إسلام ويب

شرح سنن أبي داود [245]للشيخ : عبد المحسن العباد

  •  التفريغ النصي الكامل
  • من الأحكام الشرعية المتعلقة بالزواج التهنئة للمتزوج، وذلك باللفظ الوارد عن النبي صلى الله عليه وسلم، كما أن من أحكامه ما يتعلق بالزواج بالحبلى من الزنى وما يترتب على ذلك، ومن أحكامه المهمة كذلك القسم بين الزوجات في حق من كان له أكثر من زوجة، فيقسم لهن في المبيت ويراعي حقوقهن في سفر وحضر، وليتق الله تعالى في ذلك.

    1.   

    ما يقال للمتزوج

    شرح حديث الدعاء للمتزوج عند الزواج

    قال المصنف رحمه الله تعالى [ باب ما يقال للمتزوج:

    حدثنا قتيبة بن سعيد حدثنا عبد العزيز -يعني ابن محمد - عن سهيل عن أبيه عن أبي هريرة رضي الله عنه (أن النبي صلى الله عليه وآله وسلم كان إذا رفأ الإنسان إذا تزوج قال: بارك الله لك، وبارك عليك، وجمع بينكما في خير) ].

    أورد أبو داود رحمه الله هذه الترجمة، وهي [ باب ما يقال للمتزوج ] يعني: ما يفاتح به عند اللقاء به من الدعاء له عند الزواج، فإنه يدعى له بهذا الدعاء الثابت عن رسول الله صلى الله عليه وسلم.

    فقوله: [ (بارك الله لك، وبارك عليك، وجمع بينكما في خير) ] هذا هو الذي يقال للمتزوج، وفي الجاهلية كانوا يقولون: بالرفاء والبنين. فهذه تهنئة أهل الجاهلية، وهذا هو الدعاء الذي كان في الجاهلية، ومعناه أن تحصل السعادة ويحصل الوئام والوفاق والسكون والهدوء، وكذلك يحصل البنون، ولكن جاء الإسلام بترك هذه التهنئة والإتيان بما هو خير منها، وهو [ (بارك الله لك، وبارك عليك، وجمع بينكما في خير) ]، فيدعي له بالبركة وأن يحصل الوئام والوفاق والجمع بينهما على خير، وهذا هو الذي يريده المتزوج؛ لأن كل خير يحصل بذلك يدخل في هذا العموم، سواء أكان بالبنين أم بغير البنين، فهو دعاء جاءت به السنة عن رسول الله صلى الله عليه وسلم وفيه الخير وفيه البركة.

    وقوله: [ (رفأ) ] يعني: هنأه ودعا له، والرفء قيل: إن المقصود به السكون، أي: سكون روعه وحصول هدوئه، وأنه يحصل السكن بهذا الزواج.

    والله تعالى قد امتن على العباد بالزواج ليسكن الأزواج إلى الزوجات فقال: وَمِنْ آيَاتِهِ أَنْ خَلَقَ لَكُمْ مِنْ أَنفُسِكُمْ أَزْوَاجًا لِتَسْكُنُوا إِلَيْهَا وَجَعَلَ بَيْنَكُمْ مَوَدَّةً وَرَحْمَةً [الروم:21].

    وقيل: إنه من الوئام والوفاق، مأخوذ من رفأ الثوب إذ لمَّ أطرافه، وإذا كان خرق فإنه يرفأ، بمعنى أنه يضم بعضه إلى بعض، فيكون فيه بدل التمزق رفؤه ووصل بعضه ببعض، فالزواج يراد به أن يكون فيه الوئام ويكون فيه الاجتماع على ما هو خير.

    وينبغي أن يلتزم بهذا الدعاء عن النبي صلى الله عليه وسلم، وأما التهنئة بحصول المال والأولاد ونحو ذلك فهي شبيهة بتهنئة أهل الجاهلية.

    وهذه التهنئة تقال للرجل عند العقد وبعد العقد وبعد الزواج.

    تراجم رجال إسناد حديث الدعاء للمتزوج عند الزواج

    قوله: [ حدثنا قتيبة بن سعيد ].

    هو قتيبة بن سعيد بن جميل بن طريف البغلاني ، وبغلان قرية من قرى بلخ، وهو ثقة، أخرج له أصحاب الكتب الستة.

    [ حدثنا عبد العزيز -يعني ابن محمد - ].

    هو عبد العزيز بن محمد الدراوردي ، وهو صدوق، أخرج له أصحاب الكتب الستة.

