إسلام ويب

شرح سنن أبي داود [258]للشيخ : عبد المحسن العباد

  •  التفريغ النصي الكامل
  • لقد حفظ الله عز وجل الأنساب، وصان الأعراض، وزكى الأنفس بالأحكام الشرعية الواردة في القرآن الكريم، وفي السنة النبوية، ومن ذلك إذا رأى الرجل رجلاً وقع على امرأته أن يلاعنها، ويفرق بينهما، وينتفي الولد منه إذا نفاه، ويلحق الولد بأمه، وهذه الأحكام تترتب على لعان الزوجين، أما إذا اعترفت المرأة فإنه يقام عليها حد الزنا، وقد حرم الله المساعاة بين السيد وأمته، وذلك بأن يرسلها لتزني وتدفع له الضرائب، ومن أكرهت من الإماء فإن الله غفور رحيم.

    1.   

    اللعان

    شرح حديث (يا رسول الله أرأيت رجلاً وجد مع امرأته رجلاً أيقتله فتقتلونه أم كيف يفعل؟..)

    قال المصنف رحمه الله تعالى: [ باب في اللعان.

    حدثنا عبد الله بن مسلمة القعنبي عن مالك عن ابن شهاب أن سهل بن سعد الساعدي أخبره أن عويمر بن أشقر العجلاني جاء إلى عاصم بن عدي فقال له: (يا عاصم ! أرأيت رجلاً وجد مع امرأته رجلاً أيقتله فتقتلونه أم كيف يفعل؟ سل لي يا عاصم ! رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم عن ذلك، فسأل عاصم رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم، فكره رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم المسائل وعابها حتى كبر على عاصم ما سمع من رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم، فلما رجع عاصم إلى أهله جاءه عويمر فقال له: يا عاصم ! ماذا قال لك رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم؟ فقال عاصم : لم تأتني بخير؛ قد كره رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم المسألة التي سألته عنها، فقال عويمر : والله! لا أنتهي حتى أسأله عنها، فأقبل عويمر حتى أتى رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم وهو وسط الناس فقال: يا رسول الله! أرأيت رجلاً وجد مع امرأته رجلاً أيقتله فتقتلونه أم كيف يفعل؟ فقال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: قد أنزل فيك وفي صاحبتك قرآن، فاذهب فأت بها.

    قال سهل : فتلاعنا وأنا مع الناس عند رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم، فلما فرغا قال عويمر : كذبت عليها يا رسول الله إن أمسكتها، فطلقها عويمر ثلاثاً قبل أن يأمره النبي صلى الله عليه وآله وسلم) .

    قال ابن شهاب : فكانت تلك سنة المتلاعنين ].

    أورد الإمام أبو داود السجستاني رحمه الله تعالى: [ باباً في اللعان ]، واللعان مأخوذ من اللعن، وذلك أن الذي يقذف زوجته بالزنا ولم يكن عنده شهود يشهدون على ذلك فإنه يصير إلى الملاعنة، وذلك بأن يشهد على نفسه أَرْبَعُ شَهَادَاتٍ بِاللَّهِ إِنَّهُ لَمِنَ الصَّادِقِينَ * وَالْخَامِسَةُ أَنَّ لَعْنَةَ اللَّهِ عَلَيْهِ إِنْ كَانَ مِنَ الْكَاذِبِينَ [النور:6-7]، ثم بعد ذلك تشهد المرأة أَرْبَعَ شَهَادَاتٍ بِاللَّهِ إِنَّهُ لَمِنَ الْكَاذِبِينَ * وَالْخَامِسَةَ أَنَّ غَضَبَ اللَّهِ عَلَيْهَا إِنْ كَانَ مِنَ الصَّادِقِينَ [النور:8-9].

    فسمي لعاناً لاشتماله على اللعن.

    والرسول صلى الله عليه وسلم جاء عنه عدة أحاديث في قضية اللعان، وبعد اللعان يتم التفريق بين الزوجين تفريقاً أبدياً، وتحرم عليه الزوجة أبداً بعد التلاعن، ولا سبيل له إلى الزواج بها مرة أخرى بعد ذلك فهو من التحريم المؤبد، وهو تحريم لا محرمية فيه بخلاف غيره من التحريم المؤبد فإن فيه المحرمية، فمحرم المرأة الذي يكون محرماً لها في السفر والذي يحق له النظر إليها والدخول عليها يقال له: محرم المرأة، وهو زوجها -أي: ما دامت زوجة له- أو من تحرم عليه على التأبيد بنسب أو سبب مباح، وأما إذا حصل طلاق فإن تلك المحرمية التي كانت بسبب الزواج تذهب وتنتهي؛ لأن الحكم أنيط بالزوجية، فإذا كانت الزوجية موجودة فإن المحرمية قائمة، وإذا انتهت هذه الزوجية فإنه يكون أجنبياً منها.

    وأما من تحرم عليه على التأبيد لنسب ككونه أباً أو ابناً أو أخاً أو ما إلى ذلك، أو بسبب كرضاع ومصاهرة بشرط أن يكون الرضاع والمصاهرة قد أبيحا شرعاً، فيخرج بالمباح تحريم زواج الملاعن بالملاعنة على وجه التأبيد؛ لأنها مُحرمة عليه أبداً، ومع ذلك لا يكون محرماً لها، وهذا هو المقصود من قول الفقهاء: بنسب أو سبب مباح؛ لأن تحريم المتلاعنين إنما هو بسبب ليس بالمباح، فقد صير إليه بسبب القذف الذي حصل.

    وقد أورد أبو داود حديث سهل بن سعد الساعدي رضي الله عنه في قصة عويمر العجلاني رضي الله عنه، فقد جاء إلى عاصم بن عدي رضي الله عنه وطلب منه أن يسأل النبي صلى الله عليه وسلم عن الرجل الذي يجد مع امرأته رجلاً أيقتله فيقتل أم يسكت على أمر عظيم؟

    فذهب عاصم بن عدي رضي الله عنه إلى الرسول صلى الله عليه وسلم وسأله هذا السؤال، فكره رسول الله صلى الله عليه وسلم هذه المسائل وعابها، أي: المسائل التي هي من هذا القبيل، وهي أن يخبر الإنسان عن زوجته بشيء مما يُستحيا منه، فكره الرسول صلى الله عليه وسلم هذه المسائل وعابها، وهذه الكراهية إنما تكون في الشيء الذي لم يقع والناس في عافية منه، وأما إذا وقع الشيء وسئل عنه فإن ذلك لا بأس به؛ لأن السؤال سيكون حينئذ في أمر قد حصل ولا بد من معرفة الحكم فيه، وأما إذا كان السؤال في شيء فيه عنت وفيه مشقة، كقصة الرجل الذي سمع رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: (إن الله كتب عليكم الحج فحجوا، قال: أفي كل عام يا رسول الله؟) فغضب الرسول صلى الله عليه وسلم وقال: (ذروني ما تركتكم فإنما أهلك من كان قبلكم كثرة مسائلهم، واختلافهم على أنبيائهم، ولو قُلت: نعم لوجبت، ولو وجبت ما استطعتم).

    فقوله: (فكره المسائل وعابها) أي: التي من هذا القبيل، إذ لا ينبغي للإنسان أن يسأل عن الأشياء التي لم تقع، ولكن الإنسان إذا ابتلي بشيء فليسأل عنه ليعرف الحكم الشرعي.

    فرجع عاصم إلى بيته، فجاء عويمر وسأله عن جواب النبي صلى الله عليه وسلم، فأخبره بأن ذلك كبر عليه وأنه أمر عظيم، وأن الرسول صلى الله عليه وسلم كره المسائل وعابها، فحلف أن يذهب إلى الرسول صلى الله عليه وسلم ويسأله بنفسه، فذهب إليه فقال له رسول الله صلى الله عليه وسلم: (إن الله قد أنزل فيك وفي صاحبتك قرآناً، اذهب فأت بها، قال سهل : فتلاعنا، وأنا مع الناس ..)، وعندما حصل التلاعن بادر عويمر وقال: (كذبتُ عليها إن أمسكتها، فطلقها ثلاثاً قبل أن يأمره النبي صلى الله عليه وسلم).

    وهذا الفعل منه وليس من النبي صلى الله عليه وسلم، والفرقة تكون بالملاعنة ولا يحتاج الأمر إلى طلاق، وإنما هذا من عويمر رضي الله عنه؛ ليبين أنه صادق فيما قال، وأنه ما كذب عليها، وأنه إن أمسكها وقد كذب عليها فهذا أمر خطير، فبادر إلى تطليقها ثلاثاً والرسول صلى الله عليه وسلم لم يأمره بذلك، فدل هذا على أن هذا الطلاق إنما هو من عويمر ، وإلا فالفراق يحصل بالملاعنة دون حاجة إلى طلاق، ففرق بينهما رسول الله صلى الله عليه وسلم.

    تراجم رجال إسناد حديث (يا رسول الله أرأيت رجلاً وجد مع امرأته رجلاً أيقتله فتقتلونه أم كيف يفعل؟ ..)

    قوله: [ حدثنا عبد الله بن مسلمة القعنبي ].

    هو عبد الله بن مسلمة بن قعنب القعنبي ، وهو ثقة، أخرج له أصحاب الكتب الستة إلا ابن ماجة .

    [ عن مالك ].

    هو مالك بن أنس الإمام المحدث الفقيه، أحد أصحاب المذاهب الأربعة المشهورة من مذاهب أهل السنة، وحديثه أخرجه أصحاب الكتب الستة.

    [ عن ابن شهاب ].

