إسلام ويب

شرح سنن أبي داود [243]للشيخ : عبد المحسن العباد

  •  التفريغ النصي الكامل
  • من الأمور التي تجب بالنكاح أن تعطى المرأة صداقها، وخير المهور أيسرها، ولم يرد في الشرع تحديد أقل المهر ولا أكثره؛ لكن جاء ما يدل على الإرشاد إلى التقليل منه، وأنه يجوز أن يكون عملاً يقوم به الزوج للمرأة كتعليم القرآن ونحوه.

    1.   

    الصداق

    شرح حديث عائشة رضي الله عنها في إصداق النبي صلى الله عليه وسلم نساءه

    قال المصنف رحمه الله تعالى: [ باب الصداق.

    حدثنا عبد الله بن محمد النفيلي حدثنا عبد العزيز بن محمد حدثنا يزيد بن الهاد عن محمد بن إبراهيم عن أبي سلمة أنه قال: (سألت عائشة رضي الله عنها عن صداق النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم؟ قالت: ثنتا عشرة أوقية ونش. فقلت: وما نش؟ قالت: نصف أوقية) ].

    أورد أبو داود رحمه الله [ باب الصداق ] يعني أن الصداق هو من الأمور التي لابد منها في الزواج، فلا يكون الزواج بدون صداق، وإنما يكون بصداق ولو كان قليلاً، مثل ما جاء في الحديث الذي سيأتي: (التمس ولو خاتماً من حديد).

    ثم لم يجد ولا خاتماً من حديد، فزوجه إياها في مقابل عمل يعمله لها، وهو أن يعلمها شيئاً من القرآن فيكون صداقها؛ لأن تعليمها شيئاً من القرآن له مقابل، وكونه يؤدي لها عملاً له مقابل، فيكون ذلك صداقاً يقوم مقام النقود، إذ لا تحصل النقود إلا بالعمل.

    فالصداق من الأمور التي لابد منها في الزواج وإن قل أو كثر، وإن لم يسم فإنه يرجع إلى مهر المثل، فإذا حصل الزواج بدون تعيين الصداق يصح العقد ولكن يرجع فيه إلى مهر المثل، وليس معناه أنه يصح بدون صداق، بل لا بد من صداق، فإن سمي في العقد وعند الاتفاق فهو الصداق المسمى، وإن لم يسم شيء فإنه يتعين صداق المثل.

    والأصدقة المشروع فيها التسامح والتساهل وعدم المبالغة، وعدم تعريض الخاطبين للترك والرغبة عن المرأة، وتعريض البنات لأن يبقين بدون أزواج بسبب قصد الحصول على مبلغ كبير وعلى مال كثير، فإن الكفؤ إذا جاء وهو أهل لأن يزوج فلا يوقف التزويج على حصول صداق كثير أو مال كثير، فإن الكفؤ يعتبر غنيمة، ولا يرد الكفؤ من أجل المال ومن أجل كثرة المال؛ لأن الإعفاف وحصول الزوج الكفؤ هو المهم في الأمر.

    وقد يترتب على صد الخطاب أن تبقى المرأة بدون زوج فتكبر وتتقدم بها السن ولا يتقدم لها من ترغب أن يتقدم لها، وتضطر إلى أن تتزوج بمن لا ترغبه، وتكون الفرصة قد فاتتها بسبب رغبة وليها في كثرة الصداق، أو رغبتها هي في كثرة المال، وما إلى ذلك.

    فالصداق التيسير فيه والتسهيل وعدم المبالغة من الأمور المطلوبة؛ لأن فيه تسهيل أمر الزواج، وإعفاف الشباب والشابات لحصول استغناء بعضهم ببعض، حتى لا يتعرضوا للحرام ولا للأمور التي لا تسوغ.

    وأورد أبو داود حديث عائشة رضي الله عنها أنها سئلت عن صداق رسول الله صلى الله عليه وسلم فقالت: [ (ثنتا عشرة أوقية ونش) ].

    والأوقية أربعون درهماً، فتكون الثنتا عشرة منها أربعمائة وثمانين درهماً، والنش نصف أوقية، فيكون عشرين درهماً، والنش اسم لنصف الأوقية، وهو عشرون درهماً، فيكون مجموع الاثنتي عشرة أوقية والنش معها خمسمائة درهم، هذا هو صداق رسول الله صلى الله عليه وسلم الذي أخبرت به عائشة رضي الله عنها وأرضاها، وهو دال على التيسير وعدم المبالغة.

    تراجم رجال إسناد حديث عائشة في إصداق النبي صلى الله عليه وسلم نساءه

    [ حدثنا عبد الله بن محمد النفيلي ].

    عبد الله بن محمد النفيلي ، ثقة، أخرج له البخاري وأصحاب السنن.

    [ حدثنا عبد العزيز بن محمد ].

    هو عبد العزيز بن محمد الدراوردي ، وهو صدوق، أخرج له أصحاب الكتب الستة.

    [ حدثنا يزيد بن الهاد ].

    يزيد بن الهاد ثقة، أخرج له أصحاب الكتب الستة.

    [ عن محمد بن إبراهيم ].

    هو محمد بن إبراهيم التيمي ، وهو ثقة، أخرج له أصحاب الكتب الستة.

    [ عن أبي سلمة ].

    هو أبو سلمة بن عبد الرحمن بن عوف ، وقد مر ذكره.

    [ سألت عائشة ].

    هي أم المؤمنين رضي الله عنها وأرضاها الصديقة بنت الصديق ، وهي أحد سبعة أشخاص عرفوا بكثرة الحديث عن النبي صلى الله عليه وسلم.

    شرح حديث عمر في قدر صداق نساء النبي صلى الله عليه وسلم وبناته

    قال المصنف رجمه الله تعالى: [ حدثنا محمد بن عبيد حدثنا حماد بن زيد عن أيوب عن محمد عن أبي العجفاء السلمي قال: خطبنا عمر رحمه الله ورضي الله عنه فقال: (ألا لا تغالوا بصدق النساء، فإنها لو كانت مكرمة في الدنيا أو تقوى عند الله لكان أولاكم بها النبي صلى الله عليه وآله وسلم، ما أصدق رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم امرأة من نسائه ولا أصدقت امرأة من بناته أكثر من ثنتي عشرة أوقية) ].

    أورد أبو داود حديث عمر رضي الله عنه أنه خطب الناس وقال: لا تغالوا في مهور النساء، فلو كانت مكرمة أو تقوى عند الله لكان أولاكم بها رسول الله صلى الله عليه وسلم، ما أصدق امرأة من نسائه ولا أصدقت امرأة من بناته أكثر من ثنتي عشر أوقية.

    والاثنتا عشرة أوقية أربعمائة وثمانون درهماً، والذي مر في حديث عائشة اثنتا عشر أوقية ونش، فهذا لا يدل على التعارض، إذ يمكن أن يكون ذكر الشيء التام بدون ذكر الكسر، فلا يقال: إن هذا مخالف لهذا؛ لأن عائشة تقول: خمسمائة، وهو يقول: أربعمائة وثمانون؛ فإنه قد يحذف الكسر، حيث يذكر الشيء التام الذي لا كسر فيه، فيكون هذا هو وجه التوفيق بين ما جاء عن عمر في هذا الحديث وما جاء عن عائشة في الحديث المتقدم، ومعلوم أن عائشة ذات خبرة، وعمر صاحب خبرة؛ لأن عائشة هي إحدى زوجات النبي صلى الله عليه وسلم، وعمر هو والد زوجة النبي صلى الله عليه وسلم، فهو والد حفصة ، فكل منهما صاحب خبرة.

    والحديث يدل على عدم المغالاة في المهور، كما نهى عن ذلك عمر رضي الله عنه وأرضاه فقال: لا تغلوا في مهور النساء، ولو كانت مكرمة عند الله أو تقوى عند الله لكان أولاكم بها رسول الله صلى الله عليه وسلم، ما أصدق واحدة من نسائه ولا أصدقت واحدة من بناته أكثر من ثنتي عشر أوقية.

    تراجم رجال إسناد حديث عمر في قدر صداق نساء النبي صلى الله عليه وسلم وبناته

    قوله: [ حدثنا محمد بن عبيد ].

    هو محمد بن عبيد بن حساب ، وهو ثقة، أخرج له مسلم وأبو داود والنسائي .

