إسلام ويب

شرح سنن أبي داود [272]للشيخ : عبد المحسن العباد

  •  التفريغ النصي الكامل
  • يستحب للصائم تعجيل الفطر وتأخير السحور، وأن يكون فطره على رطبات، فإن لم يجد فعلى تمرات، فإن لم يجد حسا حسوات من ماء، فإنه طهور.

    1.   

    وقت فطر الصائم

    شرح حديث ( إذا جاء الليل من ههنا وذهب النهار من ههنا ... )

    قال المصنف رحمه الله تعالى: [ باب وقت فطر الصائم.

    حدثنا أحمد بن حنبل حدثنا وكيع حدثنا هشام ح وحدثنا مسدد حدثنا عبد الله بن داود عن هشام المعنى، قال هشام بن عروة عن أبيه عن عاصم بن عمر عن أبيه رضي الله عنه قال: قال النبي صلى الله عليه وسلم: (إذا جاء الليل من ههنا وذهب النهار من -زاد مسدد : وغابت الشمس- فقد أفطر الصائم) ].

    بعدما ذكر أبو داود باب وقت إفطار الصائم، يعني: الوقت الذي ينتهي فيه السحور ويمسك الإنسان عن السحور ذكر الوقت الذي يبدأ فيه الأكل عند الإفطار، وهو بغروب الشمس، كما جاء في القرآن وكما جاء في السنة عن رسول الله صلى الله عليه وسلم.

    وأورد أبو داود حديث عمر بن الخطاب رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (إذا جاء الليل من ههنا -أي: المشرق- وذهب النهار من ههنا -أي: المغرب- فقد أفطر الصائم) زاد أحد شيخي أبي داود وهو مسدد : (وغربت الشمس) يعني: أنه ذهب النهار وجاء الليل والشمس قد حصل غروبها فإنه عند ذلك يأتي وقت الإفطار، وهذا أمر مشاهد ومعاين يعرفه الخاص والعام الحضري والبدوي وكل يعرف ذلك، وهذا من تيسير الشريعة وأحكامها وأنها مبنية على اليسر وعلى شيء يفهمه الخاص والعام.

    وقوله: (فقد أفطر الصائم) يعني: جاء وقت فطره، فإذا كان عنده طعام فإنه يأكل، وإذا لم يكن عنده طعام فإنه ينوي الإفطار.

    تراجم رجال إسناد حديث ( إذا جاء الليل من ههنا وذهب النهار من ههنا ...)

    قوله: [ حدثنا أحمد بن حنبل ].

    أحمد بن محمد بن حنبل الشيباني الإمام المحدث الفقيه أحد أصحاب المذاهب الأربعة المشهورة من مذاهب أهل السنة، وحديثه أخرجه أصحاب الكتب الستة.

    [ حدثنا وكيع ].

    وكيع بن الجراح الرؤاسي الكوفي ثقة، أخرج له أصحاب الكتب الستة.

    [ حدثنا هشام ].

    هشام بن عروة ثقة، أخرج له أصحاب الكتب الستة.

    [ ح وحدثنا مسدد حدثنا عبد الله بن داود ].

    عبد الله بن داود الخريبي ثقة، أخرج له أصحاب الكتب الستة إلا مسلماً .

    [ عن هشام المعنى قال هشام بن عروة عن أبيه ].

    هشام بن عروة بن الزبير بن العوام ثقة فقيه أحد فقهاء المدينة السبعة في عصر التابعين، وحديثه أخرجه أصحاب الكتب الستة.

    [ عن عاصم بن عمر ].

    عاصم بن عمر ثقة، ولد في حياة النبي صلى الله عليه وسلم، أخرج له أصحاب الكتب الستة إلا ابن ماجة .

    [ عن أبيه ].

    أبوه عمر بن الخطاب رضي الله تعالى عنه أمير المؤمنين وثاني الخلفاء الراشدين الهادين المهديين، صاحب المناقب الجمة والفضائل الكثيرة فرضي الله عنه وأرضاه، وحديثه عند أصحاب الكتب الستة.

    حكم الوصال إلى السحر

    قوله: (فقد أفطر الصائم) يعني: جاء وقت الإفطار، وأبيح له أن يأكل، وإذا لم يوجد شيء من الأكل ينوي الإفطار وينوي أنه انتهى صومه وأنه لا يزيد على ذلك صوماً.

    ومن أراد أن يواصل فليواصل إلى السحر، فإذا كان أراد أن يواصل فقد جاء في الحديث الصحيح تجويز الوصال إلى السحر، وذلك في قوله: (فأيكم أراد أن يواصل فليواصل إلى السحر)؛ والخطابي يقول: وفيه دليل على بطلان الوصال. ولعله يقصد الوصال المطلق الذي يوصل فيه بين الليل والنهار الذي بعده، أو أنه يرى أنه لا يواصل في الليل، ولكن الحديث جاء في الصحيح وفيه: (من أراد أن يواصل فليواصل إلى السحر).

