إسلام ويب

شرح سنن أبي داود [248]للشيخ : عبد المحسن العباد

  •  التفريغ النصي الكامل
  • العشرة الزوجية يكتنفها كثير من الأحكام الشرعية المتعلقة بالمعاشرة والجماع، فإن الشرع قد جعل لهذا الأمر آداباً قويمة، فشرع للرجل أن يدعو عند إرادة جماع زوجته بالوارد عن النبي صلى الله عليه وسلم، فإذا أراد جماعها فله أن يقضي حاجته من أي جهة منها مادام الوطء في الفرج، وحرم على الرجل أن يقضي حاجته منها في الفرج في زمن الحيض، فإن فعل فعليه أن يتصدق بدينار أو نصفه كفارة عن ذنبه.

    1.   

    جامع النكاح

    شرح حديث ما يدعو به من تزوج امرأة أو اشترى خادماً أو بعيراً

    قال المصنف رحمه الله تعالى: [ باب في جامع النكاح.

    حدثنا عثمان بن أبي شيبة وعبد الله بن سعيد قالا: حدثنا أبو خالد -يعني سليمان بن حيان - عن ابن عجلان عن عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم قال: (إذا تزوج أحدكم امرأة أو اشترى خادماً فليقل: اللهم! إني أسألك خيرها وخير ما جبلتها عليه، وأعوذ بك من شرها ومن شر ما جبلتها عليه. وإذا اشترى بعيراً فليأخذ بذروة سنامه وليقل مثل ذلك).

    قال أبو داود : زاد أبو سعيد : (ثم ليأخذ بناصيتها وليدع بالبركة في المرأة والخادم) ].

    أورد الإمام أبو داود السجستاني رحمه الله تعالى [ باب في جامع النكاح].

    ويقصد بهذه الترجمة أموراً متفرقة في النكاح، لأن ما سيورده ليس في موضوع واحد أو في مسألة واحدة، وإنما هو في مسائل متفرقة وفي أمور متفرقة يجمعها أنها في النكاح.

    وأورد أبو داود رحمه الله حديث عبد الله بن عمرو بن العاص رضي الله تعالى عنهما أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: [ (إذا تزوج أحدكم امرأة أو اشترى خادماً فليقل: اللهم إني أسألك خيرها وخير ما جبلتها عليه وأعوذ بك من شرها وشر ما جبلتها عليه) ]، فهذا دعاء يدعى به في أول الزواج وعند شراء الدابة وعند شراء شراء خادم، أي: عبد مملوك، سواء أكان ذكراً أم أنثى، فإنه يدعو بهذا الدعاء، وقد جاء في رواية أحد شيخي أبو داود في هذا الإسناد -وهو أبو سعيد الأشج عبد الله بن سعيد - أنه يأخذ بناصية الزوجة والخادم أو الخادمة ويدعو بهذا الدعاء: (اللهم إني أسألك من خيرها وخير ما جبلتها عليه، وأعوذ بك من شرها وشر ما جبلتها عليه). فيكون الإنسان من البداية قد سأل الله من الشر، يسأله من خير هذه الزوجة أو خير هذه الأمة أو العبد وخير ما جبل عليه -أي: ما طبع عليه وجعل فيه من الصفات ومن الأخلاق- وتعوذ به من شر ما يتصف به وما جبل عليه من الأخلاق السيئة ومن الأمور المنكرة.

    قال: [ (وإذا اشترى بعيراً فليأخذ بذروة سنامه وليقل مثل ذلك) ].

    يعني: مثل الدعاء الذي دعا به بالنسبة للزوجة والعبد.

    قوله: [ زاد أبو سعيد : (ثم ليأخذ بناصيتها وليدعو بالبركة) ].

    هذا زيادة على ما تقدم، فقد تقدم أنه يدعو بالخير ويستعيذ من الشر، وهنا شيئان زيادة على ما تقدم، فزيادة أبي سعيد فيها وضع اليد على الناصية بالنسبة للزوجة والخادم أو العبد أو الأمة، وفيها -أيضاً- أن يدعو بالبركة.

    وكذلك السيارة والسائق ونحوهما يدعى بالبركة فيهم ويسأل الله تعالى خيرهم ويستعاذ به من شرهم.

    تراجم رجال إسناد حديث ما يدعو به من تزوج امرأة أو اشترى خادماً أو بعيراً

    قوله: [ حدثنا عثمان بن أبي شيبة ].

    هو عثمان بن أبي شيبة الكوفي ، ثقة، أخرج حديثه أصحاب الكتب الستة إلا الترمذي ، وإلا النسائي فإنه أخرج له في عمل اليوم والليلة.

    [ وعبد الله بن سعيد ].

    هو عبد الله بن سعيد الأشج أبو سعيد ، وهو ثقة، أخرج له أصحاب الكتب الستة.

    [ حدثنا أبو خالد -يعني سليمان بن حيان - ].

    هو سليمان حيان الأحمر ، وهو صدوق يخطئ، أخرج له أصحاب الكتب الستة.

    [ عن ابن عجلان ].

    هو محمد بن عجلان المدني ، صدوق، أخرج حديثه البخاري تعليقاً ومسلم وأصحاب السنن، ويقال في ترجمة ابن عجلان : إن أمه حملت به أربع سنين.

    [ عن عمرو بن شعيب ].

    هو عمرو بن شعيب بن محمد بن عبد الله بن عمرو بن العاص ، وهو صدوق، أخرج حديثه البخاري في جزء القراءة وأصحاب السنن.

    [ عن أبيه ].

    هو شعيب بن محمد ، وهو صدوق أيضا، أخرج حديثه البخاري في الأدب المفرد وجزء القراءة وأصحاب السنن.

    [ عن جده ].

    هو عبد الله بن عمرو بن العاص رضي الله تعالى عنهما، وهو الصحابي الجليل، أحد العبادلة الأربعة من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم ورضي الله تعالى عنه وأرضاه، وحديثه عند أصحاب الكتب الستة.

    شرح حديث ما يدعو به المرء عند الجماع

    قال المصنف رحمه الله تعالى: [ حدثنا محمد بن عيسى حدثنا جرير عن منصور عن سالم بن أبي الجعد عن كريب عن ابن عباس رضي الله عنهما أنه قال: قال النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم: (لو أن أحدكم إذا أرد أن يأتي أهله قال: باسم الله، اللهم جنبنا وجنب الشيطان ما رزقتنا. ثم قدر أن يكون بينهما ولد في ذلك لم يضره شيطان أبداً)].