    [ عن سهيل ].

    هو سهيل بن أبي صالح ، وهو صدوق، أخرج له أصحاب الكتب الستة، ويروي البخاري عنه مقروناً بغيره.

    [ عن أبيه ].

    هو أبو صالح السمان ، واسمه ذكوان ، ولقبه السمان ، ويقال: الزيات ؛ لأنه كان يجلب السمن والزيت، فقيل له: السمان ، وقيل له: الزيات ، وهو ثقة، أخرج له أصحاب الكتب الستة.

    [ عن أبي هريرة ].

    هو عبد الرحمن بن صخر الدوسي صاحب رسول الله صلى الله عليه وسلم، وهو أكثر الصحابة حديثاً على الإطلاق رضي الله عنه وأرضاه.

    1.   

    الرجل يتزوج المرأة فيجدها حبلى

    شرح حديث بصرة في زواجه بامرأة وجدها حبلى

    قال المصنف رحمه الله تعالى: [ باب في الرجل يتزوج المرأة فيجدها حبلى.

    حدثنا مخلد بن خالد والحسن بن علي ومحمد بن أبي السري المعنى، قالوا: حدثنا عبد الرزاق قال: أخبرنا ابن جريج عن صفوان بن سليم عن سعيد بن المسيب عن رجل من الأنصار -قال ابن أبي السري : من أصحاب النبي صلى الله عليه وآله وسلم، ولم يقل من الأنصار: ثم اتفقوا- يقال له: بصرة رضي الله عنه قال: (تزوجت امرأة بكراً في سترها فدخلت عليها فإذا هي حبلى، فقال النبي صلى الله عليه وآله وسلم: لها الصداق بما استحللت من فرجها، والولد عبد لك، فإذا ولدت -قال الحسن - فاجلدها. وقال ابن أبي السري : فاجلدوها. أو قال: فحدوها) ].

    أورد أبو داود رحمه الله هذه الترجمة، وهي [ باب الرجل يتزوج المرأة فيجدها حبلى ] أي: ما الحكم؟

    ومعلوم أن المرأة إذا كانت حبلى لا يجوز العقد عليها ولا يجوز وطؤها ما دام في بطنها حمل، فليس للإنسان أن يسقي ماءه زرع غيره، ولا يجوز له ذلك.

    وقد أورد أبو داود رحمه الله حديث رجل اسمه بصرة قال: [ (تزوجت امرأة بكراً في سترها) ].

    ومعناه أنه تزوجها على أنها بكر لم تتزوج من قبل وما دخل عليها زوج، فوجدها حبلى، ومعلوم أن حمل البكر التي لم يسبق لها زواج هو من سفاح، ووطؤها مع وجود الحمل لا يجوز؛ لأنه سقي لزرع غيره ولو كان ذلك الحمل إنما حصل عن طريق الحرام، فإنه لا يجوز له، ولو عقد عليها وحصل منه الجماع فإنه يكون قد استحل فرجها فيكون لها الصداق بما استباح من فرجها.

    وقد جاء في الحديث أيضاً أن الولد يكون عبداً له، ومعلوم أن ولد الزنا لا يكون عبداً لأحد، وإنما هو حر وليس عليه عبودية لأحد، ولكن إذا صح الحديث فيحمل على أنه يحسن إليه ويربيه ويتولى خدمته، فيكون بمثابة العبد، وأما كونه يكون مملوكاً رقيقاً له فإن ذلك لا يصح، والعلماء قد اتفقوا على أن ابن الزنا حر وليس عبداً لأحد.

    قوله: [ (فإذا ولدت قال الحسن : فاجلدها) ].

    كونه يجلدها ويتولى جلدها غير مستقيم؛ لأن الذي يتولى الجلد هو السلطان، والحدود يقيمها الولاة، فالحديث غير صحيح، وهو ضعيف غير ثابت عن رسول الله صلى الله عليه وسلم، ولهذا فإن ما جاء فيه لا يعول عليه، أما مسألة الصداق بكونه استحل فرجها فإن ذلك لا بأس به.

    تراجم رجال إسناد حديث بصرة في زواجه بامرأة وجدها حبلى

    [ حدثنا مخلد بن خالد ].

    مخلد بن خالد ثقة، أخرج له مسلم وأبو داود .

    [ والحسن بن علي ].

    هو الحسن بن علي الحلواني ، ثقة، أخرج له أصحاب الكتب الستة إلا النسائي .

    [ ومحمد بن أبي السري ].