    وقول العامة: إذا لم يجد الإنسان ما يفطر عليه يمص أصبعه هذا ليس له أساس.

    شرح حديث ( ... انزل فاجدح لنا ... )

    قال المصنف رحمه الله تعالى: [ حدثنا مسدد حدثنا عبد الواحد حدثنا سليمان الشيباني قال: سمعت عبد الله بن أبي أوفى رضي الله عنه يقول: (سرنا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو صائم، فلما غربت الشمس قال: يا بلال ! انزل فاجدح لنا. قال: يا رسول الله! لو أمسيت. قال: انزل فاجدح لنا. قال: يا رسول الله! إن عليك نهاراً. قال: انزل فاجدح لنا. فنزل فجدح، فشرب رسول الله صلى الله عليه وسلم، ثم قال: إذا رأيتم الليل قد أقبل من ههنا فقد أفطر الصائم. وأشار بأصبعه قبل المشرق) ].

    أورد أبو داود حديث عبد الله بن أبي أوفى رضي الله عنه قال: (سرنا مع النبي صلى الله عليه وسلم في سفر وهو صائم، فلما غربت الشمس قال لـبلال : انزل فاجدح لنا) والجدح هو: خلط السويق بالماء؛ وذلك بأن يحرك بالمجدح، والمجدح هو: عود يحرك به الشيء الذي يوضع في الماء حتى يلين وحتى يستساغ شربه.

    وقوله: (لو أمسيت) يعني: كأنه فهم أن الإفطار يكون عندما يذهب هذا الضياء الذي يكون بعد الشمس، فالرسول أمره مرة ثانية بأن ينزل فقال: (إن عليك نهاراً) وكأنه فهم أن النهار هو الضياء الموجود بعد الشمس، فقال: (انزل) فنزل ففعل، وشرب النبي صلى الله عليه وسلم، ثم إن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (إذا أقبل الليل من ههنا -وأشار بيده إلى المشرق- فقد أفطر الصائم) وهذا مثل الذي قبله.

    تراجم رجال إسناد حديث ( ... انزل فاجدح لنا ... )

    قوله: [ حدثنا مسدد عن عبد الواحد ].

    عبد الواحد بن زياد ثقة، أخرج له أصحاب الكتب الستة.

    [ حدثنا سليمان الشيباني ].

    سليمان بن أبي سليمان أبو إسحاق الشيباني ثقة، أخرج له أصحاب الكتب الستة.

    [ قال: سمعت عبد الله بن أبي أوفى ].

    عبد الله بن أبي أوفى رضي الله عنه صحابي، أخرج له أصحاب الكتب الستة.

    وهذا الإسناد رباعي، وهي أعلى الأسانيد عند أبي داود .

    1.   

    ما يستحب من تعجيل الفطر

    شرح حديث ( لا يزال الدين ظاهراً ما عجل الناس الفطر .... )

    قال المصنف رحمه الله تعالى: [ باب ما يستحب من تعجيل الفطر.

    حدثنا وهب بن بقية عن خالد عن محمد -يعني: ابن عمرو- عن أبي سلمة عن أبي هريرة رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (لا يزال الدين ظاهراً ما عجل الناس الفطر؛ لأن اليهود والنصارى يؤخرون) ].

    أورد أبو داود باب ما يستحب من تعجيل الفطر. يعني: أنه يستحب تعجيل الإفطار بعد تحقق الغروب، والسحور يستحب تأخيره إلى طلوع الفجر.

    وقد أورد أبو داود حديث أبي هريرة مرفوعاً: (لا يزال الدين ظاهراً ما عجل الناس الفطر؛ لأن اليهود والنصارى يؤخرون) فأرشدهم إلى أنهم يفعلون ما فيه مصلحة لهم، وهي أنهم يأخذون بالشيء الذي شرع لهم، وفي نفس الوقت أيضاً يخالفون اليهود والنصارى الذين جاءت السنة بمخالفتهم في أمور كثيرة، فتعجيل الإفطار فيه مصلحة وهي عدم إنهاك النفس وعدم إتعابها وعدم المشقة عليها بطول المكث في الصيام الذي يكون عليها معه مشقة، وأيضاً فيه المخالفة لليهود والنصارى، ومحل الشاهد من ذلك قوله: (لا يزال الدين ظاهراً) ].