    أورد أبو داود حديث ابن عباس رضي الله تعالى عنهما أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (لو أن أحدكم إذا أراد أن يأتي أهله قال: باسم الله، اللهم جنبنا الشطان وجنب الشيطان ما رزقتنا. ثم قدر بينهما ولد في ذلك لم يضره شيطان أبداً) وهذا يدل على مشروعية هذا الدعاء وعظيم شأنه، وأن الإنسان يدعو بهذا الدعاء ليظهر ما جاء فيه من سلامة الولد من الشيطان ومن أن يكون من أولياء الشياطين.

    فالحديث يدل على مشروعية هذا الدعاء عند الجماع.

    وقوله: [ (لم يضره شيطان أبداً) ] ليس المقصود به أنه لا سبيل للشيطان عليه، وأنه يكون معصوماً؛ فإن العصمة ليست لأحد بعد رسل الله الكرام عليهم الصلاة والسلام، وإنما المراد أنه يسلم من تسلطه عليه وكونه يصير من أوليائه، وإلا فإن الشيطان يجري من ابن آدم مجرى الدم كما جاء ذلك عن رسول الله صلى الله عليه وسلم، ولكنه يسلم منه في الجملة، أما أن يصير معصوماً؛ فإن هذا لا يكون لأحد بعد رسل الله صلوات الله وسلامه وبركاته عليهم.

    تراجم رجال إسناد حديث ما يدعو به المرء عند الجماع

    قوله: [ حدثنا محمد بن عيسى ].

    هو محمد بن عيسى الطباع ، وهو ثقة، أخرج حديثه البخاري تعليقاً وأبو داود والترمذي في الشمائل والنسائي وابن ماجة .

    [ حدثنا جرير ].

    هو جرير بن عبد الحميد الضبي الكوفي ، وهو ثقة، أخرج له أصحاب الكتب الستة.

    [ عن منصور ].

    هو منصور بن المعتمر الكوفي ، وهو ثقة، أخرج له أصحاب الكتب الستة.

    [ عن سالم بن أبي الجعد ].

    سالم بن أبي الجعد ثقة، أخرج له أصحاب الكتب الستة.

    [ عن كريب ].

    هو كريب مولى ابن عباس ، وهو ثقة، أخرج له أصحاب الكتب الستة.

    [ عن ابن عباس ].

    هو عبد الله بن عباس بن عبد المطلب ، ابن عم النبي صلى الله عليه وسلم، وأحد العبادلة الأربعة من أصحابه الكرام، وأحد السبعة المعروفين بكثرة الحديث عن النبي صلى الله عليه وسلم.

    شرح حديث (ملعون من أتى امرأة في دبرها)

    قال المصنف رحمه الله تعالى: [ حدثنا هناد عن وكيع عن سفيان عن سهيل بن أبي صالح عن الحارث بن مخلد عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم: (ملعون من أتى امرأته في دبرها) ].

    أورد أبو داود حديث أبي هريرة رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: [ (ملعون من أتى امرأته في دبرها) ] وهذا يدلنا على تحريم وطء النساء في أدبارهن، وعلى أنه من الكبائر؛ لأنه جاء اللعن عليه من رسول الله صلى الله عليه وسلم.

    ومن أحسن ما قيل في ضابط الكبيرة أنها ما كان عليه حد في الدنيا، أو توعد عليه بلعنة، أو غضب، أو نار، أو إحباط عمل، وما إلى ذلك من الأوصاف التي تدل على عظم الذنب وعلى شدة جرم ذلك الذنب.

    فالحديث يدل على تحريم وطء النساء في أدبارهن وأنه من الكبائر؛ حيث ورد اللعن فيه عن رسول الله صلى الله عليه وسلم.

    والحديث في إسناده رجل مجهول، وهو الحارث بن مخلد ، ولكن الحديث جاء من طريق أخرى عن عقبة بن عامر بإسناد حسن، فيكون هذا من شواهد الحديث، وعلى هذا فيكون الحديث ثابتاً عن رسول الله صلى الله عليه وسلم.

    تراجم رجال إسناد حديث (ملعون من أتى امرأة في دبرها)

    قوله: [ حدثنا هناد ].

    هو هناد بن السري أبو السري ، ثقة، أخرج حديثه البخاري في خلق أفعال العباد ومسلم وأصحاب السنن.

    و هناد ممن وافقت كنيته اسم أبيه؛ لأنه ابن السري وكنيته أبو السري ، فوافقت كنيته اسم أبيه، وهذا نوع من أنواع علوم الحديث، فمن المهم في علوم الحديث معرفة من وافقت كنيته اسم أبيه؛ لأنه إذا ذكر بكنيته وهو مشهور بنسبته فقد يظن أن هذا شخص آخر، فيظن أن فيه تصحيفاً، مثل هناد بن السري ، فإذا قيل: هناد أبو السري فالذي لا يعرف أن كنيته أبو السري وهو يعرف أنه هناد بن السري يظن أن (ابن) صحفت إلى (أبو)، مع أن هذا صحيح وهذا صحيح، فإن قيل: هناد بن السري فصحيح، وإن قيل: هناد أبو السري فصحيح.

    وقد يذكر الشخص -مثلاً- باسمه واسم أبيه، وقد يذكر بكنيته، فلا يتنبه لكون صاحب الكنية هو صاحب الاسم، وذلك مثل قولهم: عبد الله بن سعيد ثم يقولون: أبو سعيد . فالذي لا يعرف يقول: ابن سعيد؛ لأنه عبد الله بن سعيد وهو أبو سعيد ، وافقت كنيته اسم أبيه.

    [ عن وكيع ].

    هو وكيع بن الجراح الرؤاسي الكوفي ، ثقة، أخرج له أصحاب الكتب الستة.

    [ عن سفيان ].

    هو سفيان بن سعيد بن مسروق الثوري ، ثقة، وصف بأنه أمير المؤمنين في الحديث، أخرج له أصحاب الكتب الستة.

    [ عن سهيل بن أبي صالح ].

    سهيل بن أبي صالح صدوق، أخرج حديثه أصحاب الكتب الستة، والبخاري إنما أخرج له مقروناً.

    [ عن الحارث بن مخلد ].

    الحارث بن مخلد مجهول، أخرج له أبو داود والنسائي وابن ماجة .

    [ عن أبي هريرة ].

    هو عبد الرحمن بن صخر الدوسي رضي الله عنه، صاحب رسول الله صلى الله عليه وسلم، وأكثر أصحابه حديثاً على الإطلاق رضي الله عنه وأرضاه.

