إسلام ويب

شرح سنن أبي داود [212]للشيخ : عبد المحسن العباد

  •  التفريغ النصي الكامل
  • الحج ثلاثة أنواع: إفراد وتمتع وقران، وكلها جائزة، والنبي صلى الله عليه وسلم حج قارناً على الراجح من أقوال العلماء، وقد اختلف العلماء في أفضل هذه الأنواع، ففضل كل نوع منها طائفة من العلماء، وكل له أدلة يرجح بها قوله.

    1.   

    إفراد الحج

    شرح حديث: (أن رسول الله صلى الله عليه وسلم أفرد الحج)

    قال المصنف رحمه الله تعالى: [ باب في إفراد الحج.

    حدثنا عبد الله بن مسلمة القعنبي حدثنا مالك عن عبد الرحمن بن قاسم عن أبيه عن عائشة رضي الله عنها: (أن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم أفرد الحج) ].

    أورد أبو داود باب: الإفراد، والإفراد هو أن يحرم الإنسان بالحج وحده ليس معه عمرة، وأما القران فهو أن يحرم بالحج والعمرة معاً من الميقات، والتمتع أن يحرم بالعمرة وحدها من الميقات، فإذا وصل مكة طاف وسعى وقصر، وبقي في مكة حلالاً يحل له ما يحل لأهل مكة، ويحرم عليه ما يحرم على أهل مكة، وإذا جاء اليوم الثامن أحرم بالحج وذهب إلى منى، وهذا إذا كان نازلاً بمكة، وأما إن كان نازلاً بمنى قبل الحج فإنه يحرم من منى ولا يلزمه أن يذهب إلى مكة ليحرم منها، بل يحرم من منزله، وقد كان النبي صلى الله عليه وسلم نازلاً بالأبطح هو ومن كان معه من أصحابه، فأحرموا من منازلهم، وأحرم أهل مكة من منازلهم، ومن كان نازلاً بمنى قبل الحج من المتمتعين فإنه يحرم من منزله بمنى، ولا يلزمه أن يرجع إلى مكة.

    إذاً: الإفراد هو أن يحرم بالحج من الميقات، ويستمر على إحرامه حتى يرمي جمرة العقبة، وعند ذلك يحلق رأسه، ويطوف بالبيت، ويسعى إن لم يكن سعى مع طواف القدوم، وليس عليه هدي، هذا هو الإفراد.

    أورد أبو داود حديث عائشة : (أن النبي صلى الله عليه وسلم أفرد الحج)، والمعروف عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه حج قارناً ولم يحج مفرداً، وقد جاء في بعض الأحاديث أنه قرن، وجاء في بعضها أنه أفرد كما في هذا الحديث، وجاء في بعضها أنه تمتع، والصحيح أنه حج قارناً، وهناك أدلة كثيرة ذكرها ابن القيم في كتابه: (زاد المعاد)، كلها تدل على أنه قرن، فما جاء أنه صلى الله عليه وسلم تمتع وأفرد يحتاج إلى تأويل وتفسير حتى يطابق ما ثبت عنه أنه قرن، فمن العلماء من قال: إنه أفرد، فبعض الصحابة سمع منه لفظ الحج ولم يسمع منه لفظ العمرة، ومنهم من سمع العمرة دون الحج، ومنهم من سمع العمرة والحج، والصحيح أنه وقع منه العمرة والحج، وقد ذكر كلّ ما سمعه من رسول الله صلى الله عليه وسلم.

    وقال بعض أهل العلم: تأويل قوله: (أفرد الحج) أن بعض أصحابه أفردوا الحج بناء على أمره وتوجيهه، وأما هو فلم يفرد، وهذا مثل قولهم: فعل الحاكم كذا، مع أنه لم يفعل ذلك، وإنما أمر به، والفاعل غيره، فهذه من الأوجه التي قيلت في توضيح معنى أفرد حتى توافق ما جاء عنه أنه قرن، فهو لم يحج إلا حجة واحدة فقط، وكان فيها قارناً، فمن قال: أفرد فإن قوله يحتاج إلى تأويل حتى يوافق ما جاء عنه أنه قرن، ومن قال: إنه تمتع يحتاج إلى تأويل حتى يوافق القران، فإنه يقال للقران: تمتع؛ لأنه أدى نسكين في سفرة واحدة؛ ولهذا استدل ابن كثير على وجوب الهدي في القران بقوله تعالى: فَمَنْ تَمَتَّعَ بِالْعُمْرَةِ إِلَى الْحَجِّ فَمَا اسْتَيْسَرَ مِنَ الْهَدْيِ [البقرة:196]، قال: لأن القارن متمتع، فيلزمه هدي؛ لأنه جمع نسكين في سفرة واحدة، وهذا تمتع، والتمتع المشهور هو الذي يحرم ويتحلل ويبقى في مكة، ويفعل كل ما يفعله أهل مكة، لكن أيضاً يقال للقران: تمتع، فالمتمتع هو من جمع بين الحج والعمرة.

    تراجم رجال إسناد حديث: (أن رسول الله صلى الله عليه وسلم أفرد الحج)

    قوله: [ حدثنا عبد الله بن مسلمة عن مالك عن عبد الرحمن بن القاسم ].

    عبد الرحمن بن القاسم ثقة أخرج له أصحاب الكتب الستة.

    [ عن أبيه عن عائشة ].

    أبوه هو القاسم بن محمد بن أبي بكر الصديق، وهو ثقة فقيه من فقهاء المدينة السبعة في عصر التابعين، أخرج له أصحاب الكتب الستة.

    وعائشة رضي الله عنها تقدم ذكرها.

    شرح حديث: (من شاء أن يهل بحج فليهل، ومن شاء أن يهل بعمرة فليهل بعمرة)

    قال المصنِّف رحمه الله تعالى: [ حدثنا سليمان بن حرب حدثنا حماد بن زيد ح وحدثنا موسى بن إسماعيل حدثنا حماد -يعني: ابن سلمة - ح وحدثنا موسى حدثنا وهيب عن هشام بن عروة عن أبيه عن عائشة رضي الله عنها أنها قالت: (خرجنا مع رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم موافين هلال ذي الحجة، فلما كان بذي الحليفة قال: من شاء أن يهل بحج فليهل، ومن شاء أن يهل بعمرة فليهل بعمرة) .

    قال موسى في حديث وهيب : (فإني لولا أني أهديت لأهللت بعمرة)، وقال: في حديث حماد بن سلمة : (وأما أنا فأهل بالحج؛ فإن معي الهدي، ثم اتفقوا: فكنت فيمن أهل بعمرة، فلما كان في بعض الطريق حضت، فدخل علي رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم وأنا أبكي فقال: ما يبكيك؟ قلت: وددت أني لم أكن خرجت العام، قال: ارفضي عمرتك، وانقضي رأسك وامتشطي)، قال موسى : (وأهلي بالحج)، وقال سليمان : (واصنعي ما يصنع المسلمون في حجهم، فلما كان ليلة الصدر أمر رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم عبد الرحمن فذهب بها إلى التنعيم) زاد موسى : (فأهلت بعمرة مكان عمرتها، وطافت بالبيت، فقضى الله عمرتها وحجها).

    قال هشام : ولم يكن في شيء من ذلك هدي.

    قال أبو داود : زاد موسى في حديث حماد بن سلمة : (فلما كانت ليلة البطحاء طهرت عائشة رضي الله عنها) ].

    تقدم الحديث الأول عن عائشة : (أن النبي صلى الله عليه وسلم أفرد الحج)، وعرفنا أن النبي عليه الصلاة والسلام حج قارناً، ولم يحج مفرداً ولا متمتعاً التمتع المشهور عند الفقهاء، وهو أن يأتي بالعمرة في أشهر الحج وينتهي منها، وفي اليوم الثامن يحرم بالحج، فكان صلى الله عليه وسلم قارناً، وقد عرفنا أن أهل العلم فسروا الإفراد بما يتفق مع القران، وأن المقصود بذلك هو ما جاء في حديث ابن عباس المتقدم، وهو أن الناس كانوا حول الرسول صلى الله عليه وسلم أرسالاً، ولم يكونوا حوله دفعة واحدة، فأخبر كل إنسان بما سمع، فيحمل إفراد النبي عليه الصلاة والسلام للحج على أنه أمر به وأذن فيه، كما يقال: بنى الأمير قصراً، مع أن الذي بناه غيره، ولكن أضيف إليه لكونه هو الذي أمر به، وكما جاء في الحديث: (أن النبي رجم ماعزاً) مع أنه لم يرجمه بنفسه، ولم يباشر ذلك، ولكنه هو الذي أمر به، فالأمر هنا كذلك، فقد أمر أو أرشد بعض أصحابه إلى أن يفرد الحج، فتكون إضافة إفراد الحج إلى النبي صلى الله عليه وسلم لا لكونه الفاعل لذلك، ولكن لكونه الآمر به، فقد جاءت أحاديث كثيرة عن النبي صلى الله عليه وسلم من طريق ستة عشر صحابياً أنه قرن ولم يكن مفرداً صلى الله عليه وسلم.

