إسلام ويب

شرح سنن أبي داود [287]للشيخ : عبد المحسن العباد

  •  التفريغ النصي الكامل
  • بين النبي صلى الله عليه وسلم أحكام وآداب الصيام سواء كان فرضاً أو تطوعاً، ومن هذه الأحكام تبييت النية من قبل الفجر في صيام الفرض، وإذا نوى من أول النهار في التطوع جاز له ذلك، ومن دعي إلى الوليمة وهو صائم فيفعل ما أرشده إليه النبي صلى الله عليه وسلم.

    1.   

    ما جاء في صوم يوم وفطر يوم

    شرح حديث (أحب الصيام إلى الله تعالى صيام داود)

    قال المصنف رحمه الله تعالى: [ باب في صوم يوم وفطر يوم.

    حدثنا أحمد بن حنبل ومحمد بن عيسى ومسدد ، والإخبار في حديث أحمد قالوا: حدثنا سفيان قال: سمعت عمراً قال: أخبرني عمرو بن أوس ، سمعه من عبد الله بن عمرو قال: (قال لي رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم: أحب الصيام إلى الله تعالى صيام داود، وأحب الصلاة إلى الله تعالى صلاة داود، كان ينام نصفه ويقوم ثلثه، وينام سدسه، وكان يفطر يوماً ويصوم يوماً) ].

    يقول الإمام أبو داود السجستاني رحمه الله تعالى: [ باب في صوم يوم وفطر يوم ].

    أي: حكم صيام ذلك، وأن ذلك من الأمور المستحبة، وأنه من صيام التطوع السائغ، حيث يكون الإنسان قادراً على ذلك، أما إذا كان يشق عليه فإنه يأتي بما أمكنه الإتيان به دون ذلك، وإذا أتى بثلاثة أيام من كل شهر وحافظ عليها كما أرشد إلى ذلك رسول الله صلى الله عليه وسلم فإن الحسنة بعشرة أمثالها، واليوم عن عشرة أيام، ويكون ذلك كصيام الدهر، كما جاءت بذلك الأحاديث عن رسول الله صلوات الله وسلامه وبركاته عليه، وإذا كان يطيق أن يصوم يوماً ويفطر يوماً ولا مشقة عليه، ولا يلحق به ضرر، ولا يحصل بذلك تقصير في واجب وفي أمور أخرى مطلوبة منه فيما يتعلق بحق الله وحقوق الناس، فهذا الصيام هو أحب الصيام إلى الله، كما روى ذلك عبد الله بن عمرو رضي الله عنه عن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: (أحب الصيام إلى الله صيام داود، وأحب الصلاة إلى الله صلاة داود -يعني: صلاة الليل- كان ينام نصف الليل، ويقوم ثلثه، وينام سدسه) يعني: الثلث الذي يسبقه نصف ويعقبه سدس.

    معناه: الخمس الرابع، والخمس الخامس من السدس الرابع، والسدس الخامس من الأسداس الستة، سدس أخير وسدسان قبله، وثلاثة أسداس في الأول، وهذا فيما يتعلق بصلاة الليل (وكان يصوم يوماً ويفطر يوماً) وقد بين صلى الله عليه وسلم أن هذا أحب الصيام إلى الله، وأن هذه أحب الصلاة إلى الله، وفي هذا إثبات محبة الله عز وجل، وأن الله تعالى متصف بالمحبة، وأن ما يحبه الله يتفاوت، فمنه ما يكون محبوباً، ومنه ما يكون أحب.

    تراجم رجال إسناد حديث (أحب الصيام إلى الله تعالى صيام داود)

    قوله: [ حدثنا أحمد بن حنبل ].

    هو أحمد بن محمد بن حنبل الشيباني ، الإمام الفقيه، المحدث المشهور، أحد أصحاب المذاهب الأربعة المشهورة من مذاهب أهل السنة، وحديثه أخرجه أصحاب الكتب الستة.

    [ ومحمد بن عيسى ].

    محمد بن عيسى هو الطباع ، وهو ثقة، أخرج له البخاري تعليقاً وأبو داود والترمذي في الشمائل والنسائي وابن ماجة .

    [ ومسدد ].

    هو مسدد بن مسرهد البصري ، وهو ثقة، أخرج له البخاري وأبو داود والترمذي والنسائي .

    [ والإخبار في حديث أحمد ].

    يعني: الذي قال: حدثني أو أخبرنا هو عن أحمد ، وأما غيرهم فليس فيه التحديث وإنما هو بـ(عن).

    [ حدثنا سفيان ].

    هو: سفيان بن عيينة المكي ، وهو ثقة، أخرج له أصحاب الكتب الستة.

    [ سمعت عمراً ].

    هو عمرو بن دينار المكي ، وهو ثقة، أخرج له أصحاب الكتب الستة.

    [ أخبرني عمرو بن أوس ].

    عمرو بن أوس ثقة، أخرج له أصحاب الكتب الستة.

    [ سمعه من عبد الله بن عمرو ].

    هو عبد الله بن عمرو بن العاص رضي الله تعالى عنهما، الصحابي الجليل، وهو أحد العبادلة الأربعة من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم، وهم عبد الله بن عمرو وعبد الله بن عمر وعبد الله بن عباس وعبد الله بن الزبير وحديثه أخرجه أصحاب الكتب الستة.

    كيفية معرفة ثلث الليل

    وحساب الليل يكون من بعد صلاة العشاء؛ لأنه ينام نصف الليل يعني: بعد صلاة العشاء، فيحسب من بعد صلاة العشاء إلى طلوع الفجر، فنصفه يكون نوماً، ثم بعد ذلك يكون ثلثه، ويمكن أن يكون المراد منه الغروب، لكن المقصود أن النصف هو ما بعد صلاة العشاء؛ لأن النوم قبل صلاة العشاء جاء عن النبي صلى الله عليه وسلم ما يدل على كراهيته، فكان يكره النوم قبلها والحديث بعدها؛ لأن ذلك يؤدي إلى النوم عن صلاة العشاء.

    قوله: [ قالوا: حدثنا سفيان قال: سمعت عمراً قال: أخبرني عمرو بن أوس سمعه من عبد الله بن عمر ].

    إما أن المقصود أن الذي صرح بالتحديث هو أحمد والباقون ما قالوا: حدثنا، أو أن المقصود في رواية سفيان عن عمرو بن دينار حيث أنه صرح بالتحديث بقوله: حدثنا عمرو بن دينار ، فيمكن أن يكون المقصود به؛ لأن سفيان مدلس، ولكن معروف أنه لا يدلس إلا عن ثقات، ويمكن أن يكون المقصود به سفيان، أو أن المراد به روايتهم ولكن المقصود بالإخبار أنه عن أحمد الذي هو الأول: التحديث، والتحديث يقال له: إخبار.

