إسلام ويب

شرح سنن أبي داود [256]للشيخ : عبد المحسن العباد

  •  التفريغ النصي الكامل
  • من المسائل المتعلقة بالرقيق: حكم المملوكة إذا عتقت وهي تحت حر أو عبد، وقد اختلف الفقهاء في ذلك لاختلاف الروايات الواردة في قصة بريرة عندما عتقت، ففي بعضها أن زوجها كان حراً، وفي بعضها أنه كان عبداً.

    1.   

    المملوكة تعتق وهي تحت حر أو عبد

    شرح حديث: (يا بريرة اتقي الله فإنه زوجك وأبو ولدك)

    قال المصنف رحمه الله تعالى: [ باب في المملوكة تعتَق وهي تحت حر أو عبد.

    حدثنا موسى بن إسماعيل حدثنا حماد عن خالد الحذاء عن عكرمة عن ابن عباس رضي الله عنهما (أن مغيثاً كان عبداً فقال: يا رسول الله! اشفع لي إليها، فقال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: يا بريرة ! اتقي الله فإنه زوجك وأبو ولدك، فقالت: يا رسول الله! أتأمرني بذلك؟ قال: لا، إنما أنا شافع، فكأن دموعه تسيل على خده، فقال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم للعباس رضي الله عنه: ألا تعجب من حب مغيث بريرة وبغضها إياه؟!) ].

    قوله: [ باب في المملوكة تعتَق وهي تحت حر أو عبد ] يعني: الزوجة الأمة يحصل لها عتق وزوجها حر أو عبد، فإن كان زوجها حراً فإنها تساوت معه في الحرية؛ لأنها ارتفعت من حالتها الناقصة إلى أن صارت مساوية له، وعلى هذا لا تخيير لها؛ لأن كل ما في الأمر أنها انتقلت من كونها أمة إلى كونها حرة، فصارت حرة تحت حر، فليس لها خيار في التخلص من زوجها، أو ترك زوجها، وإنما هي باقية على الزوجية؛ لأنها صارت مساوية، أما إذا كانت أمة تحت عبد كقصة بريرة فإنها تخيَّر: إن أرادت تستمر معه استمرت، وإن أرادت الفراق فإن لها ذلك، وهذا في استدامة النكاح، وإلا فإن ابتداء عقد جديد لا يجوز، إذ ليس للعبد أن يتزوج بالحرة؛ لأن الزوج يجب أن يكون أعلى من المرأة ليكون قواماً عليها، ولا يكون ناقصاً بالعبودية وهي عندها الحرية، فلا يجوز ابتداءً عقد الزواج، وهذه من صور القاعدة المشهورة: (يجوز في الاستدامة ما لا يجوز في الابتداء) مثل الطيب في الإحرام: فالإنسان لا يتطيب وهو محرم، ولكن الطيب الذي كان موجوداً قبل الإحرام يستديمه، ولا بأس بذلك، وكذلك إذا أذن المؤذن في رمضان والإنسان يشرب فإنه يواصل؛ لأنه يجوز في الاستدامة ما لا يجوز في الابتداء، لكن ليس له أن يشرب بعدما يسمع المؤذن، ولكن إذا أذن وهو يشرب فله أن يكمل الشرب، وهكذا ليس للعبد أن يعقد على الحرة، ولكن الأمة إذا عتقت فصارت حرة وزوجها لا يزال في العبودية فإن لها أن تبقى معه ولها أن تتركه، وإذا بقيت معه فهو من قبيل: (يجوز في الاستدامة ما لا يجوز في الابتداء).

    أورد أبو داود حديث ابن عباس رضي الله تعالى عنهما أن بريرة -وهي مولاة عائشة - كانت تحت زوجها مغيث ، فلما أُعتقت خيّرها رسول الله صلى الله عليه وسلم فاختارت الفراق، وكان مغيث شديد الحب لها وهي شديدة البغض له، فطلب مغيث من النبي صلى الله عليه وسلم أن يشفع له إلى بريرة بأن توافق على أن يبقى العقد مستمراً بينهما، فأبت وقالت: (أتأمرني؟ قال: لا، إنما أنا شافع) وهذا يدل على أن الأصل في أمر الرسول صلى الله عليه وسلم أنه للوجوب، وأنه لا سبيل إلى معارضته وإلى تركه، كما قال الله عز وجل: وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ وَلا مُؤْمِنَةٍ إِذَا قَضَى اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَمْرَاً أَنْ يَكُونَ لَهُمُ الْخِيَرَةُ مِنْ أَمْرِهِمْ [الأحزاب:36]، فلم تقبل؛ لأن المسألة كانت شفاعةً فقط وليس أمراً من رسول الله صلى الله عليه وسلم، فلم تقبل؛ وذلك لشدة بغضها له، فالنبي صلى الله عليه وسلم قال للعباس : (ألا تعجب من شدة حبه لها وبغضها إياه؟!) وكانت دموعه تسيل على خديه بسبب هذا الفراق الذي قد حصل.