    وقيل: إن كلاً أخبر بما سمع، فمنهم من سمع النبي صلى الله عليه وسلم أحرم بحج وعمرة، وقد جاء ذلك عن بعض الصحابة الذين ذكروا الجمع بينهما كـأنس ، ولكن بعض الصحابة ذكر الحج وحده، وبعضهم ذكر الإفراد وحده، ولعله سمع كلمة الحج ولم يسمع كلمة العمرة، فظن وفهم أنه أفرد؛ لأنه سمع لفظ الحج، ولم يسمع لفظ العمرة، ومعلوم أن القارن يقرن بين الحج والعمرة، وهذا أيضاً من الأوجه التي وجّه وفسر بها بعض أهل العلم تلك الأحاديث حتى تتفق الأحاديث الصحيحة التي جاءت في الإفراد مع الأحاديث الصحيحة الكثيرة التي جاءت في القران، ولا شك أن النبي صلى الله عليه وسلم كان قارناً، ولم يكن مفرداً ولا متمتعاً صلى الله عليه وسلم.

    أورد أبو داود رحمه الله حديث عائشة : (أنهم خرجوا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم في حجة الوداع موافين هلال ذي الحجة) يعني: قرب نهاية ذي القعدة، أي: أنه بقي على آخر شهر ذي القعدة أربعة أيام أو خمسة أيام؛ لأن المسافة بين مكة والمدينة تسع مراحل، وقد وصل النبي صلى الله عليه وسلم إلى مكة في اليوم الرابع، فمعنى هذا أنه سافر من المدينة وبقي خمسة أيام من شهر ذي القعدة من آخره، فقولها: (موافين هلال ذي الحجة) يعني: في آخر شهر ذي القعدة.

    وقوله: [ (فلما كان بذي الحليفة قال: من شاء أن يهل بحج فليهل، ومن شاء أن يهل بعمرة فليهل بعمرة) ] أي: فلما كان بذي الحليفة خيّر الناس بين الإفراد والتمتع والقران، وهنا وقع اختصار، حيث ذكر الإفراد والتمتع، ولم يذكر القران، وإلا فإن النبي صلى الله عليه وسلم خيّر بين الأنساك الثلاثة، وحج هو قارناً عليه الصلاة والسلام؛ لكونه قد ساق الهدي صلى الله عليه وسلم، والذي ساق الهدي لا يتحلل منه إلا يوم حلّه وهو يوم النحر، فمعنى هذا أنه يحرم بحج وعمرة، أو يحرم بحج، والنبي صلى الله عليه وسلم أحرم بالحج والعمرة وقرن بينهما، وأتى بالنسكين معاً أي: الحج والعمرة.

    خيرهم رسول الله صلى الله عليه وسلم بين الأنساك الثلاثة في ذي الحليفة، أي: قبل أن يحرموا؛ حتى يدخل كلٌّ في النسك الذي يريد، فحجت أمهات المؤمنين متمتعات، وأحرمن بالعمرة، فتم لهن ما أردن إلا عائشة ، فإنها أحرمت بالعمرة وجاءها الحيض، ثم جاء الحج وهي لم تطهر ولم تطف بالبيت، فأمرها النبي صلى الله عليه وسلم أن تُدخل الحج على العمرة فتكون قارنة، فكما كان رسول الله صلى الله عليه وسلم قارناً فإنها تكون قارنة، وبقيت أمهات المؤمنين على عمرتهن، وصرن متمتعات؛ لأنهن لم يحصل لهن مانع كما حصل لـعائشة رضي الله تعالى عن الجميع.

    قوله: [ (ومن شاء أن يهل بعمرة فليهل بعمرة) قال موسى في حديث وهيب : (فإني لولا أني أهديت لأهللت بعمرة) وقال في حديث حماد بن سلمة : (وأما أنا فأهل بالحج فإن معي الهدي) ]، وقال في بعض الطرق: (لولا أن معي الهدي لجعلتها عمرة) يعني: أن من ساق الهدي لا يكون معتمراً؛ لأن المعتمر لا يحل إلا بعدما يطوف ويسعى، وذلك قبل يوم النحر، ولكنه يكون قارناً أو مفرداً، والقران أولى من الإفراد؛ لأن فيه جمعاً بين النسكين، وهو الذي فعله النبي صلى الله عليه وسلم حيث حج قارناً، فالمعتمر لا ينحر هديه إلا يوم العيد، والمحرم لا يتحلل إلا حين يبلغ الهدي محله، وعلى هذا فلا يكون معتمراً، وإنما يكون قارناً أو مفرداً؛ لأنه لا يمكنه أن يحل إلا يوم العيد، وأما المتمتع فإنه يحل قبل يوم العيد، فإنه يطوف ويسعى ويقصر، فتنتهي عمرته ويتحلل، فمن ساق الهدي لا يحل إلا إذا بلغ الهدي محله، ومحله يوم العيد.

    قوله: (فإني لولا أني أهديت لأهللت بعمرة) وفي رواية: (وأما أنا فأهل بالحج؛ فإن معي الهدي)، وهذا هو وجه إيراد المصنف الحديث في باب الإفراد؛ لأن فيه ذكر الحج، وليس فيه ذكر العمرة، وتوجيهه مثل ما قلنا في الحديث الأول، ويناسبه التعليل الثاني، وهو أن بعضهم سمع الحج والعمرة، وبعضهم سمع الحج فقط، وبعضهم سمع العمرة فقط، وإنما كان النبي صلى الله عليه وسلم جامعاً بين الحج والعمرة صلى الله عليه وسلم، وعلى هذا؛ فيكون قوله: (أهل بالحج) يعني: الحج مع العمرة، وليس الحج مفرداً؛ لأن الأحاديث الكثيرة ثبتت عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه كان قارناً، ولم يكن مفرداً ولا متمتعاً صلى الله عليه وسلم.

    قوله: [ ثم اتفقوا: (فكنت فيمن أهل بعمرة) ] أي: أنها كانت متمتعة، والمتمتعون إذا وصلوا إلى مكة يسعون ويقصرون ثم يتحللون، وإذا جاء اليوم الثامن أحرموا بالحج، وهذا هو التمتع، فكانت عائشة رضي الله عنها متمتعة.

    قوله: [ (فلما كان في بعض الطريق حضت، فدخل علي رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم وأنا أبكي، فقال: ما يبكيك؟ قلت: وددت أني لم أكن خرجت العام، قال: ارفضي عمرتك، وانقضي رأسك، وامتشطي) قال موسى : (وأهلي بالحج) ].

    ذكر أبو داود رحمة الله عليه في حديث عائشة أنها أهلت بعمرة، فلما كانت في الطريق حصل لها الحيض، فتأثرت وبكت، فدخل عليها النبي صلى الله عليه وسلم وهي تبكي، فقال لها: (ما يبكيك؟! قالت: إني حضت، وإني وددت أني لم أحج هذا العام)؛ لأنها حصل لها مانع يمنعها من أن تؤدي المناسك كما يؤديه غيرها من أمهات المؤمنين والنساء اللاتي لم يحصل لهن ما حصل لها، فقال لها النبي صلى الله عليه وسلم: (ارفضي عمرتك)، وهذا الكلام لم يقله في أول الأمر، وإنما قاله فيما بعد، وذلك عندما جاء وقت أعمال الحج وهي لم تطهر بعد، والناس يذهبون إلى عرفة، فأمرها أن تدخل الحج على العمرة.

    وقوله: (ارفضي عمرتك) أي: أنها ترفض أعمالها الخاصة بها من الطواف، والسعي، والتقصير، وتحرم بالحج، فتدخل الحج على العمرة، وتصير أعمال العمرة والحج مقرونة بعضها مع بعض، فتطوف لحجها وعمرتها، وتسعى لحجها وعمرتها، فرفضها للعمرة ليس معناه أنها تتركها نهائياً، فتحرم بالحج، وتصير مفردة، لا، وإنما ترفض أعمال العمرة المستقلة عن الحج، تلك التي لها طواف وسعي وتحلل، فهذا هو الذي ترفضه عائشة ، وليس معنى ذلك أنها تلغي إحرامها وتبطله، ثم تحرم إحراماً جديداً بالحج، وأما العمرة فترفضها نهائياً؛ ليس هذا هو المقصود، وإنما المقصود أنها تترك أعمالها الخاصة بها؛ لأنها لا يمكن أن تأتي بها بسبب الحيض، وقد جاء وقت الحج، فأمرها أن ترفض عمرتها، أي: ترفض أعمالها الخاصة بها، وهي عمرة المتمتع التي لها طواف، وسعي مستقل، وتحلل، فتدخل الحج عليها وتصير قارنة، والقارن عنده حج وعمرة مع بعض، وقيل للقارن قارن؛ لأن العمرة والحج اقترنا، وصارت أعمالهما واحدة، فالطواف للحج والعمرة، والسعي للحج والعمرة، فهو عمل واحد عن نسكين.