    فوجود كلمة (الإخبار) هنا فيه تصريح بالسماع، وقضية التصريح بالعنعنة لا يؤثر إلا عن المدلس، وأما الذي لا يدلس فعنعنته تكون اتصالاً، ولكن هذا يأتون به من أجل المحافظة على الألفاظ، وبيان من صرح بالتحديث ومن لم يصرح بالتحديث.

    1.   

    ما جاء في صوم الثلاث من كل شهر

    شرح حديث (كان رسول الله يأمرنا أن نصوم البيض)

    قال المصنف رحمه الله تعالى: [ باب في صوم الثلاث من كل شهر.

    حدثنا محمد بن كثير حدثنا همام عن أنس أخي محمد عن ابن ملحان القيسي عن أبيه قال: (كان رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم يأمرنا أن نصوم البيض: ثلاث عشرة، وأربع عشرة، وخمس عشرة، وقال: هن كهيئة الدهر) ].

    أورد أبو داود باب صيام الثلاث من كل شهر، وقد ورد في صيامها وفي الوصية بها أحاديث عن رسول الله صلى الله عليه وسلم منها: حديث أبي هريرة المتفق على صحته: (أوصاني خليلي صلى الله عليه وسلم بثلاث: ركعتي الضحى، وصيام ثلاثة أيام من كل شهر، وأن أوتر قبل أن أنام).

    وحديث أبي الدرداء في صحيح مسلم : (أوصاني حبيبي صلى الله عليه وسلم بثلاث: ركعتي الضحى، وصيام ثلاثة أيام من كل شهر، وأن أوتر قبل أن أرقد) وجاءت أحاديث تبين هذه الثلاث وتحددها، وتبين كيف يؤتى بها، فمما جاء في ذلك أنها تصام في أيام البيض، وهي: الثالث عشر، والرابع عشر، والخامس عشر، التي هي في منتصف الشهر، والتي هي ليالي الإبدار، ويقال لها: البيض؛ لأن الليل يكون فيها منيراً مضيئاً.

    قوله: [ (كان رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم يأمرنا أن نصوم البيض) ].

    قوله: [ (ثلاث عشرة، وأربع عشرة، وخمس عشرة، وقال: هن كهيئة الدهر) ].

    هذا تحديد وتعيين للأيام البيض، قوله: [ (هن كهيئة الدهر)] يعني: صيام هذه الثلاثة الأيام سواء جعلت في نصف الشهر أو جعلت في أي يوم من الشهر في أوله أو في آخره أو في وسطه، أو بعضها في أوله، وبعضها في وسطه، وبعضها في آخره، كل ذلك يعتبر صيام ثلاثة أيام من كل شهر، وهو كصيام الدهر؛ لأن الحسنة بعشر أمثالها، واليوم عن عشرة أيام، فإذا صام من كل شهر ثلاثة أيام فكأنه صام الدهر؛ لأن اليوم بعشرة أيام.

    تراجم رجال إسناد حديث (كان رسول الله يأمرنا أن نصوم البيض)

    قوله: [ حدثنا محمد بن كثير ].

    هو محمد بن كثير العبدي ، وهو ثقة، أخرج له أصحاب الكتب الستة.

    [ حدثنا همام ].

    هو همام بن يحيى العودي ، وهو ثقة، أخرج له أصحاب الكتب الستة.

    [ عن أنس أخي محمد ].

    هو أنس بن سيرين أخو محمد بن سيرين ، وهو ثقة، أخرج له أصحاب الكتب الستة.

    [ عن ابن ملحان القيسي ].

    ابن ملحان القيسي هو عبد الملك بن قتادة بن ملحان ، وهو مقبول، أخرج له أبو داود والنسائي وابن ماجة .

    [ عن أبيه ].

    وهو قتادة بن ملحان رضي الله عنه، وهو صحابي، أخرج حديثه أبو داود والنسائي وابن ماجة .

    شرح حديث (كان رسول الله يصوم -يعني من غرة كل شهر- ثلاثة أيام)

    قال المصنف رحمه الله تعالى: [ حدثنا أبو كامل حدثنا أبو داود حدثنا شيبان عن عاصم عن زر عن عبد الله قال: (كان رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم يصوم -يعني: من غرة كل شهر- ثلاثة أيام) ].

    أورد أبو داود حديث عبد الله بن مسعود أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يصوم من غرة كل شهر، يعني: من أوله ثلاثة أيام، وهذا فيه بيان أن الثلاثة الأيام من كل شهر ليست ثابتة مستقرة في وقت معين، بل جاء ما يدل على صيامها في أول الشهر، أو في وسط الشهر الذي هو الأيام البيض، وجاء أنها تكون في الإثنين والخميس، يعني: إثنين وإثنين وخميس أو خميس وخميس وإثنين، فجاء صيامها على أوجه مختلفة، وجاء أنه ما كان يبالي من أي الشهر كان يصوم الثلاثة الأيام من كل شهر، فهذا يدلنا على أن الأمر فيها واسع، وقد جاء عن النبي صلى الله عليه وسلم فيها وجوه متنوعة، ولكن كون الإنسان يحرص على أن تكون هي أيام البيض فهو أولى، حتى يحافظ عليها ولا ينساها، لأنه إذا لم يجعل لها وقتاً محدداً قد يتشاغل عنها، وقد يخرج الشهر وهو ما أتى بها، لكن إذا جعلها في الأيام البيض فإنه يتعاهدها ويتحراها، وإذا صامها من أول الشهر كما في هذا الحديث فيكون قد بادر.

    تراجم رجال إسناد حديث (كان رسول الله يصوم -يعني من غرة كل شهر- ثلاثة أيام)

    قوله: [ حدثنا أبو كامل ].

    هو أبو كامل الجحدري ، وهو فضيل بن حسين ، وهو ثقة، أخرج له البخاري تعليقاً ومسلم وأبو داود والنسائي .

    [ حدثنا أبو داود ].

    أبو داود هو: سليمان بن داود الطيالسي ، وهو ثقة، أخرج له البخاري تعليقاً ومسلم وأصحاب السنن.

    [ حدثنا شيبان ].

    شيبان هو ابن عبد الرحمن ، وهو ثقة، أخرج له أصحاب الكتب الستة.

    [ عن عاصم ].

    هو عاصم بن أبي النجود، وهو ابن بهدلة ، وهو صدوق له أوهام، وحديثه أخرجه أصحاب الكتب الستة، وروايته في الصحيحين مقرونة، أي: أنه روي عنه وعن غيره.

    [ عن زر ].

    هو زر بن حبيش ، وهو ثقة، أخرج له أصحاب الكتب الستة.

    عن عبد الله بن مسعود رضي الله تعالى عنه صاحب رسول الله صلى الله عليه وسلم، وحديثه أخرجه أصحاب الكتب الستة.

    1.   

    من قال الإثنين والخميس

    شرح حديث (كان رسول الله يصوم ثلاثة أيام من الشهر الإثنين والخميس)

    قال المصنف رحمه الله تعالى: [ باب من قال: الإثنين والخميس.