    والمسألة التي أشرنا إليها أن العبد ليس له أن يتزوج الأمة يقابلها أن الحر له يتزوج الأمة، عند الضرورة للآية الكريمة: وَمَنْ لَمْ يَسْتَطِعْ مِنْكُمْ طَوْلًا أَنْ يَنكِحَ الْمُحْصَنَاتِ الْمُؤْمِنَاتِ فَمِنْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ مِنْ فَتَيَاتِكُمُ الْمُؤْمِنَاتِ [النساء:25]، فدلت على أنه عند الضرورة له أن يتزوج الأمة؛ ولكنها إذا أعتقت فإنها تكون مساوية له في الحرية، فلا يترتب على ذلك شيء وليس لها خيار.

    تراجم رجال إسناد حديث: (يا بريرة اتقي الله فإنه زوجك وأبو ولدك)

    قوله: [ حدثنا موسى بن إسماعيل ].

    موسى بن إسماعيل التبوذكي البصري ، ثقة، أخرج له أصحاب الكتب الستة.

    [ حدثنا حماد ].

    حماد هو ابن سلمة ، ثقة، أخرج حديثه البخاري تعليقاً ومسلم وأصحاب السنن.

    [ عن خالد الحذاء ].

    هو خالد بن مهران الحذاء ، وهو ثقة، أخرج له أصحاب الكتب الستة.

    و الحذاء لقب اشتهر به، وقيل له: الحذاء ؛ لأنه كان يجلس عند الحذَّائين، ولم يكن يبيع الأحذية ولا يصنع الأحذية، والمتبادَر إلى الذهن أنه كان يصنع الأحذية أو يبيعها، وليس هناك شيء من هذا، وإنما كان يجلس عند الحذَّائين فقيل له: الحذاء ، وقيل: إنه كان يقول للحذَّاء: احذُ على كذا، يعني: على شيء يُرسم، يعني: اقطع أو اعمل نعلاً على هذا القياس أو هذا المقاس. فهذه النسبة لا تتبادر إلى الذهن، إذ لا يتبادر إلى الذهن أنه كان يجلس عند الحذَّائين وإنما المتبادَر إلى الذهن أنه إما كان يصنع الأحذية وإما كان يبيع الأحذية، وليس الأمر كذلك كما سبق.

    [ عن عكرمة عن ابن عباس ].

    قد مر ذكرهما.

    شرح أثر ابن عباس: (أن زوج بريرة كان عبداً أسود يسمى مغيثاً فخيرها النبي صلى الله عليه وسلم وأمرها أن تعتد)

    قال المصنف رحمه الله تعالى: [ حدثنا عثمان بن أبي شيبة حدثنا عفان حدثنا همام عن قتادة عن عكرمة عن ابن عباس رضي الله عنهما (أن زوج بريرة كان عبداً أسود يسمى مغيثاً ، فخيرها -يعني: النبي صلى الله عليه وآله وسلم- وأمرها أن تعتد) ].

    أورد أبو داود حديث ابن عباس : [ (أن زوج بريرة كان عبداً أسود يسمى مغيثاً، فخيرها النبي صلى الله عليه وسلم وأمرها أن تعتد) ].

    أي: لما اختارت الفراق أمرها أن تعتد بحيضة، وقد سبق أن مر الحديث في ذلك عن ابن عباس والأثر عن ابن عمر رضي الله تعالى عنهما، وهذا دليل واضح على أنه كان عبداً؛ لأنه ذكر كونه عبداً وذكر وصفه وذكر أنه يسمى مغيثاً ، فهذا يدل على أنه كان عبداً وليس حراً كما في بعض الروايات التي ستأتي، وبعض أهل العلم يقول: كان حراً، والصحيح أنه كان عبداً.

    قوله: [وأمرها أن تعتد] هذه المسألة فيها خلاف بين أهل العلم:

    منهم من قال: إنها لا تعتد إلا بحيضة لاستبراء رحمها.

    ومنهم من قال: إنها تعتد بثلاثة أقراء.

    تراجم رجال إسناد أثر ابن عباس: (أن زوج بريرة كان عبداً أسود يسمى مغيثاً فخيرها النبي صلى الله عليه وسلم وأمرها أن تعتد)

    قوله: [ حدثنا عثمان بن أبي شيبة ].