    [ حدثنا حماد بن زيد ].

    هو حماد بن زيد بن درهم ، وهو ثقة، أخرج له أصحاب الكتب الستة.

    [ عن أيوب ].

    هو أيوب بن أبي تميمة السختياني ، ثقة، أخرج له أصحاب الكتب الستة.

    [ عن محمد ].

    هو محمد بن سيرين ، ثقة، أخرج له أصحاب الكتب الستة.

    [ عن أبي العجفاء السلمي ].

    هو هرم بن مسيك ، وهو مقبول، أخرج له أصحاب السنن.

    [ خطبنا عمر ].

    هو عمر بن الخطاب رضي الله تعالى عنه الصحابي الجليل، ثاني الخلفاء الراشدين الهادين المهديين، صاحب المناقب الجمة والفضائل الكثيرة رضي الله تعالى عنه وأرضاه، وحديثه عند أصحاب الكتب الستة.

    والحديث وإن كان فيه من هو مقبول إلا أنه يتفق مع ما جاء في حديث عائشة ، والفرق بينهما الكسر.

    شرح حديث إصداق النجاشي أم حبيبة عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أربعة آلاف درهم

    قال المصنف رحمه الله تعالى: [ حدثنا حجاج بن أبي يعقوب الثقفي حدثنا معلى بن منصور حدثنا ابن المبارك حدثنا معمر عن الزهري عن عروة عن أم حبيبة رضي عنها أنها كانت تحت عبيد الله بن جحش فمات بأرض الحبشة فزوجها النجاشي النبي صلى الله عليه وآله وسلم وأمهرها عنه أربعة آلاف، وبعث بها إلى رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم مع شرحبيل بن حسنة . قال أبو داود : حسنة هي أمه ].

    أورد أبو داود حديث أم حبيبة رضي الله عنها -وهي رملة بنت أبي سفيان أم المؤمنين- أن النجاشي زوج الرسول صلى الله عليه وسلم إياها وأمهرها أربعة آلاف، أي: أربعة آلاف درهم، وبعث بها إليه مع شرحبيل بن حسنة.

    قال أبو داود : [ وحسنة هي أمه ] يعني أن هذا الرجل منسوب إلى أمه، يعني: ليس اسم أبيه حسنة، وإنما هو اسم لأمه، ومعلوم أن كثيراً نسبوا إلى أمهاتهم لأنهم اشتهروا بذلك، مثل ابن علية ، وكذلك ابن أم مكتوم ، وكذلك أبي بن سلول ، وعدد غيرهم.

    قوله: [ عن أم حبيبة أنها كانت تحت عبيد الله بن جحش فمات بأرض الحبشة ].

    أم حبيبة كانت تحت عبيد الله بن جحش ، وكان هاجر معها إلى الحبشة، فتنصر ومات نصرانياً - والعياذ بالله- وبقيت هناك، فالنبي صلى الله عليه وسلم أرسل يخطبها، فزوجها النجاشي رسول الله صلى الله عليه وسلم وأصدقها -أي: النجاشي - عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أربعة آلاف درهم.

    وهذا لا يعارض ما تقدم؛ لأن هذا إنما حصل من النجاشي إكراماً للنبي صلى الله عليه وسلم، فلا يعارض ما جاء من أنه ما أصدق واحدة من نسائه فوق خمسمائة درهم، فـالنجاشي دفع ذلك إكراماً لرسول الله صلى الله عليه وسلم، فلا ينافي ما جاء عن عمر رضي الله عنه مما تقدم؛ لأن هذا لم يكن من النبي صلى الله عليه وسلم وإنما هو من النجاشي إكراماً للنبي صلى الله عليه وسلم.

    وفيه دليل على أن الصداق يمكن أن يدفعه غير الزوج، وأنه يمكن أن يتحمله غير الزوج، فليس بلازم أن يكون الزوج هو الذي يدفع الصداق، فيمكن أن يدفعه غيره لهذا الحديث الذي فيه أن النجاشي أصدقها أربعة آلاف درهم.

    وفيه دليل على جواز الصداق ولو كان كثيراً، لكنه خلاف الأولى، فالتسامح فيه والتساهل أولى، وإذا دفع شيئاً كثيراً فإنه لا مانع منه ولا بأس به.

    قوله: [ وبعث بها إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم مع شرحبيل بن حسنة ].

    شرحبيل لم يكن محرماً لها، لكن بعث بها معه ضرورة.

    تراجم رجال إسناد حديث إصداق النجاشي أم حبيبة عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أربعة آلاف درهم

    قوله: [ حدثنا حجاج بن أبي يعقوب الثقفي ].

    هو حجاج بن أبي يعقوب الثقفي ، ثقة، أخرج له مسلم وأبو داود .

    [ حدثنا معلى بن منصور ].

    معلى بن منصور ثقة، أخرج له أصحاب الكتب الستة.

    [ حدثنا ابن المبارك ].

    هو عبد الله بن المبارك المروزي ، ثقة، أخرج له أصحاب الكتب الستة.

    [ حدثنا معمر ].

    معمر بن راشد الأزدي البصري ثم اليماني ، ثقة، أخرج له أصحاب الكتب الستة.

    [ عن الزهري ].

    هو محمد بن مسلم بن عبيد الله بن شهاب الزهري ، ثقة فقيه، أخرج له أصحاب الكتب الستة.

    [ عن عروة ].

    هو عروة بن الزبير بن العوام ، ثقة فقيه، أحد فقهاء المدينة السبعة في عصر التابعين، أخرج له أصحاب الكتب الستة.

    [ عن أم حبيبة ].

    هي أم المؤمنين رملة بنت أبي سفيان رضي الله تعالى عنها، وحديثها عند أصحاب الكتب الستة.

    شرح حديث إصداق النجاشي أم حبيبة أربعة آلاف درهم من طريق ثانية

    قال المصنف رحمه الله تعالى: [ حدثنا محمد بن حاتم بن بزيع حدثنا علي بن الحسن بن شقيق عن المبارك عن يونس عن الزهري ( أن النجاشي زوج أم حبيبة بنت أبي سفيان من رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم على صداق أربعة آلاف درهم، وكتب بذلك إلى رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم فقبل) ].

    أورد الحديث من طريق أخرى مرسلاً في قصة زاوج أم حبيبة من رسول الله صلى الله عليه وسلم على صداق أربعة آلاف درهم.

    قال: [ وكتب بذلك إلى الرسول صلى الله عليه وسلم فقبل ].

    أي: كتب بذلك إلى الرسول صلى الله عليه وسلم، فقبل فيما يتعلق بالأربعة الآلاف، وهي موجودة في الرواية السابقة المتصلة، وهذه الرواية فيها زيادة: [ فكتب بذلك إلى الرسول صلى الله عليه وسلم فقبل ].

    يعني: كأن القبول حصل من الرسول صلى الله عليه وسلم بعد أن كتب له بذلك، ولكن قيل: إنه صلى الله عليه وسلم أرسل عمرو بن أمية الضمري وكيلاً عنه في قبول الزواج، فكان النجاشي هو الذي زوجها، والذي قبل الزواج لرسول الله صلى الله عليه وسلم هو عمرو بن أمية الضمري .

    تراجم رجال إسناد حديث إصداق النجاشي أم حبيبة أربعة آلاف درهم من طريق ثانية

    قوله: [ حدثنا محمد بن حاتم بن بزيع ].

    محمد بن حاتم بن بزيع ثقة، أخرج له البخاري ومسلم وأبو داود والنسائي .

    [ حدثنا علي بن الحسن بن شقيق ].

    علي بن الحسن بن شقيق ثقة، أخرج له أصحاب الكتب الستة.

    [ عن المبارك ].

    هذا سقط، والصواب: ابن المبارك ، وقد مر ذكره.

    [ عن يونس ]

    هو يونس بن يزيد الأيلي ، وهو ثقة، أخرج له أصحاب الكتب الستة.

    [ عن الزهري ].

    مر ذكره.

    والحديث مرسل؛ لأن الزهري من صغار التابعين، والمرسل هو الذي يذكر فيه التابعي شيئاً مضافاً إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم أو إلى عهد النبوة، فإنه يكون فيه انقطاع، ولكن فيما يتعلق بالصداق ومقدار الصداق قد جاء في الرواية السابقة المتصلة الصحيحة.