    هو محمد بن المتوكل ، وهو صدوق له أوهام كثيرة، أخرج له أبو داود .

    [ المعنى ].

    أي أن رواية هؤلاء الثلاثة متفقة في المعنى مع اختلاف الألفاظ.

    [ قالوا: حدثنا عبد الرزاق ].

    هو عبد الرزاق بن همام الصنعاني اليماني ، ثقة، أخرج له أصحاب الكتب الستة.

    [ عن ابن جريج ].

    هو عبد الملك بن عبد العزيز بن جريج ، وهو ثقة مدلس، أخرج حديثه أصحاب الكتب الستة.

    [ عن صفوان بن سليم ].

    صفوان بن سليم ثقة، أخرج له أصحاب الكتب الستة.

    [ عن سعيد بن المسيب ].

    سعيد بن المسيب تابعي ثقة، من فقهاء المدينة السبعة في عصر التابعين، أخرج له أصحاب الكتب الستة.

    [ عن بصرة ].

    بصرة صحابي، وقد أخرج حديثه أبو داود وحده.

    والإسناد فيه ابن جريج ، وهو مدلس، وقد جاء أنه رواه عن شخص آخر ضعيف بينه وبين صفوان ، فالحديث ضعيف غير ثابت عن رسول الله صلى الله عليه وسلم من أجل تدليس ابن جريج .

    طرق مرسلة لحديث بصرة وتراجم رجالها

    [ قال أبو داود : روى هذا الحديث قتادة عن سعيد بن يزيد عن ابن المسيب.

    ورواه يحيى بن أبي كثير عن يزيد بن نعيم عن سعيد بن المسيب ، وعطاء الخرساني عن سعيد بن المسيب ، أرسلوه كلهم، وفي حديث يحيى بن أبي كثير أن بصرة بن أكثم نكح امرأة. وكلهم قال في حديثه: جعل الولد عبداً له ].

    هنا ذكر طرقاً أخرى كلها مرسلة، والمتصلة هي الطريق الأولى، ولكنها ضعيفة كما عرفنا، والإرسال علة أخرى، فالحديث ضعيف لا تقوم به الحجة.

    قوله: [ روى هذا الحديث قتادة].

    هو قتادة بن دعامة السدوسي البصري، ثقة، أخرج له أصحاب الكتب الستة.

    [ عن سعيد بن يزيد ].

    سعيد بن يزيد قال عنه أبو حاتم : شيخ لم يرو عنه إلا قتادة . أخرج له النسائي .

    [ ورواه يحيى بن أبي كثير ].

    هو يحيى بن أبي كثير اليمامي ، ثقة، أخرج له أصحاب الكتب الستة.

    [ عن يزيد بن نعيم ].

    يزيد بن نعيم مقبول، أخرج له مسلم وأبو داود والنسائي .

    [ وعطاء الخرساني عن سعيد بن المسيب ].

    عطاء الخرساني صدوق يخطئ كثيراً، أخرج له مسلم وأصحاب السنن.

    الحكم على حديث بصرة وبيان وجه مخالفته للإجماع

    قوله: [ أرسلوه كلهم ].

    أي: ما رفعوه.

    والإرسال في الحديث علة، والإسناد الأول المتصل فيه ضعف، فالحديث ضعيف من الجهتين: من جهة الإرسال ومن جهة التدليس، وفيه ضعيف في الطريق الأولى بين ابن جريج وبين شيخه صفوان بن سليم ، والطرق الأخرى مرسلة، ومعلوم أن المرسل ليس بحجة، وإضافة التابعي شيئاً إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم هو من قبيل المرسل.

    قوله: [ وفي حديث يحيى بن أبي كثير أن بصرة بن أكثم نكح امرأة. وكلهم قال في حديثه: جعل الولد عبداً له ].

    أي: كلهم متفقون على هذه الرواية التي فيها جعل الولد عبداً له، ومعلوم أن هذا خلاف ما أُجمع عليه من أن ولد الزنا يكون حراً وليس هو بعبد لأحد.

    شرح حديث بصرة في نكاح الحبلى من طريق أخرى وتراجم رجاله

    قال المصنف رحمه الله تعالى: [ حدثنا محمد بن المثنى حدثنا عثمان بن عمر حدثنا علي -يعني ابن المبارك - عن يحيى عن يزيد بن نعيم عن سعيد بن المسيب أن رجلاً يقال له بصرة بن أكثم رضي الله عنه نكح امرأة. فذكر معناه، زاد: وفرق بينهما. وحديث ابن جريج أتم ].