    وفسر قوله: (ظاهراً) بأنه غالب، وفسر بأنه قوي، وفسر بتفسيرات متقاربة، والمقصود بذلك: كون المسلمين يتمسكون بدينهم ويأخذون بشرائع دينهم، فهذا يدل على قوة إيمانهم وعلى قوة يقينهم، وأيضاً في ذلك مخالفة لأعدائهم اليهود والنصارى.

    تراجم رجال إسناد حديث ( لا يزال الدين ظاهراً ما عجل الناس الفطر ... )

    قوله: [ حدثنا وهب بن بقية ].

    وهب بن بقية الواسطي ثقة، أخرج حديثه مسلم وأبو داود والنسائي .

    [ عن خالد].

    خالد هو ابن عبد الله الواسطي الطحان ثقة، أخرج له أصحاب الكتب الستة.

    [ عن محمد -يعني: ابن عمرو - عن أبي سلمة عن أبي هريرة ].

    محمد بن عمرو وأبو سلمة وأبو هريرة قد مر ذكرهم.

    شرح حديث عائشة في تعجيل رسول الله الإفطار والصلاة

    قال المصنف رحمه الله تعالى: [ حدثنا مسدد حدثنا أبو معاوية عن الأعمش عن عمارة بن عمير عن أبي عطية قال: دخلت على عائشة رضي الله عنها أنا ومسروق فقلنا: يا أم المؤمنين! رجلان من أصحاب محمد صلى الله عليه وسلم أحدهما يعجل الإفطار ويعجل الصلاة، والآخر يؤخر الإفطار ويؤخر الصلاة، قالت: أيهما يعجل الإفطار ويعجل الصلاة؟ قلنا: عبد الله . قالت: كذلك كان يصنع رسول الله صلى الله عليه وسلم ].

    أورد أبو داود حديث عائشة رضي الله عنها أنه دخل عليها أبو عطية ومسروق بن الأجدع وقالا لها: (رجلان من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم أحدهما يعجل الإفطار ويعجل الصلاة والثاني يؤخر الصلاة ويؤخر الإفطار، فقالت: أيهما يعجل الصلاة والإفطار؟ قالا: عبد الله -يعني: ابن مسعود - فقالت: هكذا كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يفعل) فهذا يدل على ما ترجم له المصنف من استحباب تعجيل الإفطار؛ لأن هذا هو الذي كان يفعله رسول الله صلى الله عليه وسلم. وأما الرجل الثاني فهو أبو موسى الأشعري ، كما جاء ذلك في صحيح مسلم ، فـعبد الله بن مسعود هو الذي كان يعجل وأبو موسى الأشعري هو الذي كان يؤخر.

    تراجم رجال إسناد حديث عائشة في تعجيل رسول الله الإفطار والصلاة

    قوله: [ حدثنا مسدد حدثنا أبو معاوية ].

    أبو معاوية هو محمد بن خازم الضرير الكوفي ، ثقة أخرج له أصحاب الكتب الستة.

    [ عن الأعمش ].

    الأعمش سليمان بن مهران الكاهلي الكوفي ثقة، أخرج له أصحاب الكتب الستة.

    [ عن عمارة بن عمير ].

    عمارة بن عمير ثقة، أخرج له أصحاب الكتب الستة.

    [ عن أبي عطية ].

    أبو عطية هو مالك بن عامر الوادعي ، وهو ثقة، أخرج له أصحاب الكتب الستة إلا ابن ماجة ، ومسروق بن الأجدع ثقة، أخرج له أصحاب الكتب الستة.

    [ قال: دخلت على عائشة ].

    عائشة أم المؤمنين رضي الله عنها وأرضاها الصديقة بنت الصديق وهي واحدة من سبعة أشخاص عرفوا بكثرة الحديث عن النبي صلى الله عليه وسلم.

    1.   

    ما يفطَر عليه

    شرح حديث ( إذا كان أحدكم صائماً فليفطر على التمر .... )

    قال المصنف رحمه الله تعالى: [ باب ما يفطر عليه.

    حدثنا مسدد حدثنا عبد الواحد بن زياد عن عاصم الأحول عن حفصة بنت سيرين عن الرباب عن سلمان بن عامر عمها رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (إذا كان أحدكم صائماً فليفطر على التمر، فإن لم يجد التمر فعلى الماء؛ فإن الماء طهور) ].

    أورد أبو داود باب ما يفطر عليه، يعني: الأكل الذي يأكله الإنسان أول ما يأكله عند انتهاء صومه، وقد جاء في السنة أنه يفطر على رطب، فإن لم يجد فعلى التمر، فإن لم يجد فعلى الماء.