    1.   

    قلة المهر

    شرح حديث إصداق عبد الرحمن بن عوف امرأته وزن نواه من ذهب

    قال المصنف رحمه الله تعالى: [ باب قلة المهر.

    حدثنا موسى بن إسماعيل حدثنا حماد عن ثابت البناني وحميد عن أنس رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم رأى عبد الرحمن بن عوف رضي الله عنه وعليه ردع زعفران، فقال النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم: (مهيم؟ فقال: يا رسول الله! تزوجت امرأة. قال: ما أصدقتها؟ قال: وزن نواة من ذهب. قال: أولم ولو بشاة) ].

    يقول الإمام أبو داود السجستاني رحمه الله تعالى: [ باب قلة المهر ].

    والمقصود من هذه الترجمة أن المهر سواءٌ أكان قليلاً أم كثيراً من أي شيء يتمول فإنه يكون معتبراً، ولا حد لأقله ولا حد لأكثره، والمغالاة في المهور غير سائغة؛ لما يترتب عليها من العراقيل التي تؤخر الزواج وتعرض الشباب والشابات للفتن بسبب عدم حصول الزواج.

    والتيسير في الزواج وتسهيل أموره، وعدم المغالاة، وتزويج الكفؤ إذا جاء ولو لم يكن عنده مهر كبير هو المطلوب وهو الذي ينبغي، ولا حد لأقل المهر ولا حد لأكثره، ولكن المغالاة والإتيان بالأشياء التي تكون سبباً في تأخير الزواج لا تنبغي ولا تصلح.

    وسبق أن مر بنا أن النبي صلى الله عليه وسلم ما أصدق أحداً من نسائه ولا أُصدقت امرأة من بناته أكثر من خمسمائة درهم، وسبق -أيضاً- أن النجاشي أصدق أم حبيبة أربعة آلاف درهم، وعرفنا فيما مضى أن هذا إنما هو من النجاشي إكراماً لرسول الله صلى الله عليه وسلم.

    وأورد أبو داود هنا حديث أنس بن مالك رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم رأى على عبد الرحمن بن عوف ردعاً من زعفران فقال: [ (مهيم؟) ] يعني: ما هذا؟ فقال: تزوجت امرأة. فقال: [ (ماذا أصدقتها؟) ] قال: وزن نواة من ذهب. قال عليه الصلاة والسلام: [ (أولم ولو بشاة) ].

    ومحل الشاهد قوله: [ وزن نواة من ذهب ].

    والمقصود بالنواة مقدار قليل من الذهب، قيل: إنه يعادل خمسة دراهم. فهذا فيه الإشارة إلى قلة المهر وأنه قليل وليس بكثير، وأن المهر يصح بكل ما يتمول ولو كان شيئاً يسيراً.

    المراد بسؤال النبي صلى الله عليه وسلم بقوله (مهيم)

    وقوله: [ وعليه ردع من زعفران ] يعني: أثراً من زعفران.

    والسؤال من النبي صلى الله عليه وسلم يحتمل أن يكون المراد به السؤال عن حاله وعن الشيء الجديد الذي حصل له، حيث قال: (مهيم؟) يعني: ما هذا؟ ومعنى هذا أن شيئاً جديداً حصل، وهو الزواج.

    ومعلوم أن المهاجرين رضي الله عنهم وأرضاهم لما هاجروا إلى المدينة كانوا قد تركوا أموالهم وبلادهم، وخرجوا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم مهاجرين لنصرة الرسول صلى الله عليه وسلم كما قال الله عز وجل عن المهاجرين: لِلْفُقَرَاءِ الْمُهَاجِرِينَ الَّذِينَ أُخْرِجُوا مِنْ دِيارِهِمْ وَأَمْوَالِهِمْ يَبْتَغُونَ فَضْلًا مِنَ اللَّهِ وَرِضْوَانًا وَيَنْصُرُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ أُوْلَئِكَ هُمُ الصَّادِقُونَ [الحشر:8]، فهم خرجوا لنصرة النبي صلى الله عليه وسلم، ولهذا فهم مهاجرون وأنصار؛ لأنهم جمعوا بين الهجرة والنصرة، فكانوا أفضل من الأنصار؛ لأن الأنصار ليس عندهم إلا النصرة فقط، وأما المهاجرون فعندهم الهجرة والنصرة، فكانوا مقدمين على الأنصار في الفضل، والنبي صلى الله عليه وسلم آخى بين المهاجرين والأنصار، وكان عبد الرحمن بن عوف رضي الله عنه صاحب تجارة، وكان له معرفة بالتجارة فسأل عن السوق، فدل عليه فصار يبيع ويشتري حتى جمع مالاً وتزوج.

    وقيل: إن قوله: [ (مهيم؟) ] إنكار لكون الزعفران عليه؛ لأنه جاء النهي عن تزعفر الرجال.

    فالرسول صلى الله عليه وسلم قال له: [ (مهيم) ] إنكاراً عليه، فقال: إني تزوجت امرأة. يعني: وهذا من طيبها علق بي ولست الذي فعله، وإنما هو من طيب المرأة الذي تتطيب به وهو سائغ في حقها فعلق بالرجل، فكان هذا فيه بيان أنه لم يكن حصل منه التزعفر أو الوقوع في الشيء الذي نهى عنه الرسول صلى الله عليه وسلم، وإنما حصل علق به ذلك من امرأته.

    وفي الحديث دليل على ما كان عليه الرسول صلى الله عليه وسلم من تفقد أصحابه، ومعرفة أحوالهم، وسؤالهم عما يجد وعما يحصل لهم، وقوله عليه الصلاة والسلام: [ (أولم ولو بشاة) ] فيه دليل على مشروعية الوليمة، وهي الطعام الذي يصنع بمناسبة الزواج، ولا يصلح فيه التكلف والمغالاة كما يحصل في هذا الزمان من المغالاة في ذلك؛ ولأن هذا من الأمور التي تُعيق الزواج؛ لأن ذلك في الغالب على حساب الزوج، وعلى كاهل الزوج، وقد يكون لا يستطيع؛ لأن المهر يكون كثيراً، والوليمة أيضاً يغالى بها، فيكون ذلك من العراقيل.

    فالرسول صلى الله عليه وسلم أرشد إلى الوليمة وقال: (أولم ولو بشاة)، وقوله: (ولو بشاة) المقصود: أن هذا هو الحد الأدنى، ولكن هذا لا يعني أن ذلك متعين، وأنه لا يجزئ إلا شاة، فإنه يمكن أن تكون الوليمة بدون ذلك وبأقل من ذلك كما حصل من رسول الله صلى الله عليه وسلم حين زواجه من صفية ، فإنه أولم بخبز وطعام ليس فيه لحم، فدل ذلك على أن التخفيف والتسهيل في ذلك مطلوب، وأن ذبح بهيمة الأنعام ليس من الأمور المتعينة.

    وقوله: (أولم ولو بشاة) يعني: أن هذا هو المقدار الأدنى، فلو زاد الإنسان على ذلك شيئاً للحاجة من غير مغالاة ومن غير إضرار بالزوج وتحميله ما لا يتحمل فإنه لا بأس بذلك، ولكن المحذور هو المغالاة، والإكثار من الذبائح، وصنع الطعام ثم لا يؤكل، ثم بعض الناس قد يكون تصرفه فيه حسناً بأن يعطيه لمن هو محتاج إليه، ومن الناس من يلقيه في أماكن لا يستفيد منه فيها أحد، وقد يلقى في أماكن لا يصلح أن يلقى فيها، وفي ذلك عدم احترام النعمة، وعدم الاهتمام بها، وعدم الاكتراث لها.

    والذبح في الوليمة لاشك أنه من الأمور المطلوبة والأمور المستحبة، وأما قضية أن يكون واجباً، وأنه لو حصل زواج بدون وليمة أنه يأثم، فلا أدري.

    تراجم رجال إسناد حديث إصداق عبد الرحمن بن عوف امرأته وزن نواه من ذهب

    قوله: [ حدثنا موسى بن إسماعيل ].

    موسى بن إسماعيل التبوذكي البصري ثقة أخرج له أصحاب الكتب الستة.

    [ حدثنا حماد ].