    ثم أورد الحديث من طريق أخرى مرسلة؛ لأن سعيد بن المسيب يخبر أن رجلاً فعل كذا وكذا، وهو من قبيل المرسل كالطرق السابقة التي قبله.

    قوله: [ زاد: وفرق بينهما ].

    يعني أنه أبطل هذا النكاح وفرق بينهما، ومعلوم أن العقد على الحبلى لا يصح.

    قوله: [ حدثنا محمد بن المثنى ].

    هو محمد بن المثنى أبو موسى الزمن ، ثقة، أخرج له أصحاب الكتب الستة.

    [ حدثنا عثمان بن عمر ].

    عثمان بن عمر ثقة، أخرج له أصحاب الكتب الستة.

    [ حدثنا علي -يعني ابن المبارك - ].

    علي بن المبارك ثقة، أخرج له أصحاب الكتب الستة.

    [ عن يحيى ].

    هو يحيى بن أبي كثير ، وقد مر ذكره.

    [ عن يزيد بن نعيم ],

    يزيد بن نعيم مقبول، أخرج له مسلم وأبو داود والنسائي .

    1.   

    الأسئلة

    حكم زواج الزاني بمن زنى بها بعد حملها

    السؤال: رجل زنى بامرأة -نسأل الله العافية- وعندما علم أنها حبلى تزوج بها، فما حكم النكاح؟

    الجواب: لا يصح ذلك، فلا يعقد على حامل، ولو كان العاقد عليها هو الزاني نفسه؛ ولو كان لأنه إذا تزوجها فمعناه أنه سينسب الولد إليه، ومعلوم أن الولد جاء من سفاح وما جاء من نكاح، فلا يجوز العقد عليها ولا يجوز التزوج بها وهي حامل، لكن يمكن أن يتزوج بها إذا وضعت، فيمكن للزاني أن يتزوج بالزانية، فبدلاً من أن يفعلوا ذلك بالحرام يفعلونه بالحلال، ويعف أحدهما الآخر.

    نسب ولد لزنا

    السؤال: لمن ينسب ولد الزنا؟

    الجواب: أولاد الزنا لا ينسبون لأحد، وإنما يذكر لهم نسب يناسب، بأن يقال -مثلاً: فلان ابن عبد الله أو ابن عبد الرحمن؛ إذ كل الخلق عباد الله تعالى.

    فيذكر له نسب يتميز به، ولا ينسب إلى الزاني ولا إلى غير الزاني، فالزاني لا ينسب إليه الولد ولا يحصل على ولد بالزنا، وليس له إلا الحجر كما قال ذلك رسول الله صلى الله عليه وسلم.

    حكم من وجد امرأته حبلى بعد الزواج فأراد سترها

    السؤال: إذا وجد الرجل المرأة حبلى فأراد أن يسترها فهل له أن يمسكها؟

    الجواب: لا يمسكها زوجها إذا وجدها حبلى؛ إذ لا يصح العقد على من كان في بطنها ولد، وليس للمرء أن يسقي ماءه زرع غيره، لكن لو كانت غير حامل بأن وجدها ثيباً بعد أن تزوجها فإن العقد يصح وله أن يجامعها؛ لأن هذا يختلف عن الذي قبله في كونه يسقي ماءه زرع غيره.

    1.   

    القسم بين النساء

    شرح حديث (من كانت له امرأتان فمال إلى إحداهما جاء يوم القيامة وشقه مائل)

    قال المصنف رحمه الله تعالى: [ باب في القسم بين النساء.

    حدثنا أبو الوليد الطيالسي حدثنا همام حدثنا قتادة عن النضر بن أنس عن بشير بن نهيك عن أبي هريرة رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم قال: (من كانت له امرأتان فمال إلى إحداهما جاء يوم القيامة وشقه مائل).

    أورد أبو داود رحمه الله [ باب القسم بين النساء ] أي: بين الزوجات، وذلك بأن يعدل بينهن في المبيت والنفقة والعشرة، وأما ما يكون في القلب فهذا لا يملكه الإنسان، وهو إلى الله عز وجل، لكن ليس له أن يميل إلى من يحبها ومن يودها، وإنما عليه أن يعدل في المبيت وفي النفقة في كل شيء يملكه أو يقدر عليه، أما ما يقوم في القلوب فإنه لا يقدر عليه إلا الله عز وجل، ولكن على الإنسان أن لا يميل إلى واحدة عن واحدة، وإنما يعطي كل ذات حق حقها دون أن يسيء إلى واحدة من زوجاته.

