إسلام ويب

شرح سنن أبي داود [284]للشيخ : عبد المحسن العباد

  •  التفريغ النصي الكامل
  • الأشهر الحرم أربعة أشهر، ثلاثة منها متتابعة وهي: ذو القعدة وذو الحجة ومحرم، وشهر منفرد وهو رجب الفرد، والصيام من الأعمال الفاضلة في هذه الأشهر، وقد جاء عن النبي صلى الله عليه وسلم تخصيص المحرم من بين هذه الشهور بمزيد فضل ومزية وأن صيامه أفضل الصيام بعد رمضان.

    1.   

    ما جاء في صوم أشهر الحرم

    شرح حديث (صم من الحرم واترك ...)

    قال المصنف رحمه الله تعالى: [ باب في صوم أشهر الحرم.

    حدثنا موسى بن إسماعيل حدثنا حماد عن سعيد الجريري عن أبي السليل عن مجيبة الباهلية عن أبيها أو عمها: (أنه أتى رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم، ثم انطلق، فأتاه بعد سنة وقد تغيرت حاله وهيئته، فقال: يا رسول الله! أما تعرفني؟ قال: ومن أنت؟ قال: أنا الباهلي الذي جئتك عام الأول، قال: فما غيرك وقد كنت حسن الهيئة؟ قال: ما أكلت طعاماً منذ فارقتك إلا بليل، فقال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: لم عذبت نفسك؟ ثم قال: صم شهر الصبر، ويوماً من كل شهر، قال: زدني فإن بي قوة، قال: صم يومين، قال: زدني، قال: صم ثلاثة أيام قال: زدني، قال: صم من الحرم واترك، صم من الحرم واترك، صم من الحرم واترك، وقال بأصابعه الثلاثة فضمها ثم أرسلها) ].

    أورد أبو داود صوم الأشهر الحرم، والأشهر الحرم أربعة وهي: رجب وحده ليس متصلاً بشهر حرام، وشهر ذي الحجة، وشهر قبله وشهر بعده، أي: ذو القعدة، وذو الحجة، والمحرم، ثلاثة مسرودة وواحد منفرد؛ ولهذا يقال لرجب: الفرد؛ لأنه منفرد عن الأشهر الحرم في أثناء السنة، والأشهر الباقية متصلة، والأشهر الحرم ما جاء فيها شيء يخصها فيما يتعلق بعمل خاص بها، ومنها شهر رجب، وجاء فيه هذا الحديث الذي هو عن عم مجيبة الباهلية أنه جاء إلى النبي صلى الله عليه وسلم في سنة من السنوات، ثم جاءه بعد سنة وإذا هو قد تغير ونحل وضعف، فقال للرسول: أتعرفني؟ قال: من أنت؟ قال: أنا الباهلي الذي لقيتك عام الأول، قال: ما الذي غيرك؟ يعني: هيئته تغيرت، قال: منذ فارقتك ما أكلت طعاماً إلا بليل، معناه: دائماً يصوم النهار، فقال: (لم عذبت نفسك؟) يعني: كونه جاء قبل في هيئة حسنة وشكل طيب، وبعد ذلك صار ناحلاً ضعيفاً هزيلاً متعباً، وهو سؤال إنكار!

    قوله: [ قال: (صم شهر الصبر ويوماً من كل شهر) ].

    الذي هو شهر رمضان، فهذا فرض فرضه الله على عباده، وقيل له شهر الصبر، لأن فيه حبس النفس عما تشتهي.

    قوله: [ (ويوماً من كل شهر، قال: زدني فإن بي قوة، قال: صم يومين قال: زدني، قال: صم ثلاثة أيام، قال زدني، قال: صم من الحرم واترك، صم من الحرم واترك، صم من الحرم واترك) ].

    يعني: صم بعضها وأفطر بعضها.

    قوله: [ (وقال بأصابعه الثلاث فضمها ثم أرسلها) ].

    يعني: إشارة إلى أنه يصوم ثلاثة أيام، ويترك ثلاثة أيام، وقيل في معناه: أنه يصوم ثلاثة ثم يترك ثلاثة، ثم يصوم ثلاثة.