    حماد بن سلمة بن دينار ثقة، أخرج له البخاري تعليقاً ومسلم وأصحاب السنن.

    [ عن ثابت البناني ].

    ثابت بن أسلم البناني البصري ثقة، أخرج له أصحاب الكتب الستة.

    [ وحميد ].

    حميد بن أبي حميد الطويل البصري ثقة، أخرج له أصحاب الكتب الستة.

    [ عن أنس ].

    أنس بن مالك رضي الله عنه خادم رسول الله صلى الله عليه وسلم وأحد السبعة المعروفين بكثرة الحديث عن النبي صلى الله عليه وسلم.

    وهذا الإسناد رجاله كلهم بصريون: موسى بن إسماعيل التبوذكي بصري وحماد بن زيد بصري وثابت وحميد بصريان وأنس بن مالك بصري، فهو مسلسل بالرواة البصريين.

    الفرق بين المهر والصداق

    ولا فرق بين المهر والصداق، بل المهر هو الصداق.

    وقت الوليمة

    والوليمة تكون عند النكاح، وسواء تقدمت عليه بيوم أو تأخرت عليه فلا محذور في ذلك.

    شرح حديث (من أعطى في صداق امرأة ملء كفيه سويقاً أو تمراً فقد استحل)

    قال المصنف رحمه الله تعالى: [ حدثنا إسحاق بن جبرائيل البغدادي أخبرنا يزيد أخبرنا موسى بن مسلم بن رومان عن أبي الزبير عن جابر بن عبد الله رضي الله عنهما أن النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم قال: (من أعطى في صداق امرأة ملء كفيه سويقاً أو تمراً فقد استحل) ].

    أورد أبو داود حديث جابر بن عبد الله الأنصاري رضي الله عنه: [ (من أعطى في صداق امرأة ملء كفيه سويقاً أو تمراً فقد استحل) ] أي: استحل النكاح واستحل البضع بهذا الصداق.

    والمقصود منه تقليل الصداق؛ لأن الترجمة هي قلة الصداق.

    وقد عرفنا أن الصداق يكون بكل ما يتمول ولو كان قليلاً، وأنه لا حد لأقله، فليس أقله سبعة دراهم ولا عشرة ولا خمسة ولا أربعين ولا خمسين ولا أقل ولا أكثر؛ لأنه ليس هناك تحديد، وقد جاء ما يدل على أنه قد يكون قليلاً، مثل: (التمس ولو خاتماً من حديد)، وسؤاله صلى الله عليه وسلم عبد الرحمن بن عوف عن صداق امرأته فأخبره بأنه وزن نواة من ذهب، فكل ذلك شيء قليل ويدل على القلة، لكن التحديد الذي لا يجزئ ما دونه ليس عليه دليل.

    وعلى هذا فالأمر في ذلك واسع، ولا تحديد ولا تقييد لأقله ولا لأكثره، مع أن المشروع هو عدم المغالاة وتيسير الزواج وتسهيله، وعدم وضع العراقيل التي تعوق وتحول دون حصوله.

    ثم إن المهر لابد منه، ولكنه ليس شرطاً في العقد، فيمكن أن يحصل الزواج بدونه، وحينئذ يتعين مهر المثل، والمهم أن المرأة لابد لها من شيء تعطاه في مقابل استحلال فرجها.

    وهنا يروي جابر عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: [ (من أعطى في صداق امرأة ملء كفيه سويقاً أو تمراً فقد استحل) ].

    والسويق هو الدقيق، وقوله: [ (فقد استحل) ] أي: استحل البضع وحصل المهر بذلك، وملء الكفين ربع الصاع تقريباً، أي: مد.

    تراجم رجال إسناد حديث (من أعطى في صداق امرأة ملء كفيه سويقاً أو تمراً فقد استحل)

    قوله: [ حدثنا إسحاق بن جبرائيل البغدادي ].

    إسحاق بن جبرائيل البغدادي صدوق، أخرج له أبو داود .

    [ أخبرنا يزيد ].

    هو يزيد بن هارون الواسطي ، ثقة، أخرج له أصحاب الكتب الستة.

    [ أخبرنا موسى بن مسلم بن رومان ].

    الصحيح: صالح بن مسلم بن رومان ، فقد قال الحافظ ابن حجر : صوابه: صالح بن مسلم بن رومان . فمعنى هذا أن قوله: [ موسى بن مسلم ] خطأ، والصواب أن اسمه صالح ، وهو ضعيف، أخرج له أبو داود .

    [ عن أبي الزبير ].

    هو محمد بن مسلم بن تدرس المكي ، صدوق، أخرج له أصحاب الكتب الستة.

    [ عن جابر ].

    هو جابر بن عبد الله الأنصاري رضي الله تعالى عنهما الصحابي الجليل، أحد السبعة المعروفين بكثرة الحديث عن النبي صلى الله عليه وسلم.

    والحديث في إسناده الرجل الضعيف الذي هو صالح بن مسلم بن رومان ، فهو غير ثابت، ولكن من حيث مشروعية قلة الصداق فالأحاديث الأخرى دالة على ما دل عليه.

    إيراد حديث (من أعطى في صداق امرأة) موقوفاً على جابر وتراجم رجاله

    [ قال أبو داود : رواه عبد الرحمن بن مهدي عن صالح بن رومان عن أبي الزبير عن جابر رضي الله عنه موقوفاً ].

    أورد المصنف طريقاً أخرى معلقة، حيث قال: [ رواه عبد الرحمن بن مهدي عن صالح بن رومان ] وهنا ذكره على الصواب، وهو صالح بن مسلم بن رومان ، وهو الضعيف الذي مر.

    والذي روى عنه هو عبد الرحمن بن مهدي ، وعبد الرحمن بن مهدي ثقة، أخرج له أصحاب الكتب الستة.

    وقوله: [ عن صالح بن رومان عن أبي الزبير عن جابر موقوفاً ].

    معناه: أنه ليس بمرفوع، بل هو موقوف على جابر رضي الله تعالى عنه.

    شرح حديث (كنا على عهد النبي صلى الله عليه وسلم نستمتع بالقبضة من الطعام)

    قال المصنف رحمه الله تعالى: [ ورواه أبو عاصم عن صالح بن رومان عن أبي الزبير عن جابر رضي الله عنه أنه قال: (كنا على عهد رسول الله صلى الله عليه وعلى وسلم نستمتع بالقبضة من الطعام على معنى المتعة) ].

    أشار هنا إلى طريق أخرى عن جابر رضي الله عنه قال فيها: إنا كنا نستمتع على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم بالقبضة من الطعام. وهو مقدار قليل، أي: مثل الأكلة من الطعام.

    وقوله: [ على معنى المتعة ] يعني متعة النساء التي كانت مباحة ثم حرمت، وهي التي تكون لمدة مؤقتة؛ لأن زواج المتعة هو الزواج المؤقت المتفق على مقداره وضرب أجل له، كيومين أو ثلاثة أو أسبوع أو شهر، فإذا انتهى الأجل انتهى الزواج.

    وهذا كان مباحاً في الإسلام، ثم إنه حرم ومنع منه، والحديث هذا جاء في صحيح مسلم ، وفيه زيادة (وفي عهد أبي بكر ) وقوله: (في عهد أبي بكر ) يفهم منه أن بعض الصحابة ما كان يعلم التحريم، وأنهم كانوا يفعلون ذلك حتى عرفوا التحريم جميعاً، وهو مثل ما جاء في حديث (كان فيما أنزل عشر رضعات معلومات يحرمن، فنسخن بخمس معلومات، فتوفي رسول الله صلى الله عليه وسلم وهن فيما يقرأ من القرآن) مع أنه لا يوجد في القرآن، ولكن بعض الناس الذين ما عرفوا نسخ هذه التلاوة توفي الرسول صلى الله عليه وسلم وهم يقرءون هذا حتى عرفوا بأنه قد نسخ.

    وكذلك الذين كانوا يستمتعون في عهد أبي بكر ما علموا الناسخ أو ما بلغهم الناسخ.

    تراجم رجال إسناد حديث (كنا على عهد النبي صلى الله عليه وسلم نستمتع بالقبضة من الطعام)

    قوله: [ ورواه أبو عاصم ].