    حدثنا موسى بن إسماعيل حدثنا حماد عن عاصم بن بهدلة عن سواء الخزاعي عن حفصة قالت: (كان رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم يصوم ثلاثة أيام من الشهر: الإثنين والخميس، والإثنين من الجمعة الأخرى) ].

    أورد أبو داود باب من قال: الإثنين والخميس، يعني: أن الثلاثة الأيام من كل شهر تكون إثنين وخميس وإثنين.

    فقوله: [ (الإثنين والخميس والإثنين من الجمعة الأخرى) ].

    معناه: أنه يأتي بها في أسبوعين، أسبوع فيه إثنين وخميس، والأسبوع الثاني يصير فيه الإثنين، فيكون الإثنين جاء مرتين، وبينهما خميس، فيكون الإثنين والخميس من الأسبوع، ثم الإثنين في الأسبوع الثاني، فيكون بذلك قد جمع بين أمرين: صام ثلاثة أيام من كل شهر، واختار اليومين المفضلين اللذين تعرض فيهما الأعمال على الله عز وجل.

    تراجم رجال إسناد حديث (كان رسول الله يصوم ثلاثة أيام من الشهر الإثنين والخميس)

    قوله: [ حدثنا موسى بن إسماعيل ].

    هو موسى بن إسماعيل التبوذكي ، وهو ثقة، أخرج له أصحاب الكتب الستة.

    [ حدثنا حماد ].

    هو حماد بن سلمة ، وهو ثقة، أخرج له البخاري تعليقاً ومسلم وأصحاب السنن .

    [ عن عاصم بن بهدلة ].

    عاصم بن بهدلة مر ذكره.

    [ عن سواء الخزاعي ].

    سواء الخزاعي مقبول، أخرج له أبو داود والنسائي .

    [ عن حفصة ].

    حفصة رضي الله تعالى عنها أم المؤمنين، وحديثها أخرجه أصحاب الكتب الستة.

    شرح حديث أم سلمة: (كان رسول الله يأمرني أن أصوم ثلاثة أيام من كل شهر)

    قال المصنف رحمه الله تعالى: [ حدثنا زهير بن حرب حدثنا محمد بن فضيل حدثنا الحسن بن عبيد الله عن هنيدة الخزاعي عن أمه قالت: (دخلت على أم سلمة رضي الله عنها فسألتها عن الصيام، فقالت: كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يأمرني أن أصوم ثلاثة أيام من كل شهر أولها الإثنين والخميس) ].

    أورد أبو داود حديث أم سلمة رضي الله عنها (أنها سألتها أم هنيدة بن خالد عن الصيام فقالت: كان النبي صلى الله عليه وسلم يأمرني أن أصوم ثلاثة أيام من كل شهر، أولها الإثنين والخميس) .

    أولها الإثنين والخميس، يعني: إما أن تكون أولها الإثنين ثم الخميس ثم الإثنين، أو أن أولها الخميس، بمعنى: أنه يبدأ بواحد من هذه الأيام التي ترفع فيها الأعمال إلى الله عز وجل وهي: الإثنين والخميس.

    تراجم رجال إسناد حديث أم سلمة: (كان رسول الله يأمرني أن أصوم ثلاثة أيام من كل شهر)

    قوله: [ حدثنا زهير بن حرب ].

    زهير بن حرب ثقة، أخرج له أصحاب الكتب الستة إلا الترمذي .

    [ حدثنا محمد بن فضيل ].

    هو محمد بن فضيل بن غزوان ، وهو صدوق، أخرج له أصحاب الكتب الستة.

    [ حدثنا الحسن بن عبيد الله ].

    الحسن بن عبيد الله ثقة، أخرج له مسلم وأصحاب السنن.

    [ عن هنيدة الخزاعي ].

    هو هنيدة بن خالد الخزاعي ، وهو معدود في الصحابة، وحديثه أخرجه أبو داود والنسائي .

    [ عن أمه ].

    وهي صحابية، أخرج لها أبو داود والنسائي .

    [ عن أم سلمة ].

    وهي هند بنت أبي أمية رضي الله عنها، وهي أم المؤمنين، وحديثها أخرجه أصحاب الكتب الستة.

    1.   

    من قال لا يبالي من أي الشهر

    شرح حديث (ما كان رسول الله يبالي من أي أيام الشهر كان يصوم)

    قال المصنف رحمه الله تعالى: [ باب من قال: لا يبالي من أي الشهر.

    حدثنا مسدد حدثنا عبد الوارث عن يزيد الرشك عن معاذة قالت: (قلت لـعائشة رضي الله عنها: أكان رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم يصوم من كل شهر ثلاثة أيام؟ قالت: نعم، قلت: من أي شهر كان يصوم؟ قالت: ما كان يبالي من أي أيام الشهر كان يصوم) ].

    أورد أبو داود باب من قال: لا يبالي من أي الشهر.

    يعني: الثلاثة الأيام لا يبالي من أي أيام الشهر سواء صامها من أوله أو وسطه أو آخره، فليس لها مكان معين، ووقت معين، ويجوز أيضاً أن تكون مجتمعة، وأن تكون متفرقة، فأورد أبو داود حديث عائشة رضي الله عنها أن معاذة العدوية سألتها: (أكان رسول الله صلى الله عليه وسلم يصوم من كل شهر ثلاثة أيام؟ قالت: نعم. قلت: من أي شهر كان يصوم؟ قالت: لا يبالي من أي أيام الشهر كان يصوم).

    يعني: أحياناً يصوم من أوله، وأحياناً من وسطه، وأحياناً من آخره، وليس هناك تقييد وتحديد، ولكنه جاء عنه كما عرف أنه كان في أول الشهر، وجاء عنه في وسط الشهر، وهذا يدل على أن هذه من الأمور السائغة.

    تراجم رجال إسناد حديث (ما كان رسول الله يبالي من أي أيام الشهر كان يصوم)

    قوله: [ حدثنا مسدد حدثنا عبد الوارث ].

    عبد الوارث بن سعيد العنبري ثقة، أخرج له أصحاب الكتب الستة.

    [ عن يزيد الرشك ].

    هو يزيد بن أبي يزيد الرشك ، وهو ثقة، أخرج له أصحاب الكتب الستة.

    [ عن معاذة ].

    هي معاذة العدوية ، وهي ثقة، أخرج لها أصحاب الكتب الستة.

    [ عن عائشة ].

    عائشة أم المؤمنين رضي الله عنها وأرضاها، الصديقة بنت الصديق ، وهي واحدة من سبعة أشخاص عرفوا بكثرة الحديث عن النبي صلى الله عليه وسلم.