    شرح حديث الإنكار على اليهود في زعمهم أن الجماع في الفرج من الوراء يجعل الولد أحول

    قال المصنف رحمه الله تعالى: [ حدثنا ابن بشار حدثنا عبد الرحمن قال حدثنا سفيان عن محمد بن المنكدر أنه قال سمعت جابراً رضي الله عنه يقول: (إن اليهود يقولون: إذا جامع الرجل أهله في فرجها من ورائها كان ولده أحول. فأنزل الله سبحانه وتعالى: نِسَاؤُكُمْ حَرْثٌ لَكُمْ فَأْتُوا حَرْثَكُمْ أَنَّى شِئْتُمْ [البقرة:223]) ].

    أورد أبو داود حديث جابر بن عبد الله الأنصاري رضي الله تعالى عنهما أنه قيل للنبي صلى الله عليه وسلم: إن اليهود يقولون: إن الرجل إذا جامع امرأته في فرجها من ورائها فإن الولد يكون أحول. فأنزل الله عز وجل الآية.

    والحول هو أن يكون السواد في طرف العين لا في وسطها، فيكون إلى جهة اليمين أو جهة الشمال، جهة الأنف أو جهة الأذن، هذا هو الحول، فهم يقولون: إنه إذا أتاها في فرجها من ورائها فإن الولد يكون أحول. فأنزل الله عز وجل: نِسَاؤُكُمْ حَرْثٌ لَكُمْ فَأْتُوا حَرْثَكُمْ أَنَّى شِئْتُمْ [البقرة:223] يعني: من جميع الجهات، وذلك سائغ ومشروع، وما يزعمونه من أن الولد يكون أحول ليس بصحيح.

    تراجم رجال إسناد حديث الإنكار على اليهود في زعمهم أن الجماع في الفرج من الوراء يجعل الولد أحول

    قوله: [ حدثنا ابن بشار ].

    هو محمد بن بشار البصري ، ثقة، أخرج له أصحاب الكتب الستة، بل هو شيخ لأصحاب الكتب الستة.

    [ حدثنا عبد الرحمن ].

    هو عبد الرحمن بن مهدي البصري ، ثقة، أخرج له أصحاب الكتب الستة.

    [ حدثنا سفيان ].

    هو سفيان الثوري ، وقد مر ذكره.

    [ عن محمد بن المنكدر ].

    محمد بن المنكدر ثقة، أخرج له أصحاب الكتب الستة.

    [ عن جابر ].

    هو جابر بن عبد الله الأنصاري رضي الله تعالى عنهما، صاحب رسول الله صلى الله عليه وسلم، وهو صحابي ابن صحابي، وهو أحد السبعة المعروفين بكثرة الحديث عن النبي صلى الله عليه وسلم.

    شرح حديث سبب نزول قوله تعالى: (نساؤكم حرث لكم...)

    قال المصنف رحمه الله تعالى: [ حدثنا عبد العزيز بن يحيى أبو الأصبغ حدثني محمد -يعني ابن سلمة - عن محمد بن إسحاق عن أبان بن صالح عن مجاهد عن ابن عباس رضي الله عنهما قال: (إن ابن عمر رضي الله عنهما -والله يغفر له- أوهم، إنما كان هذا الحي من الأنصار وهم أهل وثن مع هذا الحي من يهود وهم أهل كتاب، وكانوا يرون لهم فضلاً عليهم في العلم، فكانوا يقتدون بكثير من فعلهم، وكان من أمر أهل الكتاب ألا يأتوا النساء إلا على حرف، وذلك أستر ما تكون المرأة، فكان هذا الحي من الأنصار قد أخذوا بذلك من فعلهم، وكان هذا الحي من قريش يشرحون النساء شرحاً منكراً ويتلذذون منهن مقبلات ومدبرات ومستلقيات، فلما قدم المهاجرون المدينة تزوج رجل منهم امرأة من الأنصار، فذهب يصنع بها ذلك فأنكرته عليه وقالت: إنما كنا نؤتى على حرف، فاصنع ذلك وإلا فاجتنبني. حتى شري أمرهما، فبلغ ذلك رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم، فأنزل الله عز وجل: نِسَاؤُكُمْ حَرْثٌ لَكُمْ فَأْتُوا حَرْثَكُمْ أَنَّى شِئْتُمْ [البقرة:223]) أي: مقبلات ومدبرات ومستلقيات. يعني بذلك موضع الولد ].

    أورد أبو داود رحمه الله حديث عبد الله بن عباس رضي الله تعالى عنهما أنه قال: إن ابن عمر رضي الله عنه أوهم -والله تعالى يغفر له-، إنما كان هذا الحي من الأنصار، وكانوا مع اليهود في المدينة، وكانوا يعتقدون أن عندهم علماً لأنهم أهل كتاب، وكان اليهود يأتون النساء على حرف، أي: جنوبهن، فكانوا يفعلون مثلهم، ولما قدم المهاجرون وكانوا يأتون النساء في القبل من جميع الجهات، سواء أكن على جنوبهن أم مستلقيات أم على هيئة غير ذلك، ثم إنه تزوج رجل من المهاجرين امرأة من الأنصار، ولما أراد أن يجامعها على تلك الهيئة التي كانوا قد اعتادوها أنكرت عليه ذلك وأخبرته بالذي هم معتادون عليه، فأنزل الله عز وجل نِسَاؤُكُمْ حَرْثٌ لَكُمْ فَأْتُوا حَرْثَكُمْ أَنَّى شِئْتُمْ [البقرة:223] يعني أنهم يأتونهن من جميع الجهات مقبلات ومدبرات ومستلقيات، بشرط أن يكون ذلك في الفرج، أي: في موضع الحرث الذي هو موضع زرع الولد، والذي يطلب منه الولد، فجاءت الآية مبينة ومقررة لما كان عليه المهاجرون من النكاح على جميع الأوجه ما دام أنه في الفرج وليس في الدبر.

    وقوله: [ أوهم ابن عمر ] رضي الله عنهما لم يذكر فيه الشيء الذي حصل فيه الوهم، ولعله جاء عنه شيء على خلاف ما كان يعتقده ويعرفه ابن عباس رضي الله تعالى عنهما، ولا يصح عنه أنه كان يقول بجواز وطء النساء في الأدبار.

    وقوله: [ حتى شري أمرهما ] معناه: ذاع وانتشر.

    تراجم رجال إسناد حديث سبب نزول قوله تعالى: (نساؤكم حرث لكم...)

    قوله: [ حدثنا عبد العزيز بن يحيى أبو الأصبغ ].

    عبد العزيز بن يحيى أبو الأصبغ صدوق ربما وهم، أخرج له أبو داود والنسائي .