    هو أبو عاصم النبيل الضحاك بن مخلد ، ثقة، أخرج له أصحاب الكتب الستة.

    [ عن صالح بن رومان عن أبي الزبير عن جابر ].

    مر ذكرهم جميعاً.

    [ قال أبو داود : رواه ابن جريج عن أبي الزبير عن جابر على معنى أبي عاصم ].

    ابن جريج هو عبد الملك بن عبد العزيز بن جريج ، ثقة، أخرج له أصحاب الكتب الستة.

    وقوله: [ على معنى أبي عاصم ].

    أي: على معنى حديث أبي عاصم الذي تقدم، وهو [ كنا على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم نستمتع بالقبضة من الطعام على معنى المتعة ].

    والحديث قد رواه صالح بن موسى مرة موقوفاً ومرة مرفوعاً، ولا يحكم على الحديث بالاضطراب لذلك؛ إذ إن صالح بن موسى ضعيف، فما أتى عن طريقه فهو ضعيف ولو لم يحصل منه اضطراب، إلا أن الحديث ثابت من الطريق الأخرى وهي طريق ابن جريج ، وهي في صحيح مسلم .

    1.   

    التزويج على العمل يعمل

    شرح حديث قصة الواهبة نفسها للرسول صلى الله عليه وسلم

    قال المصنف رحمه الله تعالى: [ باب في التزويج على العمل يعمل.

    حدثنا القعنبي عن مالك عن أبي حازم بن دينار عن سهل بن سعد الساعدي رضي الله عنهما: (أن رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم جاءته امرأة فقالت: يا رسول الله! إني قد وهبت نفسي لك. فقامت قياماً طويلاً، فقام رجل فقال: يا رسول الله! زوجنيها إن لم تكن لك بها حاجة. فقال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: هل عندك من شيء تصدقها إياه؟ فقال: ما عندي إلا إزاري هذا. فقال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: إنك إن أعطيتها إزارك جلست ولا إزار لك، فالتمس شيئاً. قال: لا أجد شيئاً. قال: فالتمس ولو خاتماً من حديد. فالتمس فلم يجد شيئاً، فقال له رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: فهل معك من القرآن شيء؟ قال: نعم، سورة كذا وسورة كذا لسور سماها، فقال له رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: قد زوجتكها بما معك من القرآن) ].

    أورد أبو داود هذه الترجمة، وهي: [ باب في التزويج على العمل يعمل ] فقد ذكر فيما مضى التزويج على المهر الذي هو مال يدفع للمرأة، وهنا في هذه الترجمة ترجم بحصول العمل الذي يعتبر في مقابلة مال؛ لأنه قد يكون الرجل ليس عنده مال ولكن عنده قدرة على أن يعمل عملاً.

    فيكون عمله هذا صداقاً لها مقابل الأجرة التي كان سيعطاها.

    وقد جاء في القرآن في قصة موسى عليه الصلاة والسلام مع الرجل الصالح أنه قال: إِنِّي أُرِيدُ أَنْ أُنكِحَكَ إِحْدَى ابْنَتَيَّ هَاتَيْنِ عَلَى أَنْ تَأْجُرَنِي ثَمَانِيَ حِجَجٍ [القصص:27] فهو عقد على عمل.

    وهنا في حديث سهل بن سعد الساعدي رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم زوج هذا الرجل على أن يعلمها شيئاً من القرآن، أي: على عمل يقدمه لها وهو تعليمها شيئاً من القرآن، فدل هذا على أن المهر يمكن أن يكون عملاً وأن يكون منفعة بدلاً من كونه عيناً أو نقوداً.

    فحديث سهل بن سعد موافق للترجمة من جهة أنه زوجه على عمل يعمله لها.

    معنى الباء في قوله: (زوجتكها بما معك من القرآن)

    قوله: [ (زوجتكها بما معك) ] الباء هنا للمعاوضة وليست للسببية، أي: في مقابل ما معك من القرآن تعلمها إياه.

    وليست الباء للسببية بمعنى أنه زوجه إكراماً له بغير صداق بسبب ما معه من القرآن؛ لأنه لو كان الأمر كذلك لما كان هناك حاجة إلى أن يسأله التماس القليل قائلاً: [ (وهل معك شيء من القرآن؟) ].

    فالمقصود أن هذه المنفعة يمكن أن تكون مهراً حيث لا يوجد المهر، فالذي يبدو هو أنه لا يصار إلى اتخاذ العمل مهراً إلا عند الحاجة، لأن المال هو المقدم فإذا كان الرجل معدماً فإنه يصار إلى العمل.

    وفي الحديث دليل على تسهيل أمر الزواج وتسهيل الوصول إليه بأي طريق، فلو كان الرجل معدماً وليس عنده مال ولكنه عمل عملاً للزوجة فإنه يستحل به فرجها ولا تدفع له أجرة في مقابل عمله، بل هذا العمل في مقابل زواجه بها، فالباء في الحديث هي للمعاوضة، والمعنى أنه يعلمها شيئاً من القرآن عوضاً عن زواجه بها، وليست للسببية كما قال بعض أهل العلم: إنه زوجه إكراماً له. يعني: بسبب ما معه من القرآن أكرمه فزوجه. فالصداق لابد منه.

    الزواج بالهبة من الخصائص النبوية

    قوله: [ (أن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم جاءته امرأة فقالت: يا رسول الله! إني قد وهبت نفسي لك) ].

    معناه: وهبت نفسها له ليتزوجها، والزواج بالهبة من خصائص الرسول صلى الله عليه وسلم، كما جاء في القرآن: وَامْرَأَةً مُؤْمِنَةً إِنْ وَهَبَتْ نَفْسَهَا لِلنَّبِيِّ إِنْ أَرَادَ النَّبِيُّ أَنْ يَسْتَنكِحَهَا خَالِصَةً لَكَ مِنْ دُونِ الْمُؤْمِنِينَ [الأحزاب:50]، فدل على أن ذلك من خصائص الرسول صلى الله عليه وسلم، وفيه دليل على ما كان عليه نساء الصحابة من الرغبة الشديدة والحرص على الاتصال بالرسول صلى الله عليه وسلم، وذلك لأن زواج الرسول بالمرأة شرف عظيم لها؛ لأنها تكون بذلك أماً للمؤمنين، وتحصل شرفاً لاتصالها بالنبي عليه الصلاة والسلام وكونها من أزواجه، وهذا هو الذي دعاها إلى أن تعمل هذا العمل وأن تقدم هذه الرغبة وأن تظهر هذه الرغبة وتعرض نفسها على الرسول صلى الله عليه وسلم واهبة نفسها له.

    فالزواج بالهبة لا يكون إلا للرسول صلى الله عليه وسلم، وغيره ليس له أن يتزوج إلا بصداق.

    جواز عرض المرأة على الرجل الصالح ليتزوجها وقلة المهر

    ثم إن في الحديث جواز عرض المرأة نفسها على الرجل الصالح ليتزوجها، ولكن بمهر لا هبة، وكذلك يجوز عرض الرجل بنته على الرجل الصالح، كما فعل عمر رضي الله تعالى عنه حيث عرض حفصة على أبي بكر وعثمان ، ثم تزوجها رسول الله صلى الله عليه وسلم.

    قوله: [ فقامت قياماً طويلاً ].

    أي أن الرسول صلى الله عليه وسلم ما رد عليها بشيء، بل سكت، ولما سكت رسول الله صلى الله عليه وسلم ولم يقل شيئاً قال رجل من الحاضرين: [ يا رسول الله! زوجنيها إن لم تكن لك بها حاجة ] وهذا من الأدب؛ لأنه قال: [ إن لم تكن لك بها حاجة ].

    فالرسول صلى الله عليه وسلم قال له: [ (هل عندك من شيء تصدقها إياه؟) ] فقال: ما عندي إلا إزاري. قال: [ (إنك إن أعطيتها إزارك جلست ولا إزار لك) ]، وهذا يدلنا على ما كان عليه أصحاب الرسول صلى الله عليه وسلم من قلة ذات اليد وعدم الجدة، وأن الواحد منهم لا يجد الشيء اليسير.

    ثم قال له: [ التمس شيئاً فقال: لا أجد شيئاً، فقال له: [ التمس ولو خاتماً من حديد ]، يعني: ولو كان الملتمس خاتماً من حديد، أي: ولو كان شيئاً قليلاً.

