إسلام ويب

شرح سنن أبي داود [208]للشيخ : عبد المحسن العباد

  •  التفريغ النصي الكامل
  • وقت النبي عليه الصلاة والسلام للحج مواقيت مكانية، تحيط بالحرم من جميع الجهات، وبعضها قريب منه وبعضها بعيد، فمن أراد الحج أو العمرة فلا يجاوز هذه المواقيت حتى يحرم منها، ومن ترك الإحرام منها فعليه دم، وأما من كان ساكناً دون هذه المواقيت فميقاته من مكانه الذي هو فيه، حتى أهل مكة ميقاتهم من مكة.

    1.   

    ما جاء في المواقيت

    شرح حديث: ( وقت النبي لأهل المدينة ذا الحليفة ولأهل الشام الجحفة ولأهل نجد قَرَن ... )

    قال المصنف رحمه الله تعالى: [ باب في المواقيت.

    حدثنا القعنبي عن مالك ح وحدثنا أحمد بن يونس حدثنا مالك عن نافع عن ابن عمر رضي الله عنهما أنه قال: (وقّت النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم لأهل المدينة ذا الحليفة، ولأهل الشام الجحفة، ولأهل نجد قرن، وبلغني أنه وقت لأهل اليمن يلملم) ].

    قال الإمام أبو داود السجستاني رحمه الله تعالى: باب في المواقيت، أي: المواقيت المكانية التي إذا جاء الإنسان إلى مكة ماراً بها يريد الحج أو العمرة فإنه لا يتجاوزها حتى يحرم من هذه المواقيت التي وقتها رسول الله صلى الله عليه وسلم، وهي ذو الحليفة لأهل المدينة، والجحفة لأهل الشام، وقرن المنازل لأهل نجد، ويلملم لأهل اليمن، وذات عرق لأهل العراق.

    هذه هي المواقيت التي جاءت بها الأحاديث عن رسول الله صلى الله عليه وسلم، والتي لا يجوز للإنسان أن يتجاوزها إلا وقد أحرم، ويمكن للإنسان وهو في المدينة أن يتهيأ للإحرام وهو في منزله، فيغتسل ويتنظف ويتهيأ ويلبس الإزار والرداء، وإذا جاء الميقات فإنه ينوي ويلبي، فيكون استعداده وتهيئه قبل ذلك في المدينة.

    وإذا جاء الميقات فإن نزل وجاء إلى المسجد وصلى فيه، ثم أحرم بعد ذلك، فلا بأس، وإن أراد أن يحرم دون أن ينزل فعندما تكون السيارة في محاذاة مسجد ذي الحليفة، فإنه ينوي ويلبي ولو لم تقف السيارة، ولو لم تنزل إلى المكان الذي فيه المسجد، وإنما يستعد قبل ذلك، ولكن ينوي من الميقات، ويلبي من الميقات.

    وكذلك الحال في حق من يريد السفر بالطائرة من المدينة، فإنه يتهيأ وهو في منزله، ويلبس إزاره ورداءه، وإذا وصل إلى المطار وركب الطائرة فإذا تحركت الطائرة للإقلاع فإنه ينوي ويلبي؛ لأنها إذا أقلعت تسير بسرعة، فقد تتجاوز الميقات الذي هو على مقربة من المدينة.

    فالحاصل: أن الإحرام والنية تكون من الميقات، الاستعداد يكون قبل ذلك، وكذلك بالنسبة لمن يأتي في الطائرات فإنه يتهيأ ويغتسل ويلبس إزاره ورداءه وهو في بلده، ثم يركب الطائرة وعليه الإزار والرداء، وإذا أقبلت الطائرة على الميقات فإنه ينوي ويلبي، وإذا شك أو خاف أنه لا يعرف أو لا ينبه للميقات ويخشى أن يفوته دون أن يحرم فله أن يحرم قبل ذلك بمسافة ولا بأس بذلك، فالإحرام قبل الميقات يصح، ويصح أيضاً بعد الميقات ولكن فيه مخالفة، فيكون مرتكباً لذنب.

    فإذا أحرم قبله صح إحرامه، وصحت نيته، ويلزمه أن يستمر على الإحرام، لكن السنة أن يكون ذلك من الميقات، والمواقيت هي المذكورة في هذه الأحاديث، وهذه المواقيت هي لأهل تلك البلاد ولمن مر على تلك البلاد من غير أهلها.

    فمثلاً من كان من أهل اليمن ووصل إلى المدينة وأراد أن يحرم بالحج أو العمرة فإنه يحرم من ميقات المدينة، فمن يريد دخول مكة للحج أو العمرة فإنه يحرم من الميقات الذي مر به، ولو لم يكن من أهل ذلك البلد؛ لأن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (هن لهن، ولمن أتى عليهن من غير أهلهن).

    والذي يلزمه الإحرام هو من يريد الحج والعمرة، وأما من لا يريد حجاً ولا عمرة، ويريد أن يذهب إلى مكة للتجارة أو للزيارة فإنه لا يلزمه الإحرام وإن مرّ بالميقات؛ لأن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (هن لهن، ولمن أتى عليهن من غير أهلهن ممن أراد الحج والعمرة، ومن كان دون ذلك فمن حيث أنشأ) أي: من مر عليهن مريداً حجاً وعمرة، فهذا هو الذي يلزمه الإحرام منها ولا يتجاوزها إلا محرماً.

