إسلام ويب

شرح سنن أبي داود [273]للشيخ : عبد المحسن العباد

  •  التفريغ النصي الكامل
  • شرع للصائم تعجيل الفطر وتأخير السحور، ونهي عن الوصال تخفيفاً وتيسيراً، كما نهي عن الغيبة وقول الزور، وعن الفحش والجهل حتى يصون صومه من الآثام، وسن له الاستياك زيادة في التطهير.

    1.   

    الوصال

    شرح حديث ( أن رسول الله نهى عن الوصال ... )

    قال المصنف رحمه الله تعالى: [ باب في الوصال.

    حدثنا عبد الله بن مسلمة القعنبي عن مالك عن نافع عن ابن عمر رضي الله عنهما: (أن رسول الله صلى الله عليه وسلم نهى عن الوصال، قالوا: فإنك تواصل يا رسول الله؟! قال: إني لست كهيئتكم؛ إني أطعم وأسقى) ].

    أورد الإمام أبو داود السجستاني رحمه الله تعالى هذه الترجمة بعنوان باب في الوصال أي: في حكمه، والوصال هو: أن يصل الصائم الليل بالنهار فيصوم اليومين لا يأكل بينهما شيئاً، هذا هو الوصال، والنبي صلى الله عليه وسلم نهى عن ذلك، وكان يواصل عليه الصلاة والسلام.

    أورد أبو داود حديث ابن عمر : (أن النبي صلى الله عليه وسلم نهى عن الوصال، قالوا: إنك تواصل. قال: إني لست كهيئتكم؛ إني أطعم وأسقى).

    فالرسول صلى الله عليه وسلم كان يواصل، والصحابة رضي الله عنهم وأرضاهم كانوا يواصلون اقتداءً به، فنهاهم عن الوصال، ولما نهاهم عن شيء هو يفعله صلى الله عليه وسلم ذكّروه بفعله وأنهم إنما يفعلون ذلك اقتداءً به صلى الله عليه وسلم، فقال: (إني لست كهيئتكم) أي: هناك فرق بيني وبينكم وهو أني أطعم وأسقى.

    وفسر كونه يطعم ويسقى بتفسيرين: أحدهما: أن يكون على حقيقته، وأنه يطعم ويسقى حقيقة، ولكنه ليس كالذي يحصل في الدنيا من كونه يأكل ويشرب وهو صائم، ولكنه كما جاء في بعض الأحاديث: (أبيت عند ربي يطعمني ويسقيني) يعني: يحصل له شيء في النوم فيحصل له ذلك حقيقة.

    وقيل: إن المقصود من ذلك أنه يعطى قوة الآكل والشارب وكأنه لم يترك الأكل والشرب لما أعطاه الله عز وجل من القوة، فيكون هذا هو الفرق بينهم وبين رسول الله صلى الله عليه وسلم.

    ونهيه إياهم عن الوصال هو من شفقته عليهم صلى الله عليه وسلم، وهو كما وصفه الله عز وجل في كتابه العزيز: لَقَدْ جَاءَكُمْ رَسُولٌ مِنْ أَنفُسِكُمْ عَزِيزٌ عَلَيْهِ مَا عَنِتُّمْ حَرِيصٌ عَلَيْكُمْ بِالْمُؤْمِنِينَ رَءُوفٌ رَحِيمٌ [التوبة:128].