    [ عن محمد -يعني ابن سلمة - ].

    هو محمد بن سلمة الباهلي الحراني ، ثقة، أخرج حديثه البخاري في جزء القراءة ومسلم وأصحاب السنن.

    يروي أبي داود ؛ لأن أبا داود رحمه الله عن شيخين كل منهما يقال له: محمد بن سلمة، وأحدهما من شيوخه والثاني من شيوخ شيوخه، فالذي من شيوخه محمد بن سلمة المرادي المصري ، فإذا جاء محمد بن سلمة غير منسوب وهو من شيوخ أبي داود فالمراد به المصري ، وإذا جاء محمد بن سلمة غير منسوب وهو من شيوخ شيوخ أبي داود فالمراد به الحراني الباهلي ؛ لأنه لا يروي عنه أبو داود مباشرة، بل يروي عنه بواسطة.

    [ عن محمد بن إسحاق ].

    هو محمد بن إسحاق المدني ، وهو صدوق، أخرج حديثه البخاري تعليقاً ومسلم وأصحاب السنن.

    [ عن أبان بن صالح ].

    أبان بن صالح ثقة، أخرج له البخاري تعليقاً وأصحاب السنن.

    [ عن مجاهد ].

    هو مجاهد بن جبر المكي ، ثقة، أخرج له أصحاب الكتب الستة.

    [ عن ابن عباس ].

    ابن عباس رضي الله عنهما قد مر ذكره.

    1.   

    حكم إتيان الحائض ومباشرتها

    شرح حديث ما يباح من التعامل مع الحائض

    قال المصنف رحمه الله تعالى: [ باب في إتيان الحائض ومباشرتها:

    حدثنا موسى بن إسماعيل حدثنا حماد أخبرنا ثابت البناني عن أنس بن مالك رضي الله عنه (أن اليهود كانت إذا حاضت منهم امرأة أخرجوها من البيت ولم يؤاكلوها ولم يشاربوها ولم يجامعوها في البيت، فسئل رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم عن ذلك فأنزل الله سبحانه وتعالى: وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ الْمَحِيضِ قُلْ هُوَ أَذًى فَاعْتَزِلُوا النِّسَاءَ فِي الْمَحِيضِ [البقرة:222] إلى آخر الآية، فقال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: جامعوهن في البيوت واصنعوا كل شيء غير النكاح. فقالت اليهود: ما يريد هذا الرجل أن يدع شيئاً من أمرنا إلا خالفنا فيه! فجاء أسيد بن حضير وعباد بن بشر رضي الله عنهما إلى رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم فقالا: يا رسول الله! إن اليهود تقول كذا وكذا، أفلا ننكحهن في المحيض؟! فتمعر وجه رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم حتى ظننا أن قد وجد عليهما، فخرج فاستقبلتهما هدية من لبن إلى رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم، فبعث في آثارهما فظننا أنه لم يجد عليهما) ].

    أورد أبو داود رحمه الله [ باب في إتيان الحيض ومباشرتها ] يعني جماعها، وذلك حرام لا يجوز، ومباشرتها في غير الفرج جائزة على قول بعض أهل العلم، وبعضهم يجعل المباشرة جائزة فيما فوق الإزار.

    والحديث الذي أورده أبو داود هنا يدل على أن المباشرة تكون مطلقاً، سواء من فوق الإزار أو دونه، بشرط أن لا يكون هناك جماع في الفرج الذي هو محل الحيض ومحل الدم.

    فالمقصود من الترجمة أن إتيان النساء وجماعهن لا يجوز في الحيض، وأما أن يستمتع بها فيما دون فرجها فذلك سائغ وجائز.

    وأورد أبو داود حديث أنس بن مالك رضي الله عنه أن اليهود كان عندهم تشدد وتعنت وغلو، وذلك أن المرأة فيهم كانت إذا حاضت أبعدوها عنهم، فلم يساكنوها ولم يجالسوها ولم يؤاكلوها، ولا تكون معهم حتى تطهر من الحيض، وهذا غلو.

    ويقابل هذا فعل النصارى ، فإنهم يجامعون الحائض، فاليهود في طرف والنصارى في طرف، فالنصارى يخالطونها، بل يجامعونها ولا يتركون شيئاً، ولا يفرقون بين كونها حائضاً أو غير حائض، واليهود يبتعدون عنها ولا يساكنونها ولا يجالسونها ولا يجامعونها، أي: لا يجتمعون بها أو يساكنونها، فالمقصود بالمجامعة هنا الاجتماع، وليس الجماع الذي هو الوطء.

    فجاء الإسلام وسطاً بين هؤلاء وأولئك، وذلك أن الحائض تبقى مع الناس في البيوت فيؤاكلونها ويشاربونها، ويبيتون معها، ويستمتع بها الزوج في غير الفرج، فليس عندهم إفراط هؤلاء ولا تفريط أولئك، وإنما عندهم التوسط، وهذا من أمثلة وسطية هذه الأمة بين اليهود والنصارى .

    وقوله: [ (فأنزل الله سبحانه وتعالى: وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ الْمَحِيضِ قُلْ هُوَ أَذًى فَاعْتَزِلُوا النِّسَاءَ فِي الْمَحِيضِ )[البقرة:222] إلى آخر الآية ].

    يعني أن الدم الذي يكون في فروج النساء بسبب الحيض هو أذى نجس وقذر ومنتن، والأذى موجود فيه من وجوه متعددة، ولذلك قال تعالى: فَاعْتَزِلُوا النِّسَاءَ فِي الْمَحِيضِ [البقرة:222] يعني: في حال حيضهن اعتزلوا محل الحيض. وليس المقصود بالاعتزال اعتزالهن مطلقاً كما تفعله اليهود، حيث إنهم يخرجونها من البيت ولا يساكنونها ولا يكونون معها.

    وقوله: [ فقال رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم: (جامعوهن في البيوت واصنعوا كل شيء غير النكاح) ].

    أي: ساكنوهن وكونوا معهن في البيوت.

    وقوله: (واصنعوا معهن كل شيء إلا النكاح)، أي أن الحائض تؤاكل وتشارب وتضاجع وتباشر، ولكن في غير الفرج، فيستمتع الزوج بها ويقضي حاجته منها في غير الفرج الذي هو محل النجاسة الموجودة بسبب الحيض.

    قوله: (فقالت اليهود: ما يريد هذا الرجل أن يدع شيئاً من أمرنا إلا خالفنا فيه).