    هو عثمان بن أبي شيبة الكوفي ، ثقة، أخرج له أصحاب الكتب الستة إلا الترمذي ، وإلا النسائي فإن إخراجه له في (عمل اليوم والليلة) وليس في السنن.

    [ حدثنا عفان ].

    هو عفان بن مسلم الصفار ، وهو ثقة، أخرج له أصحاب الكتب الستة.

    [ حدثنا همام ].

    هو همام بن يحيى العوذي ، وهو ثقة، أخرج له أصحاب الكتب الستة.

    [ عن قتادة ].

    هو قتادة بن دعامة السدوسي البصري ، ثقة، أخرج له أصحاب الكتب الستة.

    [ عن عكرمة عن ابن عباس ].

    وقد مر ذكرهما.

    أقوال أهل العلم في اعتداد المخلوعة

    الحديث السابق أخرجه البخاري مختصراً، وأخرجه بمعناه الترمذي وابن ماجة في الطلاق، باب خيار الأمة إذا أعتقت، بلفظ (أُمرت بريرة أن تعتد بثلاث حيض)، وأخرجه النسائي ، وأخرجه كذلك الدارقطني زاد فيه: (أن تعتد عدة الحرة) ].

    لكن ابن القيم في تهذيب السنن.

    أشار إلى تقوية أنها تعتد بحيضة.

    وهذا يدل على أنه فسخ فتعتد حيضة، ومن قال: إن حكمه حكم الطلاق فتعتد بثلاث حيض، والعلماء اختلفوا هل تخيير الحرة التي تحت العبد طلاق أو فسخ؟

    فكان الخلاف في كونها تعتد عدة المطلقة أو عدة المفسوخة المختلعة.

    يقول ابن القيم : (ويبعد أن تكون الثلاث حيض محفوظة، فإن مذهب عائشة رضي الله عنها أن الأقراء: الأطهار، وقد أمر النبي صلى الله عليه وسلم المختلعة أن تستبرئ بحيضة كما تقدم، فهذه أولى، ولأن الأقراء الثلاث إنما جُعلت في حق المطلقة ليطول زمن الرجعة، فيتمكن زوجها من رجعتها متى شاء، ثم أُجري الطلاق كله مجرىً واحداً، وطرد هذا أن المزني بها تستبرئ بحيضة، وهذا نص عليه أحمد ، وبالجملة فالأمر بالتربص ثلاثة قروء إنما هو للمطلقة، والمعتقة إذا فسخت فهي بالمختلعة والأمة المستبرأة أشبه، إذ المقصود براءة رحمها، فالاستدلال على تعدد الأقراء في حقها بالآية غير صحيح؛ لأنها ليست مطلقة، ولو كانت مطلقة لثبت لزوجها عليها الرجعة).

    وقبل ذلك يقول ابن القيم : (وروى ابن ماجة في سننه قال: أخبرنا علي بن محمد حدثنا وكيع عن سفيان عن منصور عن إبراهيم عن الأسود عن عائشة رضي الله عنها قالت: (أمرت بريرة أن تعتد بثلاث حيض) وهذا مع أنه إسناد الصحيحين فلم يروه أحد من أهل الكتب الستة إلا ابن ماجة ). انتهى كلام ابن القيم .

    أقول: إذا انفرد ابن ماجة فيه فيكفي.

    شرح أثر عائشة في قصة بريرة: (كان زوجها عبداً فخيرها رسول الله صلى الله عليه وسلم ولو كان حراً لم يخيرها)

    قال المصنف رحمه الله تعالى: [ حدثنا عثمان بن أبي شيبة حدثنا جرير عن هشام بن عروة عن أبيه عن عائشة رضي الله عنها في قصة بريرة قالت (كان زوجها عبداً فخيرها رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم فاختارت نفسها، ولو كان حراً لم يخيرها) ].

    أورد المصنف حديث عائشة رضي الله عنها أنه كان عبداً، وأن النبي صلى الله عليه وسلم خيرها (فاختارت نفسها، ولو كان حراً لم يخيرها) يعني: لو كان حراً وكانت زوجته أمة ثم عتقت لم يخيرها؛ لأنه يكون مساوياً لها، حيث كان هو حر وهي أمة، فلما أعتقت صارت حرة فتساوى هو وإياها، فليس لها حينئذٍ تخيير.

    وكلمة (ولو كان حراً لم يخيرها) قيل: هذا مُدرج.

    تراجم رجال إسناد أثر عائشة في قصة بريرة: (كان زوجها عبداً فخيرها رسول الله صلى الله عليه وسلم ولو كان حراً لم يخيرها)

    قوله: [ حدثنا عثمان بن أبي شيبة حدثنا جرير ].

    هو جرير بن عبد الحميد الضبي ، ثقة، أخرج له أصحاب الكتب الستة.