    وقد أورد أبو داود حديث سلمان بن عامر رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (إذا كان أحدكم صائماً فليفطر على التمر، فإن لم يجد فعلى، الماء فإنه طهور)، وهنا ذكر التمر وذكر الماء، وفي الحديث الذي بعده ذكر الرطب ثم التمر ثم الماء، ولعل ذكر التمر والاقتصار عليه دون الرطب إنما هو لأن الرطب لا يأتي في كل وقت وإنما يأتي في وقت الثمرة، وأما التمر فإنه موجود في السنة كلها، فذكره والاقتصار عليه إنما هو لأنه هو الدائم عند الناس في أيام السنة كلها، بخلاف الرطب فإنه لا يكون عندهم إلا في وقت معين، إذ إنه لم يكن يوجد عندهم إلا في وقت الثمرة، وهذا يدل على أن التمر أو الرطب أحسن شيء يأكله الإنسان عند إفطاره، ليدخل إلى جوفه ذلك الشيء الحلو، وقد مر في الحديث أن النبي صلى الله عليه وسلم مدح التمر فقال: (نعم السحور التمر).

    وقد جاءت السنة بالتحنيك بالتمر، فالمولود أول شيء يدخل إلى جوفه هو التمر، وذلك بأن يمضغ ثم يدلك به حنكه حتى يكون أول شيء يدخل إلى جوفه هو حلاوة التمر.

    وقوله: (فإن الماء طهور) هذا مدح له، وبيان أنه موصوف بهذا الوصف الطيب، والماء من نعم الله عز وجل، وقد قال الله تعالى في القرآن: وَأَنزَلْنَا مِنَ السَّمَاءِ مَاءً طَهُورًا [الفرقان:48].

    تراجم رجال إسناد حديث ( إذا كان أحدكم صائماً فليفطر على التمر ... )

    قوله: [ حدثنا مسدد حدثنا عبد الواحد بن زياد عن عاصم الأحول ].

    عاصم بن سليمان الأحول ثقة، أخرج له أصحاب الكتب الستة.

    [ عن حفصة بنت سيرين ].

    حفصة بنت سيرين ثقة، أخرج لها أصحاب الكتب الستة.

    [ عن الرباب ].

    الرباب مقبولة، أخرج لها البخاري تعليقاً وأصحاب السنن.

    [ عن سلمان بن عامر ].

    سلمان بن عامر رضي الله عنه هو عم الرباب ، وهو صحابي أخرج له البخاري وأصحاب السنن.

    والحديث ضعفه الألباني من أجل الرباب ؛ لأنها مقبولة، ولكن الحديث الذي بعده هو بمعناه، وليس فيه إلا زيادة أنه طهور، وليس فيه ذكر الرطب، وعدم ذكر الرطب في هذا الحديث يدل عليه ذكره في الحديث الآخر، فإذا كانت الثلاثة موجودة فيبدأ بالرطب ثم التمر، فإذا كان الرطب موجوداً فيبدأ به، وإن لم يكن موجوداً ينتقل إلى التمر، والتمر يكون موجوداً في طول السنة، والرطب لا يوجد إلا في وقت الثمرة، فإن لم يوجد التمر ينتقل إلى الماء.

    فهذا الحديث وإن كان فيه كلام إلا أن الحديث الآخر يدل عليه.

    شرح حديث ( كان رسول الله يفطر على رطبات .... )

    قال المصنف رحمه الله تعالى: [ حدثنا أحمد بن حنبل حدثنا عبد الرزاق حدثنا جعفر بن سليمان حدثنا ثابت البناني أنه سمع أنس بن مالك رضي الله عنه يقول: (كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يفطر على رطبات قبل أن يصلي، فإن لم تكن رطبات فعلى تمرات، فإن لم تكن حسا حسوات من ماء) ].

    أورد أبو داود حديث أنس ، وفيه بيان ما كان يفطر عليه رسول الله صلى الله عليه وسلم، وأنه كان يفطر على رطبات، فإن لم يجد أفطر على تمرات، وإلا حسا حسوات من ماء، وكان ذلك قبل أن يصلي، يعني: أنه لا يؤخر الإفطار إلى بعد الصلاة؛ لأن هذا فيه موافقة لليهود والنصارى، وإنما عليه أن يبادر بالإفطار بعد تحقق الغروب.

    وقوله: (حسا حسوات) يعني: أنه شرب عدة مرات، لكن ليس معنى ذلك أنه يكثر الشرب؛ لأن كلمة (تمرات) وكلمة (رطبات) تشير إلى القلة أو التقليل، والحسوات هي بمعناها، يعني: أنه يمكن أنه كان يشرب ثلاثة أنفاس، يعني: أنه يقسم شربه على ثلاثة أنفاس.

    ترجم رجال إسناد حديث ( كان رسول الله يفطر على رطبات )

    قوله: [ حدثنا أحمد بن حنبل حدثنا عبد الرزاق ].

