها فيقولون: من مرحلة إلى مرحلة في المنزل الفلاني، إذا نزل اليوم في منزل فالمرحلة الثانية هي كذا، مثلما كان يعرف أن الطرق يعرفونها ويحددونها بالمراحل، فمن مكة إلى المدينة تسع مراحل، فإذا صارت سبع مراحل فمعناه وجود تعب ومشقة على الدواب، فهو يزيد على الشيء المعتاد.

    فقوله: (لا تعدوا المنازل) أي: التي أعتيد أن تكون مراحل للنزول، واعتيد أن تكون مسافات تقطع في اليوم، بحيث إنهم يسرعون سرعة شديدة تلحق بالإبل مضرة، فبدل ما يقطعون المسافة في تسعة أيام يقطعونها في سبعة أيام أو ستة أيام أو خمسة أيام، هذا لا يتأتى إلا بإلحاق الضرر بالدواب.

    تراجم رجال إسناد حديث (إذا سافرتم في الخصب فأعطوا الإبل حقها) من طريق أخرى

    قوله: [ حدثنا عثمان بن أبي شيبة ].

    عثمان بن أبي شيبة ، ثقة، أخرج له أصحاب الكتب الستة إلا الترمذي وإلا النسائي فقد أخرج له في عمل اليوم والليلة.

    [ حدثنا يزيد بن هارون ].

    يزيد بن هارون الواسطي ، وهو ثقة، أخرج له أصحاب الكتب الستة.

    [ أخبرنا هشام ].

    هشام بن حسان ، ثقة، أخرج له أصحاب الكتب الستة.

    [ عن الحسن ].

    الحسن بن أبي الحسن البصري ، ثقة، أخرج له أصحاب الكتب الستة.

    [ عن جابر بن عبد الله ].

    جابر بن عبد الله الأنصاري رضي الله تعالى عنهما، وهو الصحابي الجليل، أحد السبعة المعروفين بكثرة الحديث عن النبي صلى الله عليه وسلم.

    1.   

    ما جاء في الدلجة

    شرح حديث (عليكم بالدلجة فإن الأرض تطوى بالليل)

    قال المصنف رحمه الله تعالى: [ باب في الدلجة.

    حدثنا عمرو بن علي حدثنا خالد بن يزيد حدثنا أبو جعفر الرازي عن الربيع بن أنس عن أنس رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (عليكم بالدلجة فإن الأرض تطوى بالليل) ].

    أورد أبو داود هذه الترجمة، وهي باب في الدلجة. والدلجة: قيل: هي السير في أول الليل، وقيل: هي السير في الليل كله، وذلك لأن الليل يكون فيه النشاط، ويكون فيه البراد في الصيف، والارتياح في المشي فيه، فهو يختلف عن النهار من جهة أن النهار تكون فيه حرارة الشمس المتوقدة، ولكن بالنسبة لليل يكون قطع المسافة فيه أسهل، ولهذا يقولون: (عند الصباح يحمد قوم السرى) الذين يسرون ويمشون في الليل إذا أصبحوا حمدوا سيرهم؛ لأنهم قطعوا مسافة.

    قال: (فإن الأرض تطوى بالليل) معناه: في خفة وسهولة السير في الليل للنشاط والبراد الذي يكون فيه، فهو يختلف عن سير النهار.

    قوله: [ (تطوى) ].

    المقصود: قطع المسافة؛ لأنه لا شك أن الإنسان إذا كان يسير في براد وفي نشاط فذلك بخلاف ما إذا كان يسير في مشقة وحرارة؛ لأن السير في الليل مع القوة والنشاط يختلف عن السير في النهار مع الحرارة وشدة الشمس، ومعناه أن المسافة التي تقطع في الليل أكثر من المسافة التي تقطع في النهار.

    والمقصود من ذلك قطعها بسهولة؛ لا أن الأرض تنكمش له، بدل ما تكون خمسمائة كيلو تصير مائتي كيلو.