    قوله: (وانقضي رأسك وامتشطي) هذا النقض والامتشاط إما أن يكون للحيض، أو للإحرام بالحج، ويمكن أن يكون للحيض، ويدخل معه اغتسال الحج المستحب؛ فالاغتسال من الحيض فرض، وهو مستحب للحج وليس بواجب، فيمكن أن تغتسل غير غسل الحيض، أو أنها تغتسل لحيضها، وهو في نفس الوقت يكون غسل الاستعداد للإحرام الذي هو مستحب، والمستحب يدخل في الفرض، فإذا اغتسلت للشيء الواجب عليها وهي الجنابة فإنه يحصل المقصود عند الإحرام، ولا يلزمها أن تغتسل.

    وقوله: (انقضي رأسك وامتشطي) يشعر بأنه للحيض؛ لأن الحيض هو الذي يتطلب نقض الرأس عند الاغتسال منه.

    وقوله: (وامتشطي) يرد عليه إشكال وهو: أن المحرم لا يمتشط امتشاطاً يكون سبباً في سقوط الشعر؛ لأنها لا تزال محرمة، وكل ما الأمر أنها أضافت الحج على العمرة، ولم تكن متحللة، بل محرمة من الميقات، إلا أنها أضافت الحج إلى العمرة، فصارت قارنة بدلاً من كونها محرمة بالعمرة وحدها، فقيل: معناه: أنها تسرحه تسريحاً خفيفاً لا يحصل معه تساقط الشعر، ويحصل به المقصود.

    قوله: (وأهلي بالحج) أي: أنها تغتسل لحيضها وإحرامها بالحج، ثم تهل بالحج، وتنويه مضافاً إلى العمرة السابقة، وعلى هذا تكون أحرمت مرتين: مرة بالعمرة من الميقات، ومرة بالحج مضافاً إلى العمرة، وليس بالعمرة فقط، فنحن نقول: إن العمرة لا تترك، بل تُبقي عليها، ولكن رفضت أعمالها وهي الطواف والسعي والتقصير، فحصل إحرام فوق إحرام، وإحرام مع إحرام، وليس إحرام بدل إحرام، فلا تحرم بالحج بدل العمرة، وإنما تحرم بالحج مع العمرة، ولهذا قال لها النبي صلى الله عليه وسلم بعد ذلك: (يكفيك طوافك وسعيك عن حجك وعمرتك) أي: أنها قارنة وليست مفردة، فأضيف الحج إلى العمرة فصارت بذلك قارنة.

    وقال سليمان : (واصنعي) يعني: تحرم بالحج، وتصنع ما يصنع المسلمون في حجهم، أي: أنها تقف في عرفات، وتبيت بمزدلفة، وتبيت بمنى، وترمي الجمرات، وتفعل كل الأفعال غير أنها لا تطوف بالبيت، وإنما تأتي بالطواف والسعي بعد ذلك.

    قوله: [ (فلما كان ليلة الصدر أمر رسول الله صلى الله عليه وسلم عبد الرحمن رضي الله عنه فذهب بها إلى التنعيم) ]، الحديث فيه اختصار، فقد جاء في كثير من الروايات أنها قالت: (أيرجع الناس بحج وعمرة وأنا أرجع بحج؟! فقال لها النبي صلى الله عليه وسلم: إنه يكفيك طوافك وسعيك عن حجك وعمرتك) معناه: أنك جمعت بين الحج والعمرة، إلا أن الذين تمتعوا أتوا بالعمرة مستقلة، وأتوا بالحج مستقل، وأنت جمعت بين الحج والعمرة، لكنها راجعته وألحت عليه، وعند ذلك أمر أخاها عبد الرحمن أن يذهب بها للعمرة ليلة الصدر، وهو المبيت بالأبطح، بعدما جاء الناس من منى ليلة أربعة عشر؛ لأن النبي صلى الله عليه وسلم مكث في منى ثلاثة أيام، ولم يتعجل، بل جلس إلى اليوم الثالث عشر، ورمى الجمار بعد الزوال، وانطلق من منى إلى الأبطح ، وبات به تلك الليلة، فهذه الليلة هي ليلة الصدر، وفيها يصدر الناس من مكة إلى بلدانهم ومنازلهم، فليلة الصدر هي ليلة الرابع العشر، فلما ألحت عليه أمر أخاها بأن يذهب بها إلى التنعيم لتعتمر؛ لأن التنعيم هو أدنى الحل، فلم يأذن لها النبي صلى الله عليه وسلم إلا بعد إلحاحها وتألمها وتأثرها، ولم يذهب هو ولا أحد من أصحابه إلى التنعيم ليأتوا بعمرة، بل إن أخاها عبد الرحمن الذي ذهب معها لم يعتمر من التنعيم، وهذا يدلنا على أن العمرة المشروعة المستحبة هي التي يأتي بها الناس وهم داخلون إلى مكة، ويقولون: لبيك اللهم لبيك، وليست العمرة التي يفعلها كثير من الناس في هذا الزمان، من التردد بين الكعبة والتنعيم، فيأتي أحدهم بخمس عمر أو ست عمر في اليوم الواحد، أو أكثر من ذلك أو أقل! فلم يكن هذا من هدي رسول الله صلى الله عليه وسلم، ولا من هدي أصحابه رضي الله تعالى عنهم وأرضاهم.

    قوله: (فأهلت بعمرة مكان عمرتها) أي: العمرة التي لم تتمكن من أدائها مستقلة؛ لأن هذا هو الذي أرادته، فقالت: (يرجع الناس بطوافين وسعيين، وأنا أرجع بطواف واحد وسعي واحد؟ قال: يكفيك طوافك وسعيك عن حجتك وعمرتك) أي: مكان عمرتها التي لم تتمكن من أفعالها من الطواف والسعي، فهذه عمرة بعد الحج، فيها طواف وسعي، مكان تلك العمرة التي أرادتها، فهي أرادت أن ترجع بطوافين وسعيين، كما رجع أمهات المؤمنين بطوافين وسعيين، فهذه مكان عمرتها تلك التي لم تتمكن من الإتيان بها مستقلة كما أرادت، وليس المراد بمكان عمرتها أنها ألغت تلك العمرة وهذه بدل عنها، ولو كانت بدلاً منها لما قال لها النبي صلى الله عليه وسلم: (يكفيك طوافك وسعيك عن حجك وعمرتك) ولم تكن قارنة، فإن القارن يكفيه طواف وسعي عن حجه وعمرته، ولكن هذه عمرة تطوّع، فقد اعتمرت مرتين: عمرة مقرونة مع الحج، وعمرة مستقلة بعد الحج، وهذه ليست مكان الأولى التي هي فرض، وإنما هي إضافة إلى العمرة التي صارت مع الحج، فتكون أدت عمرتين: عمرة مع الحج، وعمرة بعد الحج، والعمرة الثانية تطوع، ولو كانت الأولى مرفوضة نهائياً لكانت هذه بدلاً منها، لكن لما قال لها النبي صلى الله عليه وسلم: (يكفيك طوافك وسعيك عن حجك وعمرتك) عرف أنها قارنة، وأنها قد أتت بالحج والعمرة معاً.