    عبد الرزاق بن همام الصنعاني اليماني ثقة، أخرج له أصحاب الكتب الستة.

    [ حدثنا جعفر بن سليمان ].

    جعفر بن سليمان صدوق، أخرج له البخاري في الأدب المفرد ومسلم وأصحاب السنن.

    [ حدثنا ثابت البناني ].

    ثابت بن أسلم البناني ثقة، أخرج له أصحاب الكتب الستة.

    [ أنه سمع أنس بن مالك ].

    أنس بن مالك رضي الله عنه خادم رسول الله صلى الله عليه وسلم وأحد السبعة المعروفين بكثرة الحديث عن النبي صلى الله عليه وسلم.

    1.   

    القول عند الإفطار

    شرح حديث ( كان رسول إذا أفطر قال ذهب الظمأ ... )

    قال المصنف رحمه الله تعالى: [ باب القول عند الإفطار.

    حدثنا عبد الله بن محمد بن يحيى أبو محمد حدثنا علي بن الحسن أخبرني الحسين بن واقد حدثنا مروان -يعني: ابن سالم المقفع - قال: رأيت ابن عمر رضي الله عنهما يقبض على لحيته فيقطع ما زاد على الكف، وقال: (كان رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا أفطر قال: ذهب الظمأ وابتلت العروق وثبت الأجر إن شاء الله) ].

    أورد أبو داود هذه الترجمة وهي: باب القول عند الإفطار، أي: الشيء الذي يقوله عند إفطاره.

    وأورد أبو داود رحمه الله حديث ابن عمر رضي الله تعالى عنهما: (أن النبي صلى الله عليه وسلم كان إذا أفطر قال: ذهب الظمأ وابتلت العروق وثبت الأجر إن شاء الله) والظمأ هو: العطش الذي كان موجوداً من قبل بسبب الصيام، وهو يذهب بشرب الماء.

    وقوله: ( وابتلت العروق ) يعني: التي كانت قد يبست بسبب الإمساك والامتناع عن الأكل والشرب.

    وقوله: (وثبت الأجر إن شاء الله) يعني: أن العمل الصالح قد تم وانتهى، وأن الأجر قد حصل، وهذا ليس دعاءً وإنما هو إخبار؛ لأن الجمل قبله كلها إخبار.

    وقوله: ( إن شاء الله ) يعني: حتى لا يكون الإنسان جازماً بالشيء، وليس الأمر كما تقوله المعتزلة من أن الجزاء إنما هو عوض عن العمل وأنه ليس هناك فضل، بل الفضل لله عز وجل في الجزاء على الأعمال، وليست القضية قضية معاوضة بين الله عز وجل والناس، بل الله متفضل عليهم بالأجر والثواب كما أنه هو المتفضل عليهم بالعمل الذي كان سبباً في الأجر والثواب، فالله عز وجل تفضل عليهم بالتوفيق للعمل وتفضل عليهم بالجزاء على العمل، فلله الفضل أولاً وآخراً على التوفيق للأعمال الصالحة، وعلى حصول الأعمال الصالحة.

    وقد جاء في الحديث: (للصائم فرحتان: فرحة عند فطره، وفرحة عند لقاء ربه) ، ففرحته عند فطره لأنه أتم العبادة؛ فهو يفرح لأنه أتى بشيء مشروع تعبده الله تعالى به يرجو ثوابه، وفرحته عند لقاء ربه حيث يجد ثواب الله عز وجل على ذلك العمل الذي عمله لله عز وجل.

    فيقال: (إن شاء الله) للتبرك بذكر الله عز وجل، وقال بعض أهل العلم: إن هذا فيه إشارة إلى أن الأمر كله إلى الله عز وجل، وأنه كله بيد الله سبحانه وتعالى، وليست القضية قضية معاوضة بين الله تعالى وخلقه كما تقوله المعتزلة، وأن دخول الجنة إنما هو عوض عن العمل الصالح، بل الله تعالى هو المتفضل بالأعمال الصالحة وبالتوفيق لها، ثم إنه سبحانه هو المتفضل بالثواب علها.

    وقوله: [ رأيت ابن عمر يقبض على لحيته فيقطع ما زاد على الكف ].

    وأورد أبو داود عن ابن عمر أنه كان يقبض بكفه على لحيته فيقطع ما زاد على الكف، يعني: ما زاد على القبضة، وهذا فعل ابن عمر رضي الله عنه ثابت عنه، ولكن الذي ثبت عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه لم يكن يأخذ من لحيته شيئاً، فالأخذ بما علم عن رسول الله صلى الله عليه وسلم هو المتعين، وأما ابن عمر رضي الله عنه فلا يؤخذ بقوله ولا يعول على فعله، وإنما يعول على ما ثبت عن رسول الله صلى الله عليه وسلم، وهو أنه كان لا يأخذ في لحيته شيئاً.