    تراجم رجال إسناد حديث (عليكم بالدلجة فإن الأرض تطوى بالليل)

    قوله: [ حدثنا عمرو بن علي ].

    عمرو بن علي الفلاس ، وهو ثقة، أخرج له أصحاب الكتب الستة، بل هو شيخ لأصحاب الكتب الستة.

    [ حدثنا خالد بن يزيد ].

    خالد بن يزيد ، وهو صدوق يهم، أخرج له أبو داود والترمذي .

    [ حدثنا أبو جعفر الرازي ].

    أبو جعفر الرازي ، وهو صدوق سيء الحفظ، أخرج له البخاري في الأدب المفرد وأصحاب السنن.

    [ عن الربيع بن أنس ].

    الربيع بن أنس ، وهو صدوق له أوهام، أخرج له أصحاب السنن.

    [ عن أنس ].

    أنس بن مالك رضي الله عنه، خادم رسول الله صلى الله عليه وسلم، وأحد السبعة المعروفين بكثرة الحديث عن النبي صلى الله عليه وسلم.

    1.   

    رب الدابة أحق بصدرها

    شرح حديث (أنت أحق بصدر دابتك مني)

    قال المصنف رحمه الله تعالى: [ باب: رب الدابة أحق بصدرها.

    حدثنا أحمد بن محمد بن ثابت المروزي قال: حدثني علي بن حسين حدثني أبي حدثني عبد الله بن بريدة قال: سمعت أبي بريدة رضي الله عنه يقول: (بينما رسول الله صلى الله عليه وسلم يمشي جاء رجل ومعه حمار فقال: يا رسول الله! اركب، وتأخر الرجل، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: لا، أنت أحق بصدر دابتك مني، إلا أن تجعله لي، قال: فإني قد جعلته لك، فركب صلى الله عليه وسلم).

    أورد أبو داود هذه الترجمة، وهي: رب الدابة أحق بصدرها.

    المقصود بالصدر مقدمها الذي يلي رقبتها، والمؤخر هو العجز، فهناك صدر وهناك عجز، فصاحب الدابة أحق بصدرها إذا ركب معه أحد، إلا أن يتنازل عنه لغيره.

    أورد أبو داود حديث بريدة بن الحصيب رضي الله عنه: أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يمشي فجاء رجل على حمار وكان قد ركب على صدره فتأخر، وقال: (يا رسول الله! اركب، فقال عليه السلام: رب الدابة أحق بصدرها، إلا أن تجعله لي).

    فجعله له؛ لأنه كان راكباً في الصدر ثم تأخر فجعله له، لكن النبي صلى الله عليه وسلم أراد أن يبين الحكم الشرعي، وأنه هو الأحق، وأنه إذا أذن فيه لغيره فإن الحق يكون لمن أذن له فيه.

    قوله: [ (قد جعلته لك. فركب رسول الله صلى الله عليه وسلم) ] يعني: صنيع ذلك الرجل من أول وهلة يدل على أنه أراد أن يركب النبي أمامه، ولكن أراد النبي صلى الله عليه وسلم أن يبين الحكم الشرعي للناس، وأن صاحب الدابة أحق بها إلا أن يجعله لغيره، فيكون حكماً عاماً، فلو أن النبي صلى الله عليه وسلم ركب ولم يبين ذلك ما عرف هذا الحكم، لكن كون النبي صلى الله عليه وسلم قال: (صاحب الدابة أحق بصدرها) وقال: (إلا أن تجعله لي، قال: قد جعلته لك. فركب رسول الله صلى الله عليه وسلم) دل على تقديم صاحب الدابة على غيره، وهذا مثل ما أنه أحق في بيته بالجلوس، وأن يقول لهذا: اجلس هنا.. وهذا: اجلس هنا، فهو الأحق في أن يتصرف في بيته، فكذلك مركوبه هو الأحق.

    تراجم رجال إسناد حديث (أنت أحق بصدر دابتك مني)

    قوله: [ حدثنا أحمد بن محمد بن ثابت المروزي ].