    [ عن هشام بن عروة ].

    هو هشام بن عروة بن الزبير ، ثقة، أخرج له أصحاب الكتب الستة.

    [ عن أبيه ].

    عروة بن الزبير بن العوام ، ثقة فقيه، أحد فقهاء المدينة السبعة في عصر التابعين، وحديثه أخرجه أصحاب الكتب الستة.

    [ عن عائشة ].

    عائشة رضي الله عنها: وقد مر ذكرها.

    شرح أثر عائشة: (أن بريرة خيرها رسول الله صلى الله عليه وسلم وكان زوجها عبداً)

    قال المصنف رحمه الله تعالى: [ حدثنا عثمان بن أبي شيبة حدثنا حسين بن علي والوليد بن عقبة عن زائدة عن سماك عن عبد الرحمن بن القاسم عن أبيه عن عائشة رضي الله عنها (أن بريرة خيرها رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم وكان زوجها عبداً) ].

    أورد المصنف هذا الحديث من طريق أخرى عن عائشة رضي الله عنها أن النبي صلى الله عليه وسلم خير بريرة أي: لما أعتقت، قالت: (وكان زوجها عبداً).

    فهذه الأحاديث عن عائشة تدل على أن زوج بريرة كان عبداً، وهي كانت أمة ولكنها حصل لها العتق فصارت حرة، فخيرها رسول الله صلى الله عليه وسلم؛ لأنها صارت أعلى منه في المنزلة والدرجة، حيث إنه عبد وهي حرة.

    تراجم رجال إسناد أثر عائشة: (أن بريرة خيرها رسول الله صلى الله عليه وسلم وكان زوجها عبداً)

    قوله: [ حدثنا عثمان بن أبي شيبة حدثنا حسين بن علي ].

    هو حسين بن علي الجعفي ، ثقة، أخرج له أصحاب الكتب الستة.

    [ والوليد بن عقبة ].

    الوليد بن عقبة صدوق، أخرج له أبو داود .

    [ عن زائدة ].

    هو زائدة بن قدامة ، ثقة، أخرج له أصحاب الكتب الستة.

    [ عن سماك ].

    هو سماك بن حرب ، وهو صدوق، أخرج له البخاري تعليقاً ومسلم وأصحاب السنن.

    [ عن عبد الرحمن بن القاسم ].

    عبد الرحمن بن القاسم ثقة، أخرج له أصحاب الكتب الستة.

    [ عن أبيه ].

    القاسم بن محمد بن أبي بكر الصديق ، وهو ثقة فقيه، أحد فقهاء المدينة السبعة في عصر التابعين، وحديثه أخرجه أصحاب الكتب الستة.

    [ عن عائشة ].

    عائشة رضي الله عنها قد مر ذكرها.

    1.   

    من قال كان زوج بريرة حراً

    شرح أثر عائشة: (أن زوج بريرة كان حراً حيث أُعتقت ..)

    قال المصنف رحمه الله تعالى: [ باب من قال: كان حراً.

    حدثنا ابن كثير أخبرنا سفيان عن منصور عن إبراهيم عن الأسود عن عائشة رضي الله عنها (أن زوج بريرة كان حراً حين أعتقت، وأنها خُيرت فقالت: ما أحب أن أكون معه وأن لي كذا وكذا) ].

    قوله: [ باب من قال: كان حراً ] يعني: من قال: إن زوج بريرة كان حراً؛ لأن الذي مضى يدل على أنه كان عبداً، وهنا قال: [ من قال: كان حراً ].

    وأورد حديث الأسود عن عائشة (أن زوج بريرة كان حراً حين أُعتقت، وأنها خُيرت فقالت: ما أحب أن أكون معه وأن لي كذا وكذا، أي: أنها عازمة على عدم الرجوع إليه وعدم البقاء في عصمته، وهذا اللفظ: (كان حراً) قيل: إنه مُدرج، أدرجه الأسود ، ثم الذين رووا عن عائشة (أنه كان عبداً) كانوا ألصق بـعائشة من الأسود ؛ لأن عروة ابن أختها ، والقاسم ابن أخيها، فروايتهما عن عائشة (أنه كان عبداً) مقدمة على رواية الأسود : (أنه كان حراً)، ثم أيضاً قيل: إن هذا اللفظ الزائد مدرج من كلام الأسود .

    فإذاً: لا معارضة بين النصوص التي دلت على أنه كان عبداً.

    ثم إنه لو كان حراً ثم أُعتقت هي فتكون قد ساوته فلا تُخير؛ لأنها كانت أقل منه درجة فارتفعت إلى أن كانت مثله؛ لكن التخيير حصل لكونها كانت مثله نازلة ثم ارتفعت عنه، وصارت لها الحرية وهو باقٍ في العبودية، فخيرها رسول الله صلى الله عليه وسلم.