    يشيرون بذلك إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم، وما وصفوه بالرسالة؛ لأنهم لا يؤمنون به صلى الله عليه وسلم، وهم -بلا شك- كافرون به وبعيسى وبموسى وبكل الرسل؛ لأن من كفر بنبي فقد كفر بجميع الأنبياء، كما جاء في القرآن، فقد قال تعالى: كَذَّبَتْ قَوْمُ نُوحٍ الْمُرْسَلِينَ [الشعراء:105] وهم إنما كذبوا رسولهم نوحاً، فبتكذيبهم الواحد صاروا مكذبين لجميع الرسل، ومن كذب رسولاً واحداً كذب جميع الرسل، وإذا كانوا يقولون إنهم أتباع موسى فموسى هو الذي أخبر عن رسول الله صلى الله عليه وسلم، فهم مكذبون لموسى عليه الصلاة والسلام.

    فمن كذب نبياً من الأنبياء فهو كاليهود الذين لا يؤمنون بنبوة محمد صلى الله عليه وسلم، أو يقولون: هو نبي إلى العرب خاصة. وهذا كذب وتكذيب؛ لأنه رسول للناس كافة، فهو تكذيب للرسول صلى الله عليه وسلم وفي نفس الوقت هو تكذيب لموسى ولعيسى ولسائر الأنبياء.

    قوله: (فجاء أسيد بن حضير وعباد بن بشر رضي الله عنهما إلى رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم فقالا: يا رسول الله! إن اليهود تقول كذا وكذا. أفلا ننكحهن في المحيض؟! فتمعر وجه رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم حتى ظننا أن قد وجد عليهما).

    أي: جاء عباد بن بشر وأسيد بن حضير رضي الله عنهما فكلماه عن اليهود وقالا: أفلا ننكحهن في المحيض؟! فتمعر وجه رسول الله صلى الله عليه وسلم، أي: غضب. فلما تمعر وجهه ظنوا أنه وجد عليهما وغضب وأن في نفسه عليهما شيئاً. فخرج فاستقبلتهما هدية لبن إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم، فلما رأى الهدية جاءت بعث في أثرهما يطلبهما حتى يأخذا نصيبهما من هذه الهدية، فعند ذلك اعتقد الصحابة الذين كانوا عنده أنه ما وجد عليهما.

    فقولهم أولاً: (ظننا) معناه: حسبنا. وقولهم (ظننا) في المرة الثانية معناه اليقين، فالظن يأتي بمعنى الحسبان ويأتي بمعنى اليقين، الَّذِينَ يَظُنُّونَ أَنَّهُمْ مُلاقُوا رَبِّهِمْ وَأَنَّهُمْ إِلَيْهِ رَاجِعُونَ [البقرة:46] يعني: يعتقدون ويجزمون.

    والمعنى أنه لما دعاهما وأراد أن يشاركاه في هذه الهدية وسقاهما من ذلك اللبن عرف الصحابة وتحققوا أنه لم يجد عليهما عليه الصلاة والسلام.

    و عباد بن بشر وأسيد بن حضير من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم، وهما اللذان حصلت لهما الكرامة التي جاءت في الحديث الصحيح أنهما خرجا من عند رسول الله صلى الله عليه وسلم في ليلة مظلمة، فكان معهما نور أمامهما يضيء لهما الطريق، ولما افترقا وذهب كل منهما إلى بيته انقسم ذلك النور إلى قسمين، فصار كل واحد منهما معه جزء من ذلك النور، وهذا ثابت في الصحيح عن رسول الله صلى الله عليه وسلم، وهو من كرامات الأولياء التي يثبتها أهل السنة والجماعة، فإنهم يصدقون بكرامات الأولياء ويثبتونها إذا وقعت لأولياء الله حقاً وإذا حصلت من وجه يصح، أما الأشياء التي تضاف إلى من تدعى لهم الولاية ويزعم بأنهم أولياء ويؤتى بأكاذيب ويؤتى بترهات وسخافات تضاف إليهم ويقال عنها إنها كرامات، فهذه من الأمور المنكرة.

    وأهل السنة والجماعة يصدقون بكل ما ثبت من الكرامات لأولياء الله، مثل أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم ومن كان على منهاجهم وعلى منوالهم، ولكنهم ينكرون الأشياء التي ليس لها أساس، والأشياء التي لا تليق ولا تصلح وهي مخالفة لدين الإسلام، بل قد يكون بعضها شركاً بالله عز وجل، ويعتقد أنها كرامة من الكرامات، كمن يزعم أن فلاناً ولي يستغاث به في حال شدة وفي حال كربة، ثم بعد ذلك يقول: إنه جاء إلى ذلك الولي، وإنه خلصه من هذه الشدة. فهذا شرك بالله عز وجل، حيث يستغيث بغير الله، وهذا لا يعتبر كرامة، بل يعتبر ابتلاءً وامتحاناً.

    تراجم رجال إسناد حديث ما يباح من التعامل مع الحائض

    قوله: [ حدثنا موسى بن إسماعيل ].

    هو موسى بن إسماعيل التبوذكي البصري ، ثقة، أخرج له أصحاب الكتب الستة.

    [ حدثنا حماد ].

    هو حماد بن سلمة ، وهو ثقة، أخرج له البخاري تعليقاً ومسلم وأصحاب السنن.

    [ أخبرنا ثابت البناني ].

    هو ثابت بن أسلم البناني ، وهو ثقة، أخرج له أصحاب الكتب الستة.

    [ عن أنس بن مالك ].

    هو أنس بن مالك رضي الله عنه، خادم رسول الله صلى الله عليه وسلم، وأحد السبعة المعروفين بكثرة الحديث عن النبي صلى الله عليه وسلم.

    والحديث من رباعيات أبي داود ؛ فهو من أعلى الأسانيد عند أبي داود ، حيث يكون بينه وبين رسول الله صلى الله عليه وسلم أربعة أشخاص، وهم هنا موسى بن إسماعيل وحماد بن سلمة وثابت البناني وأنس بن مالك.

    حكم إتيان الحائض بعد الطهر قبل الاغتسال

    السؤال: هل يجوز إتيان المرأة الحائض بعد الطهر وقبل الاغتسال؟

    الجواب: الذي يظهر أنه لا يجوز؛ لأن الله عز وجل يقول وَلا تَقْرَبُوهُنَّ حَتَّى يَطْهُرْنَ [البقرة:222] يعني يطهرن من الحيض فَإِذَا تَطَهَّرْنَ فَأْتُوهُنَّ [البقرة:222] يعني: إذا اغتسلن. وذلك لأن بقية الأذى موجودة حتى يحصل الاغتسال فتزول آثار الأذى، ولذلك قال تعالى: وَلا تَقْرَبُوهُنَّ حَتَّى يَطْهُرْنَ [البقرة:222] أي: يطهرن من الحيض، (فَإِذَا تَطَهَّرْنَ) بعد طهرهن فَأْتُوهُنَّ مِنْ حَيْثُ أَمَرَكُمُ اللَّهُ [البقرة:222] .