    أحمد بن محمد بن ثابت المروزي هو ابن شبويه ، وهو ثقة، أخرج له أبو داود .

    [ حدثني علي بن حسين ].

    علي بن حسين الواقدي ، وهو صدوق يهم، أخرج له البخاري في الأدب المفرد ومسلم في المقدمة وأصحاب السنن.

    [ حدثني أبي ].

    حسين الواقدي ، وهو ثقة له أوهام، أخرج له البخاري تعليقاً ومسلم وأصحاب السنن.

    [ حدثني عبد الله بن بريدة ].

    عبد الله بن بريدة رحمة الله عليه، وهو ثقة، أخرج له أصحاب الكتب الستة.

    [ قال: سمعت أبي بريدة ].

    بريدة رضي الله عنه، وهو صحابي، أخرج له أصحاب الكتب الستة.

    و عبد الله هذا أخو سليمان أحدهما أخرج له أصحاب الكتب الستة، وأما سليمان فلم يخرج له البخاري وإنما خرج له مسلم فقط مع أصحاب السنن، وقد مر سليمان قريباً.

    1.   

    الأسئلة

    قياس السيارات على الدواب في أن صاحبها أحق بصدرها

    السؤال: هل تقاس السيارة الآن على الدابة في أن صاحبها أحق بصدرها؟

    الجواب: نعم، مثله مقدمة السيارة إلا إذا كان صاحب السيارة يريد أن يركب في مؤخرتها، وأن يختار المؤخر فلا بأس أن يجلس في الأمام غيره، مثل شيخنا عبد العزيز رحمة الله عليه ما كان يجلس إلا في مؤخرة السيارة، وصدرها ما كان يركب فيه، وكان ذلك من أجل أن يكون بجواره الكاتب يقرأ عليه؛ لأنه في سيارته يقرأ كتباً ويكملها، وفي أي مكان يذهب يقرأ عليه كتباً أو يقرأ عليه معاملات، فكان يختار أن يكون في المؤخرة حتى يكون الكاتب بجواره يملي ويكتب.

    1.   

    ما جاء في الدابة تعرقب في الحرب

    شرح أثر (والله لكأني أنظر إلى جعفر حينما اقتحم عن فرس له شقراء فعقرها...)

    قال المصنف رحمه الله تعالى: [ باب في الدابة تعرقب في الحرب.

    حدثنا عبد الله بن محمد النفيلي حدثنا محمد بن سلمة عن محمد بن إسحاق قال: حدثني ابن عباد عن أبيه عباد بن عبد الله بن الزبير قال أبو داود : هو يحيى بن عباد ، حدثني أبي الذي أرضعني وهو أحد بني مرة ابن عوف وكان في تلك الغزاة غزاة مؤتة قال: (والله لكأني أنظر إلى جعفر رضي الله عنه حينما اقتحم عن فرس له شقراء فعقرها ثم قاتل القوم حتى قتل) قال أبو داود : هذا الحديث ليس بالقوي ].

    أورد أبو داود هذه الترجمة، وهي: باب في الدابة تعرقب في الحرب، وتعرقب أي: يضرب عرقوبها حتى تكون معيبة، بحيث لا يستفيد منها الأعداء، ويتقووا بها على المسلمين، يعني: أن الإنسان يقتلها أو يضرب عرقوبها بالسيف حتى تكون معيبة لا تستطيع الجري، ولا تستطيع الكر والفر، وذلك لإفسادها على الكفار، وعدم تمكينهم من الاستفادة منها بعد الاستيلاء عليها.

    أورد أبو داود هذا الأثر عن عباد بن عبد الله بن الزبير قال: حدثني أبي الذي أرضعني وهو أحد بني مرة ابن عوف، وكان في تلك الغزاة غزاة مؤتة.