    قوله: (ومن كان دون ذلك) أي: دون المواقيت، وذلك مثل أهل جدة، فإنهم يحرمون من جدة، ومثل أهل وداي فاطمة، فإنهم يحرمون من وداي فاطمة، وكذلك الأماكن التي تكون بين الميقات وبين مكة، فإن أهلها يحرمون منها، ولا يتجاوزونها غير محرمين؛ لأن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (ومن كان دون ذلك فمن حيث أنشأ).

    وكذلك لو أن إنساناً ذهب من المدينة لا يريد حجاً ولا عمرة، وعندما كان في الطريق طرأ عليه قصد وإرادة الحج أو العمرة، فيحرم من المكان الذي طرأت فيه تلك الرغبة، وما دام أنه مر بالميقات ولم يكن يرد حجاً ولا عمرة فمروره صحيح، ولكنه لابد أن يحرم من حيث قصد ونوى الحج والعمرة.

    ويحرم أهل مكة للحج من مكة، وأما بالنسبة للعمرة فإنهم يخرجون إلى الحل ليحرموا منه؛ لأن النبي صلى الله عليه وسلم لما طلبت منه عائشة أن تحرم بعمرة، أمرها أن تخرج إلى أدنى الحل، فخرجت وأحرمت، فيجمع في عمرته بين الحل والحرم، كما أن الحج يجمع فيه بين الحل والحرم.

    تراجم رجال إسناد حديث: ( وقت النبي لأهل المدينة ذا الحليفة ولأهل الشام الجحفة ولأهل نجد قَرَن ... )

    قوله: [ حدثنا القعنبي ].

    القعنبي هو عبد الله بن مسلمة بن قعنب القعنبي ثقة، أخرج له أصحاب الكتب الستة إلا ابن ماجة .

    [ عن مالك ].

    مالك بن أنس إمام دار الهجرة الإمام المشهور، أحد أصحاب المذاهب الأربعة المشهورة من مذاهب أهل السنة، أخرج له أصحاب الكتب الستة.

    [ ح وحدثنا أحمد بن يونس ].

    أحمد بن يونس هو أحمد بن عبد الله بن يونس الكوفي ، وهو ثقة، أخرج له أصحاب الكتب الستة.

    [ حدثنا مالك عن نافع ].

    نافع مولى ابن عمر وهو ثقة ، أخرج له أصحاب الكتب الستة.

    [ عن عبد الله بن عمر ].

    هو الصحابي الجليل، أحد العبادلة الأربعة من الصحابة، وأحد السبعة المعروفين بكثرة الحديث عن النبي صلى الله عليه وسلم.

    وهذا الإسناد رباعي، وهو من أعلى الأسانيد عند أبي داود.

    وما جاء في آخر الحديث من قول ابن عمر : (وبلغني أن النبي صلى الله عليه وسلم وقت لأهل اليمن يلملم) أي: أنه يروي ذلك بواسطة، ولم يسمعه مباشرة، وقد جاء ذلك صريحاً من قول النبي صلى الله عليه وسلم في بعض الأحاديث، وذلك كما في حديث ابن عباس الذي بعد هذا، وقول ابن عمر : بلغني لا يؤثر؛ لأنه إنما يأخذ عن الصحابة.

    1.   

    الأسئلة

    حكم الإحرام من جدة لمن جاء من المغرب أو السودان

    السؤال: ما حكم الإحرام من جدة لمن جاء من المغرب أو من السودان؟

    الجواب: جدة ليست من المواقيت، وإنما هي داخل المواقيت، فمن أتى على جدة فإنه يحرم من البحر أو من الجو قبل أن يصل إليها، فإن كان أقرب ما يكون من الجنوب فإنه يحرم بمحاذاة يلملم، وإن كان أقرب إلى الجحفة -وهو ميقات أهل الشام- فإنه يحرم بمحاذاته، ولا يؤخر الإحرام إلى جدة؛ لأن جدة داخل المواقيت.

    حكم النزول في وادي العقيق

    السؤال: بالنسبة لميقات أهل المدينة، نحن نعلم الآن أنه يجوز للمحرم أن ينزل، ويجوز له أن يمضي دون النزول إلى الميقات، لكن هذا الميقات ورد دليل على أنه وادٍ مبارك، فما حكم النزول هناك؟

    الجواب: لا بأس بذلك، وهو ليس بلازم، فالإنسان إذا أراد أن يواصل المسير فله أن يواصل، وإن أراد أن ينزل ويصلي في هذا الوادي المبارك فله ذلك، كما جاء عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: (أتاني آت فقال: صل في هذا الواده المبارك)، فهذا أمر مستحب وليس بلازم.

    1.   

    تابع ما جاء في المواقيت

    شرح حديث ابن عباس في المواقيت

    قال المصنف رحمه الله تعالى: [ حدثنا سليمان بن حرب حدثنا حماد عن عمرو بن دينار عن طاوس عن ابن عباس رضي الله عنهما، وعن ابن طاوس عن أبيه قالا: وقت رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم بمعناه، وقال أحدهما: (ولأهل اليمن ألملم) ].

    أورد المصنف حديث ابن عباس رضي الله تعالى عنهما، وهو بمعنى حديث ابن عمر ، وفي بعض طرقه أنه قال: (ولأهل اليمن يلملم) أي: وقت النبي صلى الله عليه وسلم لأهل اليمن يلملم، وفي هذا التنصيص على توقيت النبي صلى الله عليه وسلم لأهل اليمن يلملم، كما وقت لأهل المدينة ذا الحليفة، ولأهل نجد قرن المنازل، ولأهل الشام الجحفة.

    قوله: [ وقال أحدهما: ألملم ].

    أي: بدل يلملم، فذكر بدل الياء همزة.