    تراجم رجال إسناد أثر عائشة: (أن زوج بريرة كان حراً حيث أُعتقت ..)

    قوله: [ حدثنا ابن كثير ].

    هو محمد بن كثير العبدي ، ثقة، أخرج له أصحاب الكتب الستة.

    [ أخبرنا سفيان ].

    هو ابن سعيد بن مسروق الثوري ، ثقة فقيه، وصف بأنه أمير المؤمنين في الحديث، وحديثه أخرجه أصحاب الكتب الستة.

    [ عن منصور ].

    هو منصور بن المعتمر ، وهو ثقة، أخرج له أصحاب الكتب الستة.

    [ عن إبراهيم ].

    هو إبراهيم بن يزيد بن قيس النخعي ، وهو ثقة فقيه مشهور، أخرج له أصحاب الكتب الستة.

    وهو الذي ذكر ابن القيم في زاد المعاد أنه اشتهر عنه التعبير بعبارة (ما لا نفس له سائلة، لم ينجس الماء إذا مات فيه) قال ابن القيم : ( أول من عبر بهذه العبارة: إبراهيم النخعي ، وعنه تلقاها الفقهاء من بعده )، وهذه القاعدة مأخوذة من حديث الذباب: (أن النبي صلى الله عليه وسلم أرشد من وقع الذباب في إنائه أن يغمسه في الماء أو في الإناء؛ لأن في أحد جناحيه داء وفي الآخر شفاء) فهو عندما يقع ينزل الداء ويُرفع الشفاء، فإذا غُمس الجناح الذي فيه الشفاء قابل الذي فيه الداء فجاء الشفاء، قالوا: ويحتمِل أن يكون الماء حاراً فإن غمس فيه مات، فدل هذا على عدم نجاسته.

    وما لا نفس له سائلة مثل الجراد ليس فيه دم، ولا ينجس الماء إذا مات فيه الذباب أو غيره مما لا دم فيه، وكذلك الجراد لا ينجس الماء إذا مات فيه، فعبر إبراهيم النخعي بهذه العبارة.

    على أن ابن القيم في كتاب (الروح) لما جاء عند الكلام على النفس والفرق بينها وبين الروح، قال: إن النفس تأتي بمعنى الدم، ثم قال: وفي الحديث: (ما لا نفس له سائلة لا ينجس الماء إذا مات فيه)! فهذا يعارض ما جاء في (زاد المعاد في هدي خير العباد) من أن (أول من عبر بهذه العبارة: إبراهيم النخعي )، وهذا يُستدل به على أن تأليفه للروح كان في زمن متقدم، ولهذا فإن فيه منامات وأشياء غريبة يذكرها ابن القيم ، وهذا يُشعر بأن تأليفه لكتاب (الروح) كان في زمن متقدم.

    [ عن الأسود ].

    هو ابن زيد بن قيس النخعي ، ثقة مخضرم، أخرج له أصحاب الكتب الستة.

    [ عن عائشة ].

    عائشة رضي الله عنها قد مر ذكرها.

    1.   

    الأسئلة

    حكم إرث المرأة المختلعة من زوجها أثناء العدة

    السؤال: إذا اختلعت المرأة من زوجها، وتوفي زوجها المخالع لها أثناء العدة هل ترثه؟

    الجواب: لا يوجد توارث.

    حكم الكلام في الأمور الغيبية بغير علم

    السؤال: قرأنا كلاماً لشخص يسمى: أحمد الكبيسي يقول فيه: [ إن الروح جسم أثيري أزلي، وأن الموتى يتعارفون في القبور، وأن الإنسان إذا دفن فإنه يبقى يعرف حال أهله إلى يوم القيامة ] فما رأيكم في هذا الكلام؟

    الجواب: هذه أمور غيب، وأمور الغيب لا يقال فيها إلا بالدليل، وما نعلم شيئاً يدل على هذا، ثم قوله: أزلي، يعني أنه قديم لا بداية له! وهذا غلط، إذ كيف تكون الروح أزلية وهي مخلوقة؟!

    وقوله: [ وأن الموتى يتعارفون في القبور، وأن الإنسان إذا دفن فإنه يبقى يعرف حال أهله إلى يوم القيامة ].

    هذا ليس بصحيح، والرسول صلى الله عليه وسلم قال: (فيردون على الحوض فأقول: أصحابي أصحابي، فيقال: إنك لا تدري ما أحدثوا بعدك)، فهذا رسول الله صلى الله عليه وسلم لا يدري، فكيف بغيره من الناس؟!