    قوله: [ قال هشام : ولم يكن في شيء من ذلك هدي ] ذكر بعض أهل العلم أن هذه الجملة مدرجة من كلام هشام ، وليست من كلام عائشة ، ومعلوم أن من ساق هديه فإنه ينحره، ومن لم يسق هدياً وكان قارناً -كـعائشة التي كانت متمتعة، وأدخلت الحج على العمرة- فعليه الهدي، وكذلك المتمتعات اللاتي لم يحصل لهن ما حصل لـعائشة عليهن هدي، وقد ذبح النبي صلى الله عليه وسلم عن نيائه البقر، فقوله: [ ولم يكن في شيء من ذلك هدي ] مدرج، ولعل معناه: أن من حج مفرداً لم يكن عليه هدي أما عائشة وغيرها من القارنين والمتمتعين فعليهم الهدي، وقد ساق النبي صلى الله عليه وسلم هدياً، وجاء في القرآن أن على المتمتع هدياً أيضاً، والقارن أيضاً من جملة المتمتعين؛ لأن التمتع تمتعان: تمتع خاص، وهو المعروف في اصطلاح الفقهاء، وهو إفراد العمرة ثم الحج، وذلك كما كنّ أمهات المؤمنين اللاتي لم يحضن، وهو الذي كانت تريده عائشة ، والتمتع العام هو الذي يدخل فيه القران؛ وذلك لأن فيه جمعاً بين نسكين في سفرة واحدة، فبدلاً من أن يأتي بعمرة مستقلة ثم يأتي بحج مستقل، فهنا بسفرة واحدة أتى فيها بنسكين، فهذا تمتع بالمعنى العام، وليس تمتعاً بالمعنى الخاص؛ لأن التمتع بالمعنى الخاص هو قسيم القران والإفراد، فالأنساك ثلاثة: تمتع وإفراد وقران، والقران يقال له: تمتع؛ لأن فيه جمعاً بين نسكين في سفرة واحدة، فلم يكن في ذلك هدي، وإنما يكون الهدي في حق المفرد، وأما القارن والمتمتع فكل منهما ليس عليه هدي.

    قوله: (فلما كانت ليلة البطحاء طهرت عائشة رضي الله عنها) ليلة البطحاء هي ليلة التروية، وهي ليلة الثامن من ذي الحجة، ويقول بعض أهل العلم: إن طهرها إنما كان يوم العيد.

    إذاً: طهرها إما أنه كان أول ليلة البطحاء قبل أن يخرجوا إلى منى، أو أنها طهرت يوم العيد، وهي تأخرت إلى ليلة الصدر، وسبق لها أن أدت الطواف والسعي، وما بقي عليها إلا أن تأتي بعمرة ثانية كما أرادت.

    وليلة البطحاء سميت بهذا لأن الناس يكونون في الأبطح، ويقال له: المحصب، وكذلك يقال لها: ليلة الحصبة، وليلة الصدر، وكل ذلك يطلق على الأبطح.

    لكن يشكل على هذا أن الرسول صلى الله عليه وسلم ما ذهب إلى منى إلا ضحى يوم ثمانية، إلا أن يقصد بليلة البطحاء اليوم مع الليلة، وأنها طهرت وقت الخروج.

    تراجم رجال إسناد حديث: (من شاء أن يهل بحج، ومن شاء أن يهل بعمرة فليهل بعمرة)

    قوله: [ حدثنا سليمان بن حرب ].

    سليمان بن حرب ثقة، أخرج له أصحاب الكتب الستة.

    [ حدثنا حماد بن زيد ].

    حماد بن زيد ثقة، أخرج له أصحاب الكتب الستة.

    [ ح وحدثنا موسى بن إسماعيل ].

    موسى بن إسماعيل ثقة، أخرج له أصحاب الكتب الستة.

    [ حدثنا حماد يعني: ابن سلمة ].

    حماد بن سلمة ثقة، أخرج له البخاري تعليقاً ومسلم وأصحاب السنن.

    [ ح وحدثنا موسى حدثنا وهيب ].

    وهيب هو ابن خالد ثقة، أخرج له أصحاب الكتب الستة.

    [ عن هشام بن عروة ].

    هشام بن عروة ثقة، أخرج له أصحاب الكتب الستة.

    [ عن أبيه ].

    أبوه ثقة فقيه، أحد فقهاء المدينة السبعة في عصر التابعين، أخرج له أصحاب الكتب الستة.

    [ عن عائشة ].

    عائشة أم المؤمنين رضي الله عنها وأرضها، الصديقة بنت الصديق، وهي واحدة من سبعة أشخاص عرفوا بكثرة الحديث عن النبي صلى الله عليه وسلم.

    شرح حديث: (خرجنا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم عام حجة الوداع فمنا من أهل بعمرة ومنا من أهل بحج وعمرة..)

    قال المصنف رحمه الله تعالى: [ حدثنا القعنبي عبد الله بن مسلمة عن مالك عن أبي الأسود محمد بن عبد الرحمن بن نوفل عن عروة بن الزبير عن عائشة رضي الله عنها زوج النبي صلى الله عليه وآله وسلم أنها قالت: (خرجنا مع رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم عام حجة الوداع، فمنا من أهل بعمرة، ومنا من أهل بحج وعمرة، ومنا من أهل بالحج، وأهل رسول الله صلى الله عليه وسلم بالحج، فأما من أهل بالحج أو جمع الحج والعمرة فلم يحلوا حتى كان يوم النحر) ].

    أورد أبو داود حديث عائشة من طريق أخرى، وفيه بيان أن النبي صلى الله عليه وسلم خيرهم بين الأنساك الثلاثة، وقد ذكرت في الحديث الأول العمرة والحج ولم تذكر القران، وذكرت أن النبي صلى الله عليه وسلم أحرم بالحج، وهنا ذكرت: (منهم من أهل بعمرة، ومنهم من أهل بحج، ومنهم من أهل بحج وعمرة، والنبي صلى الله عليه وسلم أهل بالحج) وهذا مثل ما تقدم، فهي سمعت الحج ولم تسمع العمرة معه، وقال بعض أهل العلم: إنه أحرم بالحج أولاً، ثم أضاف إليه العمرة.

    قوله: (فأما من أهل بالحج) يعني: مفرداً، (أو أهل بالحج والعمرة فإنهم لم يهلوا إلا يوم النحر) والمقصود بذلك الذين ساقوا الهدي، وإلا فإن الذين لم يسوقوا الهدي أمرهم النبي صلى الله عليه وسلم أن يفسخوا حجهم إلى عمرة، وأن يتحللوا قبل يوم النحر، أي: أن القارن أو المفرد الذي ساق الهدي يبقى على إحرامه إلى يوم النحر، وأما القارن أو المفرد الذي لم يسق الهدي فإن النبي صلى الله عليه وسلم أمرهم أن يفسخوا إحرامهم إلى عمرة، وأن يكونوا متمتعين.

    تراجم رجال إسناد حديث: (خرجنا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم عام حجة الوداع فمنا من أهل بعمرة ومنا من أهل بحج)

    قوله: [ حدثنا القعنبي عبد الله بن مسلمة ].

    عبد الله بن مسلمة القعنبي ثقة، أخرج له أصحاب الكتب الستة إلا ابن ماجة .

    [ عن مالك ].

    مالك بن أنس إمام دار الهجرة، أحد أصحاب المذاهب الأربعة المشهورة من مذاهب أهل السنة، أخرج له أصحاب الكتب الستة.

    [ عن أبي الأسود محمد بن عبد الرحمن ].

    أبو الأسود محمد بن عبد الرحمن بن نوفل وهو ثقة، أخرج له أصحاب الكتب الستة.

    [ عن عروة عن عائشة ].

    عروة وعائشة مر ذكرهما.

    شرح حديث: (خرجنا مع رسول الله عام حجة الوداع...) من طريق أخرى وتراجم رجاله

    قال المصنف رحمه الله تعالى: [ حدثنا ابن السرح أخبرنا ابن وهب أخبرني مالك عن أبي الأسود بإسناده مثله زاد: (فأما من أهل بعمرة فأحل) ].

    أورد المصنف الحديث من طريق أخرى، وفيه: (أن من أهل بعمرة فأحل)، فهناك من أهل بحج، وهناك من أهل بحج وعمرة، وهؤلاء بقوا على إحرامهم إلى يوم النحر، وأما من أهل بعمرة فإنه لما طاف وسعى وقصر تحلل.

    قوله: [ حدثنا ابن السرح ].

    هو أحمد بن عمرو بن السرح ثقة، أخرج له مسلم وأبو داود والنسائي وابن ماجة .

    [ أخبرنا ابن وهب ].

    ابن وهب هو عبد الله بن وهب المصري ثقة فقيه، أخرج له أصحاب الكتب الستة.

    [ أخبرني مالك عن أبي الأسود ].

    مالك وأبو الأسود مر ذكرهما.

    [ بإسناده مثله ].

    أي: مثل اللفظ الأول، إلا أن فيه زيادة: (ومن أهل بعمرة فأحل).

    شرح حديث: (من كان معه هدي فليهل بالحج مع العمرة..)