    وقوله: (كان رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا أفطر قال: ذهب الظمأ وابتلت العروق وثبت الأجر إن شاء الله) يعني: إنه كان إذا أفطر قال هذا الكلام.

    تراجم رجال إسناد حديث ( كان رسول الله إذا أفطر قال ذهب الظمأ .. )

    قوله: [ حدثنا عبد الله بن محمد بن يحيى أبو محمد ].

    عبد الله بن محمد بن يحيى أبو محمد الطرسوسي المعروف بـالضعيف ، ولقب الضعيف لهزاله ونحولة جسمه وكثرة عبادته، هذا هو وجه تلقيبه بـالضعيف ، وليس ما قد يتبادر إلى الذهن من أنه ضعيف في الرواية؛ لأن هناك نسباً تأتي قد لا تتبادر إلى الذهن، وقد يتبادر إلى الذهن غيرها، مثل لقب هذا: الضعيف ؛ فإنه قد يفهم منه -لاسيما إذا كان الكلام في الرجال وحول الرجال- أنه ضعيف من حيث الرواية، وإنما هو ضعيف من حيث الجسم، ومثله راوٍ آخر يلقب الضال؛ لأنه ضل في طريق مكة وضاع، فصار يلقب الضال ، وقد يتبادر إلى الذهن أنه من الضلال الذي هو ضد الهدى، وإنما ضل الطريق فقيل له: الضال ، ومثل ذلك خالد الحذاء ، فقد يتبادر إلى الذهن أنه كان يصنع الأحذية ويبيعها، وهو إنما كان يجلس عند الحذائين، وكذلك يزيد الفقير الذي قد يظن أنه فقير من جهة المال، وإنما كان يشكو فقار ظهره فقيل له: الفقير ، فهي نسبة إلى غير ما يتبادر إلى الذهن.

    وعبد الله بن محمد بن يحيى أبو محمد الملقب الضعيف هو ثقة، أخرج له أبو داود والنسائي .

    [ حدثنا علي بن الحسن ].

    علي بن الحسن بن شقيق ، وهو ثقة، أخرج له أصحاب الكتب الستة.

    [ أخبرني الحسين بن واقد ].

    الحسين بن واقد ثقة له أوهام، أخرج حديثه البخاري تعليقاً ومسلم وأصحاب السنن.

    [ حدثنا مروان يعني: ابن سالم المقفع ].

    مروان بن سالم المقفع مقبول، أخرج له أبو داود والنسائي .

    [ قال: رأيت ابن عمر ].

    عبد الله بن عمر بن الخطاب رضي الله تعالى عنهما، وقد مر ذكره.

    شرح حديث ( اللهم لك صمت وعلى رزقك أفطرت )

    قال المصنف رحمه الله تعالى: [ حدثنا مسدد حدثنا هشيم عن حصين عن معاذ بن زهرة أنه بلغه: (أن النبي صلى الله عليه وسلم كان إذا أفطر قال: اللهم لك صمت وعلى رزقك أفطرت) ].

    أورد أبو داود هذا الحديث: (أن النبي صلى الله عليه وسلم كان إذا أفطر قال: اللهم لك صمت وعلى رزقك أفطرت) وهذا الحديث مرسل؛ لأنه قال: بلغه أن النبي صلى الله عليه وسلم كذا، فلم يذكر الواسطة، وعلى هذا فهو غير صحيح، ولكن الإنسان إذا دعا بهذا الدعاء أو بغيره من الأدعية التي لا يعتقد أنها سنة ولا يعتبر أنها ثابتة ولا يعتقد أنه حين يقولها يأتي بسنة عن رسول الله صلى الله عليه وسلم وإنما يعتقد أنه يدعو بدعاء يرجو من الله تعالى قبوله عند أداء هذه العبادة، ويسأل الله تعالى له المغفرة فلا بأس بذلك، ولكن كونه يقول: هذه سنة ثابتة عن رسول الله صلى الله عليه وسلم لا يجوز ذلك إلا بعد ثبوتها عن النبي عليه الصلاة والسلام، وهذا لم يثبت؛ لأنه جاء من طريق مرسلة غير ثابتة عن رسول الله صلى الله عليه وسلم.

    تراجم رجال إسناد حديث ( ... اللهم لك صمت وعلى رزقك أفطرت )

    قوله: [ حدثنا مسدد حدثنا هشيم ].

    هشيم بن بشير الواسطي ثقة، أخرج له أصحاب الكتب الستة.

    [ عن حصين عن معاذ بن زهرة ].

    حصين هو ابن عبد الرحمن مر ذكره، ومعاذ بن زهرة مقبول، أخرج له أبو داود .