    فالقسم بين النساء يكون فيما يملكه الإنسان، وإذا كان في القلب ميل إلى إحداهما أو إلى إحداهن فإن الإنسان عليه أن يتقي الله عز وجل حتى لا يترتب على ذلك الميل أن يجحف في حق الباقيات وأن ينقصهن حقوقهن وأن يبخس شيئاً مما يقدر عليه في حقهن، بل عليه العدل بينهن والتسوية بينهن.

    وأورد أبو داود حديث أبي هريرة رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: [ (من كانت له امرأتان فمال إلى إحداهما جاء يوم القيامة وشقه مائل) ] لأن الجزاء من جنس العمل، فهو يأتي يوم القيامة وشقه مائل لأنه مال في الدنيا إلى واحدة دون الثانية، وهذا في الشيء الذي يقدر عليه الإنسان فتصرف فيه تصرفاً لا يسوغ له، فإنه يأتي وشقه مائل.

    تراجم رجال إسناد حديث (من كانت له امرأتان فمال إلى إحداهما جاء يوم القيامة وشقه مائل)

    قوله: [ حدثنا أبو الوليد الطيالسي ].

    هو هشام بن عبد الملك الطيالسي ، ثقة، أخرج له أصحاب الكتب الستة.

    [ حدثنا همام ].

    هو همام بن يحيى ، ثقة، أخرج له أصحاب الكتب الستة.

    [ عن قتادة عن النضر بن أنس ].

    قتادة مر ذكره، والنضر بن أنس ثقة، أخرج له أصحاب الكتب الستة.

    [ عن بشير بن نهيك ].

    بشير بن نهيك ثقة، أخرج له أصحاب الكتب الستة.

    [ عن أبي هريرة ].

    قد مر ذكره رضي الله عنه.

    شرح حديث (كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يقسم فيعدل)

    قال المصنف رحمه الله تعالى: [ حدثنا موسى بن إسماعيل حدثنا حماد عن أيوب عن أبي قلابة عن عبد الله بن يزيد الخطمي عن عائشة رضي الله عنها قالت: (كان رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم يقسم فيعدل ويقول: اللهم هذا قسمي فيما أملك، فلا تلمني فيما تملك ولا أملك) قال أبو داود : يعني القلب ].

    أورد أبو داود حديث عائشة رضي الله عنها أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يقسم بين النساء فيعدل بينهن ويقول: [ (اللهم هذا قسمي فيما أملك، فلا تلمني فيما تملك ولا أملك) ].

    وقوله: [ قال أبو داود : يعني القلب ] يعني: ما يكون في القلب من زيادة المودة لإحدى الزوجات على غيرها من الزوجات، فإن هذا لا يملكه إلا الله عز وجل، وهذا وإن كان موجوداً في قلوب الرجال إلا أن الواجب عليهم مع ذلك العدل، وأن يحذروا من أن يقعوا في الميل الذي يؤدي إلى بخس الحقوق وإلى الجور وعدم القسط والعدل.

    والحديث أورده أبو داود بهذا الإسناد وهو إسناد صحيح رجاله كلهم ثقات، والشيخ الألباني رحمه الله جود إسناده في التعليق على المشكاة، وفي الإرواء ضعفه وقال: إنه من رواية حماد بن سلمة ، وقد جاء من رواية حماد بن زيد وإسماعيل بن علية من طريق مرسلة، قال: وهذان مقدمان على حماد بن سلمة . فيكون الحديث مرسلاً.

    لكن القاعدة أنه إذا تعارض الوصل والإرسال وكان من وصل ثقةً، فإن الوصل زيادة من الثقة وهي مقبولة.

    فالذي يظهر صحة الحديث وثبوته، ولا يؤثر كون بعض الرواة أرسلوه؛ لأنه ما دام قد جاء من طريق صحيحة مستقيمة مسنداً ومتصلاً فإنه يعتبر صحيحاً، وعلى القاعدة المشهورة عند المحدثين أنه إذا تعارض الوصل والإرسال فإن الوصل من الثقة مقدم؛ لأن مع الواصل زيادة ليست مع المرسل، وتكون مقبولة، وهي زيادة من ثقة.

    وقد ذكر الحافظ في البلوغ أن ابن حبان والحاكم صححاه، وذكر أن الترمذي صحح إرساله، والحديث مستقيم لا إشكال فيه ولا خفاء في معناه.

    تراجم رجال إسناد حديث (كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يقسم فيعدل)

    قوله: [ حدثنا موسى بن إسماعيل ].