    عدم صحة مجيء الميت في المنام مذكراً أهله أو معاتباً

    السؤال: من الشبه: أن هناك رؤى لبعض الموتى يعاتبون أهليهم ببعض الأفعال السيئة، أو مثلاً إذا جاء عيد الأضحى ولم يضح الولد فربما يرى رؤيا، فيقول: جاء ليوبخني على شيء لم أفعله، وأنا رأيت أبي في المنام يقول: يا ولدي لماذا لم تفعل كذا؟ أو يعاتبني على فعل معين، فما قولكم في هذا؟

    الجواب: ما دام أنه قال في الحديث: (إنك لا تدري ما أحدثوا بعدك) فهذا يدل على أنه لا أحد من الموتى يعلم ما يكون في الدنيا.

    وأما أن أهل القبور يتزاورون فهذه أمور غيبية ما أعلم شيئاً يدل عليها، وما معنى كونهم يتزاورون؟! هل يخرجون من قبورهم؟! لا أحد يخرج من القبر إلا عند البعث والنشور، ورسول الله أول من ينشق عنه القبر كما قال: (وأنا أول من ينشق عنه القبر)، وفي حديث منكر ونكير: (هذا مضجعك حتى يبعثك الله) فالأرواح ليست كالأجساد، كما جاء في الحديث: (الأرواح جنود مجندة، فما تعارف منها ائتلف، وما تناكر منها اختلف) فأمر الأرواح يختلف عن الأجساد، وأما أن الأرواح هي التي تتزاور فالله أعلم، وهذه أمور غيبية لا تقال إلا بدليل، وإلا فالسكوت أسلم.

    حكم من رضع من امرأة ليلة كاملة

    السؤال: أرضعتني خالتي فسألتها: هل أكملت خمس رضعات؟ فقالت: أظن ذلك، وقالت: إنها أرضعتني ليلة كاملة، فهل تعتبر أماً لي في الرضاعة؟

    الجواب: الأصل هو عدم الرضاع إلا إذا تحققت الخمس الرضعات فأكثر، وإذا لم يحصل ذلك فالأصل هو عدمه حتى يتحقق وجود الخمس، فإذا كانت متحققة فنعم، وأما إذا كانت غير متحققة فلا يعتبر؛ لكن قد يأتي وقت من الأوقات يتبين أنها تحققت، فيكون الإشكال في التخلص أو فك الزواج إن كان قد حصل من إحدى بناتها.

    حكم دفع شيء للزوج بعد أن يطلق ليصبح الطلاق خلعاً

    السؤال: هذان سؤالان متقاربان: يقول الأول: بعض النساء في مجتمعنا إذا طُلقت دفعت شيئاً بعد الطلاق، واعتبرته خلعاً حتى تعتد بحيضة وتتزوج من آخر.

    والثاني يقول: زميل لنا طلق زوجته، فلما سمعت الزوجة وأمها خبر الطلاق قامت أم الزوجة ودفعت للزوج شيئاً من المال، واعتبرته خلعاً حتى لا يبقى للزوج حق الرجعة.

    فهل يعتبر هذا خلعاً بعد الطلاق؟

    الجواب: هذا ليس خلعاً، وإنما الخلع يكون قبل أن يوجد طلاق.

    1.   

    حتى متى يكون لها الخيار؟

    شرح حديث: (إن قَربكِ فلا خيار لكِ)

    قال المصنف رحمه الله تعالى: [ باب حتى متى يكون لها الخيار؟

    حدثنا عبد العزيز بن يحيى الحراني حدثني محمد -يعني: ابن سلمة - عن محمد بن إسحاق عن أبي جعفر وعن أبان بن صالح عن مجاهد وعن هشام بن عروة عن أبيه عن عائشة رضي الله عنها (أن بريرة أعتقت وهي عند مغيث رضي الله عنه عبدٌ لآل أبي أحمد، فخيرها رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم وقال لها: إن قَرِبَك فلا خيار لك) ].

    يقول الإمام أبو داود رحمه الله: [ باب حتى متى يكون لها الخيار؟ ] أي: الأمة التي كانت هي وزوجها مملوكين، فأُعتقت هي وبقي زوجها في العبودية فإنها تخير، فهل يكون لها الخيار دائماً وأبداً، بحيث إنها متى أرادت الخيار يكون لها الخيار أم أنه يكون لها الخيار في وقت ويسقط فيما بعد؟

    الأظهر في هذه المسألة: أن لها الخيار ما لم تمكنه من نفسها، فإذا مكنته من نفسها فهي راضية بالبقاء معه، فيسقط خيارها، وليس لها هذا الحق دائماً باستمرار، فإنها حين تمكنه من نفسها تكون قد رضيت بالوضع الذي كان عليه، فيسقط حقها فيما بعد، مثل السلعة التي تباع وهي معيبة، فإن المشتري إذا رضي بالعيب فإن البيع يثبت، وإن رد ولم يرضَ بالعيب وكان ذلك العيب مما تُرد به السلعة فإنها تُردّ.