    وهو: محمد بن مسلم بن عبيد الله بن شهاب الزهري ، وهو ثقة فقيه، أخرج له أصحاب الكتب الستة.

    [ أن سهل بن سعد ].

    هو سهل بن سعد الساعدي ، صاحب رسول الله صلى الله عليه وسلم، وحديثه أخرجه أصحاب الكتب الستة.

    وهذا الإسناد من الأسانيد العالية عند أبي داود ، وهي الرباعيات، حيث إن بين أبي داود ورسول الله صلى الله عليه وسلم أربعة أشخاص وهم: القعنبي ومالك والزهري وسهل بن سعد الساعدي رضي الله عنه.

    شرح حديث سهل بن سعد في اللعان من طريق أخرى

    قال المصنف رحمه الله تعالى: [ حدثنا عبد العزيز بن يحيى حدثني محمد -يعني: ابن سلمة - عن محمد بن إسحاق حدثني عباس بن سهل عن أبيه (أن النبي صلى الله عليه وسلم قال لـعاصم بن عدي رضي الله عنه: أمسك المرأة عندك حتى تلد) ].

    أورد أبو داود الحديث من طريق أخرى، وفيه أنها كانت حاملاً وأن النبي صلى الله عليه وسلم قال لـعاصم : (أمسك المرأة عندك حتى تلد)، وهذا بعدما حصلت الملاعنة، وهذا يدل على أن المرأة الملاعنة بعد اللعان لا سكنى لها ولا نفقة على زوجها الذي لاعنها، وأنها تذهب منه، وقال الرسول صلى الله عليه وسلم لـعاصم : (أمسك المرأة عندك حتى تلد)؛ لأنها ما دامت حاملاً فلا سبيل إلى زواجها، وزوجها الأول لا سبيل لها إلى الرجوع إليه؛ لأنها حرمت عليه على التأبيد.

    وقوله لـعاصم : (أمسك المرأة عندك حتى تلد) ؛ لأن عويمراً وزوجته عاصم بن عدي بينهم قرابة، وأما تخصيص عاصم بإمساكها، فقد يكون محرماً من محارمها أو قريبها، والله أعلم.

    تراجم رجال إسناد حديث سهل بن سعد في اللعان من طريق أخرى

    قوله: [ حدثنا عبد العزيز بن يحيى ].

    عبد العزيز بن يحيى صدوق ربما وَهِمَ، أخرج له أبو داود والنسائي .

    [ حدثني محمد يعني: ابن سلمة ].

    هو محمد بن سلمة الحراني الباهلي ، وهو ثقة، أخرج له البخاري في (جزء القراءة) ومسلم وأصحاب السنن.

    [ عن محمد بن إسحاق ].

    هو محمد بن إسحاق المدني ، وهو صدوق، أخرج حديثه البخاري تعليقاً ومسلم وأصحاب السنن، وهو مدلس وقد صرح بالتحديث هنا.

    [ حدثني عباس بن سهل ].

    وهو عباس بن سهل الساعدي ، وهو ثقة، أخرج له أصحاب الكتب الستة إلا النسائي .

    [ عن أبيه ].

    وهو سهل الساعدي ، وقد مرّ ذكره.

    ومما يقال: إن الصحابة ليس فيهم من يُكَنّى بأبي العباس إلا سهل بن سعد وعبد الله بن عباس بن عبد المطلب رضي الله تعالى عنهما، فهما اللذان عُرِفا بالتكنية بأبي العباس، وعباس الذي في هذا الإسناد هو عباس بن سهل الذي يكنّى به أبوه سهل بن سعد .

    شرح حديث سهل بن سعد (... ثم خرجت حاملاً فكان الولد يدعى إلى أمه) وتراجم رجاله

    قال المصنف رحمه الله تعالى: [ حدثنا أحمد بن صالح حدثنا ابن وهب أخبرني يونس عن ابن شهاب عن سهل بن سعد الساعدي قال: (حضرت لعانهما عند النبي صلى الله عليه وسلم وأنا ابن خمس عشرة سنة، وساق الحديث، قال فيه: ثم خَرَجَتْ حاملاً فكان الولد يدعى إلى أمه) ].

    أورد أبو داود حديث سهل بن سعد أنه حضر اللعان وعمره خمس عشرة سنة، وأنها خرجت حاملاً، وأن الولد كان يُنسب إلى أمه؛ لأن الأمومة محققة، فهي التي ولدته، وأما زوج أمه فقد فإنه نفاه باللعان، فانتفى عنه بلعانه فلا يكون منسوباً إليه، بل ينسب إلى أمه.

    قوله: [ حدثنا أحمد بن صالح ].

    هو أحمد بن صالح المصري ، ثقة، أخرج له البخاري وأبو داود والترمذي في الشمائل.

    [ حدثنا ابن وهب ].

    وهو: عبد الله بن وهب المصري ، ثقة فقيه، أخرج له أصحاب الكتب الستة.

    [ أخبرني يونس ].

    هو يونس بن يزيد الأيلي ثم المصري، ثقة، أخرج له أصحاب الكتب الستة.

    [ عن ابن شهاب عن سهل بن سعد ].

    وقد مر ذكرهما.

    شرح حديث (أبصروها فإن جاءت به أدعج العينين عظيم الإليتين فلا أراه إلا قد صدق...)

    قال المصنف رحمه الله تعالى: [ حدثنا محمد بن جعفر الوركاني أخبرنا إبراهيم -يعني: ابن سعد - عن الزهري عن سهل بن سعد في خبر المتلاعنين قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (أبصروها فإن جاءت به أدعج العينين، عظيم الإليتين، فلا أراه إلا قد صدق، وإن جاءت به أحيمر كأنه وحرة فلا أراه إلا كاذباً.

    قال: فجاءت به على النعت المكروه) ].

    قوله: [ (أبصروها فإن جاءت به أدعج العينين، عظيم الإليتين فلا أراه إلا قد صدق) ] أي: إذا كان أدعج العينين، عظيم الإليتين، فيكون شبيهاً بالمتهم الذي اتهمه بالزنا بامرأته، وإن أتت به: [ (أحيمر كأنه وَحْرة) ] والوحرة: هي دويبة تلصق بالأرض، ولونها قريب من لون التراب.

    قوله: [ (فلا أراه إلا كاذباً) ] أي: إذا أتت به على هذا الوصف الذي يشبه عويمر فيكون كاذباً عليها، وإن أتت به على ذلك الوصف الذي يشبه الرجل الذي اتهمت به: [ (فلا أراه إلا صادقاً).

    قوله: [ (فجاءت به على النعت المكروه) ]، أي: أنه على صورة ذلك الرجل الذي اتهمت فيه: أدعج العينين، سابغ الإليتين.

    تراجم رجال إسناد حديث (أبصروها فإن جاءت به أدعج العينين، عظيم الإليتين فلا أراد إلا صادقاً)

    قوله: [ حدثنا محمد بن جعفر الوركاني ].

    محمد بن جعفر الوركاني ثقة، أخرج له مسلم وأبو داود والنسائي .

    [ أخبرنا إبراهيم يعني: ابن سعد ].

    إبراهيم بن سعد ثقة، أخرج له أصحاب الكتب الستة.

    [ عن الزهري عن سهل بن سعد ].

    الزهري وسهل بن سعد قد مر ذكرهما.

    إسناد آخر لحديث (أبصروها فإن جاءت به أدعج العينين) وتراجم رجاله

    قال المصنف رحمه الله تعالى: [ حدثنا محمود بن خالد الدمشقي حدثنا الفريابي عن الأوزاعي عن الزهري عن سهل بن سعد الساعدي رضي الله عنهما بهذا الخبر، قال: (فكان يدعى -يعنى: الولد- لأمه) ].

    أورد المصنف هذا الحديث من طريق أخرى، وفيه: أن الولد كان يدعى لأمه؛ لأنه قد انتفي من جهة الزوج باللعان.

    قوله: [ حدثنا محمود بن خالد الدمشقي ].

    محمود بن خالد الدمشقي ، ثقة، أخرج له أبو داود والنسائي وابن ماجة .

    [ حدثنا الفريابي ].

    هو محمد بن يوسف الفريابي ، ثقة، أخرج له أصحاب الكتب الستة.

    [ عن الأوزاعي ].

    هو عبد الرحمن بن عمرو الأوزاعي أبو عمر ، فقيه الشام ومحدثها، أخرج له أصحاب الكتب الستة.

    [ عن الزهري عن سهل بن سعد ].

    الزهري وسهل بن سعد قد مر ذكرهما.

    شرح حديث سهل بن سعد في قصة عويمر (فطلقها ثلاث تطليقات عند رسول الله صلى الله عليه وسلم)

    قال المصنف رحمه الله تعالى: [ حدثنا أحمد بن عمرو بن السرح حدثنا ابن وهب عن عياض بن عبد الله الفهري وغيره عن ابن شهاب عن سهل بن سعد في هذا الخبر قال: (فطلقها ثلاث تطليقات عند رسول الله صلى الله عليه وسلم، فأنفذه رسول الله صلى الله عليه وسلم، وكان ما صُنع عند النبي صلى الله عليه وسلم سنة) ].

    أورد أبو داود حديث سهل بن سعد رضي الله عنه من طريق أخرى، وفيه ما في الرواية الأولى من أنه قال: (إن أمسكتها كذبت عليها، فطلقها ثلاثاً قبل أن يأمره رسول الله صلى الله عليه وسلم بذلك) أي: أنه من عنده.