    فمع كونه أرسله والواسطة محذوفة فالمرسل أيضاً مقبول يحتاج إلى متابعة، ولو كان ثقة فعلة الإرسال والانقطاع موجودة.

    1.   

    الفطر قبل غروب الشمس

    شرح حديث أسماء ( أفطرنا يوماً في رمضان في غيم في عهد رسول الله ..... )

    قال المصنف رحمه الله تعالى: [ باب الفطر قبل غروب الشمس.

    حدثنا هارون بن عبد الله ومحمد بن العلاء المعنى قالا: حدثنا أبو أسامة حدثنا هشام بن عروة عن فاطمة بنت المنذر عن أسماء بنت أبي بكر رضي الله عنهما قالت: (أفطرنا يوماً في رمضان في غيم في عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم ثم طلعت الشمس) قال أبو أسامة : قلت لـهشام : أُمروا بالقضاء؟ قال: وبد من ذلك؟! ].

    أورد أبو داود باب الفطر قبل غروب الشمس، يعني: إذا حصل الإفطار قبل غروب الشمس ثم تبين أن الغروب ليس بصحيح وأنه لم يقع بعد غروب الشمس؛ وأن ما وقع من الفطر كان قبل غروبها ، فهل يتعين القضاء أو أنه لا قضاء؟ جمهور العلماء على أن عليه أن يقضي، وبعضهم قال بأنه لا يقضي قياساً على الناسي.

    وأورد أبو داود حديث أسماء بنت أبي بكر رضي الله تعالى عنهما أنهم أفطروا في يوم غيم على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم ثم طلعت الشمس، يعني: ظهرت الشمس وتبين أنها لم تغرب، وأنهم أفطروا في النهار، فقال أبو أسامة الذي يروي عن هشام : وهل قضوا؟ قال: وهل بد من القضاء؟! يعني: أنه لابد من القضاء، لأنهم حصل منهم الإفطار في وقت لا يجوز لهم الإفطار، وهذا لا يشبه الناسي؛ لأن الناسي غير مكلف أما هذا فهو مكلف، يعني: أن بإمكانه أن ينتظر وأن يحتاط، وبدلاً من أن يستعجل ينتظر، وبدلاً من أن يتقدم يتأخر، فجمهور أهل العلم على أن من أفطر قبل غروب الشمس فعليه القضاء، وبعضهم قال: إنه لا قضاء عليه قياساً على النسيان.

    والصحيح أن عليه أن يقضي إذا حصل منه ذلك.

    تراجم رجال إسناد حديث أسماء ( أفطرنا يوماً في رمضان في غيم في عهد رسول الله ... )

    قوله: [ حدثنا هارون بن عبد الله ].

    هارون بن عبد الله الحمال البغدادي ثقة، أخرج له مسلم وأصحاب السنن.

    [ ومحمد بن العلاء ].

    محمد بن العلاء بن كريب أبو كريب ثقة، أخرج له أصحاب الكتب الستة.

    [ قالا: حدثنا أبو أسامة ].

    أبو أسامة حماد بن أسامة ثقة، أخرج له أصحاب الكتب الستة.

    [ حدثنا هشام بن عروة عن فاطمة بنت المنذر ].

    هشام بن عروة ثقة مر ذكره، وفاطمة بنت المنذر بن الزبير ابنة عم هشام ، وهي زوجته، وهشام يروي عن زوجته فاطمة بنت المنذر بن الزبير بن العوام ، وهي ثقة أخرج لها أصحاب الكتب الستة.

    [ عن أسماء بنت أبي بكر ].

    أسماء بنت أبي بكر رضي الله عنها وعن أبيها وعن الصحابة أجمعين، وحديثها أخرجه أصحاب الكتب الستة.

    1.   

    الأسئلة

    الإتيان بدعاء (ذهب الظمأ ...) في الصيف وغيره

    السؤال: حديث: (ذهب الظمأ وابتلت العروق وثبت الأجر إن شاء الله) هل هذا الإخبار خاص بمن حصل له ذلك في حال الصيف، أم يقوله الذي صام وإن لم يشعر بجفاف عروق ولا ظمأ؟

    الجواب: الذي يبدو أنه يقال مطلقاً؛ لأن الظمأ يوجد ولكنه يتفاوت.

    وهذا الذكر يقال قبل الإفطار أو بعده، والأمر في هذا واسع.

    وجه ذكر فعل ابن عمر في أخذه من لحيته في كتاب الصيام

    السؤال: ما هو الارتباط بين قول مروان بن سالم المقفع : رأيت ابن عمر يقبض على لحيته فيقطع ما زاد على الكف، وذكر الدعاء الذي يقال عند الإفطار في حديث واحد؟

    الجواب: كأنه ذكر حديثين عنه، أحدهما يتعلق بفعله والآخر يتعلق بالصيام.