    وقد جاء في بعض الروايات: أنه لما رآهم راغبين بأن يفعلوا كما فعل وقد بين لهم الفرق بينه وبينهم واصل بهم في آخر الشهر وقال: (لو تأخر الهلال لزدتكم.. كالمنكل لهم) يعني: يريد أن يوقفهم بالفعل على ما يلحقهم من الضرر بسبب الوصال، وكون النبي صلى الله عليه وسلم يواصل هو ليس كمثلهم؛ لأن له ميزة عليهم، وهي أنه يطعم ويسقى صلى الله عليه وسلم، فيكون وصاله بهم بعد أن ألحوا بأن يفعلوا كما فعل صلى الله عليه وسلم تنكيلاً لهم؛ فإنه واصل بهم وقال: (لو تأخر الشهر لزدتكم.. كالمنكل لهم) يعني: أنه فعل هذا تنكيلاً بهم، وهذا يشبه ما يحصل في المشاهدة من أنه إذا كان الطفل يريد أنه يأتي إلى ويحاول أن يقع فيها فيأخذ وليه بطرف إصبعه ويلمسه شيئاً حاراً حتى يقف على الضرر، وحتى يعرف الضرر فيتركه ويبتعد عنه، فجاء النهي عن الوصال، ولكنه جاء ما يدل على جوازه إلى السحر، كما جاء في صحيح البخاري وفي غيره وكذلك سيأتي عند أبي داود أنه عليه الصلاة والسلام قال: (أيكم أراد أن يواصل فليواصل إلى السحر) يعني: يوماً وليلة فقط من طلوع الفجر إلى أن يأتي وقت السحر، بحيث يتسحر فيصوم الليل والنهار، مع أن ترك الوصال هو الأولى؛ لأن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (أيكم أراد أن يواصل فليواصل) ومعنى هذا: أن الترك هو الأولى، بل قد جاءت السنة بالترغيب في تأخير السحور وتعجيل الفطر وذلك للإبقاء عليهم، وفي ذلك الشفقة عليهم والرأفة بهم والرحمة بهم من الرسول الكريم صلوات الله وسلامه وبركاته عليه.

    تراجم رجال إسناد حديث( أن رسول الله نهى عن الوصال .... )

    قوله: [ حدثنا عبد الله بن مسلمة القعنبي ].

    عبد الله بن مسلمة القعنبي ثقة، أخرج له أصحاب الكتب الستة إلا ابن ماجة .

    [ عن مالك ].

    مالك بن أنس الإمام الفقيه المحدث أحد أصحاب المذاهب الأربعة المشهورة من مذاهب أهل السنة، وحديثه أخرجه أصحاب الكتب الستة.

    [ عن نافع ].

    نافع مولى ابن عمر ثقة، أخرج له أصحاب الكتب الستة.

    [ عن ابن عمر ].

    عبد الله بن عمر بن الخطاب رضي الله تعالى عنهما الصحابي الجليل، أحد العبادلة الأربعة من الصحابة، وأحد السبعة المعروفين بكثرة الحديث عن النبي صلى الله عليه وسلم.

    وهذا الإسناد من الرباعيات عند أبي داود ، وهي من أعلى ما يكون عند أبي داود ؛ لأن في الإسناد بين أبي داود ورسول الله صلى الله عليه وسلم أربعة أشخاص أو أربع وسائط.

    شرح حديث (لا تواصلوا فأيكم أراد أن يواصل ...)

    قال المصنف رحمه الله تعالى: [ حدثنا قتيبة بن سعيد أن بكر بن مضر حدثهم عن ابن الهاد عن عبد الله بن خباب عن أبي سعيد الخدري رضي الله عنه أنه سمع رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: (لا تواصلوا، فأيكم أراد أن يواصل فليواصل حتى السحر ، قالوا: فإنك تواصل؟ قال: إني لست كهيئتكم؛ إن لي مطعماً يطعمني وساقياً يسقيني) ].

    أورد أبو داود حديث أبي سعيد الخدري رضي الله عنه، وهو بمعنى حديث ابن عمر المتقدم يعني: نهى عن الوصال وقالوا له: إنك تواصل؟ فقال: (إني لست كهيئتكم) وفيه زيادة: (فأيكم أراد أن يواصل فليواصل حتى السحر) يعني: من أراد أن يواصل فليواصل إلى السحر فقط، بحيث إنه يأكل في وقت السحر ليتقوى على الصيام المستقبل، يعني: ليس لأنه لو واصل حتى طلوع الفجر يكون قد واصل اليومين والليلة، ولكن كونه يواصل إلى السحر فيأكل سحوراً، ويتقوى على الصيام المستقبل، فهذا جائز، ولكن تركه أولى؛ لأن النبي صلى الله عليه وسلم نهى عن الوصال: وقال: (أيكم أراد أن يواصل فليواصل) فمعناه: من أراد فليواصل إلى كذا، وتركه أولى لكون الإنسان يصوم النهار فقط من طلوع الشمس إلى غروبها، هذا هو الأولى بدون وصال، وإن واصل فليكن إلى السحر فقط، وليس أكثر من ذلك، والراجح في النهي عن الوصال أنه للتحريم.