    الاختلاف في صيام ثلاثة أيام من كل شهر اختلاف تنوع لا تضاد

    والكلام هنا عن الثلاثة الأيام من كل شهر فلا يظهر أنها غير الأيام البيض بحيث يكون المجموع في الشهر ستة أيام، وإنما المقصود أن الثلاثة الأيام أحياناً تكون البيض، وأحياناً تكون في أول الشهر، وأحياناً تكون في الآخر، وأحياناً يكون بعضها في الأول وبعضها في الآخر، فلا يقال: إنها ستة أيام؛ لأنها كلها ثلاثة، لكن هذه الثلاثة أين مكانها؟ جاء أن لها مكاناً، وجاء أنها مطلقة.

    1.   

    النية في الصيام

    شرح حديث (من لم يجمع الصيام قبل الفجر فلا صيام له)

    قال المصنف رحمه الله تعالى: [ باب النية في الصيام.

    حدثنا أحمد بن صالح حدثنا عبد الله بن وهب قال: حدثني ابن لهيعة ويحيى بن أيوب عن عبد الله بن أبي بكر بن حزم عن ابن شهاب عن سالم بن عبد الله عن أبيه عن حفصة زوج النبي صلى الله عليه وآله وسلم أن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم قال: (من لم يجمع الصيام قبل الفجر فلا صيام له) ].

    أورد أبو داود رحمه الله النية في الصيام، والنية في الصيام تكون للفرض، ولما هو واجب، ولما هو تطوع، والفرض يدخل فيه رمضان، أو قضاء رمضان، أو النذر، أو الكفارة، فكل هذه لا بد أن تكون النية فيها موجودة قبل الفجر، وأن يدخل في الصيام من أوله وقد نواه، وأن تكون جميع أجزاء النهار قد وجدت فيها النية من أول الصيام إلى آخره، هذا بالنسبة للفرض، أما بالنسبة للنفل فإنه يجوز أن يؤتى بالنية من وسط النهار أو من أثناء النهار بحيث أنه يقوم من نومه ما كان يريد صياماً ثم بعد ذلك يريد أن يصوم، فله أن ينوي، وتنعطف النية على النهار كله؛ لأنه لم يأكل، وهذا خاص في النافلة، وقد جاء في ذلك بعض الأحاديث كما سيأتي، وكذلك للإنسان بالنسبة للنفل أن يقطعه إذا بداله ذلك، وإن كان الأولى له أن يكمل الصيام، لكن إذا احتاج أن يقطعه له أن يقطعه.

    قوله: [ (من لم يجمع الصيام قبل الفجر) ].

    أي: يعزم على أن يصوم، وأن يكون ذلك قبل طلوع الفجر.

    قوله: [ (فلا صيام له) ] بمعنى: أنه لو لم يبلغه دخول الشهر إلا في النهار فعليه أن يمسك بقية النهار وعليه القضاء، وإذا كان الخبر جاءه قبل طلوع الفجر، فإنه ينوي من حين طلوع الفجر، ولهذا فالفرض لابد فيه من وجود النية في جميع أجزاء الصيام من أوله إلى آخره، فلا يصلح أن تأتي في أثنائه فتنوي الصيام، بل لابد أن تكون موجودة من أوله، فمن لم يجمع الصيام من الليل فلا صيام له، يعني: فلا يصح صومه، وهذا إنما هو محمول على الفرض؛ لأن النفل قد جاء ما يدل على أنه يمكن أن يكون بنية من النهار.

    وأما رمضان فالإنسان يأتي بالنية من أول ما يدخل الشهر، فينوي أنه صائم جميع أيام الشهر، وفي كل يوم ينوي لذلك اليوم عندما يتسحر لذلك اليوم، ولهذا قال بعض أهل العلم: إنه ينوي من أول الشهر، وأيضاً يجدد النية كل يوم، وبعضهم قال: إنه يكفي لذلك نية من أول الشهر وإن لم يجددها في كل يوم، ولكن كونه يأتي بها وينوي أنه سيصوم رمضان الذي أمامه، وفي كل ليلة أيضاً ينوي أنه يصوم تلك الليلة، لكن لو أن إنساناً نام بعد صلاة العصر ولم يستيقظ إلا بعد الفجر من اليوم الثاني فهل يقال: إنه لا صيام له؛ لأنه ما نوى من الليل؟ الذي يظهر أن صيامه صحيح؛ لأنه موجود عنده العزم على أنه يصوم، وكونه نام ولم يستيقظ إلا بعد طلوع الفجر فإنه يواصل ويكون بذلك صام هذا اليوم.

    تراجم رجال إسناد حديث (من لم يجمع الصيام قبل الفجر فلا صيام له)

    قوله: [ حدثنا أحمد بن صالح ].

    هو أحمد بن صالح المصري ، وهو ثقة، أخرج له البخاري وأبو داود والترمذي في الشمائل.

    [ حدثنا عبد الله بن وهب ].

    عبد الله بن وهب ثقة فقيه، أخرج له أصحاب الكتب الستة.

    [ حدثني ابن لهيعة ].

    هو عبد الله بن لهيعة المصري ، وهو صدوق، احترقت كتبه فتغير حفظه، ورواية العبادلة الأربعة هي أعدل من غيرها، والعبادلة الأربعة هم: عبد الله بن لهيعة وعبد الله بن مسلمة وعبد الله بن يزيد المقري وعبد الله بن المبارك ، وأيضاً قتيبة بن سعيد ، فهؤلاء ممن رووا عنه قبل احتراق كتبه، فتكون روايتهم معتبرة، وهذه الرواية عبد الله بن وهب ، وهو أحد الأربعة عن عبد الله بن لهيعة .

    أخرج له مسلم وأبو داود والترمذي وابن ماجة .

    [ ويحيى بن أيوب ].

    يحيى بن أيوب هنا مقرون معه وليس منفرداً، وهو يحيى بن أيوب المصري ، وهو ربما أخطأ، أخرج له أصحاب الكتب الستة.

    [ عن عبد الله بن أبي بكر بن حزم ].

    عبد الله بن أبي بكر بن حزم ثقة، أخرج له أصحاب الكتب الستة.

    [ عن ابن شهاب ].

    ابن شهاب هو محمد بن مسلم بن شهاب الزهري ، وهو ثقة فقيه، أخرج له أصحاب الكتب الستة.

    [ عن سالم بن عبد الله ].

    هو سالم بن عبد الله بن عمر ، وهو ثقة فقيه، أخرج له أصحاب الكتب الستة.

    [ عن أبيه ].

    أبوه عبد الله بن عمر رضي الله تعالى عنهما، وقد مر ذكره.

    [ عن حفصة ].

    أخته حفصة رضي الله تعالى عنها أم المؤمنين، وحديثها أخرجه أصحاب الكتب الستة.

    شرح حديث: (من لم يجمع الصيام قبل الفجر فلا صيام له) موقوفاً وتراجم رجاله

    [ قال أبو داود : رواه الليث وإسحاق بن حازم أيضاً جميعاً عن عبد الله بن أبي بكر مثله، ووقفه على حفصة معمر والزبيدي وابن عيينة ويونس الأيلي كلهم عن الزهري ].