    وقوله: [ (فأنفذه الرسول صلى الله عليه وسلم) ]، ليس المقصود أنه أنفذ الطلاق وإنما أنفذ الفراق الذي تم بحصول التلاعن بينهما، والتطليق الذي جاء في غير محله إنما هو من عويمر رضي الله عنه؛ من أجل أن يبرر موقفه ويبرئ ساحته، وأنه صادق فيما يقول، وأنها كاذبة فيما تزعمه من صدقها.

    والنبي صلى الله عليه وسلم لم ينكر عليه تطليقه بالثلاث في مجلس واحد؛ لأنه في غير محله، ولأن الرجل أراد أن يبادر هو بالتخلص والبراءة منها لإثبات صدقة، ولعله لم يكن يعلم أن التلاعن يحصل به الفراق دون الحاجة إلى طلاق.

    تراجم رجال إسناد حديث سهل بن سعد في قصة عويمر (فطلقها ثلاث تطليقات عند رسول الله صلى الله عليه وسلم)

    قوله: [ حدثنا أحمد بن عمرو بن السرح ].

    أحمد بن عمرو بن السرح ، ثقة، أخرج حديثه مسلم وأبو داود والنسائي وابن ماجة .

    [ حدثنا ابن وهب ].

    هو عبد الله بن وهب المصري ، ثقة فقيه، أخرج له أصحاب الكتب الستة.

    [ عن عياض بن عبد الله الفهري ].

    عياض بن عبد الله الفهري فيه لين، أخرج له مسلم وأبو داود والنسائي وابن ماجة .

    [ وغيره ].

    أي: أن هذه الرواية جاءت عن عياض بن عبد الله وغيره.

    [ عن ابن شهاب عن سهل بن سعد ].

    وقد مر ذكرهما.

    قوله: [ قال سهل : (حضرت هذا عند رسول الله صلى الله عليه وسلم، فمضت السنة بعد في المتلاعنين أن يفرق بينهما ثم لا يجتمعان أبداً) ].

    أي: لا يجتمعان بعد تلاعنهما أبداً، أي: أن التحريم يكون على التأبيد، فلا سبيل له إلى أن يتزوجها بأي حال من الأحوال.

    شرح حديث سهل بن سعد في قصة عويمر (ففرق بينهما رسول الله صلى الله عليه وسلم حين تلاعنا)

    قال المصنف رحمه الله تعالى: [ حدثنا مسدد ووهب بن بيان وأحمد بن عمرو بن السرح وعمرو بن عثمان قالوا: حدثنا سفيان عن الزهري عن سهل بن سعد، قال مسدد : (شهدت المتلاعنين على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم وأنا ابن خمس عشرة، ففرق بينهما رسول الله صلى الله عليه وسلم حين تلاعنا) وتم حديث مسدد .

    وقال الآخرون: (إنه شهد النبي صلى الله عليه وسلم فرق بين المتلاعنين، فقال الرجل: كذبت عليها يا رسول الله! إن أمسكتها، لم يقل بعضهم: عليها) ].

    أورد أبو داود حديث سهل بن سعد من طريق أخرى عن أربعة من شيوخه، أولهم: مسدد ، فذكر لفظ الحديث على رواية مسدد إلى قوله: [ (.. حين تلاعنا) ] وذكر رواية الشيوخ الآخرين الثلاثة بعد مسدد أنهم قالوا: (إنه شهد)، بصيغة الغائب والإخبار عنه أنه شهد، وفي رواية مسدد قال: [ (شهدت) ].

    تراجم رجال إسناد حديث سهل بن سعد في قصة عويمر (ففرق بينهما رسول الله صلى الله عليه وسلم حين تلاعنا)

    قوله: [ حدثنا مسدد ].

    مسدد بن مسرهد البصري ثقة، أخرج حديثه البخاري وأبو داود والترمذي والنسائي .

    [ ووهب بن بيان ].

    وهب بن بيان ثقة، أخرج له أبو داود والنسائي .

    [ وأحمد بن عمرو بن السرح وعمرو بن عثمان ].

    أحمد بن عمرو بن السرح مر ذكره، وعمرو بن عثمان بن سعيد بن كثير الحمصي صدوق، أخرج حديثه أبو داود والنسائي وابن ماجة .

    [ قالوا: حدثنا سفيان ].

    (قالوا) أي: جميعاً، (حدثنا سفيان) وهو : ابن عيينة المكي ، ثقة، أخرج له أصحاب الكتب الستة.

    [ عن الزهري عن سهل بن سعد ].

    وقد مر ذكرهما.

    قوله: [ قال أبو داود : لم يتابع ابن عيينة أحد على أنه فرق بين المتلاعنين ].

    أي: لم يتابع ابن عيينة أحد على ذلك في رواية الزهري ، لكن قد تابعه الزبيدي في رواية ذلك عن الزهري .

    وقد صحح هذا الحديث الشيخ الألباني رحمه الله، إلا أنه لم يذكر رواية مسدد ، ورواية مسدد متفقة مع الروايات الأخرى.

    شرح حديث سهل بن سعد في قصة عويمر (فكان ابنها يدعى إليها، ثم جرت السنة في الميراث أن يرثها وترث منه...) وتراجم رجال إسناده

    قال المصنف رحمه الله تعالى: [ حدثنا سليمان بن داود العتكي حدثنا فليح عن الزهري عن سهل بن سعد في هذا الحديث: (وكانت حاملاً فأنكر حملها، فكان ابنها يدعى إليها، ثم جرت السنة في الميراث أن يرثها وترث منه ما فرض الله عز وجل لها) ].

    أورد أبو داود هذا الحديث من طريق أخرى، وفيه: أنه يُنسب إليها ابنها، وأنه يرثها وترثه؛ لأنه منسوب إليها.

    قوله: [ حدثنا سليمان بن داود العتكي ].

    هو أبو الربيع الزهراني ، وهو ثقة، أخرج حديثه البخاري ومسلم وأبو داود والنسائي .

    [ عن فليح ].

    هو فليح بن سليمان ، وهو صدوق كثير الخطأ، أخرج حديثه أصحاب الكتب الستة.

    [ عن الزهري عن سهل بن سعد ].

    وقد مرّ ذكرهما.

    شرح حديث ابن مسعود (... فتلاعنا، فشهد الرجل أربع شهادات بالله إنه لمن الصادقين ...)

    قال المصنف رحمه الله تعالى: [ حدثنا عثمان بن أبي شيبة حدثنا جرير عن الأعمش عن إبراهيم عن علقمة عن عبد الله بن مسعود أنه قال: (إنا لَلَيْلة جمعة في المسجد إذ دخل رجل من الأنصار في المسجد فقال: لو أن رجلاً وجد مع امرأته رجلاً فتكلم به جلدتموه أو قَتَل قتلتموه، فإن سَكَتَ سَكَتَ على غيظ، والله لأسألن عنه رسول الله صلى الله عليه وسلم، فلما كان من الغد أتى رسول الله صلى الله عليه وسلم فسأله، فقال: لو أن رجلاً وجد مع امرأته رجلاً فتكلم به جلدتموه، أو قتل قتلتموه، أو سكت سكت على غيظ، فقال: اللهم افتح! وجعل يدعو, فنزلت آية اللعان: (( وَالَّذِينَ يَرْمُونَ أَزْوَاجَهُمْ وَلَمْ يَكُنْ لَهُمْ شُهَدَاءُ إِلَّا أَنفُسُهُمْ ))[النور:6] هذه الآية، فابتلي به ذلك الرجل من بين الناس، فجاء هو وامرأته إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فتلاعنا، فشهد الرجل أربع شهادات بالله إنه لمن الصادقين، ثم لعن الخامسة عليه إن كان من الكاذبين، قال: فذهبت لتلتعن فقال لها النبي صلى الله عليه وسلم: مه! فأبت، ففعلت، فلما أدبرا قال: لعلها أن تجيء به أسود جعداً، فجاءت به أسود جعداً) ].

    أورد أبو داود حديث عبد الله بن مسعود رضي الله تعالى عنه، والطرق التي مضت كلها عن سهل بن سعد الساعدي رضي الله عنه، وهذه الطريق عن عبد الله بن مسعود رضي الله عنه أنه جاء رجل من الأنصار إلى جماعة من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم وقال: إن الرجل لو وجد مع أهله رجلاً فإذا قتله قتلوه، وإذا سكت سكت على غيظ، وحلف أنه سيسأل رسول الله صلى الله عليه وسلم، فسأله وقال: اللهم افتح! ثم إن الله تعالى أنزل في الأنصاري وفي صاحبته قرآناً، فدعاهما رسول الله فتلاعنا عنده، فشهد الرجل أربع شهادات بالله إنه لمن الصادقين، ثم لعن الخامسة، أي: لعنة الله عليه إن كان من الكاذبين.

    قوله: [ (فابتلي به ذلك الرجل من بين الناس) ]، وهناك مقولة بعض أهل العلم وهي: (البلاء موكل بالمنطق)!

    وهذا من الأمثلة، ولعل الرجل سأل وهو لم يحصل له شيء فابتلي بذلك، وهذه المقولة مفادها: أن على الإنسان أن يحذر من أن يظن الظنون السيئة، أو يحصل منه أشياء قد يبتلى بها، كما حصل لهذا الرجل الذي سأل عن هذا السؤال فابتلي به.

    ولما فرغ زوجها من اللعان جاءت لتأتي بشهاداتها بأنه من الكاذبين، والخامسة أن غضب الله عليها إن كان من الصادقين، فقال لها صلى الله عليه وسلم: [ (مه!) ]، يريد منها أن تتريث وألا تستعجل، وأن تخبر بالحقيقة.

    قوله: [ (فأبت) ].

    أي: أبت أن تترك الملاعنة.

    قوله: [ (ففعلت) ]، أي: فعلت الملاعنة.