    تراجم رجال إسناد حديث (لا تواصلوا، فأيكم أراد أن يواصل ...)

    قوله: [ حدثنا قتيبة بن سعيد ].

    قتيبة بن سعيد بن جميل بن طريف البغلاني ، ثقة، أخرج له أصحاب الكتب الستة.

    [ عن بكر بن مضر ].

    بكر بن مضر ، وهو ثقة، أخرج له أصحاب الكتب الستة، إلا ابن ماجة .

    [ عن ابن الهاد ].

    ابن الهاد هو: يزيد بن عبد الله بن الهاد ، وهو ثقة، أخرج له أصحاب الكتب الستة.

    [ عن عبد الله بن خباب ].

    عبد الله بن خباب ، وهو ثقة، أخرج له أصحاب الكتب الستة.

    [ عن أبي سعيد الخدري ].

    وهو سعد بن مالك بن سنان الخدري ، مشهور بكنيته ونسبته، وهو أحد السبعة المعروفين بكثرة الحديث عن النبي صلى الله عليه وسلم، وهم: أبو هريرة وابن عمر وابن عباس وأبو سعيد وأنس وجابر وعائشة أم المؤمنين، ستة رجال وامرأة واحدة، رضي الله عنهم وعن الصحابة أجمعين.

    1.   

    ما جاء في تحريم الغيبة على الصائم

    شرح حديث أبي هريرة (من لم يدع قول الزور والعمل به...)

    قال المصنف رحمه الله تعالى: [ باب الغيبة للصائم.

    حدثنا أحمد بن يونس حدثنا ابن أبي ذئب عن المقبري عن أبيه عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (من لم يدع قول الزور والعمل به فليس لله حاجة أن يدع طعامه وشرابه) قال أحمد : فهمت إسناده من ابن أبي ذئب، وأفهمني الحديث رجل إلى جنبه أراه ابن أخيه ].

    أورد أبو داود باباً في الغيبة، يعني: كونها تحصل من الصائم، وهل تؤثر على صومه؟

    الغيبة محرمة في جميع الأوقات، ولكن عندما يكون الإنسان متلبساً بعبادة يكون الأمر أشد وأعظم، وإلا فإن الغيبة محرمة دائماً وأبداً إلا ما استثني منها فيما يتعلق بنصيحة ومشورة وجرح الرواة والشهود، وما إلى ذلك من الأمور التي هي سائغة، وإلا فإن الأصل هو تحريمها دائماً وأبداً، ولكن إيرادها والتنصيص عليها في الصيام يدل على خطورتها أكثر وأشد؛ لأن المتلبس بالعبادة حصول المعصية منه أعظم من حصولها من غير متلبس بها، وكذلك كون الأمور المحرمة تحصل في بعض الأزمنة والأمكنة الفاضلة لا شك أنها أخطر وأشد من فعلها في أزمنة وأمكنة أخرى، ليست ذات ميزة وفضل وشرف على غيرها من الأزمان أو الأمكنة.

    أورد أبو داود حديث أبي هريرة رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (من لم يدع قول الزور والعمل به فليس لله حاجة في أن يدع طعامه وشرابه) الله عز وجل ليس بحاجة إلى العباد وإلى طاعاتهم، لا تنفعه طاعات المطيعين، ولا تضره معاصي العاصين، بل هو النافع الضار، وإنما تنفع الطاعة أصحابها، وتضر المعاصي أصحابها، فالضرر يعود عليهم، والله تعالى ليس له حاجة في أعمالهم، ولا تضره معاصيهم، وإنما هو النافع الضار سبحانه وتعالى.

    قوله: [ (من لم يدع قول الزور والعمل به فليس لله حاجة في أن يدع طعامه وشرابه) ].