    (أحد بني مرة ابن عوف ) يعني: ما ذكره وإنما ذكر قبيلته، وكان في غزوة مؤتة وهي الغزوة التي يسمونها: غزوة الأمراء؛ لأنه قتل فيها ثلاثة أمراء: عبد الله بن رواحة وجعفر بن أبي طالب و زيد بن حارثة رضي الله تعالى عنهم، وبعد ذلك أخذ الراية خالد ففتح الله لهم ونصرهم على أعدائهم.

    قوله: [ والله لكأني أنظر إلى جعفر حين اقتحم عن فرس له شقراء فعقرها ثم قاتل القوم حتى قتل ].

    (اقتحم) يعني: نزل من فرس؛ فعقرها لما رأى أن الكفار حصل منهم هذا، فأراد أن يفوت الفرصة عليهم بالنسبة للفرس أو الدابة التي كان عليها، فعقرها وضرب عراقيبها فقاتل حتى قتل رضي الله عنه وأرضاه.

    [ قال أبو داود : هذا الحديث ليس بالقوي ].

    أولاً: هذا كما هو معلوم أثر، فهو فعل جعفر بن أبي طالب رضي الله عنه، وليس حديثاً عن رسول الله صلى الله عليه وسلم، وقوله: (ليس بالقوي) لعل المقصود أن فيه هذا الرجل المبهم الذي هو أبوه من الرضاعة.

    و الألباني صحح الحديث أو حسنه، لكن ما أدري ما هو وجه هذا التصحيح؟! هل له شواهد؟ لكن فيه هذا الرجل المبهم، اللهم إلا أن يكون صحابياً فجهالته لا تؤثر، ثم أيضاً هو موقوف على جعفر بن أبي طالب ، وليس مرفوعاً إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم.

    تراجم رجال أثر (والله لكأني أنظر إلى جعفر حينما اقتحم عن فرس له شقراء فعقرها...)

    قوله: [ حدثنا عبد الله بن محمد النفيلي ].

    عبد الله بن محمد النفيلي ، ثقة، أخرج له البخاري وأصحاب السنن.

    [ حدثنا محمد بن سلمة ].

    محمد بن سلمة الحراني ، وهو ثقة، أخرج له البخاري في جزء القراءة ومسلم وأصحاب السنن.

    وهذا محمد بن سلمة الحراني في طبقة شيوخ شيوخ أبي داود أما الذي في طبقة شيوخه فهو محمد بن سلمة المرادي المصري ، فإذا جاء محمد بن سلمة شيخاً لـأبي داود فالمراد به المصري ، وإذا جاء في طبقة شيوخ شيوخه فالمراد به الحراني .

    [ عن محمد بن إسحاق ].

    محمد بن إسحاق المدني ، وهو صدوق، أخرج له البخاري تعليقاً ومسلم وأصحاب السنن.

    [ قال: حدثني ابن عباد ].

    وهو: يحيى بن عباد بن عبد الله بن الزبير ، وهو ثقة، أخرج له البخاري في جزء القراءة وأصحاب السنن.

    [ عن أبيه عباد بن عبد الله بن الزبير ].

    عباد بن عبد الله بن الزبير ، وهو ثقة، أخرج له أصحاب الكتب الستة.

    [ عن أبيه الذي أرضعه ].

    ولا أعرف عنه شيئاً.

    والعرقوب: هو المفصل الذي بين الساق والقدم.

    وقوله: (حدثني أبي الذي أرضعني) هل يكون صحابياً باعتبار أنه شهد غزوة مؤتة؟!

    قد يكون شهد مؤتة وهو ليس بصحابي، لكن الغالب أن يكون صحابياً ما دام أن الجيش أرسله الرسول صلى الله عليه وسلم، فأقول: في الغالب أنه صحابي لأنه في زمن الرسول صلى الله عليه وسلم، والجيش أرسله الرسول عليه الصلاة والسلام، وهو الذي قال: يكون الأمير فلان أو فلان أو فلان، فهو في الغالب يكون صحابياً، ولكن هذا الذي رواه يعتبر أثراً وليس بحديث عن رسول الله صلى الله عليه وسلم.