    [ (فلما أدبرا قال: لعلها أن تجيء به أسود جعداً، فجاءت به أسود جعداً) ].

    أي: جعد الشعر وليس سبط الشعر، والسبط هو: المسترسل، والجعد: ليس مسترسلاً وإنما فيه انكماش وتجعد.

    قوله: [ (فجاءت به أسود جعداً) ].

    أي: مشابهاً للرجل الذي اتهمت به.

    تراجم رجال إسناد حديث ابن مسعود (... فتلاعنا، فشهد الرجل أربع شهادات بالله إنه لمن الصادقين...)

    قوله: [ حدثنا عثمان بن أبي شيبة ].

    عثمان بن أبي شيبة ثقة، أخرج له أصحاب الكتب الستة إلا الترمذي والنسائي ؛ فإنه أخرج له في عمل اليوم والليلة.

    [ حدثنا جرير ].

    جرير بن عبد الحميد الضبي الكوفي ، ثقة، أخرج له أصحاب الكتب الستة.

    [ عن الأعمش ].

    سليمان بن مهران الكاهلي الكوفي ، ثقة، أخرج له أصحاب الكتب الستة.

    [ عن إبراهيم ].

    إبراهيم بن يزيد بن قيس النخعي الكوفي ، ثقة، أخرج له أصحاب الكتب الستة.

    [ عن علقمة ].

    علقمة بن قيس النخعي ، وهو ثقة، أخرج له أصحاب الكتب الستة.

    [ عن عبد الله بن مسعود ].

    عبد الله بن مسعود رضي الله تعالى عنه، صاحب رسول الله صلى الله عليه وسلم، وحديثه أخرجه أصحاب الكتب الستة.

    شرح حديث ابن عباس (أن هلال بن أمية قذف امرأته عند رسول الله صلى الله عليه وسلم بشريك بن سحماء...)

    قال المصنف رحمه الله تعالى: [ حدثنا محمد بن بشار حدثنا ابن أبي عدي أخبرنا هشام بن حسان حدثني عكرمة عن ابن عباس (أن هلال بن أمية قذف امرأته عند رسول الله صلى الله عليه وسلم بـشريك بن سحماء ، فقال النبي صلى الله عليه وسلم: البينة أو حَدٌّ في ظهرك، قال: يا رسول الله! إذا رأى أحدنا رجلاً على امرأته يلتمس البينّة؟! فجعل النبي صلى الله عليه وسلم يقول: البينة وإلا فحد في ظهرك، فقال هلال : والذي بعثك بالحق نبياً إني لصادق، ولينزلن الله في أمري ما يبرئ به ظهري من الحد, فنزلت: وَالَّذِينَ يَرْمُونَ أَزْوَاجَهُمْ وَلَمْ يَكُنْ لَهُمْ شُهَدَاءُ إِلَّا أَنفُسُهُمْ [النور:6] فقرأ حتى بلغ: مِنَ الصَّادِقِينَ [النور:9]، فانصرف النبي صلى الله عليه وسلم، فأرسل إليهما فجاءا، فقام هلال بن أمية فشهد والنبي صلى الله عليه وآله وسلم يقول: الله يعلم أن أحدكما كاذب فهل منكما من تائب؟! ثم قامت فشهدت، فلما كان عند الخامسة: أن غضب الله عليها إن كان من الصادقين قالوا لها: إنها موجبة، قال ابن عباس : فتلكأت ونكصت حتى ظننا أنها سترجع، فقالت: لا أفضح قومي سائر اليوم، فمضت، فقال النبي صلى الله عليه وسلم: أبصروها فإن جاءت به أكحل العينين، سابغ الإليتين، خدلج الساقين فهو لـشريك بن سحماء ، فجاءت به كذلك، فقال النبي صلى الله عليه وسلم: لولا ما مضى من كتاب الله لكان لي ولها شأن) ].

    أورد أبو داود حديث عبد الله بن عباس رضي الله تعالى عنهما في قصة أخرى حصلت لـهلال بن أمية رضي الله عنه، وهو أحد الثلاثة الذين خلفوا في غزوة تبوك.

    قوله: [ (قذف امرأته عند رسول الله صلى الله عليه وسلم) ].

    أي: قذفها بالزنا، فقال له النبي صلى الله عليه وسلم: (البينة أو حد في ظهرك) أي: إما أن تقيم البينة وتسلم من الحد، أو أنك تُجلد حدّ القذف وهو ثمانون جلدة.

    فحلف إنه لصادق، ولينزلنّ الله ما يبرئ ساحته ويثبت أنه صادق فيما قال، فأنزل الله عز وجل الآيات التي في سورة النور: وَالَّذِينَ يَرْمُونَ أَزْوَاجَهُمْ وَلَمْ يَكُنْ لَهُمْ شُهَدَاءُ إِلَّا أَنفُسُهُمْ فَشَهَادَةُ أَحَدِهِمْ أَرْبَعُ شَهَادَاتٍ بِاللَّهِ إِنَّهُ لَمِنَ الصَّادِقِينَ * وَالْخَامِسَةُ أَنَّ لَعْنَةَ اللَّهِ عَلَيْهِ إِنْ كَانَ مِنَ الْكَاذِبِينَ * وَيَدْرَؤاْ عَنْهَا الْعَذَابَ أَنْ تَشْهَدَ أَرْبَعَ شَهَادَاتٍ بِاللَّهِ إِنَّهُ لَمِنَ الْكَاذِبِينَ * وَالْخَامِسَةَ أَنَّ غَضَبَ اللَّهِ عَلَيْهَا إِنْ كَانَ مِنَ الصَّادِقِينَ [النور:6-9] فدعا بهما فتلاعنا.

    قوله: [ (الله يعلم أن أحدكما كاذب، فهل منكما من تائب) ].

    أي: عرض عليهما التوبة وألا يُقدِمَا على هذه الملاعنة، فأراد أن يتبين الأمر بدون ذلك؛ ولكنهما استمرا على ذلك، وكان هلال صادقاً فيما قال.

    قوله: [ (إن جاءت به أكحل العينين، سابغ الإليتين، خدلج الساقين، فهو لـشريك بن سحماء)، وهو الذي اتُّهمت به، فجاءت به كذلك، فقال النبي صلى الله عليه وسلم: [ (لولا ما مضى من كتاب الله لكان لي ولها شأن) ].

    أي: لولا ما مضى من الحكم باللعان وهو من كتاب الله، لكان له معها شأن آخر، يعني: أنها هي الكاذبة فيما قالت، وهو صادق فيما قال.

    قوله: [ (أكحل العينين) ] أي: شدة سواد في شدة بياض.

    [ (سابغ الإليتين) ] أي: كبير الإليتين.

    [ (خدلج الساقين) ] أي: غليظ الساقين.

    تراجم رجال حديث ابن عباس (أن هلال بن أمية قذف امرأته عند رسول الله صلى الله عليه وسلم بشريك بن سحماء...)

    قوله: [ حدثنا محمد بن بشار ].

    هو الملقّب بندار البصري ، ثقة، أخرج له أصحاب الكتب الستة، بل هو شيخ لأصحاب الكتب الستة.

    [ حدثنا ابن أبي عدي ].

    هو محمد بن إبراهيم بن أبي عدي ، وهو ثقة، أخرج له أصحاب الكتب الستة.

    [ أخبرنا هشام بن حسان ].

    هشام بن حسان ، ثقة، أخرج له أصحاب الكتب الستة.

    [ حدثني عكرمة ].

    هو عكرمة مولى بن عباس ، ثقة، أخرج له أصحاب الكتب الستة.

    [ عن ابن عباس ].

    هو عبد الله بن عباس بن عبد المطلب ، ابن عم النبي صلى الله عليه وسلم، وأحد العبادلة الأربعة من الصحابة، وأحد السبعة المعروفين بكثرة الحديث عن النبي صلى الله عليه وسلم.

    [ قال أبو داود : وهذا مما تفرد به أهل المدينة: حديث ابن بشار حديث هلال ].

    أي: أن حديث ابن عباس تفرد به أهل المدينة، وقوله: (حديث ابن بشار) وهو شيخ أبي داود (حديث هلال) أي: قصة ملاعنته لزوجته.

    سبب نزول قوله تعالى (والذين يرمون أزواجهم ولم يكن لهم شهداء إلا أنفسهم ...) الآيات

    وبعض الناس قد يستشكل هذه الرواية حيث أنه سبق أن الآيات نزلت في عويمر وبعض العلماء يذكر أن الآيات نزلت في هلال ، فقيل في سبب نزول قوله تعالى: وَالَّذِينَ يَرْمُونَ أَزْوَاجَهُمْ وَلَمْ يَكُنْ لَهُمْ شُهَدَاءُ إِلَّا أَنفُسُهُمْ [النور:6] الآيات، قولان:

    الأول: أنها نزلت في قصة هلال بن أمية ، وأن قصة عويمر وقعت بعد نزولها، وقوله في الحديث: [ (قد أنزل الله فيك وفي صاحبتك قرآناً) ] يعني: قد نزل فيما مضى، وليس معناه: أن الآيات نزلت في قصته ابتداءً، بل سبق أن أُنزل، والإشارة في النزول إلى شيء سابق وليس إلى شيء جديد.

    الثاني: أن قصة هلال وعويمر وقعتا في وقت متقارب، بحيث جاء هلال وسأل، وحصل منه ما حصل، وجاء عويمر وحصل منه ما حصل، ونزل القرآن في بيان الحكم لكل من القصتين.