    معنى هذا أنه صام وترك الأكل والشرب وهي من الأشياء المباحة، إلا أنه حيل بينه وبينها من أجل الصيام، ولم يترك الشيء المحرم الذي لا يجوز له لا في الصيام ولا في غير الصيام مثل الغيبة، وهذا فيه بيان خطورة المعاصي، وأنها تنقص الأجر وتضعفه، وقد تكون سبباً في حرمان الأجر، ولكن لا يعني ذلك أن من حصل منه غيبة أنه يعتبر قد أفطر، وفسد صومه، وأن عليه أن يقضي يوماً آخر؛ وإنما عليه أن يستغفر الله عز وجل ويتوب مما حصل منه من الغيبة.

    تراجم رجال إسناد حديث أبي هريرة (من لم يدع قول الزور والعمل به...)

    قوله: [ حدثنا أحمد بن يونس ].

    أحمد بن عبد الله بن يونس ، ثقة، أخرج له أصحاب الكتب الستة.

    [ حدثنا ابن أبي ذئب ].

    هو محمد بن الرحمن بن المغيرة بن أبي ذئب، ثقة، أخرج له أصحاب الكتب الستة.

    [ عن المقبري ].

    هو سعيد بن أبي سعيد المقبري ، وهو ثقة، أخرج له أصحاب الكتب الستة.

    [ عن أبيه ].

    وهو أيضاً ثقة، أخرج له أصحاب الكتب الستة.

    [ عن أبي هريرة ].

    عبد الرحمن بن صخر الدوسي ، صاحب رسول الله صلى الله عليه وسلم، وهو أكثر الصحابة حديثاً على الإطلاق رضي الله عنه وأرضاه.

    [ قال أحمد : فهمت إسناده من ابن أبي ذئب، وأفهمني الحديث رجل إلى جنبه أراه ابن أخيه ].

    يعني: أحمد بن يونس الذي في أول الإسناد، وهو شيخ أبي داود ، قال: (فهمت إسناده من ابن أبي ذئب) الذي هو شيخه، قال: وأفهمني الحديث يعني المتن رجل إلى جنبه.

    قوله: [ أراه ابن أخيه ].

    يعني: ابن أخي ابن أبي ذئب، وهذا يفيد بأنه فهم الإسناد وضبطه من ابن أبي ذئب، ولكن كأن هناك شيئاً جعله لا يضبط المتن تماماً من ابن أبي ذئب، إما لبعده أو لأمر من الأمور، أو عارض من العوارض، ولكنه ثبته له ونبهه عليه، أو بين له نفس المتن شخص إلى جنبه.

    شرح حديث أبي هريرة (الصيام جنة...)

    قال المصنف رحمه الله: [ حدثنا عبد الله بن مسلمة القعنبي عن مالك عن أبي الزناد عن الأعرج عن أبي هريرة رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم قال: (الصيام جنة، فإذا كان أحدكم صائماً فلا يرفث ولا يجهل، فإن امرؤ قاتله أو شاتمه فليقل: إني صائم! إني صائم!) ].

    أورد أبو داود حديث أبي هريرة أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (الصوم جنة) يعني: وقاية، كالجنة التي تكون على المجاهد من بيضة تكون على رأسه أو ترس يتقي به السيوف والسهام، والصوم جنة قيل: من النار، وقيل: من المعاصي، وكل منهما مراد، فالصوم من أسباب السلامة من عذاب النار، وأيضاً فيه سلامة من المعاصي؛ لأن الإنسان مع توسعه في الأكل والشرب تكون عنده القوة والنشاط الذي قد يدفعه إلى الرغبة في أمر محرم، ولكنه إذا صام فإن ذلك يضعف قوته وشهوته فيكون ذلك من أسباب الوقاية من المعاصي، قال عليه الصلاة والسلام في حديث ابن مسعود الذي سبق أن مر: (من استطاع منكم الباءة فليتزوج فإنه أحصن للفرج وأغض للبصر، ومن لم يستطع فعليه بالصوم فإنه له وجاء)، فهو جنة من المعاصي، ووقاية من النار، وكل منهما يحصل في الصوم، فالصوم من أسباب دخول الجنة، بل إن في الجنة باباً يقال له الريان يدخل منه الصائمون، ولا يدخل منه أحد غيرهم، وقيل له الريان -أي: ما قيل له الصيام- مع أن غيره من الأبواب الأخرى تسمى بالأعمال كباب الصلاة وباب الصدقة وذلك أن من عطش نفسه في الدنيا فإنه يحصل له رِيٌّ في الآخرة، فيدخل من باب يقال له الريان لا يحصل معه عطش.