    هو موسى بن إسماعيل التبوذكي البصري ، ثقة، أخرج له أصحاب الكتب الستة.

    [ حدثنا حماد ].

    هو حماد بن سلمة ، وهو ثقة، أخرج له البخاري تعليقاً ومسلم وأصحاب السنن.

    [ عن أيوب ].

    هو أيوب بن أبي تميمة السختياني ، ثقة، أخرج له أصحاب الكتب الستة.

    [ عن أبي قلابة ].

    هو عبد الله بن زيد الجرمي ، ثقة، أخرج له أصحاب الكتب الستة.

    [ عن عبد الله بن يزيد الخطمي ].

    عبد الله بن يزيد الخطمي صحابي صغير، أخرج له أصحاب الكتب الستة.

    شرح حديث (كان رسول الله صلى الله عليه وسلم لا يفضل بعضنا على بعض في القسم)

    قال المصنف رحمه الله تعالى: [ حدثنا أحمد بن يونس حدثنا عبد الرحمن -يعني ابن أبي الزناد - عن هشام بن عروة عن أبيه قال: قالت عائشة رضي الله عنها: (يا ابن أختي! كان رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم لا يفضل بعضنا على بعض في القسم من مكثه عندنا، وكان قل يوم إلا وهو يطوف علينا جميعاً، فيدنو من كل امرأة من غير مسيس، حتى يبلغ إلى التي هو يومها فيبيت عندها، ولقد قالت سودة بنت زمعة رضي الله عنها حين أسنت وفرقت أن يفارقها رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم: يا رسول الله! يومي لـعائشة : فقبل ذلك رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم منها. قالت: نقول: في ذلك أنزل الله تعالى وفي أشباهها -أراه قال- وَإِنِ امْرَأَةٌ خَافَتْ مِنْ بَعْلِهَا نُشُوزًا [النساء:128]).

    أورد أبو داود حديث عائشة رضي الله عنها أنها قالت لـعروة بن الزبير يا ابن أختي.

    و عروة بن الزبير بن العوام هو أخو عبد الله بن الزبير ، وهي خالتهما.

    قالت: [ (كان رسول الله صلى الله عليه وسلم لا يفضل بعضنا على بعض في القسم) ] أي: في القسم بين النساء في المبيت والمكث، كان يسوي بينهن، فالواحدة لها يومها وليلتها، وكان في اليوم الذي يكون عند واحدة يطوف على نسائه، فيدنو منهن ويتحدث إليهن من غير مسيس، أي: من غير أن يحصل جماع أو استمتاع، وإنما كان يؤنسهن ويدخل السرور عليهن ويتفقد أحوالهن، فكان نساؤه لا يفقدنه، بل يرينه في كل يوم، حتى يأتي إلى صاحبة النوبة فيستقر عندها ويعطيها ما تستحق في نوبتها صلى الله عليه وسلم.

    فـعائشة رضي الله عنها وأرضاها بينت أنه كان يقسم بين نسائه، وأنه لم يكن يفضل بعضهن على بعض.

    ولما أسنت سودة بنت زمعة رضي الله عنها -وكان النبي صلى الله عليه وسلم تزوجها قبل الهجرة بعدما ماتت خديجة وهاجرت معه- فلما أسنت وفرقت -أي: خشيت- أن النبي صلى الله عليه وسلم يفارقها، أرادت أن تبقى في عصمته وأن تظفر بهذا الشرف والفضل الذي هو كونها أماً للمؤمنين وزوجة من زوجات سيد المرسلين صلى الله عليه وسلم، فقالت: إني أهب نوبتي لـعائشة . فقبل ذلك رسول الله صلى الله عليه وسلم، فدل هذا على أن المرأة إذا تنازلت عن حقها في القسم لواحدة من الزوجات فإن ذلك يصح، ولكن بشرط أن يقبل الزوج، وليس معنى ذلك أنها تهب نوبتها لمن لا يرتضيها الزوج ولا يريد أن يكون لها ذلك الحق الذي هو المبيت عندها ليلتين، وإنما يكون ذلك بالاتفاق، فهي تهب وهو يقبل.

    فقبل ذلك رسول الله صلى الله عليه وسلم، فكان يقسم لـعائشة ليلتين.