    حكم أخذ الإعانات من الحكومات الكافرة

    السؤال: أنا مسلم أقيم بفرنسا، والحكومة الفرنسية تمنح إعانات للمقيمين كالمنح العائلية ومنحة البطالة وغيرها، فهل يجوز لنا أخذ هذه الإعانات؟

    الجواب: إذا كان الإنسان محتاجاً فيجوز له أن يأخذ.

    حكم الاعتماد على التوقيت في طلوع الفجر وغروب الشمس

    السؤال: الآن أذان الفجر وأذان المغرب إنما هما مبنيان على التوقيت وليس على طلوع الفجر ولا على غروب الشمس، فهل لنا الاعتماد على ذلك في الصيام؟

    الجواب: المؤذنون ليسوا على حد سواء، ففيهم الذين يجتهدون ويعتنون، وفيهم الذين ليس عندهم الدقة ولا العناية التامة، وقد يكون الفرق بين التوقيت والواقع شيئاً يسيراً، فمثلاً بعد غروب الشمس يتأخرون عن الأذان دقائق للاحتياط.

    والناس يصلون الفجر بعد دخول وقت الفجر؛ لأن الصلاة تكون بعد الأذان بخمس وعشرين دقيقة أو بعشرين دقيقة، لكن ينبغي تحري الأذان وقت طلوع الفجر؛ لأن النساء يصلين بمجرد سماع الأذان.

    مقدار الوقت بين الأذان الأول والأذان الثاني في الفجر

    السؤال: كم الوقت بين الأذان الأول والأذان الثاني في الفجر؟

    الجواب: لا أعلم تحديد ذلك بالضبط، ولكن لابد أن يكون وقتاً كافياً لأن يصلي الإنسان وتره إذا كان قد استيقظ وهو لم يصل، أو يكفيه إذا كان يريد أن يتسحر، فالوقت الكافي يمكن أن يكون في حدود الساعة أو قريباً من الساعة، ومثل هذا الوقت وقت طيب.

    معنى قول ابن عمر ( تراءى الناس الهلال )

    السؤال: في حديث ابن عمر قال: (تراءى الناس الهلال) والظاهر من الحديث أنها ليست شهادة واحدة؛ لأن الناس رأوه، فما هو معنى الحديث؟

    الجواب: الناس لم يروه، وإنما رآه ابن عمر فقط، وكونهم كانوا يتراءونه معناه: أن الكل كانوا يبحثون عنه ولكن ما كل من ينظر يحصله، ولا كل من يبحث عنه يحصله، وكثير من الناس ينظرون في السماء ولا يحصلونه، لكن ابن عمر حصله.

    حكم طاعة الوالدين في طلاق الزوجة

    السؤال: أنا شاب متزوج من امرأة طيبة، ولي من الزواج بها خمس سنوات، ولم تنجب، وأريد علاجها، ووالدي ووالدتي يصرون على الزواج بأخرى، وأنا رافض، هل علي ذنب لأني لم أطلع والدي؟

    الجواب: أنت أدرى بنفسك وأعلم بنفسك، فإذا كان عندك قدرة على الزواج ورأيت أنك تتزوج وأن المصلحة لك في أن تتزوج لعلك أن تحصل أولاداً فافعل، وكونها طيبة احتفظ بها، ولعل التي تأتي تكون أيضاً طيبة، وهذه لعلها تنجب والتي تأتي أيضاً تنجب، ولا يُدرى هل ذلك منك أو منها، ولا يدرى هل العيب فيك أو فيها، فكونك تعالج أو هي تعالج أو من يعرف فيه العيب يعالج يفعل ولا بأس، فإن كان عندك قدرة على الزواج من الثانية ويمكنك ذلك فافعل.

    حكم الاستمناء

    السؤال: ما حكم من استمنى وهو صائم؟

    الجواب من فعل هذا فقد فعل -والعياذ بالله- أمراً محرماً؛ لأن الاستمناء حرام في جميع الأحوال، ولكنه في الصيام يكون أشد وأعظم، والله تعالى يقول: وَالَّذِينَ هُمْ لِفُرُوجِهِمْ حَافِظُونَ * إِلَّا عَلَى أَزْوَاجِهِمْ أوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُهُمْ فَإِنَّهُمْ غَيْرُ مَلُومِينَ * فَمَنِ ابْتَغَى وَرَاءَ ذَلِكَ فَأُوْلَئِكَ هُمُ الْعَادُونَ [المؤمنون:5-7] وهذا مما وراء ذلك؛ لأن (وراء ذلك) لفظ عام يشمل كل شيء غير الزوجة وغير ملك اليمين.