    شرح حديث عائشة (كنت أنا ورسول الله صلى الله عليه وسلم نبيت في الشعار الواحد وأنا حائض)

    قال المصنف رحمه الله تعالى: [ حدثنا مسدد حدثنا يحيى عن جابر بن صبح قال: سمعت خلاساً الهجري قال: سمعت عائشة رضي الله عنها تقول: (كنت أنا ورسول الله صلى الله عليه وآله وسلم نبيت في الشعار الواحد وأنا حائض طامث، فإن أصابه مني شيء غسل مكانه ولم يعده، وإن أصاب -تعني ثوبه- منه شيء غسل مكانه ولم يعده، وصلى فيه) ].

    أورد أبو داود حديث عائشة رضي الله عنها أنها قالت: [ (كنت أبيت أنا ورسول الله في الشعار الواحد) ] أي: في ثوب واحد أو في غطاء واحد يغطي جسديهما فيتصل جسده بجسدها، والشعار هو الثوب الذي يلي الجسد، والدثار هو الثوب الذي وراءه، كما جاء ذكرهما في حق الأنصار في يوم حنين لما قالوا ما قالوا في كون الرسول صلى الله عليه وسلم أعطى الغنائم للذين أسلموا قريباً ولم يعطهم شيئاً، فجمعهم الرسول صلى الله عليه وسلم وتكلم معهم بالكلام الذي أرضاهم وصار خيراً لهم مما فاتهم، وقال لهم: (الأنصار شعار والناس دثار) فالشعار هو الثوب الذي يلي الجسد، والدثار هو الذي يكون وراءه أو فوقه.

    وهذا فيه بيان المخالفة لما كان عليه اليهود الذين لا يجامعونها -أي: يجتمعون معها في البيوت- ولا يضاجعونها، بل الرسول صلى الله عليه وسلم كان يكون وإياها في شعار واحد، وربما وقع على جسده عليه الصلاة والسلام شيء من الدم الذي يكون منها، وربما حصل لثوبه كذلك، وكان إذا حصل شيء من ذلك فإنه يغسل مكان الدم من جسده صلى الله عليه وسلم أو من ثوبه ثم يصلي فيه، وهذا يدلنا على أن الثوب إذا وقعت عليه النجاسة وكان محلها معلوماً فإنه يغسل الجزء الذي فيه النجاسة وحده ويكفي ذلك، ولهذا قالت عائشة : [ غسل مكانه -تعني الثوب- ولم يعده ] أي: ما تجاوز إلى غسل الباقي، ثم يصلي فيه.

    فالنجاسة إذا كانت معلومة من الثوب فإنه يغسل ذلك الجزء الذي فيه النجاسة، لكن إذا تحقق أن في الثوب نجساً وجهل مكان النجاسة فعند ذلك يجب غسله كله؛ لأنه لن يحصل التحقق حينئذٍ من الطهارة إلا بغسله كله؛ لأنه لو غسل جزءاً منه فيمكن أن تكون النجاسة في جزء ثان، لكن حيث تحقق مكان النجاسة فإنه يكفي غسل مكان النجاسة، كما جاء ذلك في حديث عائشة رضي الله عنها وأرضاها.

    وقولها: [ وأنا حائض طامث ] الطامث هي الحائض، فهو تأكيد.

    تراجم رجال إسناد حديث عائشة (كنت أنا ورسول الله صلى الله عليه وسلم نبيت في الشعار الواحد وأنا حائض)

    قوله: [ حدثنا مسدد ].

    هو مسدد بن مسرهد البصري ، ثقة، أخرج حديثه البخاري وأبو داود والترمذي والنسائي .

    [ حدثنا يحيى ].

    هو يحيى بن سعيد القطان البصري ، ثقة، أخرج له أصحاب الكتب الستة.

    [ عن جابر بن صبح ].

    جابر بن صبح صدوق، أخرج له أبو داود والترمذي والنسائي .

    [ سمعت خلاساً الهجري ].

    هو خلاس بن عمرو الهجري ، وهو ثقة، أخرج له أصحاب الكتب الستة.

    [ سمعت عائشة رضي الله عنها ].

    هي عائشة أم المؤمنين رضي الله عنها وأرضاها، الصديقة بنت الصديق، وهي أحد سبعة أشخاص عرفوا بكثرة الحديث عن النبي صلى الله عليه وسلم.

    شرح حديث (كان إذا أراد أن يباشر واحدة من نسائه أمرها أن تتزر)

    قال المصنف رحمه الله تعالى: [ حدثنا محمد بن العلاء ومسدد قالا: حدثنا حفص عن الشيباني عن عبد الله بن شداد عن خالته ميمونة بنت الحارث رضي الله عنها (أن النبي صلى الله عليه وسلم كان إذا أراد أن يباشر واحدة من نسائه أمرها أن تتزر ثم يباشرها) ].

    أورد أبو داود حديث ميمونة رضي الله تعالى عنها، وهو الذي استدل به بعض أهل العلم على أن المباشرة للحائض إنما تكون فوق الإزار وليست فيما تحت الإزار؛ وقد قال جماعة كثيرون من أهل العلم بمقتضى هذا الحديث، وبعضهم أخذ بمقتضى حديث أنس المتقدم في أنه يصنع كل شيء إلا النكاح.

    ومن العلماء من رأى أن المباشرة تكون في جميع جسد المرأة غير محل الحرث، أي: يباشرها ويقضي حاجته منها بالمباشرة في غير محل الحرث؛ لأن قوله: (اصنعوا كل شيء إلا النكاح) معناه أنهم يباشرونهن ولا يمتنعون إلا من النكاح.

    تراجم رجال إسناد حديث (كان إذا أراد أن يباشر واحدة من نسائه أمرها أن تتزر)

    قوله: [ حدثنا محمد بن العلاء ].

    هو محمد بن العلاء بن كريب أبو كريب البصري ، ثقة، أخرج له أصحاب الكتب الستة.

    [ ومسدد ].

    مسدد مر ذكره.

    [ قالا: حدثنا حفص ].

    حفص هو ابن غياث ، وهو ثقة، أخرج له أصحاب الكتب الستة.

    [ عن الشيباني ].

    الشيباني هو سليمان بن أبي سليمان ، وهو ثقة، أخرج له أصحاب الكتب الستة.

