إسلام ويب

شرح سنن أبي داود [225]للشيخ : عبد المحسن العباد

  •  التفريغ النصي الكامل
  • الوقوف بعرفة ركن من أركان الحج، بل هو ركن الحج الأعظم الذي إذا فات فقد فات الحج، فينبغي أن يحرص الحاج على الوقوف داخل حدود عرفة، حتى لا يبطل حجه إذا ما وقف خارج حدود عرفة، والنبي صلى الله عليه وسلم أتى عرفة فنزل بنمرة، حتى إذا كان عند صلاة الظهر قام صلى الله عليه وسلم فجمع بين الظهر والعصر جمع تقديم، ثم خطب الناس، ثم وقف على الموقف من عرفة، فلما غابت الشمس دفع من عرفة جهة المزدلفة بالسكينة والوقار، فلما وصل المزدلفة بدأ بصلاة المغرب والعشاء بأذان واحد وإقامتين.

    1.   

    الوقوف بعرفة

    شرح حديث: (كانت قريش ومن دان دينها يقفون بالمزدلفة، وكان سائر العرب يقفون بعرفة...)

    قال المصنف رحمه الله تعالى: [ باب الوقوف بعرفة.

    حدثنا هناد عن أبي معاوية عن هشام بن عروة عن أبيه عن عائشة رضي الله عنها أنها قالت: (كانت قريش ومن دان دينها يقفون بالمزدلفة -وكانوا يسمون الحمْس- وكان سائر العرب يقفون بعرفة، قالت: فلما جاء الإسلام أمر الله تعالى نبيه صلى الله عليه وآله وسلم أن يأتي عرفات فيقف بها ثم يفيض منها، فذلك قوله تعالى:(( ثُمَّ أَفِيضُوا مِنْ حَيْثُ أَفَاضَ النَّاسُ ))[البقرة:199 ]) ].

    الوقوف بعرفة ركن من أركان الحج لا يتم الحج إلا به، ومن فاته الوقوف فاته الحج، فلو جاء الإنسان حاجاً ثم طلع الفجر من ليلة العيد وهو لم يصل إلى عرفة فإن الحج قد فاته، وعليه أن يحول إحرامه من حج إلى عمرة ويتحلل فقد فاته الحج.

    وقول عائشة رضي الله عنها: [ (كانت قريش ومن دان دينها) ] يعني: من تابعهم على ما هم عليه.

    قولها: [ (يقفون بالمزدلفة) ] يعني: كانوا لا يتجاوزون مزدلفة إلى عرفة.

    قولها: [ (وكانوا يسمون الحمس) ] قيل: إنه مأخوذ من الحماسة والشجاعة والقوة.

    قولها: [ (وكان سائر العرب يقفون بعرفة، قالت: فلما جاء الإسلام أمر الله تعالى نبيه أن يأتي عرفات فيقف بها ثم يفيض منها، فذلك قوله تعالى: (( ثُمَّ أَفِيضُوا مِنْ حَيْثُ أَفَاضَ النَّاسُ ))[البقرة:199 ]) ] غالبية الناس كانوا من غير قريش، فصار الحكم الشرعي أن الوقوف يكون بعرفة، وأنه لا يجوز أن يقتصر على مزدلفة كما كانت قريش تفعل في الجاهلية، حيث كانوا يقفون في المزدلفة ويقولون: إنهم أهل الحرم فلا يتجاوزون الحرم بل يبقون في الحرم، مع أن الشرائع السابقة والناس كانوا يحجون ويقفون بعرفة، والإسلام أمر بأن يوقف بعرفة، وأن يفيض النبي صلى الله عليه وسلم وقريش من حيث أفاض الناس.

    تراجم رجال إسناد حديث: (كانت قريش ومن دان دينها يقفون بالمزدلفة، وكان سائر العرب يقفون بعرفة...)

    قوله: [ حدثنا هناد ].

    هو هناد بن السري وهو ثقة، أخرج حديثه البخاري في خلق أفعال العباد، ومسلم وأصحاب السنن.

    [ عن أبي معاوية ].

    هو محمد بن خازم الضرير الكوفي وهو ثقة، أخرج له أصحاب الكتب الستة.

    [ عن هشام بن عروة ].

    هشام بن عروة ثقة، أخرج له أصحاب الكتب الستة.

    [ عن أبيه ].

    هو عروة بن الزبير بن العوام وهو ثقة فقيه، أحد فقهاء المدينة السبعة في عصر التابعين، أخرج حديثه أصحاب الكتب الستة.

    [ عن عائشة ].

    هي الصديقة بنت الصديق رضي الله عنها وأرضاها، وهي واحدة من سبعة أشخاص عرفوا بكثرة الحديث عن النبي صلى الله عليه وسلم.

    1.   

    الخروج إلى منى يوم التروية

    شرح حديث: (صلى رسول الله صلى الله عليه وسلم الظهر يوم التروية والفجر يوم عرفة بمنى)

    قال المصنف رحمه الله تعالى: [ باب الخروج إلى منى.

    حدثنا زهير بن حرب حدثنا الأحوص بن جواب الضبي حدثنا عمار بن رزيق عن سليمان الأعمش عن الحكم عن مقسم عن ابن عباس رضي الله عنهما أنه قال: (صلى رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم الظهر يوم التروية والفجر يوم عرفة بمنى) ].

    قوله: [ باب الخروج إلى منى ].

    الخروج من مكة إلى منى يعتبر أول أعمال الحج في المشاعر، والذهاب إلى منى في يوم التروية والمبيت ليلة التاسع فيها من سنن الحج، والنبي صلى الله عليه وسلم كان نازلاً بالأبطح أربعة أيام؛ لأنه صلى الله عليه وسلم دخل مكة يوم الرابع من شهر ذي الحجة ودخلها ضحى، فجلس فيها اليوم الرابع والخامس والسادس والسابع، وفي اليوم الثامن ضحى خرج منها وصلى الظهر بمنى، فدل هذا على أن السنة أن يصلي الناس الظهر بمنى وهم محرمون، وأن الذين كانوا متحللين وكذلك أهل مكة الذين يريدون الحج يحرمون من منازلهم في اليوم الثامن، ويذهبون إلى منى ويصلون بها الظهر، أما من كان نازلاً بمنى من الأصل فإنه يحرم من منزله في منى، وكونه نازلاً قبل اليوم الثامن بمنى هذا لا علاقة له بالحج، فهو مثل نزوله في محرم وفي صفر وفي ربيع، وإنما الذي له علاقة بالحج هواليوم الثامن، حيث يصلي بها الظهر وهو محرم كما فعل رسول الله صلى الله عليه وسلم وأصحابه، فإنه كان باقياً على إحرامه وكان في الأبطح، وأصحابه الذين كانوا قد أحلوا أحرموا في الأبطح ودخلوا في الإحرام، ثم ذهبوا إلى منى وصلوا بها الظهر مع رسول الله صلى الله عليه وسلم.