    شرح حديث (أن النبي صلى الله عليه وسلم أمر رجلاً حين أمر المتلاعنين أن يتلاعنا أن يضع يده على فيه عند الخامسة ويقول إنها موجبة)

    قال المصنف رحمه الله تعالى: [ حدثنا مخلد بن خالد الشعيري حدثنا سفيان عن عاصم بن كليب عن أبيه عن ابن عباس رضي الله عنهما (أن النبي صلى الله عليه وسلم أمر رجلاً حين أمر المتلاعنين أن يتلاعنا أن يضع يده على فيه عند الخامسة ويقول: إنها موجبة) ].

    أورد أبو داود حديث ابن عباس بهذا الإسناد.

    قوله: [ (أمر رجلاً أن يضع يده على فيه) ] أي: لكي يمنعه من أن يأتي بالشهادة الخامسة.

    قوله: [ (عند الخامسة) ] أي: عند الشهادة الخامسة.

    قوله: [ (إنها موجبة) ] أي: أنه إذا قالها فإنه يحصل له العذاب واللعنة إن كان كاذباً، فأمره أن يضع يده على فيه من أجل أن يبين له أنه إذا كان كاذباً فإنه يمسك ولا يأتي بها؛ لأنه إن قالها كاذباً فإنه يكون قد حصل منه تمام اللعان فيستحق بذلك العذاب واللعنة من الله.

    تراجم رجال إسناد حديث (أن النبي أمر رجلاً حين أمر المتلاعنين أن يتلاعنا أن يضع يده على فيه عند الخامسة ويقول إنها موجبة)

    قوله: [ حدثنا مخلد بن خالد الشعيري ].

    مخلد بن خالد الشعيري ثقة، أخرج له مسلم وأبو داود .

    [ حدثنا سفيان ].

    هو سفيان بن عيينة ، وقد مر ذكره.

    [ عن عاصم بن كليب ].

    عاصم بن كليب صدوق، أخرج حديثه البخاري تعليقاً ومسلم وأصحاب السنن.

    [ عن أبيه ].

    وهو كليب بن شهاب ، وهو صدوق، أخرج حديثه البخاري في رفع اليدين وأصحاب السنن.

    [ عن ابن عباس ].

    ابن عباس قد مر ذكره.

    شرح حديث ابن عباس في الملاعنة من طريق أخرى

    قال المصنف رحمه الله تعالى: [ حدثنا الحسن بن علي حدثنا يزيد بن هارون حدثنا عباد بن منصور عن عكرمة عن ابن عباس قال: (جاء هلال بن أمية -وهو أحد الثلاثة الذين تاب الله عليهم- فجاء من أرضه عشياً فوجد عند أهله رجلاً، فرأى بعينه وسمع بأذنه، فلم يُهجْه حتى أصبح، ثم غدا على رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: يا رسول الله! إني جئت أهلي عشاءً فوجدت عندهم رجلاً، فرأيت بعيني وسمعت بأذني، فكره رسول الله صلى الله عليه وسلم ما جاء به واشتد عليه، فنزلت: وَالَّذِينَ يَرْمُونَ أَزْوَاجَهُمْ وَلَمْ يَكُنْ لَهُمْ شُهَدَاءُ إِلَّا أَنفُسُهُمْ فَشَهَادَةُ أَحَدِهِمْ [النور:6] الآيتين كلتيهما، فسُرّي عن رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: أبشر يا هلال ! قد جعل الله عز وجل لك فرجاً ومخرجاً، قال هلال : قد كنت أرجو ذلك من ربي، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: أرسلوا إليها، فجاءت، فتلا عليهما رسول الله صلى الله عليه وسلم وذكرهما، وأخبرهما أن عذاب الآخرة أشد من عذاب الدنيا.

    فقال هلال : والله لقد صدقت عليها، فقالت: قد كذب، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: لاعنوا بينهما، فقيل لـهلال : اشهد، فشهد أربع شهادات بالله إنه لمن الصادقين، فلما كانت الخامسة قيل له: يا هلال ! اتق الله فإن عذاب الدنيا أهون من عذاب الآخرة، وإن هذه الموجبة التي توجب عليك العذاب، فقال: والله! لا يعذبني الله عليها كما لم يُجلِدني عليها، فشهد الخامسة أن لعنة الله عليه إن كان من الكاذبين، ثم قيل لها: اشهدي، فشهدت أربع شهادات بالله إنه لمن الكاذبين، فلما كانت الخامسة قيل لها: اتقي الله فإن عذاب الدنيا أهون من عذاب الآخرة، وإن هذه الموجبة التي توجب عليك العذاب، فتلكأت ساعة ثم قالت: والله لا أفضح قومي! فشهدت الخامسة أن غضب الله عليها إن كان من الصادقين، ففرق رسول الله صلى الله عليه وسلم بينهما، وقضى ألا يدعى ولدها لأب، ولا تُرمى ولا يُرمى ولدها، ومن رماها أو رمى ولدها فعليه الحد، وقضى ألّا بيت لها عليه ولا قوت؛ من أجل أنهما يتفرقان من غير طلاق ولا متوفى عنها، وقال: إن جاءت به أُصيهِب أُريصِح أثُيبِج، حمْشَ الساقين، فهو لـهلال ، وإن جاءت به أورق، جعداً، جُمالياً، خَدَلجَّ الساقين، سابغ الإليتين، فهو للذي رَميت به، فجاءت به أورق، جعداً، جُمالياً، خدلجّ الساقين، سابغ الإليتين، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: لولا الأيمان لكان لي ولها شأن.

    قال عكرمة : فكان بعد ذلك أميراً على مصر وما يدعى لأب) ].

    أورد أبو داود حديث ابن عباس رضي الله عنهما في قصة هلال بن أمية وقذفه لامرأته بالزنا وتلاعنهما، وهو مشتمل على أمور متفقة مع ما مضى في الروايات، ومنفرد في أمور.

    قوله: [ (جاء هلال بن أمية -وهو أحد الثلاثة الذين تاب الله عليهم- فجاء من أرضه عشياً فوجد عند أهله رجلاً، فرأى بعينه وسمع بأذنه، فلم يهجه حتى أصبح) ].

    قوله: (لم يهجه) ليس معنى ذلك أنه لم يحرك ساكناً وأنه تركه، وإنما المقصود أنه ما قتله وما حصل منه ضرب أو تعذيب له، وليس معنى ذلك أنه بات عندهم، فهذا لا يكون ولا يتصور، فلا شك أنه قد ذهب ولم يبق، وكذلك أيضاً لم يحصل منه أن جاء في الليل إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم وأخبره الخبر، وإنما انتظر حتى أصبح، فجاء وأخبر النبي صلى الله عليه وسلم، هذا هو الذي يُفهم من قوله: (فلم يهجه).

    قوله: [ (ثم غدا على رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: يا رسول الله! إني جئت أهلي عشاءً فوجدت عندهم رجلاً فرأيت بعيني وسمعت بأذني، فكره رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم ما جاء به واشتد عليه) ].

    لأن هذا أمر عظيم وشيء خطير، فحصول مثل هذا الأمر المنكر وهذه الفاحشة العظيمة هذا أمر مؤلم للنفس، ومكدّر للخاطر.

    قوله: [ (فنزلت: وَالَّذِينَ يَرْمُونَ أَزْوَاجَهُمْ وَلَمْ يَكُنْ لَهُمْ شُهَدَاءُ إِلَّا أَنفُسُهُمْ فَشَهَادَةُ أَحَدِهِمْ الآيتين كلتيهما) ].

    أي: نزلت الآيتين في هذه المناسبة.

    قوله: [ (فسُرّي عن رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقال: أبشر يا هلال قد جعل الله عز وجل لك فرجاً ومخرجاً) ].

    وهذا يدل على أن نزول هذه الآيات إنما كان عند حدوث هذه القصة؛ لأن قوله: [ (فسُرّي) أي: ذهب عن الرسول صلى الله عليه وسلم ما حصل له من الشدة عند نزول الوحي عليه، فهذا يؤكد أن آية الملاعنة إنما نزلت في قصة هلال وليس في قصة عويمر .

    قوله: [ (فلما كانت الخامسة قيل له: يا هلال ! اتق الله فإن عذاب الدنيا أهون من عذاب الآخرة، وإن هذه الموجبة التي توجب عليك العذاب، فقال: والله لا يعذبني الله عليها كما لم يُجلدني عليها) ].

    أي: لا يعذبني عليها في الآخرة كما لم يجلدني الجلد الحاصل بسبب القذف، أي: أنه قد برئ ولم يحصل له الجلد من أجل كونه اتهمها بالزنا؛ لأنه صادق وأنزل الله تعالى فيه قرآناً.

    وأما من قال: يُجلدني عليها: مأخوذ من الجَلَد والصبر، فهذا بعيد عن سياق الحديث، بل يبدو أنه من الجَلْد الذي هو عقوبة القذف.

    قوله: (تلكأت) أي: توقفت، وظنوا أنها سوف تترك الملاعنة، ولكنها قالت: (لا أفضح قومي سائر اليوم) أي: لا أفضح أهلي في المستقبل.

    قوله: [ (ففرق رسول الله صلى الله عليه وسلم بينهما، وقضى: ألا يدعى ولدها لأب) ].

    أي: لا يُدعى الولد للذي لاعن؛ لأنه نفاه باللعان، ولا يدعى للزاني؛ لأن الزاني لا ينسب له ولد، ولا يضاف إليه ولد، وليس له إلا الحجر، كما قال ذلك رسول الله صلى الله عليه وسلم: (الولد للفراش، وللعاهر الحجر) والفراش هنا قد نُفي بالملاعنة، فكان ينسب إلى أمه.