    قوله: [ (فإذا كان أحدكم صائماً فلا يرفث) ].

    يعني: لا يحصل منه الفسق والفاحش من القول، فالرفث: يراد به الفاحش من القول، كما أنه يراد به الجماع، قال تعالى: أُحِلَّ لَكُمْ لَيْلَةَ الصِّيَامِ الرَّفَثُ إِلَى نِسَائِكُمْ [البقرة:187] يعني: جماع النساء الْحَجُّ أَشْهُرٌ مَعْلُومَاتٌ فَمَنْ فَرَضَ فِيهِنَّ الْحَجَّ فَلا رَفَثَ [البقرة:197]، يعني: لا جماع ولا إتيان بقول فاحش، وكذلك هنا: (لا يرفث) المقصود به الفاحش من القول.

    ومن المعلوم أن الجماع أيضاً من الأشياء الممنوعة في حال الصيام.

    قوله: (ولا يجهل) معناه: لا يحصل منه اعتداء أو جهل على أحد، يعني: فعلاً ليس بمحمود وإنما هو من قبيل الجهل المذموم الذي يذم صاحبه؛ ولذلك جاء في الدعاء في الخروج من المنزل: (أو أجهل أو يجهل علي) معناه أن يحصل منه اعتداء على أحد أو اعتداء من أحد عليه، ظلم منه لأحد أو ظلم أحد له.

    قوله: [ (فإن امرؤ قاتله أو شاتمه) ].

    يعني: حصل منه مسابة ومشاتمه، (فليقل: إني صائم!) وقوله: (إني صائم) قيل: إنه يقولها في نفسه حتى يذكر نفسه بالعبادة التي تكون من أسباب امتناعه من أن يقابل ذلك الذي سابه وشاتمه، أو أنه يقولها بلسانه من أجل أن يسمع ذلك الشخص حتى يعدل هو عن المسابة ويتركها، ويحتمل بأن يكون كل منهما مراداً، ويكون المقصود من ذلك تذكيره نفسه وتذكيره غيره، تذكيره في فسه بأنه صائم، والصائم ينبغي له أن يصون لسانه أكثر مما يصون غيره من المفطرين ، وأيضاً يذكر غيره ممن هو يشاتمه أنه في عبادة ومتلبس بها، فيكون ذلك من أسباب كونه يقلع ويترك الاستمرار في المسابة والمشاتمة.

    تراجم رجال إسناد حديث أبي هريرة (الصيام جنة...)

    قوله: [ حدثنا عبد الله بن مسلمة القعنبي عن مالك عن أبي الزناد ].

    عبد الله بن مسلمة ومالك مر ذكرهما ، وأبو الزناد : هو عبد الله بن ذكوان المدني ، ثقة، أخرج له أصحاب الكتب الستة.

    [ عن الأعرج ].

    الأعرج هو: عبد الرحمن بن هرمز ، لقبه الأعرج ، وهو ثقة، أخرج له أصحاب الكتب الستة.

    [ عن أبي هريرة ].

    أبو هريرة قد مر ذكره.

    1.   

    ما جاء في السواك للصائم

    شرح حديث: (رأيت رسول الله يستاك وهو صائم)

    قال المصنف رحمه الله: [ باب السواك للصائم:

    حدثنا محمد بن الصباح حدثنا شريك (ح) وحدثنا مسدد حدثنا يحيى عن سفيان عن عاصم بن عبيد الله عن عبد الله بن عامر بن ربيعة عن أبيه رضي الله عنه قال: (رأيت رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم يستاك وهو صائم) زاد مسدد : (ما لا أعد ولا أحصي) ].