    قوله: [ (والفجر يوم عرفة بمنى) ] يعني: أنه صلى خمس صلوات بمنى عليه الصلاة والسلام: الظهر والعصر والمغرب والعشاء والفجر، وخرج بعد طلوع الشمس من منى إلى عرفات.

    إذاً: السنة أن يكون الإنسان في منى من وقت صلاة الظهر وهو محرم.

    تراجم رجال إسناد حديث: (صلى رسول الله صلى الله عليه وسلم الظهر يوم التروية والفجر يوم عرفة بمنى)

    قوله: [ حدثنا زهير بن حرب ].

    زهير بن حرب ثقة، أخرج له أصحاب الكتب الستة إلا الترمذي.

    [ حدثنا الأحوص بن جواب الضبي ].

    الأحوص بن جواب الضبي صدوق ربما وهم، أخرج له مسلم وأبو داود والترمذي والنسائي.

    [ حدثنا عمار بن رزيق ].

    عمار بن رزيق لا بأس به، أخرج له مسلم وأصحاب السنن.

    [ عن سليمان الأعمش ].

    هو سليمان بن مهران الكاهلي الكوفي لقبه الأعمش وهو ثقة، أخرج له أصحاب الكتب الستة.

    [ عن الحكم ].

    هو الحكم بن عتيبة الكندي الكوفي وهو ثقة، أخرج له أصحاب الكتب الستة.

    [ عن مقسم ].

    هو مقسم مولى ابن عباس، وهو صدوق أخرج له البخاري وأصحاب السنن.

    [ عن ابن عباس ].

    هو عبد الله بن عباس بن عبد المطلب ابن عم النبي عليه الصلاة والسلام، وأحد العبادلة الأربعة من الصحابة، وأحد السبعة المعروفين بكثرة الحديث عن النبي صلى الله عليه وسلم.

    شرح حديث أنس أن النبي صلى الله عليه وسلم صلى الظهر يوم التروية بمنى والعصر يوم النفر بالأبطح

    قال المصنف رحمه الله تعالى:

    [ حدثنا أحمد بن إبراهيم حدثنا إسحاق الأزرق عن سفيان عن عبد العزيز بن رفيع قال: سألت أنس بن مالك رضي الله عنه قلت: (أخبرني بشيء عقلته عن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم، أين صلى رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم الظهر يوم التروية؟ فقال: بمنى. قلت: فأين صلى العصر يوم النفر؟ قال: بالأبطح، ثم قال: افعل كما يفعل أمراؤك) ].

    قوله: [ (أخبرني بشيء عقلته عن رسول الله صلى الله عليه وسلم، أين صلى الظهر يوم التروية؟ فقال: بمنى، قلت: فأين صلى العصر يوم النفر؟...) ] أي: النفر الثاني؛ لأن النبي صلى الله عليه وسلم تأخر إلى اليوم الثالث عشر؛ لأن أيام النحر أربعة: يوم العيد، واليوم الحادي عشر، ويقال له: يوم القر، أي: أن كل الحجاج قروا بمنى واستقروا بها لم ينفر أحد؛ لأنه لابد من المكث في منى، واليوم الثاني عشر هو يوم النفر الأول للمتعجل، واليوم الثالث عشر هو يوم النفر الثاني، وذلك لمن تأخر وأراد أن يجلس في منى ثلاثة أيام بعد يوم العيد ويرمي الجمار بعد الزوال ثم ينفر، والنبي صلى الله عليه وسلم صلى العصر في يوم النفر بعد رمي الجمار في الأبطح الذي هو المحصب الذي كان نازلاً فيه أولاً لما قدم من المدينة، فلما رجع بات به تلك الليلة، ثم سافر إلى المدينة بعد أن طاف طواف الوداع.

    قوله: [ (افعل كما يفعل امراؤك) ].

    يعني: أن الإنسان يتابع الأمراء فيما هو سائغ وفيما هو مشروع، والإنسان له أن يتعجل ولا ينتظر إلى ذلك اليوم الذي مكث فيه الرسول صلى الله عليه وسلم، ثم أيضاً كون الناس ينزلون في الأبطح هذا ليس بلازم؛ لأن النزول في الأبطح -كما سيأتي- ليس من سنن الحج وليس من المناسك، وإنما نزل به صلى الله عليه وسلم لأنه أسمح لطريقه، وفي المسألة خلاف لكن الصحيح أنه ليس بنسك.

    تراجم رجال إسناد حديث أنس أن النبي صلى الله عليه وسلم صلى الظهر يوم التروية بمنى والعصر يوم النفر بالأبطح

    قوله: [ حدثنا أحمد بن إبراهيم ].

    هو أحمد بن إبراهيم الدورقي، وهو ثقة أخرج له مسلم وأبو داود والترمذي وابن ماجه.

    [ حدثنا إسحاق الأزرق ].

    هو إسحاق بن يوسف الأزرق وهو ثقة، أخرج له أصحاب الكتب الستة.

    [ عن سفيان ].

    هو سفيان بن سعيد بن مسروق الثوري ، وهو ثقة فقيه، أخرج له أصحاب الكتب الستة.

    [ عن عبد العزيز بن رفيع ].

    عبد العزيز بن رفيع ثقة، أخرج له أصحاب الكتب الستة.

    [ عن أنس ].

    هو أنس بن مالك رضي الله عنه خادم رسول الله عليه الصلاة والسلام، وأحد السبعة المعروفين بكثرة الحديث عن النبي صلى الله عليه وسلم.

    1.   

    الخروج إلى عرفة

    شرح حديث: (غدا رسول الله صلى الله عليه وسلم من منى حين صلى الصبح يوم عرفة...)

    قال المصنف رحمه الله تعالى: [ باب الخروج إلى عرفة.

    حدثنا أحمد بن حنبل حدثنا يعقوب حدثنا أبي عن ابن إسحاق حدثني نافع عن ابن عمر رضي الله عنهما قال: (غدا رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم من منى حين صلى الصبح صبيحة يوم عرفة، حتى أتى عرفة فنزل بنمرة -وهي منزل الإمام الذي ينزل به بعرفة- حتى إذا كان عند صلاة الظهر راح رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم مهجِّراً فجمع بين الظهر والعصر، ثم خطب الناس، ثم راح فوقف على الموقف من عرفة) ].

    قوله: [ باب الخروج إلى عرفة ].