    [ عن عبد الله بن شداد ].

    عبد الله بن شداد ولد على عهد النبي صلى الله عليه وسلم، وعده العجلي من كبار التابعين الثقات، أخرج له صحاب الكتب الستة.

    [ عن خالته ميمونة ].

    هي خالته ميمونة بنت الحارث الهلالية أم المؤمنين رضي الله عنها وأرضاها، وحديثها عند أصحاب الكتب الستة.

    1.   

    كفارة من أتى حائضاً

    شرح حديث: (يتصدق بدينار أو بنصف دينار)

    قال المصنف رحمه الله تعالى: [ باب في كفارة من أتى حائضاً.

    حدثنا مسدد حدثنا يحيى عن شعبة غيره عن سعيد حدثني الحكم عن عبد الحميد بن عبد الرحمن عن مقسم عن ابن عباس رضي الله عنهما عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم في الذي يأتي امرأته وهي حائض قال: (يتصدق بدينار أو بنصف دينار) ].

    أورد أبو داود [ باب في كفارة من أتى حائضاً ].

    يعني: ما هي الكفارة التي تجب عليه لتلافي ذلك الذنب الذي وقع فيه؟ فإتيان النساء في الحيض في فروجهن لا يجوز، ولهذا قال تعالى: (( قُلْ هُوَ أَذًى فَاعْتَزِلُوا النِّسَاءَ فِي الْمَحِيضِ ))[البقرة:222] يعني: اجتنبوا جماعهن في حال حيضهن، وذلك في الفروج.

    فبعد أن أورد المصنف ما يدل على تحريم نكاح المرأة وهي حائض وأنه يفعل كل شيء إلا النكاح ذكر أن من عصى وحصل منه ذلك الأمر المحرم فإن عليه كفارة، وهذه الكفارة جاءت في حديث ابن عباس رضي الله عنهما أن النبي صلى الله عليه وسلم قال في الذي يأتي امرأته وهي حائض: [ (يتصدق بدينار أو بنصف دينار) ] فهذه كفارة إتيان الحائض.

    وقيل: إن التفاوت بين الدينار ونصفه هو أنه إذا كان في حال إقبال الدم وشدته وكثرته فإنه يتصدق بدينار، وإذا كان في حال إدباره وقلته فإنه يتصدق بنصف دينار.

    وقيل: إن هذا لعله يكون في حال اليسار وعدم اليسار، وأنه إذا كان موسراً فإنه يتصدق بدينار، وإذا كان بخلاف ذلك يتصدق بنصفه، والحاصل أنه ثبتت السنة عن رسول الله صلى الله عليه وسلم بهذه الكفارة، وأنه لا يجوز للإنسان أن يجامع امرأته في حال حيضها في فرجها، وإنما يستمتع بها في غير الفرج، وإذا حصل منه الجماع فإن عليه هذه الكفارة التي هي التصدق بدينار أو بنصف دينار.

    تراجم رجال إسناد حديث (يتصدق بدينار أو بنصف دينار)

    قوله: [ حدثنا مسدد حدثنا يحيى عن شعبة ].

    مسدد ويحيى مر ذكرهما، وشعبة هو ابن الحجاج الواسطي ثم البصري، وهو ثقة، أخرج له أصحاب الكتب الستة.

    [ غيره عن سعيد ].

    قوله: [ غيره ] معناه أن يحيى حدثه عن غير شعبة عن سعيد، فمعناه أن عنده طريقين: طريقاً فيه شعبة وطريقاً فيه سعيد.

    وسعيد يحتمل أنه ابن مرزبان وهو ضعيف، أخرج له البخاري في الأدب المفرد والترمذي وابن ماجة ، ويحتمل أنه سعيد بن عامر الضبعي وهو ثقة، أخرج له أصحاب الكتب الستة، وعلى كل فالإسناد ثابت، لأنه جاء من طريق شعبة عن الحكم .

    [ حدثني الحكم ].

    هو الحكم بن عتيبة الكندي ، ثقة، أخرج له أصحاب الكتب الستة.

    [ عن عبد الحميد بن عبد الرحمن ].

    عبد الحميد بن عبد الرحمن ثقة، أخرج له أصحاب الكتب الستة.

    [ عن مقسم ].

    هو مقسم مولى ابن عباس ، وهو صدوق، أخرج له البخاري وأصحاب السنن.

    [ عن ابن عباس ].

    هو عبد الله بن عباس بن عبد المطلب رضي الله تعالى عنهما، وقد مر ذكره.

    شرح حديث: (إذا أصابها في الدم فدينار وإذا أصابها في انقطاع الدم فنصف دينار)

    قال المصنف رحمه الله تعالى: [ حدثنا عبد السلام بن مطهر حدثنا جعفر -يعني ابن سليمان - عن علي بن الحكم البناني عن أبي الحسن الجزري عن مقسم عن ابن عباس رضي الله عنهما أنه قال: (إذا أصابها في الدم فدينار، وإذا أصابها في انقطاع الدم فنصف دينار) ].

    أورد أبو داود هذا الأثر عن ابن عباس ، وفيه التفصيل، فإذا أصابها في الدم ففيه دينار، وإذا أصابها في انقطاعه ففيه نصف دينار، فالتفاوت هو في حال شدته وحال انتهائه، وبعض أهل العلم قال بهذا التفريق، والشيخ الألباني رحمه الله قال: إنه صحيح موقوفاً.

    تراجم رجال إسناد حديث: (إذا أصابها في الدم فدينار وإذا أصابها في انقطاع الدم فنصف دينار)

    قوله: [ حدثنا عبد السلام بن مطهر ].

    عبد السلام بن مطهر صدوق، أخرج له البخاري وأبو داود .

    [ حدثنا جعفر -يعني ابن سليمان - ].

    جعفر بن سليمان صدوق، أخرج له البخاري في الأدب المفرد ومسلم وأصحاب السنن.

    [ عن علي بن الحكم البناني ].

    علي بن الحكم البناني ثقة، أخرج له البخاري وأصحاب السنن.

    [ عن أبي الحسن الجزري ].

    أبو الحسن الجزري مجهول، أخرج له أبو داود والترمذي .

    [ عن مقسم عن ابن عباس ].

    مقسم وابن عباس قد مر ذكرهما.

    والإسناد فيه هذا المجهول، ولا أعرف وجه تصحيح الألباني له.

    فالشيخ الألباني رحمه الله يصحح الموقوف والمرفوع، إلا أنه قال: إن هذا صحيح موقوفاً. لكن فيه أبو الحسن الجزري ، وهو مجهول.