    ثم أورد أبو داود باب السوك أي: للصائم؛ لأن الترجمة في باب الصيام، وهل الصائم يستاك أو لا يستاك؟

    بعض أهل العلم ذهب إلى أنه يستاك في جميع أوقات الصيام في الصباح والمساء، ويستدلون على ذلك بالأحاديث المطلقة التي جاءت في الحث على السواك، ويدخل فيها حال الصيام وغير الصيام ؛لأنه ما جاء شيء يدل على إخراج حال الصيام، فالأحاديث المطلقة دالة على الاستياك للصائم، وأنه لا مانع من الاستياك للصائم؛ لأن الأحاديث التي وردت في ذلك مطلقة، لاسيما وبعضها يقيد ذلك بكل صلاة كقوله صلى الله عليه وسلم: (لولا أن أشق على أمتي لأمرتهم بالسواك عند كل صلاة) فيشمل حال الصيام وغير الصيام.

    وبعض أهل العلم قال: إنه إذا كان آخر النهار فإنه لا يستاك؛ لأنه يذهب الخلوف الذي يكون في فم الصائم والذي هو من آثار ترك الأكل والشرب، فتتصاعد أبخرة من الجوف رائحتها ليست طيبة، وقد جاء في الحديث أن شأنها عظيم عند الله عز وجل، وأنها أطيب عند الله من ريح المسك، فقالوا: إن هذا يذهب الخلوف الذي هذا شأنه.

    وهذا التعليل غير صحيح؛ لأن الحديث جاء بلفظ عام ويدخل في ذلك صلاة العصر؛ لأنها من جملة الصلوات وصلاة العصر هي في العشي؛ ولهذا ترجم النسائي رحمه الله فقال: باب السواك في العشي للصائم، وأورد حديث: (لولا أن أشق على أمتي لأمرتهم بالسواك عند كل صلاة) يعني: صلاة العصر تكون في العشي، والرسول صلى الله عليه وسلم أمر أمر استحباب بالسواك عند كل صلاة، وأنه لم يمنعه من الأمر -أمر إيجاب- إلا خشية المشقة على أصحابه صلى الله عليه وسلم، فـالنسائي رحمه الله من دقة فهمه واستنباطه ترجم هذه الترجمة: باب السواك بالعشي للصائم، استناداً إلى حديث: (لولا أن أشق على أمتي لأمرتهم بالسواك عند كل صلاة) وصلاة العصر هي من العشي داخلة في آخر النهار.

    إذاً: هذا يشمل الحالات قبل الزوال وبعد الزوال، وكون السنة جاءت في ذلك لا يقال إنه يذهب الخلوف؛ لأنه وإن حصلت رائحة طيبة في الفم إلا أن الأبخرة تتصاعد، والخلوف يصير موجوداً، وليس معناه أنه زال الخلوف والرائحة التي تظهر من الجوف، وإنما هذا تطييب للفم، وقد جاء عند النسائي رحمه الله حديث: (السواك مطهرة للفم مرضاة للرب).

    أورد أبو داود حديث عامر بن ربيعة أنه قال: (رأيت النبي صلى الله عليه وسلم يستاك وهو صائم) -زاد أحد الرواة: ما لا أحصي يعني: كثيراً، فهذا فيه التنصيص على السواك للصائم، لكن الحديث ضعيف، والذي ورد هو الأحاديث المطلقة ومن بينها الحديث الذي أشرت إليه وهو: (لولا أن أشق على أمتي لأمرتهم بالسواك عند كل صلاة) فيشمل الصائم وغير الصائم.

    تراجم رجال إسناد حديث (رأيت رسول الله يستاك وهو صائم)

    قوله: [ حدثنا محمد بن الصباح ].

    محمد بن الصباح البزاز ، ثقة، أخرج له أصحاب الكتب الستة.

    [ حدثنا شريك ].

    شريك بن عبد الله النخعي الكوفي القاضي ، وهو صدوق كثير الخطأ، ساء حفظه لما ولي القضاء، وحديثه أخرجه البخاري تعليقاً ومسلم وأصحاب السنن.