    قال: (فهن لهن، ولمن أتى عليهن من أهلهن، ممن كان يريد الحج والعمرة، ومن كان دون ذلك -قال ابن طاوس: فمن حيث أنشأ، قال: وكذلك حتى أهل مكة يهلون منها) ].

    وهذا قد مر الكلام عليه.

    تراجم رجال إسناد حديث ابن عباس في المواقيت

    قوله: [ حدثنا سليمان بن حرب ].

    سليمان بن حرب ثقة، أخرج له أصحاب الكتب الستة.

    [ حدثنا حماد ].

    هو حماد بن زيد ثقة، أخرج له أصحاب الكتب الستة.

    [ عن عمرو بن دينار ].

    عمرو بن دينار ثقة، أخرج له أصحاب الكتب الستة.

    [ عن طاوس ].

    طاوس بن كيسان ، ثقة، أخرج له أصحاب الكتب الستة.

    [ عن ابن عباس ].

    عبد الله بن عباس بن عبد المطلب ، ابن عم النبي صلى الله عليه وسلم، وأحد العبادلة الأربعة من الصحابة، وأحد السبعة المعروفين بكثرة الحديث عن النبي صلى الله عليه وسلم.

    [ وعن ابن طاوس عن أبيه ].

    أي: رواه ابن طاوس عن أبيه عن ابن عباس ، فقد رواه عمرو بن دينار عن طاوس ورواه عبد الله بن طاوس عن أبيه، وأبوه يروي عن النبي صلى الله عليه وسلم، وعبد الله بن طاوس ثقة، أخرج له أصحاب الكتب الستة.

    شرح حديث: (أن رسول الله وقت لأهل العراق ذات عرق)

    قال المصنف رحمه الله تعالى: [ حدثنا هشام بن بهرام المدائني حدثنا المعافى بن عمران عن أفلح - يعني ابن حميد - عن القاسم بن محمد عن عائشة رضي الله عنها: (أن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم وقت لأهل العراق ذات عرق) ].

    أورد أبو داود رحمه الله حديث عائشة رضي الله عنها: (أن النبي صلى الله عليه وسلم وقت لأهل العراق ذات عرق)، وهذا هو الميقات الخامس، وقد جاء في أحاديث خاصة، بخلاف الأربعة الأولى فإنها جاءت مجتمعة، وأما هذا فقد جاء في بعض الأحاديث.

    وهذا الحديث من دلائل نبوته صلى الله عليه وسلم، فقد وقت لأهل العراق ذات عرق مع أن العراق لم تفتح بعد، فهو بهذا التوقيت وغيره من الأدلة يخبر بأنها ستفتح، وقد فتحت بعد ذلك كما أخبر، ووقت أيضاً لأهل الشام مع أن الشام لم تفتح بعد، ثم فتحت بعد ذلك، وقد أخبر بأنها ستفتحان، وأن كنوز كسرى وقيصر ستنفق في سبيل الله، وقد فتحتا، وأنفقت كنوزهما في سبيل الله في عهد الفاروق رضي الله عنه وأرضاه.

    تراجم رجال إسناد حديث: (أن رسول الله وقت لأهل العراق ذات عرق)

    قوله: [ حدثنا هشام بن بهرام المدائني ].

    هشام بن بهرام المدائني ثقة، أخرج له أبو داود والنسائي

    [ حدثنا المعافى بن عمران ].

    المعافى بن عمران الموصلي ، وهو ثقة، أخرج له البخاري وأبو داود والنسائي .

    [ عن أفلح - يعني ابن حميد - ].

    أفلح بن حميد ثقة، أخرج له أصحاب الكتب الستة إلا الترمذي .

    [ عن القاسم بن محمد ].

    القاسم بن محمد بن أبي بكر الصديق وهو ثقة فقيه، أحد فقهاء المدينة السبعة في عصر التابعين، أخرج له أصحاب الكتب الستة.

    [ عن عائشة ].

    عائشة أم المؤمنين رضي الله تعالى عنها وأرضاها، وهي عمته، وهي الصديقة بنت الصديق ، وهي واحدة من سبعة أشخاص عرفوا بكثرة الحديث عن النبي صلى الله عليه وسلم.

    شرح حديث: (وقّت رسول الله صلى الله عليه وسلم لأهل المشرق العقيق)

    قال المصنف رحمه الله تعالى: [ حدثنا أحمد بن محمد بن حنبل حدثنا وكيع حدثنا سفيان عن يزيد بن أبي زياد عن محمد بن علي بن عبد الله بن عباس عن ابن عباس رضي الله عنهما أنه قال: (وقت رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم لأهل المشرق العقيق) ].

    أورد أبو داود حديث ابن عباس : (أن النبي صلى الله عليه وسلم وقت لأهل المشرق العقيق)، والعقيق مكان آخر غير ذات عرق، والذي ثبتت به الأحاديث هو ذات عرق، كما مر في الحديث السابق وغيره من الأحاديث، وأما العقيق فإنه لم يثبت به الحديث عن رسول الله صلى الله عليه وسلم، ففي إسناده انقطاع، وأحد رواته متكلم فيه، كما سيأتي.

    تراجم رجال إسناد حديث: (وقّت رسول الله صلى الله عليه وسلم لأهل المشرق العقيق)

    قوله: [ حدثنا أحمد بن محمد بن حنبل ].

    أحمد بن محمد بن حنبل الشيباني الإمام المشهور، أحد أصحاب المذاهب الأربعة المشهورة من مذاهب أهل السنة، أخرج له أصحاب الكتب الستة.