    قال المصنف رحمه الله تعالى: [ حدثنا القعنبي عن مالك عن ابن شهاب عن عروة بن الزبير عن عائشة رضي الله عنها زوج النبي صلى الله عليه وآله وسلم أنها قالت: (خرجنا مع رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم في حجة الوداع، فأهللنا بعمرة، ثم قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: من كان معه هدي فليهل بالحج مع العمرة، ثم لا يحل حتى يحل منهما جميعاً، فقدمت مكة وأنا حائض، ولم أطف بالبيت، ولا بين الصفا والمروة، فشكوت ذلك إلى رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم فقال: انقضي رأسك، وامتشطي، وأهلي بالحج، ودعي العمرة، قالت: ففعلت، فلما قضينا الحج أرسلني رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم مع عبد الرحمن بن أبي بكر رضي الله عنهما إلى التنعيم فاعتمرت، فقال: هذه مكان عمرتك، قالت: فطاف الذين أهلوا بالعمرة بالبيت، وبين الصفا والمروة، ثم حلوا، ثم طافوا طوافاً آخر بعد أن رجعوا من منى لحجهم، وأما الذين كانوا جمعوا الحج والعمرة فإنما طافوا طوافاً واحداً).

    قال أبو داود : رواه إبراهيم بن سعد ومعمر عن ابن شهاب نحوه، ولم يذكروا طواف الذين أهلوا بعمرة، وطواف الذين جمعوا الحج والعمرة ].

    أورد أبو داود حديث عائشة رضي الله عنها: (أنهم خرجوا مع النبي صلى الله عليه وسلم في حجة الوداع، فأهللنا بعمرة) أي: أهل بعضهم بذلك ومنهم عائشة ، ولم يهلوا كلهم بعمرة، وقد قال النبي صلى الله عليه وسلم: (من ساق الهدي فليهل بالحج مع العمرة، ولا يحل إلا يوم النحر) فمقصودها أن بعضهم أهل بعمرة، وكان منهم عائشة وأمهات المؤمنين كلهن، فقد أحرمن بعمرة، أي: أنهن كنّ متمتعات.

    قوله: (من كان معه هدي فليهل بالحج مع العمرة، ثم لا يحل منهما حتى يحل منهما جميعاً) يعني: حتى يحل منهما جميعاً في يوم العيد، وهو يوم النحر، وذلك حين يرمي الجمرة، ويحلق الرأس، ويطوف طواف الإفاضة، ويسعى بين الصفا والمروة، وبذلك يكون قد حصل التحلل كاملاً.

    قوله: [ (فقدمت مكة وأنا حائض، ولم أطف بالبيت، ولا بين الصفا والمروة، فشكوت ذلك إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: انقضي رأسك، وامتشطي، وأهلي بالحج، ودعي العمرة، قالت: ففعلت، فلما قضينا الحج أرسلني رسول الله صلى الله عليه وسلم مع عبد الرحمن بن أبي بكر إلى التنعيم، فاعتمرت فقال: هذه مكان عمرتك) ].

    قد مر ذكر هذا الكلام في شرح الحديث السابق، وذكرنا أنها حصل لها الحيض ولم تطهر، وأن الرسول صلى الله عليه وسلم قال لها: (امتشطي واغتسلي وانقضي رأسك)، وأنه أرسلها بعد ذلك إلى التنعيم، لتعتمر مكان عمرتها.

    قوله: (فطاف الذين أهلوا بعمرة بالبيت وسعوا بين الصفا والمروة ثم أحلوا)، هذا شأن المعتمر، فقد طاف المحرمون بالعمرة والمتمتعون بها إلى الحج، وسعوا وقصروا وتحللوا، وطافوا بعد الحج طوافاً آخر لحجهم، أي: سعوا بين الصفا والمروة؛ لأن السعي بين الصفا والمروة يسمى طوافاً كما قال تعالى: فَلا جُنَاحَ عَلَيْهِ أَنْ يَطَّوَّفَ بِهِمَا [البقرة:158]، والمقصود أن هذا يدل على أن المتمتع عليه سعيان: سعي بعد طواف العمرة للعمرة، وسعي بعد طواف الإفاضة للحج.

    وقولها في آخره: (ثم طافوا طوافاً آخر بعد أن رجعوا من منى لحجهم) أي: طافوا طوافاً آخر للحج، وهو السعي بين الصفا والمروة؛ لأن طواف الإفاضة يكون للجميع، فكلهم سيطوف، وليس هناك أحد يترك هذا الطواف، فهو ركن في حق الجميع: القارن والمفرد والمتمتع، لكن الشيء الذي يتميز به المتمتع عن القارن أن المتمتع عليه سعي آخر غير السعي الذي حصل بعد الطواف الأول، فالأول للعمرة وهذا للحج؛ لأن العمرة مستقلة بإحرامها وطوافها وسعيها وتحللها، والحج مستقل بطوافه وسعيه وتحلله؛ ولذا فإن المتمتع عليه سعي آخر، ولا يكفيه السعي الأول، وقال بعض أهل العلم: إنه يكفيه، وذلك بناء على ما جاء في حديث جابر رضي الله عنه في صحيح مسلم، ولكنه محمول على أن المقصود به الذين كانوا قارنين أو مفردين، فهم الذين لم يسعوا بعد الحج، وأما الذين كانوا متمتعين فحديث عائشة هذا صريح في أنهم سعوا بعد الحج، فالمقصود بهذا السعي السعي بين الصفا والمروة، وليس المقصود به طواف الإفاضة؛ لأن طواف الإفاضة يفعله كل الحجاج، وأما الذي تميز به المتمتعون فهو أنهم يلزمهم سعي آخر.

    قوله: (وأما الذين جمعوا بين الحج والعمرة فإنما طافوا طوافاً واحداً) أي: سعوا سعياً واحداً؛ لأن الطواف الأول هو طواف القدوم، فلو جاء الإنسان متأخراً ولم يدخل مكة، بل ذهب إلى عرفة رأساً فليس عليه طواف قدوم، ولكن عليه طواف واحد وسعي واحد للحج والعمرة، فهذا هو القارن والمفرد.

    قوله: [ (وأما الذين كانوا جمعوا الحج والعمرة فإنما طافوا طوافاً واحداً) أي: سعوا سعياً واحداً، بخلاف الذين ذكروا من قبل، فإنهم طافوا طوافين، أي: سعوا مرتين؛ لأن المقصود بالطواف هنا السعي، وإلا فطواف الإفاضة يكون على الجميع، فإنهم كلهم يطوفون، فليس هناك أحد لا يطوف طواف الإفاضة، وأما السعي: فالقارن والمفرد ليس عليهما إلا سعي واحد، وله محلان، محل بعد طواف القدوم، ومحل بعد الإفاضة، ومن فعله في المحل الأول، لا يفعله في المحل الثاني، ومن لم يفعله في المحل الأول فعله في المحل الثاني، فلو أن إنساناً طاف طواف القدوم ولم يسع فإنه يسعى بعد الحج، أو جاء إلى عرفة رأساً مثلاً فإنه يسعى بعد طواف الإفاضة، فطواف القدوم مستحب، ومن لم يأت به فليس عليه شيء.

    قوله: [ حدثنا القعنبي عن مالك عن ابن شهاب ].

    ابن شهاب هو محمد بن مسلم بن عبيد الله بن شهاب الزهري ، ثقة فقيه، أخرج له أصحاب الكتب الستة.

    [ عن عروة عن عائشة ].

    قد مر ذكرهما.

    [ قال أبو داود : رواه إبراهيم بن سعد ومعمر عن ابن شهاب نحوه، لم يذكروا طواف الذين أهلوا بعمرة، وطواف الذين جمعوا الحج والعمرة ].

    أي: روي الحديث من طريق أخرى وفيه اختصار، أنه لم يذكر طواف الذين أهلوا بعمرة، ولا طواف الذين جمعوا بين الحج والعمرة.

    قوله: [ رواه إبراهيم بن سعد ].

    إبراهيم بن سعد ثقة، أخرج له أصحاب الكتب الستة.

    [ ومعمر ].

    معمر بن راشد ثقة، أخرج له أصحاب الكتب الستة.

    [ عن ابن شهاب ].

    ابن شهاب مر ذكره.

    شرح حديث: (انسكي المناسك كلها غير ألا تطوفي بالبيت)

    قال المصنف رحمه الله تعالى: [ حدثنا أبو سلمة موسى بن إسماعيل حدثنا حماد عن عبد الرحمن بن القاسم عن أبيه عن عائشة رضي الله عنها أنها قالت: (لبينا بالحج، حتى إذا كنا بسرف حضت، فدخل علي رسول الله صلى الله عليه وسلم وأنا أبكي فقال: ما يبكيك يا عائشة ؟! فقلت: حضت، ليتني لم أكن حججت، فقال: سبحان الله! إنما ذلك شيء كتبه الله على بنات آدم، فقال: انسكي المناسك كلها غير ألا تطوفي بالبيت، فلما دخلنا مكة قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: من شاء أن يجعلها عمرة فليجعلها عمرة إلا من كان معه الهدي، قالت: وذبح رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم عن نسائه البقر يوم النحر، فلما كانت ليلة البطحاء وطهرت عائشة قالت: يا رسول الله! أترجع صواحبي بحج وعمرة وأرجع أنا بالحج؟ فأمر رسول الله صلى الله عليه وسلم عبد الرحمن بن أبي بكر فذهب بها إلى التنعيم فلبت بالعمرة) ].