    ذكر أبو داود أن جماعة وافقوا يحيى بن أيوب وابن لهيعة في الرواية عن الزهري .

    قوله: [ رواه الليث ].

    هو الليث بن سعد المصري ، وهو ثقة فقيه، أخرج له أصحاب الكتب الستة.

    [ وإسحاق بن حازم ].

    إسحاق بن حازم صدوق، أخرج له ابن ماجة .

    [ عن عبد الله بن أبي بكر مثله ].

    يعني: مرفوع إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم.

    [ ووقفه على حفصة معمر ].

    معمر بن راشد الأسدي البصري ثم اليماني ثقة، أخرج له أصحاب الكتب الستة.

    [ والزبيدي ].

    هو: محمد بن الوليد الزبيدي ، وهو ثقة، أخرج له أصحاب الكتب الستة إلا الترمذي .

    [ وابن عيينة ويونس الأيلي ].

    ابن عيينة هو سفيان بن عيينة ، ثقة، أخرج له أصحاب الكتب الستة، ويونس الأيلي هو يونس بن يزيد الأيلي ، وهو ثقة، أخرج له أصحاب الكتب الستة.

    [ كلهم عن الزهري ].

    والرفع مقدم على الوقف.

    1.   

    ما جاء في الرخصة في أن يصوم الرجل دون أن يجمع الصيام من الليل

    شرح حديث عائشة في صيام النبي دون تبييت النية

    قال المصنف رحمه الله تعالى: [ باب في الرخصة في ذلك.

    حدثنا محمد بن كثير حدثنا سفيان ح وحدثنا عثمان بن أبي شيبة حدثنا وكيع جميعاً عن طلحة بن يحيى عن عائشة بنت طلحة عن عائشة قالت: (كان رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا دخل علي قال: هل عندكم طعام؟ فإذا قلنا: لا قال: إني صائم. زاد وكيع : فدخل علينا يوماً آخر فقلنا: يا رسول الله أهدي لنا حيس فحبسناه لك، فقال: أدنيه. قال طلحة : فأصبح صائماً وأفطر) ].

    أورد أبو داود باباً في الرخصة في ذلك.

    يعني: في كونه لا يبيت النية من الليل، وإنما يعقدها من النهار، وهذا إنما هو بالنفل وليس بالفرض، ولكن أيضاً في النفل يستحب أن الإنسان يبيت النية من الليل، لكنه يجوز أن ينوي أثناء النهار، وأما الفرض فلا يجوز له؛ لأنه يجب أن تكون جميع أجزاء النهار قد حصل فيها النية، وعلى هذا فالنية للفرض لابد منها في الليل، وأما النفل والتطوع فيستحب أن يؤتى بها من الليل حتى تكون النية جاءت من أول الصيام ومن أول وقت الصيام، ولكنه يجوز أن ينوي في أثناء النهار، وقد أورد أبو داود حديث عائشة رضي الله عنها وهو حديث فيه أمران: كونه يصبح غير صائم ثم ينوي الصيام، أو يصبح صائماً تطوعاً ثم يفطر.

    قوله: [ (كان رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا دخل علي قال: هل عندكم طعام؟ فإذا قلنا: لا. قال: إني صائم، فدخل علينا يوماً آخر فقلنا: يا رسول الله! أهدي لنا حيس فحبسناه لك، فقال: أدنيه ) ].

    يعني: مرة ثانية جاء إليهم وكانوا يعرفون سؤاله عن الطعام فقالوا: إنه أهدي لنا حيس، والحيس هو الطعام الذي يجمع أموراً ثلاثة: التمر والأقط والسمن، وقد يكون بدل الأقط الدقيق فقال: أدنيه يعني: قربيه، فأكل منه.

    قوله: [ قال طلحة : فأصبح صائماً وأفطر ].

    يعني: أن التطوع للإنسان أن يفطر في أثنائه، وله أن ينويه من أثناء النهار، فهذا سائغ وهذا سائغ.

    تراجم رجال إسناد حديث عائشة في صيام النبي دون تبييت النية

    قوله: [ حدثنا محمد بن كثير ].

    هو محمد بن كثير العبدي، وقد مر ذكره.

    [ حدثنا سفيان ].

    هو سفيان الثوري، وقد مر ذكره .

    [ ح وحدثنا عثمان بن أبي شيبة ].

    عثمان بن أبي شيبة ثقة، أخرج له أصحاب الكتب الستة إلا الترمذي والنسائي فأخرج له في عمل اليوم والليلة.

    [ حدثنا وكيع ].

    هو وكيع بن الجراح الرؤاسي الكوفي ، وهو ثقة، أخرج له أصحاب الكتب الستة.

    [ عن طلحة بن يحيى ].

    هو طلحة بن يحيى بن طلحة بن عبيد الله ، وهو صدوق يخطئ، أخرج له مسلم وأصحاب السنن.

    [ عن عائشة بنت طلحة ].

    هي عائشة بنت طلحة بن عبيد الله رضي الله تعالى عنه، أبوها أحد العشرة المبشرين بالجنة، وهي ثقة، أخرج لها أصحاب الكتب الستة.

    [ عن عائشة ].

    عائشة أم المؤمنين رضي الله تعالى عنها وأرضاها وقد مر ذكرها.

    شرح حديث (...فلا يضرك إن كان تطوعاً)

    قال المصنف رحمه الله تعالى: [ حدثنا عثمان بن أبي شيبة حدثنا جرير بن عبد الحميد عن يزيد بن أبي زياد عن عبد الله بن الحارث عن أم هانئ قالت: (لما كان يوم الفتح: فتح مكة جاءت فاطمة رضي الله عنها فجلست عن يسار رسول الله صلى الله عليه وسلم، وأم هانئ عن يمينه، قالت: فجاءت الوليدة بإناء فيه شراب فناولته فشرب منه، ثم ناوله أم هانئ فشربت منه، فقالت: يا رسول الله! لقد أفطرت وكنت صائمة، فقال لها: أكنت تقضين شيئاً؟ قالت: لا قال: فلا يضرك إن كان تطوعاً) ].

    أورد أبو داود حديث أم هانئ رضي الله عنها: (أنه في عام الفتح كان النبي صلى الله عليه وسلم جالساً، وفاطمة على يمينه، وأم هانئ على يساره، فجاءت الوليدة -وهي الأمة- بإناء فيه شراب فناولته النبي صلى الله عليه وسلم فشرب منه، فناول أم هانئ فشربت، ثم قالت له: إني أفطرت وكنت صائمة فقال: أكنت تقضين شيئاً؟) معناه: إن كنت تقضين شيئاً فأنت تقضينه بدل هذا اليوم؛ لأن القضاء لابد منه، وأما التطوع فإنه لا يلزم قضاؤه، فلما قالت: إنها لا تقضي قال: (لا يضرك إذا كان صومك تطوعاً) معناه: أنه لا يؤثر ولا يحتاج إلى قضاء.