    [ حدثنا وكيع ].

    وكيع بن الجراح الرؤاسي الكوفي ثقة، أخرج له أصحاب الكتب الستة.

    [ حدثنا سفيان ].

    هو سفيان بن سعيد بن مسروق الثوري ، ثقة فقيه، وصف بأنه أمير المؤمنين في الحديث، أخرج حديثه أصحاب الكتب الستة.

    [ عن يزيد بن أبي زياد ].

    يزيد بن أبي زياد ضعيف، أخرج له البخاري تعليقاً ومسلم وأصحاب السنن.

    [ عن محمد بن علي بن عبد الله ].

    محمد بن علي بن عبد الله بن عباس وهو ثقة، أخرج له مسلم وأصحاب السنن.

    [ عن عبد الله بن عباس ].

    وهو جده، والمعروف روايته عن أبيه عن جده، وأما روايته عن جده فقد قال الحافظ في التقريب: إنها لم تثبت، وعلى هذا ففي هذا الحديث علة، وهي عدم الاتصال، وكذلك فيه يزيد بن أبي زياد .

    شرح حديث: (من أهل بحجة أو عمرة من المسجد الأقصى)

    قال المصنف رحمه الله تعالى: [ حدثنا أحمد بن صالح حدثنا ابن أبي فديك عن عبد الله بن عبد الرحمن بن يحنس عن يحيى بن أبي سفيان الأخنسي عن جدته حكيمة عن أم سلمة رضي الله عنها زوج النبي صلى الله عليه وآله وسلم أنها سمعت رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم يقول: (من أهلّ بحجة أو عمرة من المسجد الأقصى إلى المسجد الحرام غفر له ما تقدم من ذنبه وما تأخر، أو وجبت له الجنة)، شك عبد الله أيتهما.

    قال أبو داود : يرحم الله وكيعاً ! أحرم من بيت المقدس، يعني: إلى مكة ].

    أورد أبو داود حديث أم سلمة رضي الله عنها أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (من أهل بحجة أو عمرة)، وهذا للتنويع، أي: هذه أو هذه، (من المسجد الأقصى إلى المسجد الحرام غفر له ما تأخر من ذنبه وما تأخر أو وجبت له الجنة)، شك عبد الله بن عبد الرحمن بن المثنى ، أيتهما قال، هل قال: (غفر له ما تقدم وما تأخر من ذنوبه أو وجبت له الجنة).

    والحديث غير صحيح فلا يثبت عن رسول الله صلى الله عليه وسلم؛ لأن فيه بعض المجاهيل، والإحرام إنما يكون من المواقيت، والإحرام قبل المواقيت خلاف السنة، ولكنه لو وقع صح، ويلزم الإنسان أن يمضي فيه، ولكن السنة هي الإحرام من المواقيت؛ لأن النبي صلى الله عليه وسلم وقت تلك المواقيت، وأحرم صلى الله عليه وسلم من الميقات من ذي الحليفة.

    تراجم رجال إسناد حديث: (من أهل بحجة أو عمرة من المسجد الأقصى)

    قوله: [ حدثنا أحمد بن صالح ].

    أحمد بن صالح المصري ثقة ، أخرج له البخاري وأبو داود والترمذي في الشمائل.

    [ حدثنا ابن أبي فديك ].

    ابن أبي فديك هو محمد بن إسماعيل بن مسلم بن أبي فديك وهو صدوق، أخرج له أصحاب الكتب الستة.

    [ عن عبد الله بن عبد الرحمن بن يحنس ].

    عبد الله بن عبد الرحمن بن يحنس أخرج له مسلم وأبو داود .

    [ عن يحيى بن أبي سفيان الأخنسي ].

    يحيى بن أبي سفيان الأخنسي مستور، وهذا بمعنى مجهول الحال، أخرج حديثه أبو داود وابن ماجة .

    [ عن جدته حكيمة ].

    جدته حكيمة مقبولة، أخرج حديثها أبو داود وابن ماجة .

    [ عن أم سلمة ].

    أم سلمة هي أم المؤمنين هند بنت أبي أمية رضي الله عنها وأرضاها، وحديثها أخرجه أصحاب الكتب الستة.

    [ قال أبو داود : يرحم الله وكيعاً أحرم من بيت المقدس، يعني إلى مكة ].

    أي: أن أبا داود يخبر أن وكيعاً فعل هذا، فهو يدعو له بأن الله تعالى يرحمه، ولكن عمله خلاف السنة الثابتة عن رسول الله صلى الله عليه وسلم.

    والإحرام من بيت المقدس أو من أي مكان بعيد أنه خلاف السنة؛ فإن فيه مشقة على الإنسان، وهذا كان فيما مضى، وأما الآن فالمشقة قليلة لوجود الطائرات، فيقطع ذلك في فترة وجيزة، وأما في الماضي فقد كان من المدينة إلى مكة تسع مراحل، وذلك في تسعة أيام، ولا يصل إلى مكة إلا وقد أصيب بالعرق والوسخ، وطول المدة تؤثر في لباس الإحرام، وفيه مشقة على الإنسان، فينبغي الوقوف على ما جاءت به السنن عن رسول الله صلى الله عليه وسلم.

    ولو صح الحديث في فضل الإحرام من بيت المقدس لكان مستحباً، ولكن الحديث لا يصح، فوجوده مثل عدمه.