    قوله: [ (ومن رماها أو رمى ولدها فعليه الحد) ].

    أي: ليس لأحد بعد ذلك أن يرميها بالزنا، ولا يرمي ولدها بأن يقول: ولد زنا؛ لأنه قد حصل الحكم الشرعي في حقهما.

    قوله: [ (وقضى ألا بيت لها عليه ولا قوت) ].

    أي: ليس لها سُكنى ولا نفقة.

    قوله: [ (من أجل أنهما يتفرقان من غير طلاق ولا متوفى عنها) ].

    لأن اللعان ليس كالطلاق الذي يمكن فيه التراجع بينهما، وكذلك ليست متوفى عنها فتكون ذات علاقة بزوجها.

    قوله: [ (وقال: إن جاءت به أُصيْهِب) ].

    وهو الذي فيه شقرة، وأُصِيهب: تصغير أصهب.

    قوله: [ (أُريصح) ].

    تصغير: أرصح، وهو خفيف الإليتين، ضد قوله: (سابغ الإليتين)، أُبدلت السين منه صاداً.

    قوله: [ (أُثيبج) ].

    تصغير: أثيج، وهو الناتئ الثَبَج، والثبج: ما بين الكاهل ووسط الظهر.

    قوله: [ (حَمش الساقين) ].

    أي: دقيق الساقين.

    قوله: [ (وإن جاءت به أورق) ].

    أورق: أي: فيه سُمره، أو شبه لون الرماد، وهو مثل لون الحمامة الورقاء.

    قوله: [ (أورق، جعداً، جُمالياً خدلّج الساقين، سابغ الإليتين) ].

    الجعد: هو جعد الشعر، فليس سبط الشعر، وإنما في شعره انكماش، وليس فيه امتداد واسترسال.

    جُمالياً: نسبة للجمال، يعني: في الضخامة.

    قوله: [ (خدلج الساقين) ].

    أي: غليظ الساقين، وهو ضد (حمش) وهو: دقيق الساقين.

    قوله: [ (فهو للذي رُميت به) ]

    وهو شريك بن سحماء .

    قوله: [ (فجاءت به أورق، جعداً، جمالياً، خدلج الساقين، سابغ الإليتين) ].

    أي: جاءت به على النعت المكروه.

    قوله: [ (فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: لولا الأيمان لكان لي ولها شأن) ].

    يقصد: الشهادات، وأطلق عليها: إيماناً لأن فيها تأكيداً وشهادة بالله، حيث إن كل واحد من المتلاعبين يقول: أشهد بالله كذا، فهذه الشهادات شبهت بالأيمان لأنها تأكيد بالقسم.

    قوله: [ (قال عكرمة : فكان بعد ذلك أميراً على مصر) ].

    أي: مصر من الأمصار، أو أنه على البلد المعروف باسم: مصر.

    قوله: [ (وما يدعى لأب) ].

    يعني: ليس له أب ينسب إليه، وإنما ينسب إلى أمه، ويمكن أيضاً أن يوضع له نسب، ويكون هذا النسب الذي وضع له مطابقاً للواقع مثل أن يقال: فلان بن عبد الله، أو فلان بن عبد الرحمن؛ لأن الكل عباد للرحمن، والكل عبيد لله، فيكون في هذا تورية.

    تراجم رجال إسناد حديث ابن عباس في الملاعنة من طريق أخرى

    قوله: [ حدثنا الحسن بن علي ].

    هو الحسن بن علي الحلواني ، ثقة، أخرج له أصحاب الكتب الستة إلا النسائي .

    [ عن يزيد بن هارون ].

    يزيد بن هارون الواسطي ، ثقة، أخرج له أصحاب الكتب الستة.

    [ عن عباد بن منصور ].

    عباد بن منصور صدوق رُمي بالقدر، وتغير بأخرة، وكان يدلس وقد روى بالعنعنة، أخرج حديثه البخاري تعليقاً وأصحاب السنن.

    وقد ضعف الإمام الألباني هذا الحديث، ولعله ضعفه من أجل هذا الراوي.

    [ عن عكرمة عن ابن عباس ].

    عكرمة وابن عباس قد مر ذكرهما.

    شرح حديث (لا مال لك، إن كنت صدقت عليها فهو بما استحللت من فرجها، وإن كنت كذبت عليها فذلك أبعد لك)

    قال المصنف رحمه الله تعالى: [ حدثنا أحمد بن حنبل حدثنا سفيان بن عيينة قال: سمع عمرو سعيد بن جبير يقول: سمعت ابن عمر رضي الله عنهما يقول: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم للمتلاعنين: (حسابكما على الله، أحدكما كاذب، لا سبيل لك عليها، قال: يا رسول الله! مالي! قال: لا مال لك؛ إن كنت صدقت عليها فبما استحللت من فرجها، وإن كنت كذبت عليها فذلك أبعد لك) ].

    قوله: [ (حسابكما على الله؛ أحدكما كاذب) ].

    أي: أنه ذكرهما بالحساب وما يجري في الآخرة، وأحدهما كاذب ولابد، وفي الرواية الأخرى: (فهل منكما من تائب)، فقد دعاهما إلى التوبة والإنابة.

    قوله: [ (لا سبيل لك عليها) ].

    أي: أن الفرقة قد حصلت، وأنها دائمة ومستمرة.

    قوله: [ (قال: يا رسول الله! مالي!) ].

    وهذا عندما قال له: (لا سبيل لك عليها) وأن الفراق قد حصل (قال: يا رسول الله! مالي!) يعني: أين مصير مالي الذي دفعته لها؟! وكيف يذهب؟! فقال له: (لا مال لك، إن كنت صادقاً فهو بما استحللت من فرجها، وإن كنت كذبت عليها فذلك أبعد لك) يعني: إن كنت كذبت عليها فذلك من باب أولى ألا تستحقه؛ وإن كنت صادقاً فأنت لا تستحقه؛ لأنه بما استحللت من فرجها.

    وهذا الحديث يدل على أن الزوج لا يرجع على الزوجة الملاعن منها بشيء من المهر، وإنما يكون المهر لها بما استحل من فرجها، قالوا: وهذا إنما يكون في المدخول بها؛ لأنه قال: (بما استحللت من فرجها)، وأما إن كان غير مدخول بها وحصلت الفرقة فإنه يكون له النصف؛ لأنه لم يستمتع بها.

    قال بعض أهل العلم: إنه يكون له النصف؛ لأنها تشبه المطلقة قبل الدخول بها وقد فرض لها، فيكون المهر على التنصيف.

    تراجم رجال إسناد حديث (لا مال لك، إن كنت صدقت عليها فهو بما استحللت من فرجها، وإن كنت كذبت عليها فذلك أبعد لك)

    قوله: [ حدثنا أحمد بن حنبل ].

    هو أحمد بن محمد بن حنبل الشيباني ، الإمام المحدث الفقيه المشهور، أحد أصحاب المذاهب الأربعة المشهورة من مذاهب أهل السنة، وحديثه أخرجه أصحاب الكتب الستة.

    [ حدثنا سفيان بن عيينة ].

    سفيان بن عيينة المكي ، وهو ثقة، أخرج له أصحاب الكتب الستة.

    [ قال: سمع عمرو ].

    وهو: عمرو بن دينار المكي ، وهو ثقة، أخرج له أصحاب الكتب الستة.

    [ سعيد بن جبير ].

    سعيد بن جبير ثقة، أخرج له أصحاب الكتب الستة.

    [ سمعت ابن عمر ].

    هو عبد الله بن عمر بن الخطاب رضي الله تعالى عنهما، وهو الصحابي الجليل أحد العبادلة الأربعة من الصحابة، وأحد السبعة المعروفين بكثرة الحديث عن النبي صلى الله عليه وسلم.

    شرح حديث (الله يعلم أن أحدكما كاذب فهل منكما تائب؟)

    قال المصنف رحمه الله تعالى: [ حدثنا أحمد بن محمد بن حنبل حدثنا إسماعيل حدثنا أيوب عن سعيد بن جبير قال: قلت لـابن عمر رضي الله عنهما: رجل قذف امرأته، قال: (فرّق رسول الله صلى الله عليه وسلم بين أخوي بني العجلان وقال: الله يعلم أن أحدكما كاذب فهل منكما تائب؟! يرددها ثلاث مرات، فأبيا، ففرق بينهما) ].

    قوله: [ (فرق رسول الله صلى الله عليه وسلم بين أخوي بني العجلان) ].

    أي: بين عويمر العجلاني وزوجته، وقال: (أَخَوَي) تغليباً لجانب الذكر على الأنثى، وإلا فإن الذي معه أنثى، فغلّب المذكر على المؤنث، وهما من بني عجلان، ففرق بينهما رسول الله صلى الله عليه وسلم.

    قوله: [ (وقال: الله يعلم أن أحدكما كاذب فهل منكما تائب؟) ] أي: أن أحدكما كاذب، والله تعالى يعلم الكاذب منكما، (فهل منكما تائب؟) أي: هل منكما من يتوب إلى الله عز وجل مما قد حصل منه؟ فهي تتوب من كونها تلبست بالزنا، وهو يتوب من كونه قذفها بالزنا، فإن تاب أحدهما فإن اللعان يسقط؛ لأن اللعان جاء بناءً على أنه رماها وهي أنكرت ذلك وليس عنده شهود.

    قوله: [ (يرددها ثلاث مرات، فأبيا ففرق بينهما) ].

    أي: أبيا أن يرجعا، فهو أبى أن يرجع عن الدعوى التي ادعاها، وهي أبت أن تقر أو تترك الملاعنة على اعتبار أنها قد حصل منها ذلك الذي ادعى عليها، ففرق بينهما رسول الله صلى الله عليه وسلم فرقة دائمة مستمرة.