    يعني: الخروج من منى إلى عرفة، ويكون في صبيحة يوم عرفة، ويكون ذلك بعد طلوع الشمس كما جاءت في ذلك السنة عن رسول الله صلى الله عليه وسلم، والرسول عليه الصلاة والسلام نزل بنمرة وهي قريبة من عرفة، ولكن النزول بها ليس أمراً لازماً، فالناس يمكن أن يذهبوا إلى عرفة وينزلوا بها، ومن تيسر له أن يأتي ويحضر إلى المسجد ويصلي مع نائب الإمام الذي يصلي في مسجد نمرة ويستمع الخطبة فهذا حسن، وإلا فإن الإنسان يكون في أي مكان من عرفة ويستقر به، ويبقى حتى غروب الشمس، والنبي صلى الله عليه وسلم نزل بنمرة، ولما زالت الشمس تقدم وصلى بالناس ثم خطب بهم، وقد سبق في حديث جابر أنه خطبهم قبل الصلاة ولم يخطب بعد الصلاة، فيحتمل أن تكون هذه الخطبة الثانية غير محفوظة وأن الخطبة الأولى التي قبل الصلاة هي المحفوظة، أو أنه تحدث معهم بشيء يتعلق بالمناسك، فقيل له خطبة، وإلا فإنه ليس هناك خطبتان خطبة قبل الصلاة وخطبة بعد الصلاة، وإنما الخطبة قبل الصلاة، كما سبق في حديث جابر الطويل الذي ذكر فيه جملة مما اشتملت عليه الخطبة: (إن دماءكم وأموالكم وأعراضكم عليكم حرام.. إلخ).

    فإما أن تكون هذه الخطبة التي بعد الصلاة غير محفوظة، أو أن المقصود بها أنه تحدث معهم بشيء يتعلق بالمناسك فسمي خطبة.

    قوله: [ (ثم راح فوقف على الموقف بعرفة) ].

    يعني: مشى صلى الله عليه وسلم بعد الزوال حتى وقف في المكان الذي وقف فيه، وقد قال عليه الصلاة والسلام كما سبق: (وقفت هاهنا وعرفة كلها موقف).

    تراجم رجال إسناد حديث: (غدا رسول الله صلى الله عليه وسلم من منى حين صلى الصبح يوم عرفة...)

    قوله: [ حدثنا أحمد بن حنبل حدثنا يعقوب ].

    هو يعقوب بن إبراهيم بن سعد وهو ثقة، أخرج له أصحاب الكتب الستة.

    [ حدثنا أبي ].

    أبوه هو إبراهيم بن سعد وهو ثقة، أخرج له أصحاب الكتب الستة.

    [ عن ابن إسحاق ].

    هو محمد بن إسحاق وهو صدوق، أخرج له البخاري تعليقاً، ومسلم وأصحاب السنن.

    [ حدثني نافع ].

    هو نافع مولى ابن عمر وهو ثقة، أخرج له أصحاب الكتب الستة.

    [ عن ابن عمر ].

    هو عبد الله بن عمر بن الخطاب رضي الله عنهما أحد العبادلة الأربعة من الصحابة، وأحد السبعة المعروفين بكثرة الحديث عن النبي صلى الله عليه وسلم.

    1.   

    الرواح إلى عرفة

    شرح حديث: (لما أن قتل الحجاج ابن الزبير أرسل إلى ابن عمر أية ساعة كان رسول الله يروح في هذا اليوم...)

    قال المصنف رحمه الله تعالى: [ باب الرّواح إلى عرفة.

    حدثنا أحمد بن حنبل حدثنا وكيع حدثنا نافع بن عمر عن سعيد بن حسان عن ابن عمر رضي الله عنهما قال: (لما أن قتل الحجاج ابن الزبير أرسل إلى ابن عمر: أية ساعة كان رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم يروح في هذا اليوم؟ قال: إذا كان ذلك رحنا، فلما أراد ابن عمر أن يروح قالوا: لم تزغ الشمس، قال: أزاغت؟ قالوا: لم تزغ أو زاغت، قال: فلما قالوا: قد زاغت ارتحل) ].

    قوله: [ باب الرواح إلى عرفة ].

    في الترجمة السابقة: [ باب الخروج إلى عرفة ] أي: الخروج من منى إلى عرفة، وهنا الرواح يعني: بعدما يصلي الظهر والعصر جمع تقديم والخطبة قبل ذلك فإنه يرتحل إلى عرفة بحيث يقف بها.

    فـالحجاج لما قتل ابن الزبير وكان عبد الملك بن مروان قد أمره أن يتابع ويرجع إلى عبد الله بن عمر، ويسير في الحج وفقاً لتعليمه وإرشاده، فـالحجاج سأل عن ساعة الذهاب والرواح، فقال له ابن عمر: (إذا كان ذلك رحنا) يعني: إذا جاءت الساعة التي يشرع لنا أن نمشي فيها مشينا.

    قوله: [ فلما أراد ابن عمر أن يروح. قالوا: لم تزغ الشمس، قال: أزاغت؟ قالوا: لم تزغ أو زاغت، قال: فلما قالوا: قد زاغت ارتحل ].

    يعني: لما قالوا: زاغت الشمس ارتحل.

    تراجم رجال إسناد حديث: (لما أن قتل الحجاج ابن الزبير أرسل إلى ابن عمر: أية ساعة كان رسول الله يروح في هذا اليوم...)

    قوله: [ حدثنا أحمد بن حنبل حدثنا وكيع ].

    هو وكيع بن الجراح الرؤاسي الكوفي وهو ثقة، أخرج له أصحاب الكتب الستة.

    [ حدثنا نافع بن عمر ].

    نافع بن عمر ثقة، أخرج له أصحاب الكتب الستة.

    [ عن سعيد بن حسان ].

    سعيد بن حسان مقبول، أخرج له أبو داود وابن ماجه.

    [ عن ابن عمر ].

    ابن عمر قد مر ذكره.

    1.   

    الخطبة على المنبر بعرفة

    شرح حديث: (رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو على المنبر بعرفة) وتراجم رجال إسناده

    قال المصنف رحمه الله تعالى: [ باب الخطبة على المنبر بعرفة.

    حدثنا هناد عن ابن أبي زائدة حدثنا سفيان بن عيينة عن زيد بن أسلم عن رجل من بني ضمرة عن أبيه أو عمه قال: (رأيت رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم وهو على المنبر بعرفة) ].

    قوله: [ عن رجل من بني ضمرة عن أبيه أو عمه قال: (رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو على المنبر بعرفة) ] والحديث ضعيف؛ لأن فيه رجلاً مجهولاً، والنبي صلى الله عليه وسلم إنما خطب على ناقته كما جاءت بذلك الأحاديث.

    إذاً: ذكر المنبر فيما يتعلق بعرفة غير ثابت؛ لأنه جاء عن طريق رجل مبهم غير معروف.

    قوله: [ حدثنا هناد عن ابن أبي زائدة ].

    هو يحيى بن زكريا بن أبي زائدة، وهو ثقة، أخرج له أصحاب الكتب الستة.

    [ حدثنا سفيان بن عيينة ].

    سفيان بن عيينة ثقة، أخرج له أصحاب الكتب الستة.

    [ عن زيد بن أسلم ].

    زيد بن أسلم ثقة، أخرج له أصحاب الكتب الستة.

    [ عن رجل من بني ضمرة عن أبيه أو عمه ].

    الرجل هذا مجهول وأبوه أو عمه وهو صحابي أيضاً غير معروف، لكن جهالة الصحابي لا تؤثر، وإنما الذي يؤثر جهالة غير الصحابة.