    شرح حديث الحارث بن عمرو في توقيت النبي ذات عرق لأهل العراق

    قال المصنف رحمه الله تعالى: [ حدثنا أبو معمر عبد الله بن عمرو بن أبي الحجاج حدثنا عبد الوارث حدثنا عتبة بن عبد الملك السهمي حدثني زرارة بن كريم أن الحارث بن عمرو السهمي رضي الله عنه حدثه قال: (أتيت رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم وهو بمنى أو بعرفات، وقد أطاف به الناس، قال: فتجيء الأعراب فإذا رأوا وجهه قالوا: هذا وجه مبارك، قال: ووقّت ذات عرق لأهل العراق) ].

    أورد أبو داود حديث الحارث بن عمرو السهمي رضي الله عنه: (أنه جاء إلى النبي صلى الله عليه وسلم وهو بمنى وكانت تطيف به الأعراب، ويحيط به الناس، فيسألونه، ويأخذون منه السنن، فقال النبي صلى الله عليه وسلم: خذوا عني مناسككم، فلعلي لا ألقاكم بعد عامي هذا).

    فكان المسلمون يحرصون على معرفة أعماله وأقواله صلى الله عليه وسلم؛ ليسيروا في حجهم طبقاً لما يثبت عنه من السنن صلوات الله وسلامه وبركاته عليه، فكان الناس يأتون إليه وفيهم من لا يعرفه، فإذا رأوه قالوا: هذا وجه مبارك، فبمجرد أن يروا وجه النبي صلى الله عليه وسلم يسروا وتنشرح صدورهم، فوقت لأهل العراق ذات عرق، أي: جعلها ميقاتاً لهم.

    تراجم رجال إسناد حديث الحارث بن عمرو في توقيت النبي ذات عرق لأهل العراق

    قوله: [ حدثنا أبو معمر عبد الله بن عمرو بن أبي الحجاج ].

    أبو معمر عبد الله بن عمرو بن أبي الحجاج ثقة، أخرج له أصحاب الكتب الستة.

    [ حدثنا عبد الوارث ].

    عبد الوارث بن سعيد العنبري ثقة، أخرج له أصحاب الكتب الستة.

    [ حدثنا عتبة بن عبد الملك السهمي ].

    عتبة بن عبد الملك السهمي مقبول، أخرج له البخاري في الأدب المفرد وأبو داود .

    [ حدثني زرارة بن كريم ].

    زرارة بن كريم قيل: له رؤية، وذكره ابن حبان في ثقات التابعين، وحديثه أخرجه البخاري في الأدب المفرد وأبو داود والنسائي .

    [ عن الحارث بن عمرو السهمي ]

    الحارث بن عمرو السهمي رضي الله عنه صحابي، أخرج حديثه البخاري في الأدب المفرد وأبو داود والنسائي .

    وهذا الحديث وإن كان فيه مقبول إلا أنه قد جاءت أحاديث أخرى بمعناه كما سبق في حديث عائشة .

    1.   

    الحائض تهل بالحج

    شرح حديث: (نفست أسماء بنت عميس بمحمد بن أبي بكر... )

    قال المصنف رحمه الله تعالى: [ باب الحائض تهل بالحج.

    حدثنا عثمان بن أبي شيبة حدثنا عبدة عن عبيد الله عن عبد الرحمن بن القاسم عن أبيه عن عائشة رضي الله عنها أنها قالت: (نفست أسماء بنت عميس بـمحمد بن أبي بكر رضي الله عنهم بالشجرة، فأمر رسول الله صلى الله عليه وسلم أبا بكر أن تغتسل فَتُهِلّ) ].

    أورد أبو داود رحمه الله باب: الحائض تهل بالحج، والحائض والنفساء أحكامهما واحدة، وهما وإن كان عليهما هذا الحدث الذي يحتاج إلى الاغتسال بعد الطهر إلا أنه لا يمنع من الإحرام، ولا يمنع من الاغتسال والتنظف عند الإحرام.

    وقد أورد أبو داود حديث عائشة رضي الله عنها: أن أسماء بنت عميس رضي الله عنها نفست بـمحمد بن أبي بكر أي: ولدته في ذي الحليفة في حجة الوداع، وقد صلى النبي صلى الله عليه وسلم الظهر في المدينة، ثم خرج من المدينة وصلى العصر قصراً في ذي الحليفة، ومكث هناك إلى ما بعد الظهر من الغد، أي: أنه مكث يوماً وليلة، وكان سبب مكثه صلى الله عليه وسلم هناك أن يجتمع الناس، فالناس لما علموا بأن النبي صلى الله عليه وسلم حاج توافدوا على المدينة؛ ليصحبوا رسول الله صلى الله عليه وسلم في رحلته إلى مكة، فمكث هناك يوماً وليلة يقصر الصلاة؛ لأنه قد بدأ في السفر، فولدت أسماء بنت عميس محمد بن أبي بكر ، وأسماء بنت عميس رضي الله عنها كانت تحت جعفر بن أبي طالب الذي استشهد في مؤتة، وهي أم عبد الله بن جعفر ، فتزوجها أبو بكر ، ثم تزوجها علي ، وقد ولدت للثلاثة رضي الله تعالى عن الجميع.

    فأمر الرسول صلى الله عليه وسلم أبا بكر -وهو زوجها- أن تغتسل وتهل، أي: أن تتنظف، وهذا فيه الاستعداد للإحرام وإن كان الحدث -وهو النفاس- معها، فهذا الاغتسال والتهيؤ والنظافة هي للإحرام، ثم تهل وتدخل في النسك، وهذا الاغتسال مستحب.