    أورد أبو داود حديث عائشة من طريق أخرى، وفيه بعض الزيادات.

    قولها: (لبينا بالحج) هذا بالنسبة لبعضهم، وإلا فبعضهم لم يكن كذلك، ويمكن أن يقال: إن هذا بالنسبة لها، فقد لبت بالحج وهو يسمى عمرة، فإنه يقال للعمرة: الحج الأصغر، وقد جاء في بعض الأحاديث إطلاق الحج على العمرة، ففي حديث الصحيحين: (أن النبي صلى الله عليه وسلم خرج حاجاً)، وذلك في قصة أبي قتادة والحمار الوحشي الذي صاده، فإن المقصود بهذا الحديث: خرج معتمراً، فإنه كان في ذلك الوقت معتمراً، فأطلق على العمرة أنها حج، ويمكن أن يكون قولها: [ لبينا بالحج ] أي: غالبنا، فيكون من باب تغليب الحج على العمرة.

    قوله: (حتى إذا كنا بسرف حضت) هذا فيه بيان مكان حيضها، وأنه وقع في مكان قريب من مكة، وهو سرف.

    قولها: [ (فدخل علي رسول الله صلى الله عليه وسلم وأنا أبكي، فقال: ما يبكيك يا عائشة ؟! قلت: حضت ليتني لم أكن حججت، فقال: سبحان الله! إنما ذلك شيء كتبه الله على بنات آدم) ].

    هذا مثل الحديث الذي قبله، وقولها: (ليتني لم أكن حججت) أي: ليتني لم أحجج هذا العام، وهذا مثل ما تقدم في الروية السابقة، وقد قالت هذه المقالة عندما حصل لها هذا المانع، فقال لها رسول الله صلى الله عليه وسلم: (سبحان الله! هذا شيء كتبه الله على بنات آدم)، وهذا فيه تهوين لما حصل لها، من أجل التسلية لها، فقد كانت تبكي متألمة متأثرة، فقال: (هذا شيء كتبه الله) أي: أنه ليس إليك، فهو من الله عز وجل، فهو الذي كتبه على بنات آدم، وفي هذا دليل على أن الحيض يحصل لكل بنات آدم، وأنه لم يكن -كما قيل- ابتلاء بسبب نساء بني إسرائيل، فالحيض -كما جاء في هذا الحديث- مكتوب على بنات آدم.

    قوله: (انسكي المناسك) أي: افعلي كل المناسك، يعني أمرها أن تدخل الحج على العمرة، وأن تفعل كل ما يفعله الحجاج إلا أنها لا تطوف بالبيت حتى تطهر، وفي هذا دليل على أن الحائض والمحدث ليس لهما أن يطوفا بالبيت إلا على طهارة.

    قوله: (فلما دخل مكة قال النبي صلى الله عليه وسلم: من شاء أن يجعلها عمرة فليجعلها عمرة) وجاء في بعض الروايات أنه قال: (اجعلوها عمرة إلا من كان معه الهدي فإنه يستمر على إحرامه إلى يوم النحر) سواء كان قارناً أو مفرداً، فإنه يبقى على إحرامه ولا يحل إلى يوم النحر.

    قوله: (وذبح النبي صلى الله عليه وسلم عن نسائه البقر يوم النحر) في هذا دليل على أن المتمتعين لا ينحرون إلا يوم النحر، ولا ينحرون قبله؛ لأن أمهات المؤمنين كن متمتعات، ولم ينحر عنهن صلى الله عليه وسلم إلا يوم النحر، وهذا بخلاف ما جاء عن بعض أهل العلم من أن المتمتع ينحر قبل يوم النحر، فهذا غير صحيح؛ لأن أمهات المؤمنين كن متمتعات ولم ينحر عنهن إلا يوم النحر، مع أن الناس كانوا بحاجة إلى اللحم، ومع ذلك لم يحصل منهم نحر، بل إن المتمتعين كالقارنين والمفردين في عدم النحر إلا في يوم النحر.

    قوله: (فلما كانت ليلة البطحاء وطهرت) أي: والحال أنها قد طهرت، (قالت: كيف يرجع صواحبي بحج وعمرة) تعني: أمهات المؤمنين يرجعن بحج مستقل وعمرة مستقلة، (وأنا أرجع بالحج؟) أي: بأعمال الحج من الطواف والسعي فقط، فقال لها النبي صلى الله عليه وسلم: (يكفيك طوافك وسعيك عن حجك وعمرتك).

    وقوله: [ (فأمر رسول الله صلى الله عليه وسلم عبد الرحمن بن أبي بكر فذهب بها إلى التنعيم، فلبت بالعمرة) ].

    تقدم شرح هذا.

    تراجم رجال حديث: (انسكي المناسك كلها غير ألا تطوفي بالبيت)

    قوله: [ حدثنا أبو سلمة موسى بن إسماعيل حدثنا حماد عن عبد الرحمن بن القاسم ].

    عبد الرحمن بن القاسم ثقة، أخرج له أصحاب الكتب الستة.

    [ عن أبيه ].

    أبوه القاسم بن محمد وهو ثقة فقيه من فقهاء المدينة السبعة في عصر التابعين، أخرج له أصحاب الكتب الستة.

    [ عن عائشة ].

    عائشة أم المؤمنين رضي الله عنها، قد مر ذكرها.

    شرح حديث: (أمر رسول الله صلى الله عليه وسلم من لم يكن ساق الهدي أن يحل)

    قال المصنف رحمه الله تعالى: [ حدثنا عثمان بن أبي شيبة حدثنا جرير عن منصور عن إبراهيم عن الأسود عن عائشة رضي الله عنها أنها قالت: (خرجنا مع رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم ولا نرى إلا أنه الحج، فلما قدمنا تطوفنا بالبيت، فأمر رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم من لم يكن ساق الهدي أن يحل، فأحل من لم يكن ساق الهدي) ].

    أورد أبو داود حديث عائشة رضي الله عنها: (أنهم خرجوا مع النبي صلى الله عليه وسلم لا يرون إلا أنه الحج) وهذا يحتمل أمرين: يحتمل أنهم خرجوا من المدينة لا يرون إلا أنهم حجاجاً فقط، أي: ليس هناك إلا الحج، فلما صاروا في ذي الحليفة خيرهم النبي صلى الله عليه وسلم بين الأنساك الثلاثة كما مر في الأحاديث، ويحتمل أنهم بعد أن أحرموا بالحج والقران رأوا أن كل من أحرم بالحج ليس له إلا الحج، ومن لبى بالحج والعمرة فليس له إلا الحج والعمرة، ولكنه جاء شيء جديد في مكة وهو: أن من ساق الهدي فليبق على الحج والعمرة، أو الحج وحده، ومن لم يسق الهدي فليفسخ إحرامه إلى عمرة، ويكون بذلك متمتعاً.

    قولها: (تطوفنا بالبيت) أي: طاف غيرها، وأما هي فلم تطف به، ولكن تحكي حال الذين لم يحصل لهم مانع، سواء كانوا متمتعين أو قارنين أو مفردين، فالقارنون طافوا طواف القدوم، والمفردون طافوا طواف القدوم أيضاً، أما المتمتعون فطافوا طواف العمرة.

    تراجم رجال إسناد حديث: (أمر رسول الله صلى الله عليه وسلم من لم يكن ساق الهدي أن يحل)

    قوله: [ حدثنا عثمان بن أبي شيبة ].

    عثمان بن أبي شيبة ثقة، أخرج له أصحاب الكتب الستة إلا الترمذي والنسائي ، فإنه لم يخرج له إلا في عمل اليوم والليلة.

    [ حدثنا جرير ].

    جرير بن عبد الحميد الضبي الكوفي ثقة، أخرج له أصحاب الكتب الستة.

    [ عن منصور ].

    منصور بن معتمر الكوفي ثقة، أخرج له أصحاب الكتب الستة.

    [ عن إبراهيم ].

    إبراهيم بن يزيد بن قيس النخعي ثقة، أخرج له أصحاب الكتب الستة.

    [ عن الأسود ].