    تراجم رجال إسناد حديث (.. فلا يضرك إن كان تطوعاً)

    قوله: [ حدثنا عثمان بن أبي شيبة حدثنا جرير بن عبد الحميد ].

    عثمان بن أبي شيبة مر ذكره، وجرير بن عبد الحميد الضبي ثقة، أخرج له أصحاب الكتب الستة.

    [ عن يزيد بن أبي زياد ].

    يزيد بن أبي زياد ضعيف، أخرج له البخاري تعليقاً ومسلم وأصحاب السنن.

    [ عن عبد الله بن الحارث ].

    عبد الله بن الحارث له رؤية، أخرج له أصحاب الكتب الستة.

    [ عن أم هانئ ].

    أم هانئ وهي أبي طالب أخت علي بن أبي طالب رضي الله تعالى عنها، وحديثها أخرجه أصحاب الكتب الستة.

    والحديث فيه يزيد بن أبي زياد ، ولكن الألباني صححه، ويمكن أن يكون ذلك لشواهده، ومن شواهده الحديث الذي سبق أن مر للرسول صلى الله عليه وسلم.

    1.   

    من رأى القضاء على من أفطر من صوم النفل

    شرح حديث (.. لا عليكما، صوما مكانه يوماً آخر)

    قال المصنف رحمه الله تعالى: [ باب من رأى عليه القضاء.

    حدثنا أحمد بن صالح حدثنا عبد الله بن وهب قال: أخبرني حيوة بن شريح عن ابن الهاد عن زميل مولى عروة عن عروة بن الزبير عن عائشة قالت (أهدي لي ولـحفصة طعام، وكنا صائمتين فأفطرنا، ثم دخل رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم فقلنا له: يا رسول الله! إنا أهديت لنا هدية فاشتهيناها فأفطرنا، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: لا عليكما صوما مكانه يوماً آخر) ].

    أورد أبو داود باب من رأى عليه القضاء.

    يعني: إذا كان تطوعاً، وأما إذا كان فرضاً أو واجباً وأفطر فإنه لابد من القضاء، ولا إشكال في ذلك، وإنما الكلام في التطوع.

    أورد أبو داود حديث حفصة وعائشة أنه أهدي لهما هدية وكانتا صائمتين، فاشتهتا أن تأكلا تلك الهدية فأكلتا منها، فأخبرتا بذلك رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: (لا عليكما -يعني: لا يضركما- صوما مكانه يوماً آخر).

    وهذا يفيد أنه إذا كان تطوعاً أنه يقضى، لكن الحديث غير صحيح؛ لأن فيه زميلاً وهو مجهول، فلا يثبت الحديث عن رسول الله صلى الله عليه وسلم، وعلى هذا يكون القضاء غير متعين، كما دل عليه الحديث الذي مر.

    تراجم رجال إسناد حديث (لا عليكما، صوما مكانه يوماً آخر)

    قوله: [ حدثنا أحمد بن صالح حدثنا عبد الله بن وهب قال: أخبرني حيوة بن شريح ].

    أحمد بن صالح وعبد الله بن وهب مر ذكرهما، وحيوة بن شريح المصري ثقة، أخرج له أصحاب الكتب الستة.

    [ عن ابن الهاد ].

    ابن الهاد هو يزيد بن عبد الله بن الهاد ، وهو ثقة، أخرج له أصحاب الكتب الستة.

    [ عن زميل مولى عروة ].

    زميل مولى عروة مجهول، أخرج له أبو داود والنسائي .

    [ عن عروة بن الزبير ].

    هو عروة بن الزبير بن العوام ، وهو ثقة فقيه، أخرج له أصحاب الكتب الستة.

    [ عن عائشة ].

    عائشة أم المؤمنين رضي الله عنها، وقد مر ذكرها.

    1.   

    المرأة تصوم بغير إذن زوجها

    شرح حديث (لا تصوم امرأة وزوجها شاهد إلا بإذنه)

    قال المصنف رحمه الله تعالى: [ باب المرأة تصوم بغير إذن زوجها.

    حدثنا الحسن بن علي حدثنا عبد الرزاق حدثنا معمر عن همام بن منبه أنه سمع أبا هريرة يقول: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (لا تصوم امرأة وبعلها شاهد إلا بإذنه غير رمضان، ولا تأذن في بيته وهو شاهد إلا بإذنه) ].

    أورد أبو داود باب المرأة تصوم بغير إذن زوجها، يعني: ليس لها أن تصوم التطوع بغير إذن زوجها، وأما بالنسبة للفرض والشيء الواجب فإن عليها أن تخبره وأن تستأذنه، وإذا طلب منها أن تؤخر فلها أن تؤخر، وقد مر أن عائشة رضي الله عنها كان يكون عليها الصوم من رمضان فلا تتمكن من قضائه إلا في شعبان، وذلك لمكانها من رسول الله صلى الله عليه وسلم، والترجمة معقودة في صيام المرأة بغير إذن زوجها ويعان أنه ليس لها ذلك، وهذا باتفاق العلماء، فليس لها أن تتطوع إلا بإذن زوجها، وأما إذا كان فرضاً فلها أن تؤخر، ولكن القضاء متحتم عليها ولازم لها، كما مر في فعل عائشة رضي الله عنها، وأنها كانت تقضي قضاءها في شهر شعبان بعد أن يكون مضى عليها قرب انتهاء السنة.

    وأورد أبو داود حديث أبي هريرة رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (لا تصوم المرأة وبعلها شاهد إلا بإذنه..).

    قوله: [ (غير رمضان) ].

    يعني: رمضان هنا لا يحتاج إلى استئذان، وكذلك أيضاً الفرض لابد أن تصومه ولكن عليها أن تستأذنه، فذكر (غير رمضان) هذه فيها كلام؛ لأن رمضان كل الناس يصومونه، يعني: الزوج والناس كلهم لا يترك أحد منهم الصيام، قال تعالى: فَمَنْ شَهِدَ مِنْكُمُ الشَّهْرَ فَلْيَصُمْهُ [البقرة:185] فمن كان حاضراً وهو مستطيع فإن عليه الصيام، ولا يعذر في الفطر، إلا من كان معذوراً بعذر شرعي جاء في كتاب الله عز وجل وسنة رسوله صلى الله عليه وسلم كالمريض والمسافر وغيره.

    قوله: [ (ولا تأذن في بيت زوجها وزوجها شاهد إلا بإذنه) ] يعني: لا تأذن بالدخول في بيت زوجها إلا بإذنه، فتستأذنه في دخول من يدخل عليها، وإذا كان هناك إذن عام ومتواطأ ومتفق عليه فلها أن تنفذ ذلك، بحيث لا يلزم أنها تستأذن في كل شيء وفي كل حالة وفي كل مرة، وإنما يكفي أن يكون هناك اتفاق بينها وبينه على الإذن وتعيين من يؤذن له.