    والحديث ضعفه الألباني ، لكن لا أدري ما وجه تضعيفه، والحديث فيه لاضطراب من ناحية مجيبة ، هل هو رجل أو امرأة؟ وإذا كان تعليله بالاضطراب فقد جاء على أوجه كثيرة، وأما ما عداه فالرجال معروفون.

    تراجم رجال إسناد حديث (صم من الحرم واترك ...)

    قوله: [ حدثنا موسى بن إسماعيل ].

    موسى بن إسماعيل مر ذكره.

    [ حدثنا حماد ].

    هو حماد بن سلمة وقد مر ذكره، وهو ثقة، أخرج حديثه البخاري تعليقاً ومسلم وأصحاب السنن.

    [ عن سعيد الجريري ].

    هو سعيد بن إياس الجريري، وهو ثقة، أخرج له أصحاب الكتب الستة.

    [ عن أبي السليل ].

    أبو السليل هو ضريب بن نقير ، وهو ثقة، أخرج له مسلم وأصحاب السنن.

    [ عن مجيبة الباهلية ].

    مجيبة الباهلية قيل: هي صحابية أخرج لها أبو داود والنسائي .

    [ عن أبيها أو عمها ].

    عن أبيها أو عمها.

    قال البغوي وابن مندة : اسمه عبد الله بن الحارث الباهلي ، وعلى كل حال: إذا كان صحابياً فلا إشكال، ولكن الشأن في الاضطراب الذي جاء في الراوي وهو مجيبة هل هو اسم رجل أو اسم امرأة؟ وهل هو عن أبيه أو عن عمه؟ على أوجه مختلفة.

    1.   

    ما جاء في صوم المحرم

    شرح حديث (أفضل الصيام بعد شهر رمضان شهر الله المحرم ...)

    قال المصنف رحمه الله تعالى: [ باب في صوم المحرم.

    حدثنا مسدد وقتيبة بن سعيد قالا: حدثنا أبو عوانة عن أبي بشر عن حميد بن عبد الرحمن عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: (أفضل الصيام بعد شهر رمضان شهر الله المحرم، وإن أفضل الصلاة بعد المفروضة صلاة من الليل) لم يقل قتيبة : شهر، قال: رمضان ].

    أورد أبو داود : باب صوم المحرم، والمحرم من الأشهر الحرم، وقد جاء ما يدل على فضل الصيام فيه، وأن أفضل الصيام بعد رمضان الصيام في شهر الله المحرم، فهذا يدل على فضل الصيام فيه، ولا يقال له: شهر محرم، وإنما يقال له: الشهر المحرم، بالألف واللام.

    أورد أبو داود حديث أبي هريرة أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (أفضل الصيام بعد شهر رمضان شهر الله المحرم، وإن أفضل الصلاة بعد المفروضة صلاة من الليل).

    وهذا يدلنا على فضل صلاة الليل، وأنها أفضل الصلاة بعد المفروضة، ومن أهل العلم من قال: إن الحديث يدل على أنها أفضل من غيرها مطلقاً، وبعضهم قال بتفضيل السنن الرواتب التي هي تابعة للصلوات، والتي هي قبل الصلوات أو بعدها، والحديث دال على فضل قيام الليل، وأن شأنه عظيم.

    تراجم رجال إسناد حديث (أفضل الصيام بعد شهر رمضان شهر الله المحرم ...)

    قوله: [ حدثنا مسدد وقتيبة بن سعيد ].

    مسدد مر ذكره، وقتيبة بن سعيد ، ثقة، أخرج له أصحاب الكتب الستة.

    [ قالا: حدثنا أبو عوانة ].

    أبو عوانة هووضاح بن عبد الله اليشكري وهو ثقة، أخرج له أصحاب الكتب الستة.

    [ عن أبي بشر ].

    أبو بشر هو جعفر بن إياس بن أبي وحشية ، وهو ثقة، أخرج له أصحاب الكتب الستة.