    الأسود بن يزيد بن قيس النخعي ثقة مخضرم، أخرج له أصحاب الكتب الستة.

    [ عن عائشة ].

    عائشة أم المؤمنين، وقد مر ذكرها.

    شرح حديث: (لو استقبلت من أمري ما استدبرت لما سقت الهدي...)

    قال المصنف رحمه الله تعالى: [ حدثنا محمد بن يحيى بن فارس الذهلي حدثنا عثمان بن عمر أخبرنا يونس عن الزهري عن عروة عن عائشة رضي الله عنها أن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم قال: (لو استقبلت من أمري ما استدبرت لما سقت الهدي) قال محمد : أحسبه قال: (ولحللت مع الذين أحلوا من العمرة) قال: أراد أن يكون أمر الناس واحداً ].

    أورد أبو داود حديث عائشة أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (لو استقبلت من أمري ما استدبرت، لما سقت الهدي، ولحللت مع الذين أحلوا بالعمرة) قال لهم النبي صلى الله عليه وسلم هذا الكلام لما قالوا له: يا رسول الله! نحن محرمون بالحج والعمرة، وأنت محرم بالحج والعمرة، فكيف نتحلل من إحرامنا بحجنا وعمرتنا إلى عمرة مستقلة، وكيف نتحلل ونتمتع ونأتي بالأمور التي يمنع منها المحرم ونحن إنما جئنا حجاجاً ولم نأت للترفه؟! فحينئذٍ قال لهم صلى الله عليه وسلم: (لو استقبلت من أمري ما استدبرت لما سقت الهدي) أي: لكنت متمتعاً، فهذا يدلنا على أن التمتع أفضل الأنساك؛ لأن النبي صلى الله عليه وسلم أرشد القارنين والمفردين الذي لا هدي معهم أن يتحولوا إلى عمرة، ولو كان القران والإفراد أفضل لما أمرهم النبي صلى الله عليه وسلم أن ينتقلوا من فاضل إلى مفضول، وإنما يأمرهم أن ينتقلوا من مفضول إلى فاضل، فهو لا يرشد إلا إلى الأكمل والأعظم؛ لأنه أنصح الناس للناس صلى الله عليه وسلم.

    وقوله: (أراد أن يكون أمر الناس واحداً) يعني: هذا في حق الذين لم يسوقوا الهدي، فالقارنون والمفردون الذين ساقوا الهدي أمرهم واحد، وهو أنهم يبقون على إحرامهم، والذين لم يسوقوا الهدي يكون أمرهم واحداً، وهو أنهم يتحللون بعمرة ويكونون متمتعين.

    تراجم رجال إسناد حديث: (لو استقبلت من أمري ما استدبرت لما سقت الهدي...)

    قوله: [ حدثنا محمد بن يحيى بن فارس الذهلي ].

    محمد بن يحيى بن فارس الذهلي ثقة، أخرج له البخاري وأصحاب السنن.

    [ حدثنا عثمان بن عمر ].

    عثمان بن عمر ثقة، أخرج له أصحاب الكتب الستة.

    [ أخبرنا يونس عن الزهري ].

    يونس بن يزيد الأيلي ثقة، أخرج له أصحاب الكتب الستة.

    [ عن الزهري ].

    مر ذكره.

    [ عن عروة عن عائشة ].

    عروة وعائشة مر ذكرهما.

    شرح حديث: (... اغتسلي ثم أهلي بالحج...)

    قال المصنف رحمه الله تعالى: [ حدثنا قتيبة بن سعيد حدثنا الليث عن أبي الزبير عن جابر رضي الله عنه أنه قال: (أقبلنا مهلين مع رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم بالحج مفرداً، وأقبلت عائشة مهلة بعمرة، حتى إذا كانت بسرف عركت، حتى إذا قدمنا طفنا بالكعبة وبالصفا والمروة، فأمرنا رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم أن يحل منا من لم يكن معه هدي، قال: فقلنا: حل ماذا؟ فقال: الحل كله، فواقعنا النساء، وتطيبنا بالطيب، ولبسنا ثيابنا، وليس بينا وبين عرفة إلا أربع ليال، ثم أهللنا يوم التروية، ثم دخل رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم على عائشة رضي الله عنها فوجدها تبكي فقال: ما شأنك؟ قالت: شأني أني قد حضت، وقد حل الناس ولم أحلل، ولم أطف بالبيت، والناس يذهبون إلى الحج الآن، فقال: إن هذا أمر كتبه الله على بنات آدم، فاغتسلي ثم أهلي بالحج، ففعلت، ووقفت المواقف، حتى إذا طهرت طافت بالبيت وبالصفا والمروة، ثم قال: قد حللت من حجك وعمرتك جميعاً، قالت: يا رسول الله! إني أجد في نفسي أني لم أطف بالبيت حين حججت، قال: فاذهب بها يا عبد الرحمن ! فأعمرها من التنعيم، وذلك ليلة الحصبة) ].

    أورد أبو داود حديث جابر رضي الله عنه، وذلك بعدما فرغ من ذكر حديث عائشة بالطرق المتعددة، وسيذكر هنا أحاديث جابر رضي الله عنه من طرق متعددة، فبدأ بهذه الطريق، قال جابر رضي الله عنه: (أقبلنا مهلين مع النبي صلى الله عليه وسلم بالحج مفرداً) أي: أفرد بعضهم وليسوا كلهم، فالنبي صلى الله عليه وسلم لم يكن مفرداً، وإنما كان قارناً، وكذلك قوله: (مهلين) يعني: بعضهم وليسوا كلهم، فالنبي صلى الله عليه وسلم لم يكن مع المهلين بالحج وحده.

    قوله: (وأقبلت عائشة مهلة بعمرة) يعني: أنها ممن أهل بعمرة.

    قوله: (حتى إذا كانت بسرف عركت) أي: حاضت.

    قوله: (حتى إذا قدمنا طفنا بالكعبة، وبالصفا والمروة، فأمرنا رسول الله صلى الله عليه وسلم أن يحل منا من لم يكن معه هدي).

    يعني: أنهم لما قدموا طافوا بالكعبة، وسعوا بين الصفا والمروة، فالمتمتعون طافوا وسعوا لعمرتهم، والمفردون طافوا طواف القدوم، وسعوا لحجهم، والقارنون سعوا لحجهم وعمرتهم، وعلى هذا فالنبي صلى الله عليه وسلم والذين كانوا معه قدموا السعي، وفعلوه مع طواف القدوم، ومعلوم أن السعي بالنسبة للقارن والمفرد له محلان -كما أشرت إلى ذلك-: محل بعد القدوم، ومحل بعد الإفاضة.

    قوله: (فأمرنا رسول الله صلى الله عليه وسلم أن يهل منا من لم يكن معه هدي) يعني: من القارنين والمفردين، فالذين كانوا قارنين ومفردين وليس معهم هدي أمروا بأن يحلوا، وأن يكونوا متمتعين.

    قوله: (قلنا: يا رسول الله! حل ماذا؟) أي: كأنهم كانوا مترددين في هذا الحل؛ لأنهم جاءوا للحج، والحاج من شأنه ألا يترفه، وهذا فيه ترفه، وكأنهم فهموا أن هناك حلاً ليس بكامل، (فقال: الحل كله)، فحصل منهم أن فعلوا كل ما يفعله أهل مكة، فواقعوا النساء، وتطيبوا، ولبسوا الثياب، فكل ما كان حلالاً لأهل مكة حل لهم، وكل ما كان حراماً على أهل مكة حرم عليهم.

    قوله: (وليس بيننا وبين عرفة إلا أربع ليل) أي: أنهم دخلوا في يوم أربعة من ذي الحجة.

    قوله: (ثم أهللنا يوم التروية) أي: الذين كانوا متمتعين، فهم الذين أهلوا يوم التروية، وأما من كان محرماً بحج وعمرة وقد ساق الهدي فهو باق على إحرامه من الميقات، فالمقصود بقوله: (أهللنا يوم التروية) الذين كانوا محلين.

    قوله: (ثم دخل رسول الله صلى الله عليه وسلم على عائشة ووجدها تبكي، فقال: ما شأنك؟ قالت: شأني أني قد حضت، وقد حل الناس ولم أحلل، ولم أطف بالبيت، والناس يذهبون إلى الحج الآن، فقال: إن هذا أمر كتبه الله على بنات آدم، فاغتسلي ثم أهلي بحج) وهذا يفيد بأنه في وقت ذهابهم إلى الحج كان الحيض فيها؛ لأنها قالت: (يذهبون للحج الآن) فمعناه أنها لا يزال الحيض فيها، وأن اغتسالها هنا ليس للحيض، وإنما هو للحج، أي: لإدخال الحج على العمرة، والغسل هنا للاستحباب.