    وحديث أبي هريرة رضي الله تعالى عنه هذا من صحيفة همام بن منبه والمشتملة على مقدار مائة وخمسين حديثاً كلها بإسناد واحد، ويفصل بين كل حديث وحديث جملة: (وقال رسول الله صلى الله عليه وسلم).

    والإمام مسلم رحمة الله عليه له طريقة في سرد أحاديث هذه الصحيفة، ولغيره من الأئمة طرق أخرى ليست مثل طريقة مسلم رحمه الله، فـأبو داود والبخاري وغيرهما يروون أي حديث من الصحيفة ويأتون بالإسناد الذي في أولها، ثم يأتون بالحديث الذي يريده بعد الإسناد، وكأن الحديث بعد الإسناد، أما مسلم رحمه الله فإنه إذا ساق الإسناد يقول: عن همام بن منبه قال: هذا ما حدثنا به أبو هريرة عن محمد رسول الله صلى الله عليه وسلم، فذكر أحاديث منها: وقال رسول الله صلى الله عليه وسلم كذا وكذا، وهذا فيه إشارة إلى الأحاديث المتقدمة التي هي تابعة للإسناد، والتي تلي الإسناد، وهذه دقة وعناية، أما أبو داود فكما رأينا يقول: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم كذا وكذا، والبخاري كذلك يأتي بمثل هذه الطريقة، وكذلك النسائي وغيره، أما مسلم فعنده دقة وعناية في المحافظة على الألفاظ، وتبيين من يكون له اللفظ، وكيفية لفظه، وما إلى ذلك، وهذه ميزة لـمسلم رحمه الله لا توجد عند غيره، ولهذا قال الحافظ ابن حجر في ترجمته في تهذيب التهذيب: حصل للإمام مسلم في صحيحه حظ عظيم مفرط ما حصل لأحد غيره في المحافظة على الألفاظ وسياقها، وكذلك الأسانيد وبيان من هو لفظه.

    تراجم رجال إسناد حديث (لا تصوم امرأة وزوجها شاهد إلا بإذنه)

    قوله: [ حدثنا الحسن بن علي ].

    هو الحسن بن علي الحلواني ، وهو ثقة، أخرج له أصحاب الكتب الستة إلا النسائي .

    [ حدثنا عبد الرزاق ].

    هو عبد الرزاق بن همام الصنعاني اليماني ، وهو ثقة، أخرج له أصحاب الكتب الستة.

    [ حدثنا معمر عن همام بن منبه ].

    معمر مر ذكره، وهمام بن منبه ثقة، أخرج له أصحاب الكتب الستة.

    [ أنه أبا هريرة ].

    أبو هريرة هو عبد الرحمن بن صخر الدوسي ، وقد مر ذكره.

    شرح حديث: (لا تصوم امرأة إلا بإذن زوجها...)

    قال المصنف رحمه الله تعالى: [ حدثنا عثمان بن أبي شيبة حدثنا جرير عن الأعمش عن أبي صالح عن أبي سعيد قال: (جاءت امرأة إلى النبي صلى الله عليه وآله وسلم ونحن عنده، فقالت: يا رسول الله! إن زوجي صفوان بن المعطل يضربني إذا صليت، ويفطرني إذا صمت، ولا يصلي صلاة الفجر حتى تطلع الشمس، قال: وصفوان عنده قال: فسأله عما قالت فقال: يا رسول الله! أما قولها: يضربني إذا صليت، فإنها تقرأ بسورتين وقد نهيتها، قال: فقال: لو كانت سورة واحدة لكفت الناس، وأما قولها: يفطرني، فإنها تنطلق فتصوم وأنا رجل شاب فلا أصبر، فقال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم يومئذ: لا تصوم امرأة إلا بإذن زوجها، وأما قولها: إني لا أصلي حتى تطلع الشمس فإنا أهل بيت قد عرف لنا ذاك لا نكاد نستيقظ حتى تطلع الشمس، قال: فإذا استيقظت فصل) ].

    أورد أبو داود حديث أبي سعيد الخدري رضي الله عنه: (أن امرأة صفوان المعطل جاءت إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فقالت: إن زوجي صفوان بن المعطل يضربني إذا صليت، ويفطرني إذا صمت، ولا يصلي صلاة الفجر إلا بعد طلوع الشمس).

    وكان صفوان عنده، فسأله عن هذه الدعوى التي ادعت عليه ما جوابه عنها؟ فقال: (أما قولها: يضربني إذا صليت، فإنها تقرأ بسورتين طويلتين) يعني: هي تتشاغل عنه بالصلاة، وهو يريدها للاستمتاع بها فقال: (لو كانت سورة واحدة لكفت الناس) وهذا فيه إشارة إلى سورة الفاتحة، وأن أي إنسان مصلٍ يأتي بسورة الفاتحة فإنه يكون قد أدى ما عليه، وحصل منه ما هو لازم، ولكن يستحب قراءة سورة معها، وكونه يقرأ سورة طويلة أو سورتين طويلتين ويوجد من هو بحاجة إليه أو ينتظره، فإن هذا هو الذي كان يدفع صفوان بن معطل إلى ضرب امرأته.

    قوله: [ (وأما قولها: يفطرني، فإنها تنطلق فتصوم وأنا رجل شاب، فلا أصبر) ].

    يعني: تصوم تطوعاً، وهو رجل شاب لا يصير ويريدها لنفسه.

    قوله: [ (فقال صلى الله عليه وسلم يومئذ: لا تصوم امرأة إلا بإذن زوجها) ].

    هذا هو محل الشاهد في الترجمة: أنها لا تصوم إلا بإذن زوجها.

    قوله: [ (وأما قولها: إني لا أصلي حتى تطلع الشمس، فإنا أهل بيت قد عرف لنا ذلك، لا نكاد نستيقظ حتى تطلع الشمس، قال: فإذا استيقظت فصل) ].

    قيل: إنهم كانوا يشتغلون بالليل فيصيرون كالمغمى عليه، وأنه ليس هناك من يوقظه، ومن يكون كذلك فإنه يصلي حينما يستيقظ، لكن على الإنسان أن يأخذ بالاحتياطات فيكون هناك من يوقظه.

    تراجم رجال إسناد حديث: (لا تصوم امرأة إلا بإذن زوجها)

    قوله: [ حدثنا عثمان بن أبي شيبة حدثنا جرير عن الأعمش ].

    الأعمش هو سليمان بن مهران الكاهلي الكوفي ، وهو ثقة، أخرج له أصحاب الكتب الستة.

    [ عن أبي صالح ].

    هو أبو صالح السمان واسمه ذكوان ، ولقبه: السمان ، وهو ثقة، أخرج له أصحاب الكتب الستة.

    [ عن أبي سعيد ].

    هو أبو سعيد الخدري سعد بن مالك بن سنان رضي الله عنه، وهو أحد السبعة المعروفين بكثرة الحديث عن النبي صلى الله عليه وسلم.