    فدل هذا على أن دخول المرأة في الحج أو العمرة وهي حائض لا بأس به، وأنها تفعل جميع المناسك كما يفعل الحاج، إلا أنها لا تطوف بالبيت حتى تطهر وتغتسل، كما جاء في حديث عائشة : (افعلي ما يفعل الحاج، غير ألا تطوفي بالبيت حتى تطهري)، فتقف في عرفة وهي حائض، وترمي الجمار وهي حائض، وتمكث في منى وهي حائض، وتبيت في مزدلفة وهي حائض، وتحرم وهي حائض، وتعمل كل الأعمال إلا أنها لا تطوف بالبيت حتى تطهر.

    تراجم رجال إسناد حديث: (نفست أسماء بنت عميس بمحمد بن أبي بكر... )

    قوله: [ حدثنا عثمان بن أبي شيبة ].

    عثمان بن أبي شيبة ثقة، أخرج له أصحاب الكتب الستة إلا الترمذي والنسائي ، فإنه أخرج له في عمل اليوم والليلة.

    [ حدثنا عبدة ].

    عبدة بن سليمان ثقة، أخرج له أصحاب الكتب الستة.

    [ عن عبيد الله ].

    عبيد الله هو ابن عمر بن حفص بن عاصم ، وقد مر ذكره.

    [ عن عبد الرحمن بن القاسم ].

    عبد الرحمن بن القاسم بن محمد وهو ثقة، أخرج له أصحاب الكتب الستة.

    [ عن أبيه عن عائشة ].

    وقد مر ذكرهما.

    شرح حديث: (الحائض والنفساء إذا أتتا على الوقت تغتسلان وتحرمان...)

    قال المصنف رحمه الله تعالى: [ حدثنا محمد بن عيسى وإسماعيل بن إبراهيم أبو معمر قالا: حدثنا مروان بن شجاع عن خصيف عن عكرمة ومجاهد وعطاء عن ابن عباس رضي الله عنهما أن النبي صلى الله عليه وآله وسلم قال: (الحائض والنفساء إذا أتتا على الوقت تغتسلان، وتحرمان، وتقضيان المناسك كلها غير الطواف بالبيت).

    قال: أبو معمر في حديثه: حتى تطهر، ولم يذكر ابن عيسى عكرمة ومجاهداً ، قال: عن عطاء عن ابن عباس ، ولم يقل ابن عيسى : كلها، قال: المناسك إلا الطواف بالبيت ].

    أورد أبو داود رحمه الله حديث ابن عباس رضي الله عنهما أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (الحائض والنفساء إذا أتتا على الوقت) أي: على الميقات، (تغتسلان وتحرمان، وتقضيان)، القضاء هنا بمعنى الأداء، فالقضاء يأتي بمعنى الأداء، ويأتي بمعنى قضاء الفائت، وهنا لم يفت شيء، وإنما تؤدي المناسك، فهذا من المواضع التي جاء فيها القضاء بمعنى الأداء، وقد جاء في الحديث المشهور: (فما فاتكم فأتموا)، وهذا في أكثر الروايات، وجاء في بعض الروايات: (فاقضوا)، ومن هنا اختلف العلماء -كما عرفنا سابقاً- هل ما يقضيه المسبوق هو أول صلاته أو آخر صلاته؟ والصحيح أنه آخر صلاته؛ لأن روايات (أتموا) هي المعتمدة، وما جاء في بعض الروايات من ذكر القضاء فمحمول على أنها بمعنى الأداء، فتتفق الروايتان، ولا يكون بينهما تعارض، ويكون ما يقضيه المسبوق هو آخر صلاته وليس أولها، وهنا كذلك القضاء بمعنى الأداء.

    قوله: (تغتسلان وتحرمان وتقضيان المناسك كلها غير الطواف بالبيت) أي: تفعل الحائض والنفساء كل أفعال الحج إلا الطواف بالبيت، فإنها لا تأتي به حتى تطهر وتغتسل.

    تراجم رجال إسناد حديث: (الحائض والنفساء إذا أتتا على الوقت تغتسلان وتحرمان...)

    قوله: [ حدثنا محمد بن عيسى ].

    محمد بن عيسى الطباع ثقة، أخرج له البخاري تعليقاً وأبو داود والترمذي في الشمائل والنسائي وابن ماجة .

    [ وإسماعيل بن إبراهيم أبو معمر ].

    إسماعيل بن إبراهيم أبو معمر ثقة، أخرج له البخاري ومسلم وأبو داود والنسائي .

    [ حدثنا مروان بن شجاع ].

    مروان بن شجاع صدوق له أوهام، أخرج له البخاري وأبو داود والترمذي وابن ماجة .

    [ عن خصيف ].

    خصيف بن عبد الرحمن وهو صدوق سيء الحفظ، أخرج له أصحاب السنن.

    [ عن عكرمة ].

    عكرمة مولى ابن عباس وهو ثقة، أخرج له أصحاب الكتب الستة.

    [ ومجاهد ].

    مجاهد بن جبر المكي ثقة، أخرج له أصحاب الكتب الستة.

    [ وعطاء ].

    عطاء بن أبي رباح المكي ثقة، أخرج له أصحاب الكتب الستة.

    [ عن ابن عباس ].

    ابن عباس مر ذكره.

    وهذا الحديث وإن كان فيه خصيف وهو سيء الحفظ فلا يؤثر فيه؛ لأنه بمعنى حديث أم سلمة السابق الذي فيه: أنها تغتسل وتهل بالحج، وكذلك بمعنى حديث عائشة: أنها تفعل ما يفعل الحاج غير ألا تطوف بالبيت حتى تطهر.