    [ عن حميد بن عبد الرحمن ].

    هو حميد بن عبد الرحمن بن عوف، وهو ثقة، أخرج له أصحاب الكتب الستة.

    [ عن أبي هريرة ].

    أبو هريرة هو عبد الرحمن بن صخر الدوسي صاحب رسول الله صلى الله عليه وسلم، وهو أكثر الصحابة حديثاً على الإطلاق رضي الله عنه وأرضاه.

    شرح حديث (أن رسول الله كان يصوم حتى نقول لا يفطر ...)

    قال المصنف رحمه الله تعالى: [ حدثنا إبراهيم بن موسى حدثنا عيسى حدثنا عثمان -يعني ابن حكيم - قال: (سألت سعيد بن جبير عن صيام رجب؟ فقال: أخبرني ابن عباس رضي الله عنهما: أن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم كان يصوم حتى نقول: لا يفطر، ويفطر حتى نقول: لا يصوم) ].

    أورد أبو داود حديث عبد الله بن عباس رضي الله تعالى عنهما أن عثمان بن حكيم قال: (سألت سعيد بن جبير عن صيام رجب، فقال: أخبرني ابن عباس : أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان يصوم حتى نقول: لا يفطر..) ].

    يعني: سئل سعيد بن جبير رضي الله تعالى عنه عن صيام رجب، فروى عن ابن عباس عن النبي صلى الله عليه وسلم: (أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يصوم حتى نقول: لا يفطر، وكان يفطر حتى نقول: لا يصوم) معناه: أنه ليس ثابتاً على مقدار معين من الشهر، بل أحياناً يصوم الشهر حتى نقول: يكمله، وأحياناً يفطر حتى نقول: لا يصومه، ومعنى ذلك أنه أحياناً يصوم منه كثيراً، وأحياناً يصوم منه قليلاً، وهذا الجواب عن هذا السؤال ليس فيه شيء يدل على أن رجب يصام أو لا يصام، وإنما شأنه شأن غيره؛ ولهذا أتى بالجواب العام الذي يشمله ويشمل غيره، فأخبر عن صيام النبي صلى الله عليه وسلم وأنه كان يصوم من الأشهر حتى نقول: لا يفطر، وأحياناً يفطر حتى نقول: لا يصوم ورجب لأنه لم يأت فيه سنة عن رسول الله صلى الله عليه وسلم، ولكنه إذا عومل معاملة الشهور بأن يكون الإنسان ملازماً على شيء في أيام الشهور فرجب واحد منها، يعني: لو كان يصوم ثلاثة أيام من كل شهر، أو يصوم الإثنين والخميس من كل شهر، فرجب يكون واحداً منها، فليس فيه شيء يدل على صيامه ولا على إفطاره، ولكن الشأن أن حكمه حكم سائر الشهور، اللهم إلا ما جاء فيه سنة عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه يميز على غيره كشعبان والمحرم وست من شوال، وهكذا.

    تراجم رجال إسناد حديث (أن رسول الله كان يصوم حتى نقول لا يفطر ...)

    قوله: [ حدثنا إبراهيم بن موسى ].

    هو إبراهيم بن موسى الرازي ، وهو ثقة، أخرج له أصحاب الكتب الستة.

    [ حدثنا عيسى ].

    هو عيسى بن يونس بن أبي إسحاق ، وهو ثقة، أخرج له أصحاب الكتب الستة.

    [ حدثنا عثمان -يعني ابن حكيم- ].

    عثمان بن حكيم ثقة، أخرج له البخاري تعليقاً ومسلم وأصحاب السنن.

    قال: [ سألت سعيد بن جبير ].

    سعيد بن جبير ثقة، أخرج له أصحاب الكتب الستة.

    [ أخبرني ابن عباس ].