    قوله: (ووقفت المواقف) أي: وقفت بعرفة وبمزدلفة، ورجعت إلى منى، ورمت الجمرات.

    قوله: (حتى إذا طهرت طافت بالبيت، وبالصفا والمروة) يعني: عن حجها وعمرتها.

    قوله: (ثم قال: قد حللت من حجك وعمرتك جميعاً) لأنها صارت قانة، فحلت منهما جميعاً؛ لأن القارن عندما يحل فإنه يحل من الحج والعمرة معاً؛ فأعمال الحج مقرونة مع العمرة، فليس هناك فاصل يميز العملين، فالطواف واحد للحج والعمرة، والسعي واحد للحج والعمرة.

    قوله: (إني أجد في نفسي أني لم أطف بالبيت حين حججت) تعني: أنها حين حجت أحرمتْ بالعمرة، وهذا يبين لنا أن المقصود بالحج هنا العمرة؛ لأنها جاءت معتمرة، ويقال عن العمرة: حج.

    قوله: (فاذهب بها يا عبد الرحمن !) يعني: أخاها، (فأعمرها من التنعيم، وذلك ليلة الحصبة) يعني: ليلة الرابع عشر، وذلك حين نزل الناس من منى إلى الأبطح، وهو ليلة الصدر؛ لأنهم يطوفون طواف الوداع ثم يسافرون.

    تراجم رجال إسناد حديث: (..اغتسلي ثم أهلي بالحج..)

    قوله: [ حدثنا قتيبة بن سعيد ].

    قتيبة بن سعيد بن جميل ثقة، أخرج له أصحاب الكتب الستة.

    [ حدثنا الليث ].

    الليث بن سعد ثقة فقيه، أخرج له أصحاب الكتب الستة.

    [ عن أبي الزبير ].

    أبو الزبير محمد بن مسلم بن تدرس المكي صدوق، أخرج له أصحاب الكتب الستة.

    [ عن جابر ].

    جابر بن عبد الله رضي الله تعالى عنهما، وهو صحابي ابن صحابي، وأحد السبعة المعروفين بكثرة الحديث عن النبي صلى الله عليه وسلم.

    1.   

    الأسئلة

    وجه التفريق بين من ساق الهدي ومن لم يسقه

    السؤال: ما وجه التفريق بين من ساق الهدي وبين من لم يسق الهدي؟ أي: ما هي الحكمة من كون من ساق الهدي يبقى على إحرامه، ومن لم يسقه يحل؟

    الجواب: الحكمة من ذلك -والله أعلم- أن من ساق الهدي ليس أمامه إلا الاستمرار؛ لأن وجود الهدي معه يمنعه من أن يحل، فسائق الهدي لا يحل إلا يوم النحر، وليس له أن يحل قبل يوم النحر، كما قال تعالى: وَلا تَحْلِقُوا رُءُوسَكُمْ حَتَّى يَبْلُغَ الْهَدْيُ مَحِلَّهُ [البقرة:196]، وأما من لم يسق الهدي فليس عنده شيء يمنعه، ولهذا يتحول إلى عمرة ويكون متمتعاً، فهذا هو الفرق بينهما، فهذا عنده مانع، وهذا ليس لديه مانع.

    الكتب التي ينصح طلاب العلم باقتنائها

    السؤال: ما هي الكتب التي تنصح أن يقتنيها طلاب العلم، وجزاك الله خيراً؟

    الجواب: الكتب كثيرة، وموضوعاتها متعددة، فهناك كتب في الحديث، وكتب في العقيدة، وكتب في التفسير، وكتب في المصطلح، وكتب في الفقه، فهي أنواع كثيرة، فأبدأ بكتب العقيدة فأقول: كتب العقيدة على قسمين: كتب عقيدة على منهج السلف، وكتب عقيدة على منهج الخلف، فالكتب التي على منهج الخلف يتركها طالب العلم، ولا يشغل نفسه بها، ويستغني عنها بما هو خير منها وهي: كتب السلف.

    وكتب السلف على قسمين أيضاً: أحدهما: كتب للمتقدمين، وهي الكتب التي على طريقة الأسانيد، فكل مروياتها مسندة: حدثنا فلان، حدثنا فلان: أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: كذا، وحدثنا فلان أن فلاناً من الصحابة قال: كذا، وحدثنا فلان: أن فلاناً من التابعين قال: كذا، فهذه طريقة كتب المتقدمين، فمثل هذه الكتب يحرص عليها الإنسان، ويهتم بها، ويحرص على اقتنائها، وتسمى بأسماء عدة، فقسم منها يسمى بالسنة، وقسم فيها باسم الإيمان، وقسم باسم التوحيد، وقسم باسم الرد على الجهمية، ويدخل تحت كل قسم منها كتب متعددة.

    فالبنسبة للكتب المسماة باسم السنة، فهناك كتب متعددة باسم السنة، كالسنة لـعبد الله بن الإمام أحمد ، والسنة للإمام أحمد ، والسنة للالكائي ، والسنة لـمحمد بن نصر المروزي ، والسنة لـابن أبي عاصم ، فهذه كلها باسم السنة، وأطلق عليها اسم السنة لأنها في مقابل البدعة، فهي تتعلق بالعقيدة وفقاً للسنة، وذلك خلاف البدعة.

    والسنة لها أربع معان: فتطلق ويراد بها كل ما جاء عن النبي صلى الله عليه وسلم من الكتاب والسنة، ومنه قوله صلى الله عليه وسلم: (أما إني أصوم وأفطر، وأصلي وأنام، وأتزوج النساء، فمن رغبي عن سنتي فليس مني) يعني بسنته هنا كل ما جاء في الكتاب والسنة.

    وتطلق السنة بالمعنى الثاني على أحاديث النبي صلى الله عليه وسلم، وذلك إذا قرنت بالكتاب، ومن ذلك طريقة العلماء من المحدثين والفقهاء عندما يستدلون على مسألة ما، فيذكرون أولاً الأدلة بالاختصار، ثم يذكرونها بالتفصيل، فيقولون: هذه المسألة دل عليها الكتاب والسنة والإجماع، فالمراد بالسنة هنا الحديث.

    والسنة بالمعنى الثالث -وهو ما نحن فيه- أن تطلق ويراد بها ما يقابل البدعة، ومنها المؤلفات التي تؤلف باسم السنة ويراد بها ما يعتقد طبقاً للسنة، وخلافاً للبدعة، وقد عقد أبو داود رحمه الله في كتابه السنن كتاباً باسم: كتاب السنة، وقد اشتمل على مائة وسبعة وسبعين حديثاً كلها في العقيدة، وجعلها في كتاب السنة، أي: ما يعتقد موافقاً للسنة، فهذه مجموعة من كتب المتقدمين، وكلها باسم السنة، وهناك كتب أخرى لكن هذه هي أهمها.

    وهناك كتب باسم الإيمان، كالإيمان لـابن مندة ، والإيمان لـابن أبي عمر العدني شيخ الإمام مسلم ، والإيمان لـابن أبي شيبة : عبد الله بن أبي شيبة ، وكتاب الإيمان لـأبي عبيد القاسم بن سلام وغيرها.

    وهناك كتب باسم الرد على الجهمية، كالرد على الجهمية للإمام أحمد ، والرد على الجهمية لـابن مندة ، والرد على الجهمية لـعثمان بن سعيد الدارمي ، والرد على الجهمية لـابن أبي حاتم الرازي ، ولكن هذا الكتاب لا نعلم عن وجوده شيئاً، وقد نقل عنه الحافظ ابن حجر في (فتح الباري) في عدة مواضع من كتاب (التوحيد)، فهذه عدة كتب.

    وهناك عدة كتب باسم التوحيد، كالتوحيد لـابن خزيمة ، والتوحيد لـابن مندة .

    فمثل هذه الكتب ينبغي لطالب العلم أن يحرص على اقتنائها؛ لأنها كتب مبنية على السنة ومخالفة البدعة، فيحرص طالب العلم عليها.

    الضرب الثاني: كتب للمتأخرين، وهي تمشي في العقيدة على منهج السلف وطريقتهم، وهي كتب تُعنى ببحث مسائل العقيدة وترتيبها وتنظيمها، فيأتي مؤلفها بالمسألة المعينة، ويستدل عليها من الكتاب والسنة وآثار السلف، وهذه مثل كتب شيخ الإسلام ابن تيمية ، وكتب الإمام ابن القيم ، وكتب الشيخ محمد بن عبد الوهاب رحمة الله على الجميع، فإن هذه الكتب على هذا النحو، وعلى هذه الطريقة.