    [ قال أبو معمر في حديثه: حتى تطهر ].

    أبو معمر هو أحد شيخي أبي داود هنا، قوله: حتى تطهر، أي: أنه زاد ذلك في آخر الحديث.

    [ ولم يذكر ابن عيسى عكرمة ومجاهداً ، قال: عن عطاء عن ابن عباس ].

    أي: أن أحد شيخي أبي داود وهو محمد بن عيسى لم يذكر عكرمة ولا مجاهداً وإنما اقتصر على ذكر عطاء عن ابن عباس .

    [ ولم يقل ابن عيسى كلها، قال: المناسك إلا الطواف بالبيت ].

    أي: أنه لم يذكر كلمة (كلها)، وهذا يدل على عناية المحدثين بالألفاظ التي وردت.

    1.   

    الطيب عند الإحرام

    شرح حديث: (كنت أطيب رسول الله صلى الله عليه وسلم لإحرامه قبل أن يحرم...)

    قال المصنف رحمه الله تعالى: [ باب الطيب عند الإحرام.

    حدثنا القعنبي عن مالك ح وحدثنا أحمد بن يونس حدثنا مالك عن عبد الرحمن بن القاسم عن أبيه عن عائشة رضي الله عنها أنها قالت: (كنت أطيب رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم لإحرامه قبل أن يحرم، ولإحلاله قبل أن يطوف بالبيت) ].

    أورد أبو داود باب: الطيب عند الإحرام، أي: استعمال الطيب قبل أن يحرم الإنسان، وإذا بقي معه بعد ذلك على رأسه، أو على لحيته، أو على وجهه فلا بأس به، فاستدامته جائزة، ويجوز في الاستدامة ما لا يجوز في الابتداء، ولا يجوز له أن يبتدئ الطيب ويتطيب بعد الإحرام.

    وقد ذكر ابن القيم رحمه الله في كتاب (إعلام الموقعين) مسائل كثيرة من هذا النوع، أي: ما يجوز من الاستدامة ولا يجوز في الابتداء، وذكر جملة من الأمثلة التي هي من هذا القبيل، وقد أشرت إلى مكانه في الفوائد المنتقاة من فتح الباري والكتب الأخرى.

    وأورد أبو داود حديث عائشة رضي الله عنها: (أنها كانت تطيب النبي صلى الله عليه وسلم لإحرامه قبل أن يحرم، ولحله قبل أن يطوف بالبيت) أي: وقبل أن يذهب إلى مكة للطواف فتطيبه بعد رميه الجمرة، وبعد حلقه ما بقي عليه، إلا أن يذهب إلى مكة صلى الله عليه وسلم.

    فدل هذا على أن استعمال الطيب وإن كان من مقدمات النكاح فإنه يجوز بعد التحلل الأول، والنكاح لا يجوز إلا بعد التحلل الثاني، وهو الإتيان بالطواف والسعي لمن كان عليه سعي؛ لأن التحلل الكامل يكون بفعل الأمور الثلاثة وهي: الرمي والحلق أو التقصير والطواف والسعي لمن كان عليه سعي.

    وإذا طاف وفعل الرمي أو الحلق، فإنه يجوز له أن يتطيب ولكن لا يجوز له أن يأتي النساء حتى يأتي بالتحلل الكامل الذي هو فعل ما سلف.

    وقول عائشة : (كنت أطيب) هذا مثال ذكره الحافظ ابن حجر في أن (كان) قد تأتي لغير الاستمرار والدوام، فالغالب في استعمال (كان) أنها للدوام، ولكنها قد تأتي لغير التكرار مثل هذا الحديث، فهو صلى الله عليه وسلم الله عليه وسلم لم يحج إلا مرة واحدة، فلم تطيبه لحله إلا مرة واحدة، ومع ذلك عبرت بقولها: (كنت أطيب رسول الله صلى الله عليه وسلم لإحرامه ولحله قبل أن يطوف بالبيت).

    ويوضع الطيب على الرأس والجبهة وعلى جسم الإنسان، وأما ثيابه فلا تطيب.

    تراجم رجال إسناد حديث: (كنت أطيب رسول الله لإحرامه قبل أن يحرم...)

    قوله: [ حدثنا القعنبي عن مالك ح وحدثنا أحمد بن يونس حدثنا مالك عن عبد الرحمن بن القاسم عن أبيه عن عائشة ].

    كل هؤلاء مر ذكرهم.

    شرح حديث: (كأني أنظر إلى وبيص المسك في مفرق رسول الله وهو محرم)

    قال المصنف رحمه الله تعالى: [ حدثنا محمد بن الصباح البزاز حدثنا إسماعيل بن زكريا عن الحسن بن عبيد الله عن إبراهيم عن الأسود عن عائشة رضي الله عنها أنها قالت: (كأني أنظر إلى وبيص المسك في مفرق رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو محرم) ].

    أورد أبو داود رحمه الله حديث عائشة قالت: (كأني أنظر إلى وبيص المسك على مفرق رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو محرم)، وهذا الطيب حصل قبل الإحرام، وبقي إلى بعد الإحرام، وهذا يوضح جواز استدامة ما كان قبل الإحرام إلى بعد الإحرام، ولا يبتدئ طيباً بعد الإحرام ولا يجوز له ذلك.

    وقولها: (كأني) تفيد تحقق ذلك أمامها وكأنها تنظر إليه الآن، فقد رأته على تلك الهيئة على مفرق رسول الله صلى الله عليه وسلم، والمفرق هو الذي يكون في وسط الرأس حين يقسم الشعر مجموعة إلى جهة اليمين ومجموعة إلى جهة اليسار.