    تراجم رجال إسناد حديث (الله يعلم أن أحدكما كاذب فهل منكما تائب؟)

    قوله: [ حدثنا أحمد بن محمد بن حنبل حدثنا إسماعيل ].

    أحمد بن محمد بن حنبل مرّ ذكره وإسماعيل هو: ابن إبراهيم بن مقسم ، المشهور بـابن علية ، وهو ثقة، أخرج له أصحاب الكتب الستة.

    [ حدثنا أيوب ].

    هو: أيوب بن أبي تميمة السختياني ، وهو ثقة، أخرج له أصحاب الكتب الستة.

    [ عن سعيد بن جبير قال: قلت لـابن عمر ].

    وقد مر ذكرهما.

    شرح حديث ابن عمر في الملاعنة من طريق أخرى

    قال المصنف رحمه الله تعالى: [ حدثنا القعنبي عن مالك عن نافع عن ابن عمر : (أن رجلاً لاعن امرأته في زمان رسول الله صلى الله عليه وسلم وانتفى من ولدها، ففرق رسول الله صلى الله عليه وسلم بينهما، وألحق الولد بالمرأة)

    قال أبو داود : الذي تفرد به مالك : قوله: (وألحق الولد بالمرأة) ]. أورد أبو داود حديث ابن عمر من طريق أخرى.

    قوله: [ (أن رجلاً لاعن امرأته في زمان رسول الله صلى الله عليه وسلم، وانتفى من ولدها) ].

    أي: نفى الولد وزعم أنه ليس منه، وإنما هو من زنا.

    قوله: [ (ففرق رسول الله صلى الله عليه وسلم بينهما، وألحق الولد بالمرأة) ].

    أي: ولم يلحقه بالأب؛ بسبب اللعان الذي نفى به الولد، وحصلت الحرمة والفرقة المستمرة، وألحقه بأمه فهو ينسب إليها، وقد تقدم في عدة روايات إلحاقه بأمه؛ لأن بنّوته لأمه محققة، وأما بنوته لأبيه فإنه قد أنكرها، وزعم أن الولد ليس منه وإنما هو من غيره.

    تراجم رجال إسناد حديث ابن عمر في الملاعنة من طريق أخرى

    قوله: [ حدثنا القعنبي ].

    هو عبد الله بن مسلمة بن قعنب القعنبي ، ثقة، أخرج له أصحاب الكتب الستة إلا ابن ماجة .

    [ عن مالك ].

    هو مالك بن أنس ، إمام دار الهجرة، المحدث الفقيه الإمام المشهور، أحد أصحاب المذاهب الأربعة المشهورة من مذاهب أهل السنة، وحديثه أخرجه أصحاب الكتب الستة.

    [ عن نافع ].

    هو نافع مولى ابن عمر ، ثقة، أخرج له أصحاب الكتب الستة.

    [ عن ابن عمر ].

    وقد مرّ ذكره.

    وهذا من الرباعيات التي هي أعلى ما يكون عند أبي داود ، حيث يوجد بين أبي داود وبين رسول الله صلى الله عليه وسلم فيها أربعة أشخاص: القعنبي ومالك ونافع وابن عمر .

    [ قال أبو داود : الذي تفرد به مالك : قوله: (وألحق الولد بالمرأة) ].

    هذه الرواية جاءت من طرق متعددة، فقد سبق أن مر بنا أنه ألحق الولد بالمرأة ولم يلحقه بالرجل الذي نفاه عن نفسه بادعاء أنه ليس منه وتم ذلك بالملاعنة.

    شرح حديث سهل بن سعد في قصة المتلاعنين (وأنكر حملها فكان ابنها يدعى إليها)، وتراجم رجاله

    [ وقال يونس عن الزهري عن سهل بن سعد رضي الله عنهما في حديث اللعان: (وأنكر حملها، فكان ابنها يُدعى إليها) ].

    أي: أن الرجل أنكر حمل امرأته، فكان ولدها بعد التلاعن يُدعى وينسب إليها لا إلى الرجل.

    قوله: [ وقال يونس ].

    هو يونس بن يزيد الأيلي ، ثقة، أخرج له أصحاب الكتب الستة.

    [ عن الزهري ].

    هو محمد بن مسلم بن عبيد الله بن شهاب الزهري ، ثقة فقيه، أخرج له أصحاب الكتب الستة.

    [ عن سهل بن سعد ].

    سهل بن سعد الساعدي صحابي، أخرج له أصحاب الكتب الستة.

    1.   

    الأسئلة

    حكم من وجد مع امرأته رجلاً فقتله

    السؤال: ما الحكم لو وجد الرجل مع امرأته رجلاً فقتله؟

    الجواب: إذا كان هناك بينة فإنه يكون على صواب، وأما إن لم يكن هناك بينة فإنه يقتل به؛ لأنه لو كان الأمر كذلك فكل واحد من الناس يمكن أن يقول: إنه وجد كذا وكذا من غير أن يكون له بينة، فيؤدي ذلك إلى أن كل من أراد أن يتخلص من إنسان أو أن يقتل شخصاً يدعي عليه بمثل هذه الدعوى.

    وقوع الملاعنة بعد موت النبي صلى الله عليه وسلم

    السؤال: هل حصلت الملاعنة بعد عهد الرسول صلى الله عليه وسلم؟

    الجواب: لا أدري؛ لكنها لا بد أن تحصل؛ لأن الأحكام الشرعية أحكام تُطبق على كل من وقع في مثل هذا الأمر، ولا أعرف حادثة وقعت بعينها، وأما حدوثه فهذا لا شك فيه.

    عدّة المرأة بعد التلاعن

    السؤال: هل للمرأة عدة بعد التلاعن؟ وما هو مقدار العدة؟

    الجواب: معلوم أنها لا علاقة لها بالزوج، وأن الزوج هو الذي اتهمها، ولكن نقول: إنها لا تتزوج إلا بعد أن يستبرئ رحمها وذلك بأن تكون حاملاً فتلد، أو تستبرأ بحيضة، وليس لها عدة ثلاثة قروء وما إلى ذلك، وإنما المقصود هو استبراؤها من الزنى إذا كان الزوج هو الصادق، فليست براءة الرحم من أجله هو وإنما من أجل غيره.

    العمل إذا عُلم أن فلاناً من الناس قد زنا

    السؤال: إذا علم من زنى بامرأة هل يقام عليه الحد؟

    الجواب: إذا ثبت عليه الزنا فإنه يقام الحد، وثبوت الزنا عليه إما أن يكون باعترافه أو بأربعة شهود.

    1.   

    إذا شك في الولد

    شرح حديث (وهذا عسى أن يكون نزعه عرق)

    قال المصنف رحمه الله تعالى: [ باب إذا شك في الولد.

    حدثنا ابن أبي خلف حدثنا سفيان عن الزهري عن سعيد عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: (جاء رجل إلى النبي صلى الله عليه وسلم من بني فزارة فقال: إن امرأتي جاءت بولد أسود، فقال: هل لك من إبل؟ قال: نعم، قال: ما ألوانها؟ قال: حُمر، قال: فهل فيها من أورق؟ قال: إن فيها لَوُرْقاً. قال: فأنّى تُراه؟ قال: عسى أن يكون نَزَعَه عِرْق، قال: وهذا عسى أن يكون نزعه عرق) ].

    قوله: [ باب إذا شك في الولد ] أي: من شك أن يكون الولد منه وتردد في ذلك، ولم يحصل القذف، ولم تحصل الملاعنة، أي: لا عبرة بهذا الشك، والولد للفراش ولو كان هناك تفاوت واختلاف في اللون؛ لأن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (الولد للفراش)، فما دام أنه ولد على فراشه فهو له، بل لو حصل زنا والعياذ بالله فإنه يغلب جانب الفراش ولا ينظر إلى الزاني ولو كان هناك شبه به، كما في قصة عبد بن زمعة فالنبي صلى الله عليه وسلم ألحقه بالفراش، فالحكم في الأصل للفراش، ولا يتخلص الزوج من الولد إلا بالملاعنة بعد أن يكون قد قذفها بالزنا قذفاً صريحاً، فتتم الملاعنة، ثم ينتفي الولد منه ويكون تبعاً لأمه كما جاءت الأحاديث السابقة في اللعان.

    قوله: [ (إن امرأتي ولدت غلاماً أسود) ] أي: أن لون الولد يخالف لون أبيه ولون أمه، فشكّ فيه ولم ينكره، ولم يقل: إنها زانية، وإنما أشكل عليه وجود لون يغاير لون الأبوين، فالولد أسود وهم بِيض، فقال له الرسول صلى الله عليه وسلم: (هل لك من إبل؟ قال: نعم، قال: ما ألوانها؟ قال: حمر، قال: هل فيها من أورق؟ قال: إن فيها لورقاً) أي: هي مجموعة وليس واحداً فقط، يعني: فيها وُرْق، (قال: فأنى تراه؟) أي: من أين جاءت هذه الورقة إلى هذه الإبل الحُمْر مع أن فحلها واحد؟ (قال: عسى أن يكون نزعه عرق) يعني: أنه شيء قديم، (قال: وهذا عسى أن يكون نزعه عرق) أي: وولدك هذا لعل في أجداده أو جداته من لونه هذا اللون الأسود، فنزعه ذلك العرق الذي هو أصل من أصوله. وهذا فيه دليل على إثبات القياس وأنه حجة؛ لأن النبي صلى الله عليه وسلم قاس شيئاً على شيء، والقياس من الأدلة الشرعية، ويُصار إليه عند عدم وجود النص الصريح في المسألة، وهو إلحاق فرع بأصل في حكم لجامع بينهما، وهو معتبر شرعاً، وقد جاءت فيه أدلة كثيرة ومنها هذا الحديث الذي فيه أن النبي صلى الله عليه وسلم قاس هذا الولد الأسود الذي جاء من أبوين أبيضين على الإبل التي فحلها واحد وتكون حُمراً، ويأتي فيها من هو أورق، والأورق: هو الذي فيه سواد، أي: أنه يشبه لون الرماد، ولهذا يقال للحمامة: ورقاء، إذا كان لونها هذا اللون، فقاس النبي صلى الله عليه وسلم هذا على هذا، وهذا دليل على أن القياس حجة كما سبق.