    فذهب الرجل فلم يجد شيئاً حتى خاتم الحديد، وهذا كله يدلنا على ما كان عليه الصحابة رضي الله عنهم وأرضاهم من قلة ذات اليد، فكثير منهم لم يكونوا من أهل اليسار، وإنما كانوا من ذوي القلة.

    حكم التحلي بالحديد

    وقد جاء ما يدل على أن الحديد لا يتحلى به، وأنه حلية أهل النار، فلعل قوله: [ (التمس ولو خاتماً من حديد) ] كان قبل التحريم، أو أنه بعد التحريم، ولكنه يمكن أن يحول إلى شيء آخر، ولا يستعمل حلية للرجال ولا للنساء.

    وليس منه لبس الساعة في اليد، فالساعة فيها حديد، لكن ليس المقصود منها الزينة فحسب، بل يراد بها معرفة الوقت.

    قوله: [ فقال له رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: (فهل معك من القرآن شيء؟) قال: نعم، سورة كذا وسورة كذا. لسور سماها ].

    أي: سأله الرسول صلى الله عليه وسلم عن كونه معه شيء من القرآن فأخبره بأن معه سوراً، وعد تلك السور، فقال صلى الله عليه وسلم: [ (قد زوجتكها بما معك من القرآن) ] والباء -كما عرفنا- للمعاوضة، فجعل ما معه من القرآن على أن يعلمها إياه صداقاً لها، وليست للسببية بأن يكون الزواج بدون المهر إكراماً له لحفظه شيئاً من القرآن الكريم.

    تراجم رجال إسناد حديث قصة الواهبة نفسها للرسول صلى الله عليه وسلم

    قوله: [ حدثنا القعنبي ].

    هو عبد الله بن مسلمة بن قعنب القعنبي ، ثقة، أخرج له أصحاب الكتب الستة إلا ابن ماجة .

    [ عن مالك ].

    هو مالك بن أنس إمام دار الهجرة المحدث الفقيه المشهور، أحد أصحاب المذاهب الأربعة المشهورة من مذاهب أهل السنة، وحديثه أخرجه أصحاب الكتب الستة.

    [ عن أبي حازم بن دينار ].

    هو سلمة بن دينار ، وهو ثقة، أخرج له أصحاب الكتب الستة.

    [ عن سهل بن سعد ].

    هو سهل بن سعد الساعدي رضي الله عنه صاحب رسول الله صلى الله عليه وسلم، وحديثه أخرجه أصحاب الكتب الستة، وكنيته أبو العباس ، ويقال: إنه ليس في الصحابة من يكنى بأبي العباس سوى اثنين: أحدهما هذا، والثاني: عبد الله بن عباس رضي الله تعالى عنهما، فكل منهما يقال له: أبو العباس.

    وهذا الحديث أخرجه أبو داود عن القعنبي عن مالك عن أبي حازم عن سهل بن سعد .

    فهو من الأسانيد الرباعية التي هي أعلى ما يكون عند الإمام أبي داود ؛ لأن أعلى إسناد عنده هو الرباعيات، وليس عنده ثلاثي، فالثلاثيات هي عند البخاري ، وعدتها اثنان وعشرون حديثاً ليس بين البخاري وبين رسول الله صلى الله عليه وسلم فيها إلا ثلاثة أشخاص، وعند الترمذي حديث واحد ثلاثي، وعند ابن ماجة خمسة أحاديث ثلاثية كلها بإسناد واحد وهو ضعيف.

    وبقية الأئمة -الذين هم: مسلم وأبو داود والنسائي - أعلى ما عندهم الرباعيات، فبينهم وبين رسول الله صلى الله عليه وسلم فيها أربعة أشخاص، وهذا الذي معنا في هذا الإسناد هو من أعلى الأسانيد عند أبي داود .

    شرح حديث الواهبة نفسها من طريق ثانية

    قال المصنف رحمه الله تعالى: [ حدثنا أحمد بن حفص بن عبد الله حدثني أبي حفص بن عبد الله حدثني إبراهيم بن طهمان عن الحجاج بن الحجاج الباهلي عن عسل عن عطاء بن أبي رباح عن أبي هريرة رضي الله عنه نحو هذه القصة -لم يذكر الإزار والخاتم- فقال: [ (ما تحفظ من القرآن؟ قال: سورة البقرة أو التي تليها. قال: فقم فعلمها عشرين آية وهي امرأتك) ].

    أورد أبو داود الحديث من طريق أخرى، وفيها أنه سأله عما يحفظه فقال: سورة البقرة أو التي تليها. يعني آل عمران فقال له: [ (قم فعملها عشرين آية وهي امرأتك) ].

    وهذا فيه تسمية السورة المحفوظة، وفيه تحديد المقدار الذي يعلم من أجل الزواج، ولكن هذا الحديث الذي فيه التحديد غير ثابت؛ لأن في إسناده عسلاً وهو ضعيف.

    تراجم رجال إسناد حديث الواهبة نفسها من طريق ثانية

    قوله: [ حدثنا أحمد بن حفص بن عبد الله ].

    أحمد بن حفص بن عبد الله صدوق، أخرج له البخاري وأبو داود والنسائي .

    [ حدثني أبي حفص بن عبد الله ].

    حفص بن عبد الله صدوق، أخرج له البخاري وأبو داود والنسائي وابن ماجة .

    [ حدثني إبراهيم بن طهمان ].

    إبراهيم بن طهمان ثقة، أخرج له أصحاب الكتب الستة.

    [ عن الحجاج بن الحجاج الباهلي ].

    الحجاج بن الحجاج الباهلي ثقة، أخرج له أصحاب الكتب الستة إلا الترمذي .

    [ عن عسل ].

    هو عسل بن سفيان التميمي أبو قرة البصري ، وهو ضعيف، أخرج له أبو داود والترمذي .

    [ عن عطاء بن أبي رباح ].

    هو عطاء بن أبي رباح المكي ، ثقة، أخرج له أصحاب الكتب الستة.

    [ عن أبي هريرة ].

    أبو هريرة رضي الله عنه صاحب رسول الله صلى الله عليه وسلم، وهو عبد الرحمن بن صخر الدوسي ، وهو أكثر الصحابة حديثاً على الإطلاق رضي الله عنه وأرضاه.

    شرح حديث الواهبة نفسها من طريق ثالثة

    قال المصنف رحمه الله تعالى: [ حدثنا هارون بن زيد بن أبي الزرقاء ثنا أبي ثنا محمد بن راشد عن مكحول . نحو خبر سهل.

    قال: وكان مكحول يقول: ليس ذلك لأحد بعد رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم ].

    أورد أبو داود الحديث من طريق أخرى عن مكحول وقال: [ نحو حديث سهل ] يعني المتقدم قبل حديث أبي هريرة ، وفيه [ كان مكحول يقول: ليس ذلك لأحد بعد رسول الله صلى الله عليه وسلم ].

    فإذا كان المقصود به هبة المرأة نفسها فإنه -كما قال- ليس ذلك لأحد بعد رسول الله.

    وأما إذا كان المراد التزوج على العمل فإن ذلك ليس خاصاً برسول الله صلى الله عليه وسلم في تزويجه الرجل بما معه من القرآن، بل يصح الزواج بالعمل حيث لا يمكن الحصول على المال، فكلام مكحول الذي ذكره هنا أنه ليس ذلك لأحد بعد الرسول صلى الله عليه وسلم فيه تفصيل: فإن كان يراد به الهبة فهذا صحيح، وإن كان يراد به الزواج على العمل فهذا ليس بصحيح.

    تراجم رجال إسناد حديث الواهبة نفسها من طريق ثالثة

    قوله: [ حدثنا هارون بن زيد بن أبي الزرقاء ].

    هارون بن زيد بن أبي الزرقاء صدوق، أخرج له أبو داود والنسائي .

    [ ثنا أبي ].

    أبوه ثقة، أخرج له أبو داود والنسائي .

    [ ثنا محمد بن راشد ].

    محمد بن راشد صدوق يهم، أخرج له أصحاب السنن.

    [ عن مكحول ].

    هو مكحول الشامي ، وهو ثقة كثير الإرسال، أخرج حديثه البخاري في جزء القراءة ومسلم وأصحاب السنن.