    [ (ح) وحدثنا مسدد ].

    مسدد بن مسرهد البصري ، ثقة، أخرج حديثه البخاري وأبو داود والترمذي والنسائي .

    [ حدثنا يحيى ].

    يحيى : هو ابن سعيد القطان البصري ، ثقة، أخرج له أصحاب الكتب الستة.

    [ عن سفيان ].

    سفيان وهو الثوري : سفيان بن سعيد بن مسروق الثوري الكوفي ، ثقة فقيه، وصف بأنه أمير المؤمنين في الحديث، وحديثه أخرجه أصحاب الكتب الستة.

    [ عن عاصم بن عبيد الله ].

    عاصم بن عبيد الله هو ضعيف، أخرج له البخاري في خلق أفعال العباد وأصحاب السنن.

    [عن عبد الله بن عامر بن ربيعة ].

    عبد الله بن عامر بن ربيعة وهو ولد على عهد النبي صلى الله عليه وسلم ، ووثقه العجلي ، أخرج له أصحاب الكتب الستة.

    [ عن أبيه ].

    عامر بن ربيعة وهو صحابي أخرج له أصحاب الكتب الستة.

    1.   

    ما جاء في الصائم يصب عليه الماء من العطش ويبالغ في الاستنشاق

    شرح حديث (رأيت النبي أمر الناس في سفره عام الفتح بالفطر...)

    قال المصنف رحمه الله: [ باب الصائم يصب عليه الماء من العطش ويبالغ في الاستنشاق.

    حدثنا عبد الله بن مسلمة القعنبي عن مالك عن سمي مولى أبي بكر بن عبد الرحمن عن أبي بكر بن عبد الرحمن عن بعض أصحاب النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم قال: (رأيت النبي صلى الله عليه وآله وسلم أمر الناس في سفره عام الفتح بالفطر وقال: تقووا لعدوكم، وصام رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم)

    قال أبو بكر قال الذي حدثني: (لقد رأيت رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم بالعرج يصب على رأسه الماء وهو صائم من العطش أو من الحر) ].

    ثم أورد أبو داود باب الصائم يصب عليه الماء من العطش ويبالغ في الاستنشاق.

    يعني: ما حكم ذلك؟

    فكون الإنسان يصب على نفسه الماء ويتبرد لا بأس بذلك، وقد جاء ما يدل عليه، وأما المبالغة في الاستنشاق فلا يبالغ في الاستنشاق وهو صائم؛ لأنه استثنى حالة الصيام من المبالغة في الاستنشاق؛ فالإنسان لا يبالغ ؛ لأن مبالغته قد تؤدي إلى أن يذهب إلى جوفه شيء بسبب هذه المبالغة، ولكنه يستنشق بدون مبالغة، والصائم يصب على نفسه الماء من أجل التبرد ومن أجل تخفيف الحر والعطش عليه، وكذلك يتمضمض ولكنه يبالغ عندما يتوضأ في الاستنشاق إلا في حال الصيام، فإنه منهي عنه.

    أورد أبو داود حديث رجل من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم أنه كان في غزوة الفتح.

    قوله: [ (رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم أمر الناس في سفره عام الفتح بالفطر، وقال: تقووا لعدوكم) ].

    فهم سافروا في رمضان إلى مكة لفتحها، وأمرهم بالإفطار ليتقووا بذلك على جهاد العدو؛ لأنهم إذا كانوا صائمين يحصل لهم ضعف بسبب الصيام، فالرسول صلى الله عليه وسلم أمرهم بالإفطار ليتقووا، ويكون عندهم قوة ونشاط بسبب الأكل والشرب على عدوهم، وصام صلى الله عليه وسلم، وكان يصب على رأسه الماء من الحر أو العطش -شك من الراوي- فهذا يدل على جواز صب الماء من الصائم على نفسه من أجل الحر، ومن أجل تخفيف الحرارة التي عليه بسبب بالبرودة التي تكون على جسمه من الماء البارد، وأما الاستنشاق فإنه يبالغ فيه إذا لم يكن صائماً، أما إذا كان صائماً فإنه لا يبالغ؛ لأن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (وبالغ في الاستنشاق إلا أن تكون صائماً).