    شرح حديث: (أنه رأى النبي صلى الله عليه وسلم واقفاً بعرفة على بعير أحمر يخطب) وترجمة رجال إسناده

    قال المصنف رحمه الله تعالى:

    [ حدثنا مسدد حدثنا عبد الله بن داود عن سلمة بن نبيط عن رجل من الحي عن أبيه نبيط رضي الله عنه: (أنه رأى النبي صلى الله عليه وآله وسلم واقفاً بعرفة على بعير أحمر يخطب) ].

    حديث نبيط بن شريط رضي الله عنه: [ (أنه رأى النبي صلى الله عليه وسلم واقفاً بعرفة على بعير أحمر يخطب) ] يعني: أنه كان يخطب على ناقته صلى الله عليه وسلم.

    قوله: [ حدثنا مسدد حدثنا عبد الله بن داود ].

    مسدد بن مسرهد مر ذكره، وعبد الله بن داود الخريبي ثقة، أخرج له البخاري وأصحاب السنن.

    [ عن سلمة بن نبيط ].

    سلمة بن نبيط ثقة، أخرج له أبو داود والترمذي في الشمائل، والنسائي وابن ماجه.

    [ عن رجل من الحي عن أبيه نبيط ].

    هو نبيط بن شريط، صحابي رضي الله عنه، وحديثه أخرجه أبو داود والترمذي في الشمائل والنسائي وابن ماجه.

    شرح حديث: (رأيت رسول الله يخطب الناس يوم عرفة على بعير قائم في الركابين)

    قال المصنف رحمه الله تعالى:

    [ حدثنا هناد بن السري وعثمان بن أبي شيبة قالا: حدثنا وكيع عن عبد المجيد قال: حدثني العداء بن خالد بن هوذة رضي الله عنهما، قال هناد: عن عبد المجيد أبي عمرو قال: حدثني خالد بن العداء بن هوذة قال: (رأيت رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم يخطب الناس يوم عرفة على بعير قائم في الرِّكابين) ].

    قوله: [ (رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم يخطب الناس يوم عرفة على بعير قائم في الرّكابين)]

    يعني: أنه صلى الله عليه وسلم كان جالساً على البعير، وليس معناه أنه واقف على البعير، فهو مثل الوقوف بعرفة بحيث يشمل الجالس والواقف.

    قوله: [ (في الركابين) ].

    المقصود بالركابين: محل الرجلين، أو المقصود أنه قائم في الناس، ولا يلزم أن يكون الناس كلهم على إبل، ويمكن أن يكون معناه: أنه الركاب الذي يجلس الإنسان عليه ويضع رجليه عليه.

    تراجم رجال إسناد حديث: (رأيت رسول الله يخطب الناس يوم عرفة على بعير قائم في الركابين)

    قوله: [ حدثنا هناد بن السري وعثمان بن أبي شيبة ].

    عثمان بن أبي شيبة ثقة، أخرج له البخاري ومسلم وأبو داود والنسائي في عمل اليوم والليلة، وابن ماجه.

    [ حدثنا وكيع ].

    مر ذكره.

    [ عن عبد المجيد ].

    عبد المجيد أبو عمرو وثقه ابن معين وأخرج له أصحاب السنن.

    [ حدثني العداء بن خالد بن هوذة ].

    العداء بن خالد بن هوذة هو صحابي أخرج له البخاري تعليقاً وأصحاب السنن.

    [ قال هناد: عن عبد المجيد أبي عمرو ].

    هناد هو أحد الشيخين زاد على كلمة عبد المجيد عن أبي عمرو ، وأبو عمرو هي كنية عبد المجيد .

    [ قال: حدثني خالد بن العداء بن هوذة ].

    هنا قلب في الاسم، بدل العداء بن خالد خالد بن العداء .

    [ قال أبو داود: رواه ابن العلاء عن وكيع كما قال هناد ].

    ابن العلاء هو محمد بن العلاء أبو كريب وهو ثقة، أخرج له أصحاب الكتب الستة.

    [ عن وكيع كما قال هناد ].

    هناد الذي قال: عن عبد المجيد أبي عمرو، وقال: خالد بن العداء ، لكن الصواب مع عثمان بن أبي شيبة الذي قال: العداء بن خالد .

    طريق أخرى لحديث: (رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم يخطب الناس يوم عرفة على بعير قائم في الركابين) وتراجم رجال الإسناد

    قال المصنف رحمه الله تعالى:

    [ حدثنا عباس بن عبد العظيم حدثنا عثمان بن عمر حدثنا عبد المجيد أبو عمرو عن العداء بن خالد بمعناه ].

    فيه تقديم العداء على خالد ، كما قال عثمان بن أبي شيبة، وفيه زيادة أبي عمرو كما قال هناد.

    قوله: [ حدثنا عباس بن عبد العظيم ].

    هو عباس بن عبد العظيم العنبري وهو ثقة، أخرج حديثه البخاري تعليقاً، ومسلم وأصحاب السنن.

    [ حدثنا عثمان بن عمر ].

    عثمان بن عمر ثقة، أخرج له أصحاب الكتب الستة.

    [ حدثنا عبد المجيد أبو عمرو عن العداء بن خالد بمعناه ].

    وقد مر ذكرهما.

    1.   

    موضع الوقوف بعرفة

    شرح حديث (... قفوا على مشاعركم فإنكم على إرث من إرث أبيكم إبراهيم)

    قال المصنف رحمه الله تعالى: [ باب موضع الوقوف بعرفة.

    حدثنا ابن نفيل حدثنا سفيان عن عمرو -يعني ابن دينار - عن عمرو بن عبد الله بن صفوان عن يزيد بن شيبان رضي الله عنه قال: (أتانا ابن مربع الأنصاري رضي الله عنه ونحن بعرفة في مكان يباعده عمرو عن الإمام فقال: أما إني رسول رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم إليكم يقول لكم: قفوا على مشاعركم، فإنكم على إرث من إرث أبيكم إبراهيم) ].

    قوله: [ عن يزيد بن شيبان قال: (أتانا ابن مربع الأنصاري ونحن بعرفة) ].

    يعني: أن ابن مربع الأنصاري أتاهم وهم بعرفة، ويزيد بن شيبان صحابي وابن مربع صحابي.

    قوله: [ (في مكان يباعده عمرو عن الإمام) ] أي: أنه بعيد عن المكان الذي وقف فيه النبي صلى الله عليه وسلم، فقال: [ (أما إني رسول رسول الله إليكم يقول لكم: قفوا في مشاعركم، فإنكم على إرث من إرث أبيكم إبراهيم) يعني: هذه الأماكن التي أنتم فيها هي موقف، وليس الأمر مقصوراً على موقف الإمام، بل كل عرفة موقف، وأنتم على إرث من إرث أبيكم إبراهيم، ولهذا لما وقف النبي صلى الله عليه وسلم بعرفة قال: (وقفت هاهنا وعرفة كلها موقف)ولما جاء مزدلفة قال: (وقفت هاهنا ومزدلفة كلها موقف)ولما جاء منى قال: (نحرت هاهنا ومنى كلها منحر) يعني: أن الحكم لا يقتصر على المكان الذي هو فيه عليه الصلاة والسلام، بل هو شامل للبقعة التي هي عرفة ومزدلفة ومنى.