    وقد أورد أبو داود رحمه الله حديث عائشة رضي الله عنها في قصة بريرة ، وأن الرسول صلى الله عليه وسلم خيرها وأنها اختارت نفسها، وقال: (إن قَربكِ فلا خيار لكِ) يعني: إن حصل منه الجماع، وحصل التمكين له، فإنه لا خيار لها؛ لأنها تكون بذلك أسقطت حقها.

    هذا هو الذي يدل عليه الحديث، فمقتضى الحديث أنها إن مكنته من نفسها فإنها تكون بذلك قد سقط خيارها؛ لأنها لم تختر نفسها.

    والحديث ضعفه الألباني من أجل عنعنة محمد بن إسحاق الراوي في الإسناد؛ لأنه روى بالعنعنة، وهو صدوق مدلس، فإذا روى بالعنعنة فإن ذلك يكون علة في الرواية؛ لكن من حيث الحكم فيما يبدو ويظهر أن مقتضاه هو الأولى، وأن هذا من جنس الرضا بالسلعة المعيبة، فإنه لا يكون للإنسان الرد متى شاء، وإنما يكون الرد أول ما يعلم بالعيب، فإن رضي أن تبقى عنده، وأن يمضي البيع ولو كانت السلعة معيبة، فإنه يسقط حقه في رد تلك السلعة.

    تراجم رجال إسناد حديث: (إن قربكِ فلا خيار لكِ)

    قوله: [ حدثنا عبد العزيز بن يحيى الحراني ].

    عبد العزيز بن يحيى الحراني صدوق ربما وَهِم، أخرج له أبو داود والنسائي .

    [ حدثني محمد يعني: ابن سلمة ].

    محمد بن سلمة الباهلي الحراني ، وهو ثقة، أخرج حديثه البخاري في جزء القراءة ومسلم وأصحاب السنن.

    [ عن محمد بن إسحاق ].

    محمد بن إسحاق بن يسار المدني ، صدوق، أخرج حديثه البخاري تعليقاً ومسلم وأصحاب السنن.

    [ عن أبي جعفر ].

    محمد بن علي الباقر ، وهو ثقة، أخرج له أصحاب الكتب الستة.

    [ وعن أبان بن صالح ].

    أبان بن صالح ثقة، أخرج له البخاري تعليقاً وأصحاب السنن.

    [ عن مجاهد ].

    مجاهد بن جبر المكي ، وهو ثقة، أخرج له أصحاب الكتب الستة.

    [ وعن هشام بن عروة ].

    هشام بن عروة ثقة، أخرج له أصحاب الكتب الستة.

    [ عن أبيه ].

    عروة بن الزبير بن العوام ، وهو ثقة فقيه، أحد فقهاء المدينة السبعة في عصر التابعين، وحديثه أخرجه أصحاب الكتب الستة.

    [ عن عائشة ].

    هي أم المؤمنين رضي الله عنها وأرضاها الصديقة بنت الصدبق ، وهي واحدة من سبعة أشخاص عُرفوا بكثرة الحديث عن النبي صلى الله عليه وسلم.

    الحديث في إسناده محمد بن إسحاق ، وله فيه ثلاثة شيوخ، وكلهم يروي عنهم بالعنعنة، والشيخان الأولان له وهما: أبو جعفر وأبان بن صالح يروون عن مجاهد ومجاهد يرويه مرسلاً، يقول: حصل كذا وكذا -بهذه الصيغة- وليس فيه ذكر عائشة ، وأما الطريق الثالث: وهو هشام بن عروة عن أبيه عن عائشة فهذا متصل بهذا الإسناد.

    1.   

    في المملوكين يعتقان معاً هل تخير امرأته؟

    شرح أثر عائشة: (أنها أرادت أن تعتق مملوكين لها...)

    قال المصنف رحمه الله تعالى: [ باب في المملوكين يعتقان معاً: هل تخير امرأته؟

    حدثنا زهير بن حرب ونصر بن علي قال زهير : حدثنا عبيد الله بن عبد المجيد حدثنا عبيد الله بن عبد الرحمن بن موهب عن القاسم عن عائشة رضي الله عنها (أنها أرادت أن تعتق مملوكين لها زوج قال: فسألت النبي صلى الله عليه وآله وسلم عن ذلك فأمرها أن تبدأ بالرجل قبل المرأة).

    قال نصر : أخبرني أبو علي الحنفي عن عبيد الله ].