    1.   

    من تزوج ولم يسم صداقاً حتى مات

    شرح حديث قضاء رسول الله صلى الله عليه وسلم في بروع بنت واشق

    قال المصنف رحمه الله تعالى: [ باب فيمن تزوج ولم يسم صداقاً حتى مات.

    حدثنا عثمان بن أبي شيبة ثنا عبد الرحمن بن مهدي عن سفيان عن فراس عن الشعبي عن مسروق عن عبد الله رضي الله عنه (في رجل تزوج امرأة فمات عنها ولم يدخل بها ولم يفرض لها الصداق فقال: لها الصداق كاملاً وعليها العدة ولها الميراث. فقال معقل بن سنان رضي الله عنه: سمعت رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم قضى به في بروع بنت واشق) ].

    أورد أبو داود هذه الترجمة، وهي [ باب فيمن تزوج ولم يسم صداقاً حتى مات ].

    والزواج بغير تسمية الصداق يصح، ولكنه يرجع في ذلك إلى مهر المثل، وإذا كان الشخص قد تزوج ومات ولم يفرض صداقاً فإن الحكم أنه يكون لها صداق المثل وعليها العدة ولها الميراث.

    ومعنى مهر المثل أن ينظر إلى مهر قريباتها كأخواتها ونحوهن ممن تزوج في زمنها فتعطى مثلهن، ولا ينظر إلى مهر أمها وجدتها، لأن وقت زواجهما بعيد.

    وأورد أبو داود حديثاً ذُكر فيه أن عبد الله بن مسعود رضي الله عنه سئل عن رجل تزوج ومات ولم يكن فرض لزوجته صداقاً ولم يدخل بها، فاجتهد ابن مسعود في المسألة وأفتى فقال: عليها العدة ولها الميراث ولها الصداق كاملاً. قال ذلك باجتهاده.

    وسيأتي في رواية بعد هذه أنهم اختلفوا عليه شهراً أو مرات، أي ترددوا عليه يريدون الحكم، ولم يكن يعمل نصاً حتى يحكم به ويبني عليه، ولكنه بعد أن كثر الترداد والقضية واقعة وهم بحاجة إلى حل وبحاجة إلى فتوى اجتهد.

    فهذا يدل على الاجتهاد، لكن الاجتهاد حيث لا نص، وأما إذا كان النص موجوداً فإنه لا اجتهاد مع النص، وإنما الاجتهاد يكون مع عدم النص أو عدم معرفة المجتهد الذي استفتي بالنص.

    فلما اجتهد عبد الله رضي الله تعالى عنه وأفتى قام معقل بن سنان وقال: إن النبي صلى الله عليه وسلم قضى في بروع بنت واشق بما قضيت به. يعني: بمثل ما قضيت به، فهذا الذي قضيت به هو الذي قضى به رسول الله صلى الله عليه وسلم.

    ومعناه أن اجتهاد ابن مسعود رضي الله عنه وقع موافقاً للصواب، حيث وافق قضاء رسول الله صلى الله عليه وسلم.

    فدل هذا على أن المرأة إذا تزوجها إنسان ثم مات عنها ولم يدخل بها فإنه يكون عليها العدة -أي: عدة الوفاة- ولها الميراث ولها صداق المثل.

    والحديث هنا هو حديث معقل بن سنان يروي ذلك عن رسول الله صلى الله عليه وسلم.

    تراجم رجال إسناد حديث قضاء رسول الله صلى الله عليه وسلم في بروع بنت واشق

    قوله: [ حدثنا عثمان بن أبي شيبة ].

    عثمان بن أبي شيبة ثقة، أخرج له أصحاب الكتب الستة إلا الترمذي والنسائي ، وقد أخرج له النسائي في عمل اليوم والليلة.

    [ حدثنا عبد الرحمن بن مهدي ].

    عبد الرحمن بن مهدي ثقة، أخرج له أصحاب الكتب الستة.

    [ عن سفيان ].

    هو سفيان الثوري ، ثقة، أخرج له أصحاب الكتب الستة.

    [ عن فراس ].

    هو فراس بن يحيى ، وهو صدوق ربما وهم، أخرج له أصحاب الكتب الستة.

    [ عن الشعبي ].

    هو عامر بن شراحيل الشعبي ، ثقة، أخرج له أصحاب الكتب الستة.

    [ عن مسروق ].

    هو مسروق بن الأجدع ، وهو ثقة، أخرج له أصحاب الكتب الستة.

    [ عن عبد الله ].

    هو عبد الله بن مسعود الهذلي صاحب رسول الله صلى الله عليه وسلم، وحديثه أخرجه أصحاب الكتب الستة.

    شرح حديث قضاء رسول الله في بروع بنت واشق من طريق ثانية وتراجم رجاله

    قال المصنف رحمه الله تعالى: [ حدثنا عثمان بن أبي شيبة حدثنا يزيد بن هارون وابن مهدي عن سفيان عن منصور عن إبراهيم عن علقمة عن عبد الله رضي الله عنه، وساق عثمان مثله ].

    أورد أبو داود الحديث من طريق أخرى، وفيه ما في الذي قبله، حيث قال: [ مثله ] يعني أنه مطابق له في اللفظ والمعنى.

    قوله: [ حدثنا عثمان بن أبي شيبة عن يزيد بن هارون وابن مهدي عن سفيان ].

    هؤلاء جميعاً مر ذكرهم.

    [ عن منصور ].

    هو ابن المعتمر الكوفي ، ثقة، أخرج له أصحاب الكتب الستة.

    [ عن إبراهيم ].

    هو إبراهيم بن يزيد بن قيس النخعي الكوفي ، ثقة، أخرج له أصحاب الكتب الستة.

    [ عن علقمة ].

    هو علقمة بن قيس ، وهو ثقة، أخرج له أصحاب الكتب الستة.

    [ عن عبد الله ].

    هو عبد الله بن مسعود ، وقد مر ذكره.

    شرح حديث قضاء رسول الله صلى الله عليه وسلم في بروع بنت واشق من طريق ثالثة

    قال المصنف رحمه الله تعالى: [ حدثنا عبيد الله بن عمر ثنا يزيد بن زريع ثنا سعيد بن أبي عروبة عن قتادة عن خلاس وأبي حسان عن عبد الله بن عتبة بن مسعود أن عبد الله بن مسعود رضي الله عنه أتي في رجل -بهذا الخبر-، قال: فاختلفوا إليه شهراً -أو قال: مرات- قال: فإني أقول فيها: إن لها صداقاً كصداق نسائها لا وكس ولا شطط، وإن لها الميراث وعليها العدة، فإن يك صواباً فمن الله، وإن يكن خطأ فمني ومن الشيطان، والله ورسوله بريئان.

    فقام ناس من أشجع فيهم الجراح وأبو سنان فقالوا: يا ابن مسعود ! نحن نشهد أن رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم قضاها فينا في بروع بنت واشق -وإن زوجها هلال بن مرة الأشجعي - كما قضيت. قال: ففرح عبد الله بن مسعود فرحاً شديداً حين وافق قضاؤه قضاء رسول الله صلى الله عليه وسلم ].

    أورد أبو داود حديث عبد الله بن مسعود من طريق أخرى وفيه التفصيل في القصة، حيث ذكر فيه أن ابن مسعود رضي الله عنه كانوا يختلفون عليه شهراً، يترددون عليه وهو يؤخرهم حتى يجتهد ويبحث لعله يجد نصاً عن رسول الله صلى الله عليه وسلم في ذلك، فلما رأى المدة طالت وهم بحاجة إلى أن ينفذوا الشيء الذي لابد من تنفيذه اجتهد وقال بعد اجتهاده: أقول فيها كذا، فإن يك صواباً فمن الله، وإن يك خطأً فمني ومن الشيطان، والله ورسوله بريئان من ذلك.

    فقام جماعة من أشجع فيهم الجراح وأبو سنان فقالوا: إن النبي صلى الله عليه وسلم قضى بمثل ما قضيت في بروع بنت واشق . ففرح فرحاً شديداً لموافقة قضائه قضاء رسول الله صلى الله عليه وسلم.