    وقد أعل المنذري الحديث المرفوع بالاضطراب، ولكن مجيئه موقوفاً ومجيئه مرفوعاً لا يؤثر، والموقوف هنا وجدنا أنه غير مستقيم من حيث الإسناد، وأما المرفوع فهو مستقيم الإسناد.

    1.   

    الأسئلة

    دلالة الكرامات الجارية لأهل البدع

    السؤال: هل ما يحصل من الأمور الخارجة عن العادة لمن يأتي بالبدع الفعلية أو العقدية كـالأشاعرة يكون لهم ذلك كرامات أم أنه استدراج؟

    الجواب: إذا وقع ذلك لأحد فيه استقامة ولكن عنده شيء من الخطأ فيمكن أن يكون كرامة من الله عز وجل له، ولكن قد يروج لأهل البدع بسبب هذه الكرامات، بل قد تكون مختلقة وليس لها أساس من الصحة، فمثل هذه لا تعتبر كرامة، وإنما هي ابتلاء وامتحان، وقد تكون زوراً وكذباً.

    حكم من أنكر حصول الكرامات مطلقاً

    السؤال: عقيدة أهل السنة والجماعة الإيمان بالكرامات وحصولها لمن كان ولياً حقاً، فما حكم من أنكرها مطلقاً؟

    الجواب: الذي ينكر الكرامات مطلقاً ماذا سيقول في الأحاديث الكثيرة التي جاءت بإثباتها، فالمعتزلة ينكرون الكرامات، ولكن الكرامات الثابتة التي جاءت بأسانيد صحيحة كيف تنكر؟! فهي في الأصل ثابتة بلا شك، والمعروف أن الذين أنكروها منهم المعتزلة.

    دعاء الجماع يكون من الزوجين

    السؤال: ذكر الدعاء عند الجماع هل يكون من الرجل والمرأة أو من الرجل فقط؟

    الجواب: الذي يبدو أنه يكون منهما جميعاً، فكل منهما يدعو.

    ابتداء عدة من تأخر عنها خبر وفاة زوجها

    السؤال: إذا مات رجل عن زوجته ولم تعلم الزوجة بخبر وفاته إلا بعد شهر فمن متى تبدأ العدة؟

    الجواب: العدة تبدأ من الوفاة، ولا تبدأ من العلم، بل قد تخرج من العدة ولا تعلم إلا بعد خروجها منها، فتكون قد خرجت من العدة؛ لأن المقصود بالعدة هو المدة التي تكون من وفاته إلى انتهاء العدة، فإن كانت حاملاً فبوضع الحمل، وإن كانت غير حامل فبأربعة أشهر وعشر، فقد لا يبلغها خبر وفاته إلا بعد مضي أربعة أشهر وعشر، وبذلك تكون قد خرجت من العدة، فالعدة لا تبدأ من العلم، إنما تبدأ من الوفاة.

    حكم الرقية في الماء ليشربه المريض

    السؤال: ما حكم الرقية في الماء ليشربه المريض؟

    الجواب: لا بأس بذلك، فالرقية في الماء أو في الأشياء الرطبة التي يعلق فيها الريق لا بأس بها.

    وجه الاستدلال على جواز السلم بمنع مباشرة المرأة المرأة لتنعتها لزوجها

    السؤال: ورد في الحديث (لا تباشر المرأة المرأة لتنعتها لزوجها) قال الخطابي : فيه دلالة على أن الحيوان قد يضبط بالصفة ضبط حصر وإحاطة، واستدلوا به على جواز السلم في الحيوان.

    فما معنى هذا الكلام؟ وأين موضع الاستشهاد من الحديث؟

    الجواب: أي أن الحديث (لا تباشر المرأة لتنعتها لزوجها كأنما يراها) معناه وصف الحيوان، فقد يوصف الحيوان وصفاً دقيقاً يجعل الإنسان كأنه يراه ويشاهده.

    الموقف تجاه تساهل العامة في النظر المحرم

    السؤال: إذا سمع العامة من الناس أن النظر إلى النساء من الصغائر أدى ذلك إلى تساهلهم واستخفافهم، فهل لنا أن نقول: إن هذا ذنب كبير وعظيم درءاً لهذه المفسدة؟

    الجواب: نقول: هذا ذنب من الذنوب. ولكن لا نقول: إنه كبير وعظيم. بل نقول: هذا ذنب من الذنوب التي على الإنسان أن يحذرها وأن يبتعد عنها؛ لأنه وسيلة إلى أمر خطير وإلى أمر عظيم.

    حكم معرفة براءة الرحم بواسطة الأجهزة الطبية

    السؤال: هل معرفة براءة الرحم بواسطة الطب الحديث معتبرة شرعاً؟

    الجواب: المعتبر ما جاء في الشرع، وهو وجود الحيضة، ولا تسلك مسالك أخرى غير ما جاء به الشرع، فالطريق المعتبر هو الاستبراء الذي جاء به الشرع، أما القيام بعمل التحاليل الطبية لمعرفة كونها حاملاً أو لا فغير صحيح، بل المعتبر هو ما جاء به الشرع.

    حكم وطء الإماء في هذا الزمن إن وجدن

    السؤال: انتشر عند الكثير أن هناك إماء في بعض البلدان مثل موريتانيا، فهل يجوز الآن وطؤهن؟

    الجواب: إذا كان أولئك الإماء تناسلهن متسلسل فوطؤهن مشروع، وأما إن كان تسلسل رقهن غير معلوم فالاحتياط عدم الاسترقاق في مثل هذا، لكن كون الإنسان عليه رقبة ويوجد مثل هذه العبودية ويسعى إلى تخليص صاحبها فإنه يحصل بذلك الكفارة؛ لأنه سعى في تخليصها، سواء أكان التخليص من رق شرعي أم من رق غير شرعي؛ لأنه قد يكون هناك رق غير شرعي، بأن يكون المرء منهوباً أو أخذ وغذي ثم استعبدوه.

    معنى زواج المسيار

    السؤال: ما معنى زواج المسيار؟

    الجواب: زواج المسيار هو أن الإنسان قد يكون عنده زوجة ويريد أن يتزوج امرأة أخرى سراً ولا يقسم لها في المبيت، بل يزورها زيارة في النهار ويخفي ذلك عن زوجته حتى لا تدري بأنه متزوج بأخرى، فيبيت عند زوجته كل ليلة ويتفق مع هذه أن يتزوجها على أن يأتي إليها في النهار ساعة أو ساعتين، والزواج -كما هو معلوم- مطلوب فيه أن يعلن وأن يشهر وألا يخفى.