    أورد أبو داود هذه الترجمة: [ باب في المملوكين يعتقان معاً: هل تخير امرأته؟ ] يعني مملوكان: زوج وزوجة، وهما من الأرقاء، أُعتقا معاً، فلا تخير المرأة؛ لأن التساوي قد حصل، حيث كانوا سوياً في العبودية والرق ثم صاروا كذلك في الحرية، ولم يتقدم أحدهما على الآخر، فلم يتقدم الزوج على الزوجة، ولا إعتاق الزوجة على الزوج، وإنما حصل العتاق مع بعض على حدٍ سواء، ومن غير تقدم أحدهما على الآخر، وفي هذه الحالة لا خيار؛ لأنهما كانا متساويين في الرق فصارا متساويين في الحرية، فالزواج يبقى على ما هو عليه وليس هناك خيار للمرأة.

    قوله: [ عن عائشة رضي الله عنها (أنها أرادت أن تعتق مملوكين لها زوج) ].

    أي: أن أحدهما ذكر والثاني أنثى، وهما زوجان.

    قوله: [ (فسأَلَتِ النبي صلى الله عليه وآله وسلم عن ذلك فأمرها أن تبدأ بالرجل قبل المرأة) ].

    وذلك لأن الرجل إذا بدئ به ثم أعتقت المرأة تكون قد ساوته في الحرية، ولا يكون الأمر كما في قصة بريرة مع زوجها مغيث ؛ لأنها لو أُعتقت هي قبل زوجها فيكون لها الخيار، ولكن إذا عتق هو قبلها ثم عتقت بعده ساوته في الحرية ولم يكن لها خيار.

    تراجم رجال إسناد أثر عائشة (أنها أرادت أن تعتق مملوكين لها...)

    قوله: [ حدثنا زهير بن حرب ].

    هو زهير بن حرب أبو خيثمة ، ثقة، أخرج له أصحاب الكتب الستة إلا الترمذي .

    [ ونصر بن علي ].

    هو نصر بن علي بن نصر بن علي الجهضمي ، وهو ثقة، أخرج له أصحاب الكتب الستة.

    [ قال زهير : حدثنا عبيد الله بن عبد المجيد ].

    يعني: هذا على لفظ زهير ، وأما لفظ نصر فهو: [ أخبرنا أبو علي الحنفي ] وأبو علي الحنفي هو عبيد الله بن عبد المجيد ، هذا ذكره باسمه واسم أبيه، وهذا ذكره بكنيته، وعبيد الله بن عبد المجيد هو أبو علي الحنفي ، وهو صدوق، أخرج له أصحاب الكتب الستة.

    [ عن عبيد الله بن عبد الرحمن بن موهب ].

    عبيد الله بن عبد الرحمن بن موهب ليس بالقوي، أخرج له البخاري في الأدب المفرد وأبو داود والنسائي وابن ماجة .

    [ عن القاسم ].

    هو القاسم بن محمد بن أبي بكر الصديق ، وهو ثقة فقيه، أحد فقهاء المدينة السبعة في عصر التابعين، أخرج حديثه أصحاب الكتب الستة.

    [ عن عائشة ].

    عائشة أم المؤمنين رضي الله عنها، وقد مر ذكرها.

    والحديث ضعفه الألباني ، ولعله من أجل عبيد الله بن عبد الرحمن بن موهب .

    [ قال نصر : أخبرني أبو علي الحنفي عن عبيد الله ].

    هناك شيئان:

    الشيء الأول: أن زهيراً ذكر شيخه باسمه واسم أبيه، وأنه عن شيخه قال: حدثنا.

    الشيء الثاني: نصر بن علي الجهضمي قال: أخبرني أبو علي الحنفي، وهو عبيد الله بن عبد المجيد ، وقال: عن عبيد الله، فروى بالعنعنة، أي: بالتعبير بـ(عن)، وأما زهير بن حرب فراويته بـ(حدثنا)، وهذا هو المقصود من ذكر الرواية الثانية.

    ومعرفة الكُنَى للمحدثين من أنواع علوم الحديث، وفائدة ذلك ألا يظن الشخص الواحد شخصين إذا ذكر باسمه مرة وذكر بكنيته مرة، فقد يظن أن هذا غير هذا، فالذي لا يعرف أن أبا علي الحنفي هو عبيد الله بن عبد المجيد ؛ فإنه لن يعرف أن الرجل هو نفسه باسمه أو بكنيته، فلو جاء الإسناد الأول بلفظ: عبيد الله بن عبد المجيد ، وجاء الإسناد الآخر بلفظ: أبي علي الحنفي ؛ فإنه يظن أن هذا شخص وهذا شخص آخر، مع أنه شخص واحد.