    ويدل أيضاً على أن هذه المشاعر موروثة عن إبراهيم الخليل عليه الصلاة والسلام.

    تراجم رجال إسناد حديث: (... قفوا على مشاعركم فإنكم على إرث من إرث أبيكم إبراهيم)

    قوله: [ حدثنا ابن نفيل ].

    هو عبد الله بن محمد النفيلي وهو ثقة، أخرج حديثه البخاري وأصحاب السنن.

    [ حدثنا سفيان ].

    هو سفيان بن عيينة .

    [ عن عمرو يعني ابن دينار ].

    عمرو بن دينار المكي وهو ثقة، أخرج له أصحاب الكتب الستة.

    [ عن عمرو بن عبد الله بن صفوان ].

    هو عمرو بن عبد الله بن صفوان الجمحي المكي صدوق، أخرج له البخاري في الأدب المفرد وأبو داود والترمذي والنسائي وابن ماجه .

    [ عن يزيد بن شيبان ].

    يزيد بن شيبان صحابي، أخرج له أصحاب السنن.

    [ أتانا ابن مربع الأنصاري ].

    ابن مربع هو زيد أو يزيد وحديثه أخرجه أصحاب السنن.

    أما كيف كان أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم يسمعون خطبته مع هذا الجمع الغفير؟! فيبدو والله أعلم أنه كان يسمعه من حوله ويبلغ بعضهم بعضاً، أما أنه كان هناك شيء خارق للعادة فما علمناه.

    1.   

    صفة الدفع من عرفة

    شرح حديث: (... أيها الناس! عليكم بالسكينة فإن البر ليس بإيجاف الخيل والإبل...)

    قال المصنف رحمه الله تعالى: [ باب الدفعة من عرفة.

    حدثنا محمد بن كثير حدثنا سفيان عن الأعمش (ح) وحدثنا وهب بن بيان حدثنا عبيدة حدثنا سليمان الأعمش المعنى، عن الحكم عن مقسم عن ابن عباس رضي الله عنهما أنه قال: (أفاض رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم من عرفة وعليه السكينة ورديفه أسامة رضي الله عنه، وقال: أيها الناس عليكم بالسكينة، فإن البر ليس بإيجاف الخيل والإبل، قال: فما رأيتها رافعة يديها عادية حتى أتى جمعاً، زاد وهب: ثم أردف الفضل بن العباس رضي الله عنهما وقال: أيها الناس إن البر ليس بإيجاف الخيل والإبل، فعليكم بالسكينة. قال: فما رأيتها رافعة يديها حتى أتى منى) ].

    قوله: [ باب الدفعة من عرفة].

    يعني: كيف يدفع الناس من عرفة إلى مزدلفة، وكما بينا سابقاً إذا غربت الشمس فإنه يحصل الدفع من عرفة إلى مزدلفة والاتجاه إليها، وكيفية الدفع وطريقته مثلما جاء في هذا الحديث عن ابن عباس رضي الله عنهما قال: [ (أفاض رسول الله صلى الله عليه وسلم من عرفة وعليه السكينة ورديفه أسامة، وقال: عليكم بالسكينة، فإن البر ليس بإيجاف الخيل والإبل) ] يعني: ليس البر بالإسراع.

    قوله: [ (فما رأيتها رافعة يديها عادية حتى أتى جمعاً) ].

    يعني: أنه عليه الصلاة والسلام -كما جاء عنه- شنق زمام ناقته حتى إنه ليصيب مورك رحله، أي: موضع رجليه، وإذا جاء حبل من الحبال أرخى لها حتى تصعد، وما رآها رافعة يديها تعدو وتسرع؛ لأن الرسول صلى الله عليه وسلم أخذ بخطامها ومنعها من السرعة، وإنما كان يرخي لها إذا كان أمامها حبل من الحبال، أي: تل من التلال؛ لأنها لا تستطيع أن تسرع في ذلك المكان، ولهذا قال: [ ( فما رأيتها رافعة يديها عادية حتى أتى جمعاً) ] أي: حتى أتى مزدلفة، وكان الدفع بالسكينة والهدوء وعدم الإسراع، ولهذا قال: [ (ليس البر بإيجاف الخيل) ] وجاء في بعض الروايات: (ليس البر بالإيضاع) الذي هو الإسراع.

    تراجم رجال إسناد حديث: (... أيها الناس! عليكم بالسكينة فإن البر ليس بإيجاف الخيل والإبل...)

    قوله: [ حدثنا محمد بن كثير ].

    هو محمد بن كثير العبدي وهو ثقة، أخرج له أصحاب الكتب الستة.

    [ حدثنا سفيان ].

    هو سفيان بن سعيد بن مسروق الثوري وهو ثقة فقيه، أخرج له أصحاب الكتب الستة.

    [ عن الأعمش ].

    هو سليمان بن مهران وقد مر ذكره.

    [ (ح) وحدثنا وهب بن بيان ].

    وهب بن بيان ثقة، أخرج له أبو داود والنسائي.

    [ حدثنا عبيدة ].

    هو عبيدة بن حميد وهو صدوق ربما أخطأ، أخرج له البخاري وأصحاب السنن.

    [ حدثنا سليمان الأعمش عن الحكم عن مقسم عن ابن عباس ].

    سليمان الأعمش والحكم ومقسم وابن عباس قد مر ذكرهم.

    شرح حديث أسامة: (أخبرني كيف فعلتم عشية ردفت رسول الله صلى الله عليه وسلم؟...)

    قال المصنف رحمه الله تعالى:

    [ حدثنا أحمد بن عبد الله بن يونس حدثنا زهير (ح) وحدثنا محمد بن كثير أخبرنا سفيان -وهذا لفظ حديث زهير - (حدثنا إبراهيم بن عقبة أخبرني كريب أنه سأل أسامة بن زيد رضي الله عنهما قلت: (أخبرني كيف فعلتم أو صنعتم عشية ردفت رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم؟ قال: جئنا الشعب الذي ينيخ الناس فيه للمعرس، فأناخ رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم ناقته، ثم بال -وما قال زهير : أهراق الماء- ثم دعا بالوضوء فتوضأ وضوءاً ليس بالبالغ جداً، قلت: يا رسول الله! الصلاة؟ قال: الصلاة أمامك. قال: فركب حتى قدمنا المزدلفة فأقام المغرب، ثم أناخ الناس في منازلهم ولم يحلوا حتى أقام العشاء وصلى، ثم حل الناس) زاد محمد في حديثه: (قال: قلت: كيف فعلتم حين أصبحتم؟ قال: ردفه الفضل وانطلقت أنا في سباق قريش على رجلي) ].