    تراجم رجال إسناد حديث (وهذا عسى أن يكون نزعه عرق)

    [ حدثنا ابن أبي خلف ].

    هو أحمد بن محمد بن أحمد بن محمد بن أبي خلف ، وهو ثقة، أخرج له أبو داود .

    وقد سبق أن مر بنا شخص اسمه: محمد بن أحمد بن محمد بن أبي خلف ، وهذا هو الأب، وابن أبي خلف يحتمل أن يكون الابن أو الأب، وما دام أنهما ثقتان فأي واحد منهم لا يؤثر سواءً كان هذا أو هذا، لكن في شيوخه: أحمد بن محمد ، وفيهم أيضاً: محمد بن أحمد .

    فـ: أحمد بن محمد بن أحمد بن محمد ثقة أخرج له أبو داود ، وذاك أخرج له مسلم وأبو داود ، وكلاهما من العاشرة.

    والحديث أخرجه البخاري ومسلم والترمذي والنسائي وابن ماجة ؛ وهذا يدلنا على أن الراوي هو: محمد بن أحمد بن محمد بن أبي خلف ، وليس أحمد بن محمد ، لأن هذا الراوي أحمد بن محمد ليس له إلا حديث واحد رواه أبو داود ، وكل منهما يروي عن سفيان بن عيينة .

    [ حدثنا سفيان ].

    هو سفيان بن عيينة ، وهو ثقة أخرج له أصحاب الكتب الستة.

    [ عن الزهري عن سعيد عن أبي هريرة ].

    الزهري مر ذكره، وسعيد بن المسيب أحد الفقهاء السبعة في عصر التابعين، ثقة، أخرج له أصحاب الكتب الستة.

    عن أبي هريرة عبد الرحمن بن صخر الدوسي ، صاحب رسول الله صلى الله عليه وسلم، وأكثر أصحابه حديثاً على الإطلاق رضي الله عنه وأرضاه.

    شرح حديث (... وهذا عسى أن يكون نزعه عرق) من طريق ثانية وتراجم رجاله

    قال المصنف رحمه الله تعالى: [ حدثنا الحسن بن علي حدثنا عبد الرزاق أخبرنا معمر عن الزهري بإسناده ومعناه قال: (وهو حينئذ يعرض بأن ينفيه) ].

    ثم أورد هذا الحديث وفيه: أنه يعرض بأن ينفيه، أي: كأنه شاك فيه.

    قوله: [ حدثنا الحسن بن علي ].

    هو الحسن بن علي الحلواني ، وهو ثقة، أخرج له أصحاب الكتب الستة إلا النسائي .

    [ حدثنا عبد الرزاق ].

    هو عبد الرزاق بن همام الصنعاني اليماني ، وهو ثقة، أخرج له أصحاب الكتب الستة.

    [ أخبرنا معمر ].

    هو معمر بن راشد الأزدي البصري اليماني وهو ثقة، أخرج له أصحاب الكتب الستة.

    [ عن الزهري بإسناده ومعناه ].

    وقد مر ذكره.

    شرح حديث (... وهذا عسى أن يكون نزعه عرق) من طريق ثالثة وتراجم رجاله

    قال المصنف رحمه الله تعالى: [ حدثنا أحمد بن صالح حدثنا ابن وهب قال: أخبرني يونس عن ابن شهاب عن أبي سلمة عن أبي هريرة رضي الله عنه (أن أعرابياً أتى النبي صلى الله عليه وسلم فقال: إن امرأتي ولدت غلاماً أسود وإني أنكره، فذكر معناه) ].

    أورد أبو داود الحديث من طريق أخرى عن أبي هريرة وقال هنا: (أعرابي)، وهناك قال: (من بني فزارة)، ولا تنافي بينهما، فيكون هذا وهذا.

    قوله: [ (إن امرأتي ولدت غلاماً أسود وإني أنكره) ] ليس المقصود من (أنكره) أنه ينفيه ويتهمها بالزنا، ولكن معناه أنه في شك واستغراب أو استنكار في هذا التباين الذي بينهما، فهو أسود وهما أبيضان.

    قوله: [ حدثنا أحمد بن صالح ].

    هو أحمد بن صالح المصري ، وهو ثقة، أخرج حديثه البخاري وأبو داود والترمذي في الشمائل.

    [ حدثنا ابن وهب ].

    هو عبد الله بن وهب ، وهو ثقة فقيه، أخرج له أصحاب الكتب الستة.

    [ قال: أخبرني يونس ].

    هو يونس بن يزيد الأيلي ، وهو ثقة، أخرج له أصحاب الكتب الستة.

    [ عن ابن شهاب عن أبي سلمة ].

    أبو سلمة هو: ابن عبد الرحمن بن عوف المدني ، وهو ثقة فقيه، وهو أحد فقهاء المدينة السبعة في عصر التابعين على أحد الأقوال الثلاثة في السابع منهم، وحديثه أخرجه أصحاب الكتب الستة.

    [ عن أبي هريرة ].

    وقد مر ذكره.

    1.   

    ما جاء في التغليظ في الانتفاء

    شرح حديث: (...وأيما رجل جحد ولده وهو ينظر إليه احتجب الله منه...)

    قال المصنف رحمه الله تعالى: [ باب في التغليظ في الانتفاء.

    حدثنا أحمد بن صالح حدثنا ابن وهب قال: أخبرني عمرو -يعني: ابن الحارث - عن ابن الهاد عن عبد الله بن يونس عن سعيد المقبري عن أبي هريرة رضي الله عنه أنه سمع رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول حين نزلت آية المتلاعنين: (أيما امرأة أدخلت على قوم من ليس منهم فليست من الله في شيء، ولن يدخلها الله جنته، وأيما رجل جحد ولده وهو ينظر إليه احتجب الله منه، وفضحه على رءوس الأولين والآخرين) ].

    أورد أبو داود هذه الترجمة، وهي: باب التغليظ في الانتفاء، يعني: نفي الأب لولده وهو يعلم أنه له، وهذا أمر خطير وعظيم، وقد ورد في ذلك تغليظ عن رسول الله صلى الله عليه وسلم.

    أورد أبو داود حديث أبي هريرة رضي الله عنه فيما يتعلق بالانتفاء من الولد بعد نزول آية المتلاعنين: (أيما امرأة أدخلت على قوم من ليس منهم فليست من الله في شيء.. الحديث).

    قوله: [ (ولن يدخلها الله جنته) ] هذا فيه تغليظ لفعل المرأة، هذا وهو أن تزني ثم تلحق بالقوم ولداً ليس منهم، فيكون بينهم التوارث والمحرمية وغير ذلك ذلك، مع أن الواقع بخلاف هذا، فهو ولد زنا وليس منهم، فهذا فيه بيان تغليظ الزنا وخطورته، وأن فيه اختلاط الأنساب، وإضافة من ليس من القوم إليهم.

    ثم ذكر ما يتعلق بحق الرجل، وهو الذي يطابق الترجمة، وهو قوله: (وأيما رجل جحد ولده وهو ينظر إليه احتجب الله منه، وفضحه على رءوس الأولين والآخرين).

    قوله: (وهو ينظر إليه) يعني: كون الرجل ينظر إلى ولده وهو يعرفه، ويتحقق من أنه ولده ومع ذلك يجحده، أو ولده ينظر إليه وهو بحاجة إلى شفقته ورأفته ومع ذلك يتخلص منه بنفيه وادعاء أنه ليس منه.

    قوله: [ (احتجب الله منه، وفضحه على رءوس الأولين والآخرين) ].

    يعني: فضحه على رءوس الأشهاد يوم القيامة، وهذا فيه تغليظ شديد، فهو لا يرى الله عز وجل، (وفضحه على رءوس الخلائق يوم القيامة) يعني: أن الخلق يشهدون فضيحته.

    وهذا الحديث غير صحيح؛ لأن في إسناده من هو مجهول، فالحديث لا يثبت عن رسول الله صلى الله عليه وسلم.

    تراجم رجال إسناد حديث (...وأيما رجل جحد ولده وهو ينظر إليه احتجب الله منه...)

    قوله: [ حدثنا أحمد بن صالح حدثنا ابن وهب قال: أخبرني عمرو يعني: ابن الحارث ].

    أحمد بن صالح وابن وهب مر ذكرهما، وعمرو بن الحارث المصري ، ثقة أخرج له أصحاب الكتب الستة.

    [ عن ابن الهاد ].

    هو: عبد الله بن يزيد بن الهاد ، وهو ثقة، أخرج له أصحاب الكتب الستة.

    [ عن عبد الله بن يونس ].

    عبد الله بن يونس مجهول، أخرج له أبو داود والنسائي .

    [ عن سعيد المقبري ].

    سعيد المقبري ثقة، أخرج له أصحاب الكتب الستة.

    [ عن أبي هريرة ].

    وقد مر ذكره.