    ومثل هذه القصة ما حصل لـعمر رضي الله عنه لما ذهب إلى الشام وكان وقع فيها الطاعون، فلقيه أمراء الأجناد وفيهم أبو عبيدة بن الجراح ، فاختلف الصحابة رضي الله عنهم في المشورة عليه، فبعضهم أشار عليه بأن يدخل وبعضهم أشار عليه بأن يرجع، فالذين أشاروا عليه بالدخول قالوا: لقد جئت لغرض فامض إليه، ولا تفر من قدر الله.

    والذين أشاروا عليه بالرجوع قالوا: لا تعرض أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم للموت. أي: بسبب الطاعون. فاستشار عمر رضي الله عنه المهاجرين والأنصار فاختلفوا كذلك، فبعد ذلك استقر رأيه على أن يرجع، فقال: إني مصبح على ظهر. فقال له أبو عبيدة : تفر من قدر الله؟! قال: لو غيرك قالها يا أبا عبيدة ! نفر من قدر الله إلى قدر الله.

    وكان عبد الرحمن بن عوف معهم ولكنه ما كان حاضراً وقت المشاورة، فلما علم بهذا الذي حصل قال: عندي علم فيها عن رسول الله صلى الله عليه وسلم، إن الرسول صلى الله عليه وسلم قال: (إذا وقع الطاعون بأرض وأنتم فيها فلا تخرجوا منها، وإذا وقع بأرض لستم فيها فلا تدخلوها) ففرح عمر رضي الله عنه بموافقة اجتهاده ما جاء عن رسول الله صلوات الله وسلامه وبركاته عليه.

    تراجم رجال إسناد حديث قضاء رسول الله صلى الله عليه وسلم في بروع بنت واشق من طريق ثالثة

    قوله: [ حدثنا عبيد الله بن عمر ].

    هو عبيد الله بن عمر القواريري ، وهو ثقة، أخرج حديثه البخاري ومسلم وأبو داود والنسائي .

    [ حدثنا يزيد بن زريع ].

    يزيد بن زريع ثقة، أخرج له أصحاب الكتب الستة.

    [ حدثنا سعيد بن أبي عروبة ].

    سعيد بن أبي عروبة ثقة، أخرج له أصحاب الكتب الستة.

    [ عن قتادة ].

    هو قتادة بن دعامة السدوسي البصري ، ثقة، أخرج له أصحاب الكتب الستة.

    [ عن خلاس ].

    هو خلاس بن عمرو ، وهو ثقة، أخرج له أصحاب الكتب الستة.

    [ وأبي حسان ].

    هو أبو حسان الأعرج ، وهو مسلم بن عبد الله ، صدوق، أخرج حديثه البخاري تعليقاً ومسلم وأصحاب السنن.

    [ عن عبد الله بن عتبة بن مسعود ].

    عبد الله بن عتبة بن مسعود ، ولد في عهد النبي صلى الله عليه وسلم، ووثقه العجلي وغيره، أخرج له أصحاب الكتب الستة إلا الترمذي .

    [ أن عبد الله بن مسعود ].

    عبد الله بن مسعود قد مر ذكره.

    شرح حديث تزويج النبي صلى الله عليه وسلم رجلاً بامرأة دون تسمية الصداق

    قوله: [ حدثنا محمد بن يحيى بن فارس الذهلي ].

    محمد بن يحيى بن فارس الذهلي ثقة، أخرج له البخاري وأصحاب السنن.

    [ ومحمد بن المثنى ].

    هو محمد بن المثنى أبو موسى الزمن ، ثقة، أخرج له أصحاب الكتب الستة، وهو شيخ لأصحاب الكتب الستة.

    [ وعمر بن الخطاب ].

    عمر بن الخطاب السحبستاني القشيري ، صدوق، أخرج له أبو داود وحده.

    [ قال محمد : حدثني أبو الأصبغ الجزري عبد العزيز بن يحيى ].

    محمد هو ابن المثنى ، وأبو الأصبغ الجزري هو عبد العزيز بن يحيى ، وهو صدوق ربما وهم، أخرج له أبو داود والنسائي .

    [ أخبرنا محمد بن سلمة ].

    هو محمد بن سلمة الحراني الباهلي ، وهو ثقة، أخرج حديثه البخاري في جزء القراءة ومسلم وأصحاب السنن.

    [ عن أبي عبد الرحيم خالد بن أبي يزيد ].

    هو خالد بن أبي يزيد ، وهو ثقة، أخرج له البخاري في الأدب المفرد ومسلم وأبو داود والنسائي .

    [ عن زيد بن أبي أنيسة ].

    هو زيد بن أبي أنيسة الجزري ، وهو ثقة، أخرج له أصحاب الكتب الستة.

    [ عن يزيد بن أبي حبيب ].

    يزيد بن أبي حبيب ثقة، أخرج له أصحاب الكتب الستة.

    [ عن مرثد بن عبد الله ].

    مرثد بن عبد الله هو أبو الخير اليزني ، ثقة، أخرج له أصحاب الكتب الستة.

    [ عن عقبة بن عامر ].

    هو عقبة بن عامر الجهني رضي الله عنه صاحب رسول الله صلى الله عليه وسلم، وحديثه أخرجه أصحاب الكتب الستة.

    وهذا الإسناد بلغ عدد رجاله ثمانية، وهو إسناد طويل.

    زيادة (خير النكاح أيسره) في حديث التزويج دون تسمية صداق

    [ قال أبو داود : وزاد عمر بن الخطاب -وحديثه أتم- في أول هذا الحديث: قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: (خير النكاح أيسره) وقال رسول الله صلى الله عليه وسلم للرجل ثم ساق الحديث ].

    ذكر هنا أن في أول الحديث عن عمر بن الخطاب الذي هو الشيخ الثالث لـأبي داود [ (خير النكاح أيسره) ] يعني: ما كان بيسر وسهولة، بأن يكون بدون مغالاة وبدون حصول أمور تترتب على الزواج فيها مشقة وفيها تحميل الزوج ما لا يطيقه.

    تضعيف أبي داود لحديث التزويج دون تسمية صداق

    [ قال أبو داود : يخاف أن يكون هذا الحديث ملزقاً؛ لأن الأمر على غير هذا ].

    أي: يخاف أن يكون هذا الحديث ملحقاً؛ لأن الأمر كان على غير هذا، أي: فيما يتعلق بتصرف المريض بأن يخرج من ماله ويخص به بعض الورثة؛ فالأمر على غير ذلك.

    وهذا -كما هو معلوم- عمل صحابي ليس مضافاً إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم.

    فتصرف المريض ليس مطلقاً بحيث يتصرف في ماله عند الموت بأن يعطي أحداً ويحرم غيره، أو يعطي المال لبعض الورثة ويترك بعضهم ويحرمهم من الميراث؛ إذ إن الأمر على غير هذا.

    1.   

    الأسئلة

    حكم تحديد المهور من قبل الولاة والحكام

    السؤال: هل لولي أمر المسلمين أن يحدد المهر؟

    الجواب: التحديد ما أعلم فيه شيئاً يدل عليه، فالرسول صلى الله عليه وسلم ما حدد، والخلفاء الراشدون ما حددوا، وما نعلم فيه تحديداً، ولكن الناس إذا اتفقوا على شيء ورأوا المصلحة في ذلك فلهم ذلك، أما أن يفرض عليهم وأن يلزموا بمقدار معين ما ورد عن الرسول صلى الله عليه وسلم فيه شيء، فالذي يظهر أنه لا يصح ذلك.

    حكم طلب الرجل من زوجته إعفاءه من المهر بعد الدخول

    السؤال: هل يجوز للرجل أن يطلب من امرأته إعفاءه من المهر بعد الدخول عليها؟

    الجواب: إذا طابت بذلك نفساً فلا بأس، كما قال الله عز وجل: فَإِنْ طِبْنَ لَكُمْ عَنْ شَيْءٍ مِنْهُ نَفْسًا فَكُلُوهُ هَنِيئًا مَرِيئًا [النساء:4]، أما إذا لم يكن هناك طيب نفس ولم يكن هناك اطمئنان إلى ذلك فلا يصح.

    حكم التضمخ بالزعفران

    السؤال: هل النهي عن الزعفران في حق الرجال دون النساء أم نهي عنه الرجال والنساء جميعاً؟

    الجواب: النهي للرجال فقط، والتزعفر هو كون الإنسان يتضمخ بالزعفران.