    قوله: [ العرج ].

    العرج: مكان معروف عندهم.

    تراجم رجال إسناد حديث (رأيت النبي أمر الناس في سفره عام الفتح بالفطر..)

    قوله: [ حدثنا عبد الله بن مسلمة القعنبي عن مالك عن سمي مولى أبي بكر ].

    سمي مولى أبي بكر بن عبد الرحمن بن الحارث بن هشام ، ثقة، أخرج له أصحاب الكتب الستة.

    [ عن أبي بكر بن عبد الرحمن ].

    أبو بكر بن عبد الرحمن بن الحارث بن هشام ، وهو ثقة، أخرج له أصحاب الكتب الستة.

    و أبو بكر بن عبد الرحمن هذا أحد فقهاء المدينة السبعة في عصر التابعين على أحد الأقوال الثلاثة في السابع منهم، الذين هم أبو بكر بن عبد الرحمن بن الحارث بن هشام وأبو سلمة بن عبد الرحمن بن عوف وسالم بن عبد الله بن عمر بن الخطاب ، هؤلاء الثلاثة مختلف في عدهم في الفقهاء السبعة على ثلاثة أقوال في السابع منهم، ومن عداهم فإنه متفق على عده وهم:

    عبيد الله بن عبد الله بن عتبة بن مسعود

    و خارجة بن زيد بن ثابت

    و عروة بن الزبير بن العوام

    و القاسم بن محمد بن أبي بكر الصديق

    و سليمان بن يسار

    و سعيد بن المسيب .

    [ عن بعض أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم ].

    لا أعرف عنه شيئاً، وجهالة أصحاب الرسول صلى الله عليه وسلم لا تؤثر؛ لأن المجهول فيهم في حكم المعلوم.

    شرح حديث (بالغ في الاستنشاق إلا أن تكون صائماً)

    قال المصنف رحمه الله: [ حدثنا قتيبة بن سعيد قال: حدثني يحيى بن سليم عن إسماعيل بن كثير عن عاصم بن لقيط بن صبرة عن أبيه لقيط بن صبرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم: (بالغ في الاستنشاق إلا أن تكون صائماً) ].

    أورد أبو داود حديث لقيط بن صبرة رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (بالغ في الاستنشاق إلا أن تكون صائماً) فهذا يدل على أن الصائم لا يبالغ في الاستنشاق؛ لئلا يعرض نفسه لإدخال شيء إلى جوفه بسبب هذه المبالغة: (بالغ في الاستنشاق إلا أن تكون صائماً) وهذا يدلنا على وجوب الاستنشاق؛ لأنه لو كان غير واجب ما كان هناك حاجة إلى الأمر به، وأن الإنسان يبالغ فيه إلا في حالة الصيام.

    وكذلك القطرة في الأنف لا تجوز حال الصيام؛ لأنها تصل إلى الجوف مثل الماء، والقطرة في العين لا بأس بها.

    تراجم رجال إسناد حديث (بالغ في الاستنشاق إلا أن تكون صائماً)

    قوله: [ حدثنا قتيبة بن سعيد ].

    قتيبة بن سعيد مر ذكره.

    [ حدثني يحيى بن سليم ].

    يحيى بن سليم ، وهو صدوق سيء الحفظ، أخرج له أصحاب الكتب الستة.

    [ عن إسماعيل بن كثير ].

    إسماعيل بن كثير ، وهو ثقة، أخرج له البخاري في الأدب المفرد وأصحاب السنن.

    [ عن عاصم بن لقيط بن صبرة ].

    عاصم بن لقيط بن صبرة ، وهو ثقة، أخرج له البخاري في الأدب المفرد وأصحاب السنن.

    [ عن أبيه لقيط بن صبرة ].

    وهو صحابي أخرج حديثه البخاري في الأدب المفرد وأصحاب السنن، الثلاثة هؤلاء كلهم أخرج لهم البخاري في الأدب المفرد وأصحاب السنن.