    قوله: [ (قلت: أخبرني كيف فعلتم أو صنعتم عشية ردفت رسول الله صلى الله عليه وسلم؟) ] يعني: عندما كنت رديفه من عرفة إلى مزدلفة؛ لأن النبي صلى الله عليه وسلم حين انطلاقه من عرفة إلى مزدلفة كان رديفه أسامة بن زيد، وحين انطلاقه من مزدلفة إلى منى كان رديفه الفضل بن العباس، وأخبر أنه صلى الله عليه وسلم لما جاء عند الشعب وهو في الطريق من عرفة إلى مزدلفة ويقال له: المعرس، نزل فبال.

    قوله: [ (وما قال زهير : أهراق الماء) ] يعني: أنه قال: بال ولم يقل: أهراق الماء، وأهراق الماء كناية عن البول، فهنا نص على أنه بال ولم يقل: أهراق المال.

    قوله: [ (ثم دعا بالوضوء فتوضأ وضوءاً ليس بالبالغ جداً) ].

    يحتمل أن يكون وضوءاً لغوياً وهو كونه غسل يديه، ويحتمل أن يكون وضوءاً شرعياً الذي هو غسل أعضاء الوضوء، ولكن ليس فيه تكرار وليس فيه إسباغ.

    قوله: [ (قلت: يا رسول الله الصلاة؟) ].

    فيه إشارة إلى أنه كان وضوءاً شرعياً؛ لأنه نبهه على الصلاة، فالنبي صلى الله عليه وسلم قال: [ (الصلاة أمامك) ] يعني: ليست الصلاة هنا، وهذا يدل على أن الحجاج يؤخرون الصلاة إلى مزدلفة ولا يصلون لا بعرفة ولا في الطريق، إلا إن جاء نصف الليل ولم يصلُوا إلى مزدلفة فإنهم يصلون قبل أن ينتصف الليل في الطريق؛ لأن العشاء ينتهي وقتها بنصف الليل فلا تؤخر الصلاة عن وقتها، لكن حيث كان ممكناً أن يصلوا إلى مزدلفة قبل نصف الليل وأن يصلُّوا الصلاتين في مزدلفة قبل نصف الليل فهذا هو المشروع، ولكن حيث يغلب على ظنهم أنهم لا يصلون مزدلفة إلا بعد نصف الليل فإنهم يصلون في الطريق.

    قوله: [ (فركب حتى قدمنا المزدلفة فقام المغرب) ].

    يعني: فركب حتى وصلنا إلى مزدلفة فأقيمت صلاة المغرب؛ وهنا ليس فيه ذكر الأذان، ولكن جاء في بعض الأحاديث أنه بأذان واحد وإقامتين، يعني: أذن للصلاة ثم أقيمت صلاة المغرب ثم بعد ذلك أقيمت صلاة العشاء وصلوا العشاء.

    قوله: [ (ثم أناخ الناس في منازلهم) ].

    يعني: بين الصلاتين، وجاء في بعض الروايات (أنهم حلوا عن الرحال) وهذا يدلنا على المبادرة إلى الصلاة، وأن الإنسان إذا وصل إلى مزدلفة فأول شيء يفعله الصلاة، لا يشتغل بشواغل أخرى كأن يلقط الحصى مثلما يفعله بعض الناس، وكأن أهم شيء في مزدلفة هو لقط الحصى، بل ينبغي للإنسان حين يصل إلى مزدلفة أن يبدأ بالصلاة ثم ينام إلى طلوع الفجر، ثم بعد ذلك يقف ويدعو، وعند قرب طلوع الشمس يتجه إلى منى، هذا هو هدي رسول الله صلى الله عليه وسلم، وفيه: أنهم أناخوا أو حلوا عن الرحال بين الصلاتين، وهذا يدل على أن العمل اليسير بين الصلاتين المجموعتين الذي يحتاج إليه لا يؤثر على الجمع.

    قوله: [ زاد محمد في حديثه: (قال: قلت: كيف فعلتم حين أصبحتم؟ قال: ردفه الفضل وانطلقت أنا في سباق قريش على رجلي) ].

    يعني أن أسامة بن زيد رضي الله عنه كان ردفه إلى مزدلفة، وبعد ذلك ردفه الفضل وانطلق أسامة رضي لله عنه في سباق قريش على رجليه.

    تراجم رجال إسناد حديث أسامة: (أخبرني كيف فعلتم عشية ردفت رسول الله؟...)

    قوله: [ حدثنا أحمد بن عبد الله بن يونس ].

    أحمد بن عبد الله بن يونس ثقة، أخرج له أصحاب الكتب الستة.

    [ حدثنا زهير ].

    هو زهير بن معاوية وهو ثقة، أخرج له أصحاب الكتب الستة.

    [ (ح) وحدثنا محمد بن كثير أخبرنا سفيان وهذا لفظ حديث زهير حدثنا إبراهيم بن عقبة ].

    إبراهيم بن عقبة ثقة، أخرج له مسلم وأبو داود والنسائي وابن ماجه.

    [ أخبرني كريب ].

    هو كريب مولى ابن عباس وهو ثقة، أخرج له أصحاب الكتب الستة.

    [ أنه سأل أسامة بن زيد ].

    أسامة بن زيد رضي الله تعالى عنهما صحابي، أخرج حديثه أصحاب الكتب الستة.

    شرح حديث: (... السكينة أيها الناس! ودفع حين غابت الشمس)

    قال المصنف رحمه اله تعالى: [ حدثنا أحمد بن حنبل حدثنا يحيى بن آدم حدثنا سفيان عن عبد الرحمن بن عياش عن زيد بن علي عن أبيه عن عبيد الله بن أبي رافع عن علي رضي الله عنه قال: (ثم أردف أسامة رضي الله عنه فجعل يعنق على ناقته، والناس يضربون الإبل يميناً وشمالاً لا يلتفت إليهم، ويقول: السكينة أيها الناس! ودفع حين غابت الشمس) ].

    في هذا الحديث: أن النبي عليه الصلاة والسلام انصرف حين غابت الشمس، وهذا يدل على أن الوقوف بعرفة إلى غروب الشمس، وأنه ليس للإنسان أن ينصرف منها قبل الغروب، وأن النبي صلى الله عليه وسلم لما دفع كان يعنق على ناقته، يعني: يسير سيراً خفيفاً يقال له: العنق، وقد جاء في الحديث الصحيح: (أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يسير العنق، فإذا وجد فجوة نص) يعني: أسرع إسراعاً خفيفاً.

    قوله: [ (والناس يضربون الإبل يميناً وشمالاً) ].

    يعني: يمشون يريدون أن يسرعوا، والنبي صلى الله عليه وسلم لا يلتفت إليهم كما قال هنا، ولكن الصحيح أنه كان يلتفت إليهم كما جاء عند الترمذي وأشار إليه الألباني رحمه الله، وهذا هو الذي يناسب المعنى؛ لأنه كان يلتفت إليهم ويشير لهم: (السكينة السكينة).