    فـسودة بنت زمعة رضي الله عنها تنازلت عن حقها في مبيته عندها وقسمه صلى الله عليه وسلم، ولكنها بقيت في عصمته، وكان يؤنسها ويدخل عليها كما يدخل على سائر نسائه، ولكن الليلة التي تنازلت عنها لـعائشة كان يعطيها لـعائشة ، فكان يقسم لـعائشة ليلتين ولكل واحدة من زوجاته الباقيات ليلة واحدة صلى الله عليه وسلم.

    قوله: [قالت نقول: في ذلك أنزل الله تعالى وفي أشباهها -أراه قال- وَإِنِ امْرَأَةٌ خَافَتْ مِنْ بَعْلِهَا نُشُوزًا [النساء:128] ].

    أي: أن هذه الآية نزلت في مثل هذه الحال، وهي قوله تعالى: وَإِنِ امْرَأَةٌ خَافَتْ مِنْ بَعْلِهَا نُشُوزًا أَوْ إِعْرَاضًا فَلا جُنَاحَ عَلَيْهِمَا [النساء:128].

    والمقصود من ذلك أن المرأة إذا خافت النشوز من زوجها وأرادت أن تبقى في عصمته وأن لا يطلقها فإنه يمكن أن تتفق معه على أن تتنازل عن حقها لغيرها وأن تبقى في عصمته.

    ومعلوم أن هذه مصلحة وفائدة قد تختارها المرأة وتقدمها على أن تكون مطلقة، أو تكون ذات أولاد ثم يطلقها فتتزوج وتتشتت وتبتعد عن أولادها، فتتنازل عن حقها وترضى بأن تبقى في عصمته ولا يكون لها نصيب في القسم، ولا بأس بذلك.

    تراجم رجال إسناد حديث (كان رسول الله صلى الله عليه وسلم لا يفضل بعضنا على بعض في القسم)

    قوله: [ حدثنا أحمد بن يونس ].

    أحمد بن يونس ثقة، أخرج له أصحاب الكتب الستة.

    [ حدثنا عبد الرحمن -يعني ابن أبي الزناد - ].

    عبد الرحمن بن أبي الزناد صدوق تغير حفظه لما قدم بغداد، أخرج له البخاري تعليقاً ومسلم في المقدمة وأصحاب السنن.

    [ عن هشام بن عروة ].

    هشام بن عروة ثقة، أخرج له أصحاب الكتب الستة.

    [ عن أبيه ].

    هو عروة بن الزبير بن العوام ، ثقة فقيه من فقهاء المدينة السبعة في عصر التابعين، أخرج له أصحاب الكتب الستة.

    [ عن عائشة ].

    عائشة قد مر ذكرها رضي الله تعالى عنها.

    شرح حديث (كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يستأذننا إذا كان في يوم المرأة منا...)

    قال المصنف رحمه الله تعالى: [ حدثنا يحيى بن معين ومحمد بن عيسى المعنى، قالا: حدثنا عباد بن عباد عن عاصم عن معاذة عن عائشة رضي الله عنها قالت: (كان رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم يستأذننا إذا كان في يوم المرأة منا بعدما نزلت تُرْجِي مَنْ تَشَاءُ مِنْهُنَّ وَتُؤْوِي إِلَيْكَ مَنْ تَشَاءُ [الأحزاب:51] قالت معاذة : فقلت لها: ما كنت تقولين لرسول الله صلى الله عليه وآله وسلم؟ قالت: كنت أقول: إن كان ذلك إلي لم أؤثر أحداً على نفسي) ].

    أورد أبو داود حديث عائشة رضي الله عنها أنه بعدما نزل قول الله تعالى: تُرْجِي مَنْ تَشَاءُ مِنْهُنَّ وَتُؤْوِي إِلَيْكَ مَنْ تَشَاءُ [الأحزاب:51] كان يستأذنهن إذا كان في يوم الواحدة منهن، فقالت لها معاذة : ما كنت تقولين إذا استأذنك؟ قالت: كنت أقول: (إن كان ذلك إلي لم أؤثر أحداً على نفسي) ].

    أي أنها لا تؤثر برسول الله صلى الله عليه وسلم أحداً على نفسها رضي الله تعالى عنها وأرضاها.

    ولم يكن القسم واجباً على رسول الله صلى الله عليه وسلم، وإنما كان يقسم بينهن إحساناً منه وإكراماً لهن، والآية تدل على ذلك.

    تراجم رجال إسناد حديث (كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يستأذننا إذا كان في يوم المرأة منا...)

    قوله: [ حدثنا يحيى بن معين ].

    يحيى بن معين ثقة، أخرج له أصحاب الكتب الستة.