    هو عبد الله بن عباس بن عبد المطلب ، ابن عم النبي صلى الله عليه وسلم، وأحد العبادلة الأربعة من أصحابه الكرام، وأحد السبعة المعروفين بكثرة الحديث عن النبي صلى الله عليه وسلم، وهو ليس فيه شيء يتعلق بالترجمة؛ لأن الترجمة للمحرم، وليس فيه شيء يخص المحرم، ولكن لما كان السؤال عن رجب، ورجب من الأشهر الحرم أخبر عن الشيء الذي كان يفعله الرسول صلى الله عليه وسلم في الأشهر، وكذلك أيضاً يقال في محرم كغيره: أن الرسول كان يصوم حتى يقال: لا يفطر، أو يفطر حتى يقال: لا يصوم.

    1.   

    ما جاء في صوم شعبان

    شرح حديث (كان أحب الشهور إلى رسول الله أن يصومه شعبان ...)

    قال المصنف رحمه الله تعالى: [ باب في صوم شعبان

    حدثنا أحمد بن حنبل حدثنا عبد الرحمن بن مهدي عن معاوية بن صالح عن عبد الله بن أبي قيس سمع عائشة رضي الله عنها تقول: (كان أحب الشهور إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم أن يصومه شعبان ثم يصله برمضان) ].

    أورد أبو داود صوم شعبان، وأن النبي صلى الله عليه وسلم كان يكثر من الصيام منه، وجاء في بعض الأحاديث أنه ما استكمل شهراً إلا رمضان، وجاء هنا أنه كان يصوم شعبان ويصله برمضان، والأحاديث الدالة على أنه لم يستكمل شهراً إلا رمضان تدل على عدم إكماله شعبان، ولكن كونه يصوم كثيراً منه فإنه يعطي الأكثر حكم الكل، فالرسول صلى الله عليه وسلم لا يكمل صيام شهر من الشهور غير رمضان كما جاء في الحديث الذي مر: (كان يصوم حتى نقول: لا يفطر، ثم يفطر حتى نقول: لا يصوم) وهذا شأنه صلى الله عليه وسلم.

    قوله: [ (كان أحب الشهور إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم أن يصومه شعبان..) ].

    قيل: لأن شهر شعبان يكون قبل رمضان، وأنه قد يكون حصل له شواغل في بعض الشهور الماضية فيستدرك في شعبان، وقيل: لأنه يسبق رمضان فيكون صيامه كالسنن الرواتب في الصلوات التي تكون قبلها، كما أن صيام الست من شوال بعد رمضان كالسنن الرواتب البعدية، فيكون اتصال رمضان بما قبله وما بعده، والله تعالى أعلم.

    قوله: [ (ثم يصله برمضان) ].

    معناه: أنه يصوم رمضان بعده، لكن كما عرفنا أن الاستكمال لم يكن ثابتاً عن رسول الله، وما جاء من كونه يصومه كله يكون محمولاً على الغالبية وعلى الأكثر.

    تراجم رجال إسناد حديث (كان أحب الشهور إلى رسول الله أن يصومه شعبان ...)

    قوله: [ حدثنا أحمد بن حنبل ].

    أحمد بن حنبل هو أحمد بن محمد بن حنبل الشيباني ، الإمام المحدث الفقيه، أحد أصحاب المذاهب الأربعة المشهورة من مذاهب أهل السنة، وحديثه أخرجه أصحاب الكتب الستة.

    [ حدثنا عبد الرحمن بن مهدي ].

    هو عبد الرحمن بن مهدي البصري ، وهو ثقة، أخرج له أصحاب الكتب الستة.

    [ عن معاوية بن صالح ].

    هو معاوية بن صالح بن حدير ، وهو صدوق له أوهام، أخرج له البخاري في جزء القراءة ومسلم وأصحاب السنن.

    [ عن عبد الله بن أبي قيس ].

    عبد الله بن أبي قيس ثقة، أخرج له البخاري في الأدب المفرد ومسلم وأصحاب السنن.

    [ سمع عائشة ].

    عائشة أم المؤمنين رضي الله عنها وأرضاها الصديقة بنت الصديق ، وهي واحدة من سبعة أشخاص عرفوا بكثرة الحديث عن النبي صلى الله عليه وسلم.