    قوله: [ (ويقول: السكينة أيها الناس! ودفع حين غابت الشمس) ].

    يعني: لا تسرعوا ولا تضربوا الإبل من أجل أن تسرع، بل سيروا بالسكينة والهدوء.

    وقد مر أنه قال: (ليس البر بإيجاف الخيل)وقال: (ليس البر بالإيضاع) الذي هو الإسراع.

    تراجم رجال إسناد حديث: (... السكينة أيها الناس! ودفع حين غابت الشمس)

    قوله: [ حدثنا أحمد بن حنبل حدثنا يحيى بن آدم ].

    أحمد بن حنبل مر ذكره، ويحيى بن آدم ثقة، أخرج له أصحاب الكتب الستة.

    [ حدثنا سفيان عن عبد الرحمن بن عياش ].

    هو عبد الرحمن بن الحارث بن عياش، وهو مقبول أخرج له أبو داود.

    [ عن زيد بن علي ].

    هو زيد بن علي بن الحسين ثقة، أخرج له أبو داود والترمذي والنسائي في مسند علي، وابن ماجه.

    [ عن أبيه ].

    هو علي بن الحسين وهو ثقة، أخرج له أصحاب الكتب الستة.

    [ عن عبيد الله بن أبي رافع ].

    عبيد الله بن أبي رافع ثقة، أخرج له أصحاب الكتب الستة.

    [ عن علي ].

    هو علي بن أبي طالب رضي الله عنه، أمير المؤمنين ورابع الخلفاء الراشدين الهادين المهديين أبو السبطين، صاحب المناقب الجمة والفضائل الكثيرة رضي الله عنه وأرضاه، وحديثه عند أصحاب الكتب الستة.

    شرح حديث أسامة: (كان يسير العنق فإذا وجد فجوة نص) وتراجم رجال إسناده

    قال المصنف رحمه الله: [ حدثنا القعنبي عن مالك عن هشام بن عروة عن أبيه أنه قال: (سئل أسامة بن زيد رضي الله عنه وأنا جالس: كيف كان رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم يسير في حجة الوداع حين دفع؟ قال: كان يسير العنق، فإذا وجد فجوة نص) قال هشام: النص فوق العنق ].

    حديث أسامة فيه وصف سير رسول الله صلى الله عليه وسلم، وأنه كان يسير العنق وهو سير خفيف.

    قوله: [ (فإذا وجد فجوة نص) ] يعني: زاد عن هذا المشي حتى يتقدم، ما دام أنه لا يوجد زحام ولا إيذاء لأحد فإنه يسرع إسراعاً خفيفاً، لكنه ليس الإسراع الذي يكون فيه عدو، كما مر قوله: (ما رفعت يديها عادية) يعني: الإسراع الشديد.

    قوله: [ حدثنا القعنبي ].

    هو عبد الله بن مسلمة بن قعنب القعنبي وهو ثقة، أخرج له أصحاب الكتب الستة إلا ابن ماجه.

    [ عن مالك ].

    هو مالك بن أنس إمام دار الهجرة المحدث الفقيه، أحد أصحاب المذاهب الأربعة من مذاهب أهل السنة، وحديثه أخرجه أصحاب الكتب الستة.

    [ عن هشام بن عروة ].

    هشام بن عروة ثقة، أخرج له أصحاب الكتب الستة.

    [ عن أبيه ].

    هو عروة بن الزبير وهو ثقة فقيه، أحد فقهاء المدينة السبعة في عصر التابعين، أخرج له أصحاب الكتب الستة.

    [ قال: سئل أسامة بن زيد ].

    مر ذكره.

    شرح حديث: (فلما وقعت الشمس دفع رسول الله) وتراجم رجال إسناده

    قال المصنف رحمه اله تعالى:

    [ حدثنا أحمد بن حنبل حدثنا يعقوب حدثنا أبي عن ابن إسحاق حدثني إبراهيم بن عقبة عن كريب مولى عبد الله بن عباس عن أسامة رضي الله عنه أنه قال: (كنت ردف النبي صلى الله عليه وآله وسلم، فلما وقعت الشمس دفع رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم) ].

    هذا الحديث أيضاً عن أسامة، وأنه كان ردف النبي صلى الله عليه وسلم، وأنه لما وقعت الشمس وغابت وتوارت دفع رسول الله صلى الله عليه وسلم من عرفة إلى مزدلفة، وهذا يدل على أن الدفع إنما يكون بعد الغروب.

    قوله: [ حدثنا أحمد بن حنبل حدثنا يعقوب عن أبيه عن ابن إسحاق حدثني إبراهيم بن عقبة عن كريب عن أسامة ].

    كلهم مر ذكرهم.

    شرح حديث: (دفع رسول الله من عرفة حتى إذا كان بالشعب نزل فبال وتوضأ...) وتراجم رجال إسناده

    قال المصنف رحمه الله تعالى:

    [ حدثنا عبد الله بن مسلمة عن مالك عن موسى بن عقبة عن كريب مولى عبد الله بن عباس عن أسامة بن زيد رضي الله عنهما أنه سمعه يقول: (دفع رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم من عرفة، حتى إذا كان بالشعب نزل فبال فتوضأ ولم يسبغ الوضوء، قلت له: الصلاة؟ فقال: الصلاة أمامك، فركب فلما جاء المزدلفة نزل فتوضأ فأسبغ الوضوء، ثم أقيمت الصلاة فصلى المغرب، ثم أناخ كل إنسان بعيره في منزله، ثم أقيمت العشاء فصلاها، ولم يصل بينهما شيئاً) ].

    في حديث أسامة بن زيد رضي الله عنهما أنه صلى الله عليه وسلم دفع ونزل بالشعب وقضى حاجته وتوضأ وضوءاً لم يسبغه، فقال له: [ (الصلاة؟ فقال: الصلاة أمامك) ] كما مر في الرواية السابقة، وفيه أنه لما وصل إلى مزدلفة توضأ وأسبغ الوضوء، ويمكن أن يكون وضوءاً على وضوء، أو أنه حصل منه حدث بعد الوضوء الأول.

    قوله: [ (ولم يصل بينهما شيئاً) ].

    يعني: لم يتنفل بينهما.

    قوله: [ حدثنا عبد الله بن مسلمة عن مالك عن موسى بن عقبة ].

    موسى بن عقبة ثقة، أخرج له أصحاب الكتب الستة.

    [ عن كريب عن أسامة بن زيد ].

    قد مر ذكرهما.

    1.   