    [ ومحمد بن عيسى ].

    محمد بن عيسى أبو جعفر ، وهو ابن الطباع ، ثقة، أخرج له البخاري تعليقاً وأبو داود والترمذي في الشمائل والنسائي وابن ماجة .

    [ قالا: حدثنا عباد بن عباد ].

    عباد بن عباد ثقة، أخرج له أصحاب الكتب الستة.

    [ عن عاصم ].

    هو عاصم بن سليمان الأحول ، وهو ثقة، أخرج له أصحاب الكتب الستة.

    [ عن معاذة ].

    هي معاذة العدوية ، وهي ثقة، أخرج لها أصحاب الكتب الستة.

    [ عن عائشة ].

    عائشة قد مر ذكرها رضي الله تعالى عنها.

    شرح حديث استئذان النبي صلى الله عليه وسلم أزواجه في مكثه عند عائشة في مرضه

    قال المصنف رحمه الله تعالى: [ حدثنا مسدد حدثنا مرحوم بن عبد العزيز العطار قال: حدثني أبو عمران الجوني عن يزيد بن بابنوس عن عائشة رضي الله عنها (أن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم بعث إلى النساء -تعني في مرضه- فاجتمعن، فقال: إني لا أستطيع أن أدور بينكن، فإن رأيتن أن تأذنّ لي فأكون عند عائشة فعلتن. فأذنَّ له) ].

    أورد أبو داود حديث عائشة رضي الله عنها أن النبي صلى الله عليه وسلم لما أصابه المرض ولم يتمكن من الطواف على نسائه في بيوتهن والقسم بينهن استأذنهن في أن يبقى في بيت عائشة فأذنَّ له بذلك صلى الله عليه وسلم.

    وكان من حقه صلى الله عليه وسلم أن يكون عند من يريد، ولكن هذا من كرمه ومن حسن عشرته لنسائه وإحسانه إليهن وتطييب نفوسهن رضي الله عنهن وأرضاهن، فأذنَّ له، فكان في بيت عائشة حتى توفي صلوات الله وسلامه وبركاته عليه في بيتها.

    تراجم رجال إسناد حديث استئذان النبي صلى الله عليه وسلم أزواجه في مكثه عند عائشة في مرضه

    قوله: [ حدثنا مسدد ].

    هو مسدد بن مسرهد البصري ، ثقة، أخرج حديثه البخاري وأبو داود والترمذي والنسائي .

    [ حدثنا مرحوم بن عبد العزيز العطار ].

    مرحوم بن عبد العزيز العطار ثقة، أخرج له أصحاب الكتب الستة.

    [ حدثني أبو عمران الجوني ].

    هو عبد الملك بن حبيب ، ثقة، أخرج له أصحاب الكتب الستة.

    [ عن يزيد بن بابنوس ].

    يزيد بن بابنوس مقبول، أخرج له البخاري في الأدب المفرد وأبو داود والترمذي في الشمائل والنسائي .

    [ عن عائشة ].

    عائشة قد مر ذكرها رضي الله تعالى عنها.

    شرح حديث (كان رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا أراد سفراً أقرع بين نسائه)

    قال المصنف رحمه الله تعالى: [ حدثنا أحمد بن عمرو بن السرح أخبرنا ابن وهب عن يونس عن ابن شهاب أن عروة بن الزبير حدثه أن عائشة رضي الله عنها زوج النبي صلى الله عليه وآله وسلم قالت: (كان رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم إذا أراد سفراً أقرع بين نسائه، فأيتهن خرج سهمها خرج بها معه، وكان يقسم لكل امرأة منهن يومها وليلتها، غير أن سودة بنت زمعة رضي الله عنها وهبت يومها لـعائشة) ].

    أورد أبو داود حديث عائشة رضي الله عنها أن النبي صلى الله عليه وسلم كان إذا أراد سفراً أقرع بين نسائه، فالتي تخرج لها القرعة يسافر بها معه، وهذا يدل على مشروعية القرعة وأنها سائغة، ويدلنا على أن الإنسان إذا أراد سفراً لا يختار واحدة من نسائه ويسافر بها، وإنما يقرع بين نسائه، والتي تخرج لها القرعة يسافر بها، وإذا سافر بها معه فإنه لا يحسب تلك المدة التي في السفر للنساء الباقيات، بل إذا جاء يقسم بينهن، فكل واحدة يبيت عندها ليلة، ولا يحسب المدة التي كان فيها في السفر ثم يعطي كل واحدة مقدار هذه المدة.