    [ قال أبو داود : رواه حماد -يعني ابن سلمة - عن حميد أو ثابت عن أبي المتوكل ].

    ثم ذكر أبو داود هذه المتابعة فقال: رواه حماد بن سلمة عن حميد، وهو حميد بن أبي حميد الطويل ، وهو ثقة، أخرج له أصحاب الكتب الستة.

    [ أو ثابت البناني ].

    وهو ثقة، أخرج له أصحاب الكتب الستة.

    [ عن أبي المتوكل ].

    هو أبو المتوكل الناجي ، وهو علي بن داود ، وهو ثقة، أخرج له أصحاب الكتب الستة.

    1.   

    ما جاء في الصائم يدعى إلى الوليمة

    شرح حديث (إذا دعي أحدكم فليجب)

    قال المصنف رحمه الله تعالى: [ باب في الصائم يدعى إلى الوليمة.

    حدثنا عبد الله بن سعيد حدثنا أبو خالد عن هشام عن ابن سيرين عن أبي هريرة قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (إذا دعي أحدكم فليجب، فإن كان مفطراً فليطعم، وإن كان صائماً فليصل) قال هشام : والصلاة الدعاء.

    قال أبو داود : رواه حفص بن غياث أيضاً عن هشام ].

    أورد أبو داود باباً في الصائم يدعى إلى وليمة.

    يعني: الصائم إذا دعي إلى وليمة ماذا يصنع؟

    أورد أبو داود حديث أبي هريرة رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: (إذا دعي أحدكم فليجب..).

    أي: إذا دعي أحدكم إلى وليمة فليجب.

    قوله: [ (فإن كان مفطراً فليطعم، وإن كان صائماً فليصل) ].

    أي: إن كان مفطراً فليأكل، وإن كان صائماً فليدع للداعي ولصاحب الوليمة، وهذا فيه تطييب للنفس، وتأنيس له بكونه صائماً ويأتي لإجابة الدعوة، وبعض أهل العلم يقول: إنه إذا كان يترتب عليه غضب الشخص أو عدم ارتياحه وطمأنينته فإنه ينبغي له أن يفطر، وإن كان لا يحصل منه شيء من ذلك فيكفي أن يدعو لمن دعاه.

    تراجم رجال إسناد حديث (إذا دعي أحدكم فليجب)

    قوله: [ حدثنا عبد الله بن سعيد ].

    هو عبد الله بن سعيد الأشج ، وهو ثقة، أخرج له أصحاب الكتب الستة.

    [ حدثنا أبو خالد ].

    هو أبو خالد الأحمر ، وهو سليمان بن حيان ، وهو صدوق يخطئ، أخرج له أصحاب الكتب الستة.

    [ عن هشام ].

    هو هشام بن حسان ، وهو ثقة، أخرج له أصحاب الكتب الستة.

    [ عن ابن سيرين ].

    ابن سيرين هو محمد بن سيرين ، وهو ثقة، أخرج له أصحاب الكتب الستة.

    [ عن أبي هريرة ].

    أبو هريرة قد مر ذكره.

    [ قال أبو داود : رواه حفص بن غياث أيضاً عن هشام ].

    حفص بن غياث ثقة، أخرج له أصحاب الكتب الستة، وهشام هو: ابن حسان .

    1.   

    ما يقول الصائم إذا دعي إلى الطعام

    شرح حديث (إذا دعي أحدكم إلى طعام وهو صائم فليقل إني صائم)

    قال المصنف رحمه الله تعالى: [ باب ما يقول الصائم إذا دعي إلى الطعام.

    حدثنا مسدد حدثنا سفيان عن أبي الزناد عن الأعرج عن أبي هريرة قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (إذا دعي أحدكم إلى طعام وهو صائم فليقل: إني صائم) ].

    قال أبو داود : [باب ما يقول الصائم إذا دعي إلى الطعام]. وأورد حديث أبي هريرة أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (إذا دعي أحدكم إلى طعام وهو صائم فليقل: إني صائم) يعني: يعتذر عن ذلك بقوله: إني صائم، فيعتذر عن الحضور أو يعتذر عن الأكل، ولكنه إذا حضر أو لم يحضر فله أن يدعو له، فإن وجد من الداعي ارتياحاً إلى اعتذاره لكونه صائماً فله ألا يحضر، وإن كان الداعي يرغب في أن يحضر ولو لم يأكل فليحضر وليدع له، وإن كان يعلم أنه يحصل من الداعي وحشة وعدم ارتياح فيفطر إذا كان ذلك نفلاً.

    قوله: [(إني صائم)] هذا فيه دليل على أن إخبار الإنسان عن عمله إذا كان المقصود به الاعتذار لا بأس به، يعني: حين يبين السبب في كونه لا يحضر أو كونه لا يأكل، وكذلك إذا كان الإخبار بالعمل سيترتب عليه اقتداء به فإن ذلك أيضاً إظهاره طيب، ومن ذلك قصة الرجل الذي تصدق بصرة كبيرة وتبعه الناس، وعندها قال عليه الصلاة والسلام: (من سن في الإسلام سنة حسنة فله أجرها وأجر من عمل بها). فإذا كان يترتب على إظهار الشيء مصلحة أو كان من أجل الاعتذار فإنه لا بأس به، وإلا فإن الأولى الإخفاء، ولا يكون الإظهار إلا عند الحاجة.

    تراجم رجال إسناد حديث (إذا دعي أحدكم إلى طعام وهو صائم فليقل إني صائم)

    قوله: [ حدثنا مسدد حدثنا سفيان عن أبي الزناد ].

    مسدد وسفيان مر ذكرهما، وأبو الزناد هو عبد الله بن ذكوان المدني ، وهيو ثقة، أخرج له أصحاب الكتب الستة.

    [ عن الأعرج ].

    الأعرج هو عبد الرحمن بن هرمز ، وهو ثقة، أخرج له أصحاب الكتب الستة.

    [ عن أبي هريرة ].

    أبو هريرة رضي الله عنه قد مر ذكره.

    1.   

    الأسئلة

    حكم من أفطر من صوم واجب

    السؤال: إذا كان الإنسان يصوم صوماً واجباً غير الفرض كنذر أو كفارة أو قضاء فهل له أن يفطر؟

    الجواب: لا. ما ينبغي له أن يفطر، لكنه إن أفطر فيجب عليه قضاؤه، وأما التطوع إذا أفطر فلا يجب عليه قضاؤه.

    حكم من نوى الصيام في آخر النهار

    السؤال: النية في النهار هل لها وقت محدد؟

    الجواب: لا أعلم، لكن يبدو أنه ينوي حيث يكون أكثر النهار، أما أن يكون الشخص ينام حتى إذا كان عند المساء استيقظ وقال: أنا صائم لا يصح؛ لأنه ما بقي إلا ساعة أو قريب من ساعة، فيبدو أنه لا يصح إلا إذا بقي شيء كبير من اليوم.