    الأسئلة

    حكم من استمنى في منى وهو حاج

    السؤال: شخص يذكر أنه حج قبل عشرين سنة، وكان جاهلاً بأحكام الحج، وأنه استمنى في منى جاهلاً بالحكم، فماذا عليه وقد حج بعد تلك الحجة مرات؟

    الجواب: الاستمناء حرام لا يجوز، والله تعالى يقول: وَالَّذِينَ هُمْ لِفُرُوجِهِمْ حَافِظُونَ * إِلَّا عَلَى أَزْوَاجِهِمْ أوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُهُمْ فَإِنَّهُمْ غَيْرُ مَلُومِينَ * فَمَنِ ابْتَغَى وَرَاءَ ذَلِكَ فَأُوْلَئِكَ هُمُ الْعَادُونَ [المؤمنون:5-7 ]، يعني: كل ما وراء الزوجة وملك اليمين فهو عدوان، ومن ذلك الاستمناء؛ لأنه قضاء للشهوة فيما حرم الله.

    والله تعالى لم يحل إلا الأزواج وملك اليمين من الإماء اللاتي يملكهن الإنسان، وما عدا ذلك فهو عدوان لا يجوز له ذلك، وعليه أن يتوب إلى الله عز وجل، وأن يندم على ما قد حصل منه، وإذا كان هذا في منى فالأمر هين، وأما إن كان قبل ذلك فإن الأمر أخطر، ولكن كل ما في الأمر أن الإنسان يتوب إلى الله عز وجل ولا يعود إلى مثل هذا العمل السيئ المحرم الذي لا يسوغ ولا يجوز.

    أما من ناحية الكفارة عن الاستمناء فلا نعلم عليه كفارة؛ لأنه ما حصل جماع، والذي يفسد الحج هو الجماع، أما غيره فلا يفسد الحج، وكذلك لو حصل ملامسة فلا كفارة فيها، لكن الإنسان يأثم.

    المقصود بقوله: (يخطب الناس يوم عرفة على بعير قائم)

    السؤال: قوله: (رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم يخطب الناس يوم عرفة على بعير قائم في الركابين) قوله: (قائم) ألا تكون صفة للبعير؟

    الجواب: النبي صلى الله عليه وسلم لم يخطب على البعير وهو بارك؛ لأنه خطب على البعير وهو قائم حتى يراه الناس، ويبدو أن المقصود بقوله: (قائم) النبي صلى الله عليه وسلم وليس البعير.

    حكم حج المرأة أثناء عدة الوفاة

    السؤال: حضر الوالد والوالدة لأداء العمرة في رمضان، ومرض الوالد وتوفي بالمدينة، فهل يجوز للوالدة الحج، مع العلم أنها الآن في حال عدة الوفاة، وكانت نية الوالد العمرة فقط؟

    الجواب: ما دام أنها وصلت وهي لم تحج فكونها تحج مع ولدها فهذا شيء طيب، ولو كان في نية الوالد أنه يعتمر ويرجع، ويجوز للإنسان أن يحج ولو جاء لقصد العمرة، لكن مادام أنها في العدة فالأولى لها ألا تحج وإنما ترجع إلى بلدها.

    حكم من أوقف بعض كتبه بعد وفاته دون تعيين

    السؤال: لي مكتبة وقد قلت: أوقفت بعض كتبي بعد وفاتي؟

    الجواب: هذا مبهم لا يصلح؛ لأن الموقوف لابد أن يحدد، إما أن يحدد كتباً معينة أو نوعاً من الكتب، أما قوله: أوقفت بعض كتبي، فهذا الوقف غير محدد وغير معروف.

    أما كون الوقف بعد وفاته فبعد وفاته تصير وصية، والوصية يمكن للإنسان أن يغيرها.

    علاج الخجل الزائد

    السؤال: عندي حياء فوق العادة لا أستطيع أن أقرأ أمام الناس حتى سورة الفاتحة، ولا أستطيع أن أؤم الناس للصلاة وأنا حافظ لكتاب الله كاملاً، أرشدوني كيف أدفع هذا الأمر؟

    الجواب: عليه أن يتعلم الشجاعة، وأن يمرن نفسه على أن يقرأ عند الناس ويصلي بالناس، ويعالج نفسه بأن يترك هذا الشيء الذي يجعله لا يستفيد منه أحد ولا يفيد أحداً، عليه أن يتعود على أن يخطب وأن يقرأ، ويمكن أن يقرأ بحضرة أقاربه أمه وإخوانه، ثم ينتقل بعد ذلك إلى أن يقرأ في المسجد.

    وهذا لا يسمى حياء، بل هو في الحقيقة ضعف، كذلك عليه أن يدعو بالأدعية النافعة التي منها: (اللهم إني أعوذ بك من العجز والكسل)، وغير ذلك من الأدعية النافعة.

    حكم لحم الهرة وسؤرها

    السؤال: ما حكم أكل لحم الهرة وسؤرها؟

    الشيخ: لحم الهرة حرام، أما سؤرها فكما هو معلوم أنه طاهر، فإن الرسول صلى الله عليه وسلم كان يتوضأ فجاءت هذه فأمال لها الإناء فصارت تشرب، فسؤرها طاهر.

    حكم رفع الإزار إلى نصف الساق

    السؤال: رفع الإزار إلى نصف الساق هل هو الحد الأعلى لرفع الإزار أم أنه الأفضل في ذلك؟

    الجواب: الذي يبدو أن رفع الإزار إلى نصف الساق هو الحد الأعلى، وله أن ينزله إلى ما دون الكعبين.

    حكم من ذهب إلى مكة للحج وأراد الذهاب إلى جدة لغرض معين

    السؤال: شخص نوى الحج فلما وصل إلى مكة أراد أن يذهب إلى جدة لزيارة الأقارب قبل وقت الحج ثم يرجع لأداء مناسك الحج، فهل يجوز له ذلك؟

    الجواب: إذا كان قارناً أو مفرداً وذهب إلى جدة وعليه الإحرام فلا بأس بذلك.

    وإن كان متمتعاً وقد طاف وسعى وقصر، فله أن يذهب إلى جدة وأن يرجع ولا بأس بذلك ويحج في وقت الحج.

    حكم السعي في الأدوار الثلاثة وبيان أفضلها

    السؤال: هل الأفضل السعي في الدور الأول أو الثاني أو الثالث؟

    الجواب: الأفضل السعي في الدور الأول الأرضي فهو الأصل، أما الأدوار الأخرى فإنما يصار إليها عند الحاجة.

    حكم حديث: (إنا كنا في رحالنا والنبي صلى الله عليه وسلم يخطب بعرفة ونحن نسمع)

    السؤال: رأيت في كتاب معجزة النبي صلى الله عليه وسلم قول الصحابي: (إنا كنا في رحالنا والنبي صلى الله عليه وسلم يخطب بعرفة ونحن نسمع؟)

    الجواب: الكلام على وجود ذلك بالإسناد، فإذا وجد وصح الإسناد يسلم به، والله تعالى قادر على كل شيء، ومن ذلك أن يوصل الكلام إلى حيث شاء من الناس، لكن لا يكفي مجرد الظن أو مجرد الذكر بدون أساس؛ لأن هذه أمور لا يصار إليها إلا بالدليل.

    والله تعالى أعلم.