    ووبيص الطيب هو لمعانه وبريقه في ذلك المكان من رأسه صلى الله عليه وسلم.

    تراجم رجال إسناد حديث: (كأني أنظر إلى وبيص المسك في مفرق رسول الله وهو محرم)

    قوله: [ حدثنا محمد بن الصباح البزاز ].

    محمد بن الصباح البزاز ثقة، أخرج له أصحاب الكتب الستة.

    [ حدثنا إسماعيل بن زكريا ].

    إسماعيل بن زكريا صدوق يخطئ قليلاً، أخرج له أصحاب الكتب الستة.

    [ عن الحسن بن عبيد الله ].

    الحسن بن عبيد الله النخعي وهو ثقة، أخرج له مسلم وأصحاب السنن.

    [ عن إبراهيم ].

    إبراهيم بن يزيد بن قيس النخعي الفقيه المحدث ثقة أخرج له أصحاب الكتب الستة.

    [ عن الأسود بن يزيد ].

    وهو ثقة مخضرم، أخرج له أصحاب الكتب الستة.

    [ عن عائشة ].

    عائشة أم المؤمنين، وقد مر ذكرها.

    1.   

    تلبيد الرأس في الحج

    شرح حديث: (سمعت النبي صلى الله عليه وسلم يهل ملبداً)

    قال المصنف رحمه الله تعالى:[ باب التلبيد.

    حدثنا سليمان بن داود المهري حدثنا ابن وهب أخبرني يونس عن ابن شهاب عن سالم -يعني ابن عبد الله - عن أبيه رضي الله عنه أنه قال: (سمعت النبي صلى الله عليه وآله وسلم يهل ملبداً) ].

    أورد أبو داود رحمه الله باب: التلبيد، والتلبيد هو وضع شيء مثل الصمغ على الرأس حتى يمسكه فيصير متلبداً وملتصقاً لا ينتفش ولا يتفرق، ولا يصيبه الغبار مع طول الوقت، ولا يحصل فيه القمل.

    وأورد أبو داود حديث ابن عمر قال: (سمعت النبي صلى الله عليه وسلم يهل ملبداً) أي: يهل بالإحرام ويلبي حال كونه ملبداً رأسه.

    وقد كانوا يحتاجون إلى التلبيد لطول المكث، فإن المسافة من ذي الحليفة إلى مكة كانت تسعة أيام، ففيها تعب ونصب، وأما الآن فالناس لا يحتاجون إلى ذلك، فبعد ساعات يكون قد فرغ من عمرته، فالذي يبدو أن فعله للحاجة وليس سنة.

    تراجم رجال إسناد حديث: (سمعت النبي صلى الله عليه وسلم يهل ملبداً)

    قوله: [ حدثنا سليمان بن داود المهري ].

    سليمان بن داود المهري المصري ثقة، أخرج له أبو داود والنسائي .

    [ حدثنا ابن وهب ].

    ابن وهب هو عبد الله بن وهب المصري ثقة فقيه، أخرج له أصحاب الكتب الستة.

    [ أخبرني يونس ].

    يونس بن يزيد الأيلي ثقة، أخرج له أصحاب الكتب الستة.

    [ عن ابن شهاب ].

    ابن شهاب هو: محمد بن مسلم بن عبيد الله بن شهاب الزهري ثقة فقيه، أخرج له أصحاب الكتب الستة.

    [ عن سالم ].

    سالم هو ابن عبد الله بن عمر بن الخطاب ثقة فقيه، أحد فقهاء المدينة السبعة في عصر التابعين على أحد الأقوال الثلاثة في السابع منهم، وحديثه أخرجه أصحاب الكتب الستة.

    [ عن أبيه ].

    أبوه مر ذكره.

    شرح حديث: (أن النبي صلى الله عليه وسلم لبد رأسه بالعسل)

    قال المصنف رحمه الله تعالى: [ حدثنا عبيد الله بن عمر حدثنا عبد الأعلى حدثنا محمد بن إسحاق عن نافع عن ابن عمر رضي الله عنهما (أن النبي صلى الله عليه وآله وسلم لبد رأسه بالعسل) ].

    أورد أبو داود رحمه الله حديث ابن عمر رضي الله عنهما: (أن النبي صلى الله عليه وسلم لبد رأسه بالعسل) أي: أنه وضع شيئاً يمسك شعره ويلصق بعضه ببعض، وكان ذلك بالعسل.

    وهذا الحديث ضعفه الألباني ، ولعل سبب ذلك عنعنة محمد بن إسحاق ، فإنه مدلس وقد عنعن، وباقي رجاله ثقات.

    وأما أصل التلبيد فهو ثابت، والكلام هنا إنما هو في كونه بالعسل، فهذا هو الذي ضعفه الألباني .

    تراجم رجال إسناد حديث: (أن النبي لبد رأسه بالعسل)

    قوله: [ حدثنا عبيد الله بن عمر ].

    عبيد الله بن عمر ثقة، أخرج له البخاري ومسلم وأبو داود والنسائي .

    [ حدثنا عبد الأعلى ].

    وهو ثقة، أخرج له أصحاب الكتب الستة.

    [ حدثنا محمد بن إسحاق ].

    محمد بن إسحاق المدني صدوق يدلس، أخرج حديثه البخاري تعليقاً ومسلم وأصحاب السنن.

    [ عن نافع عن ابن عمر ].

    نافع مولى ابن عمر ثقة، أخرج له أصحاب الكتب الستة، وابن عمر مر ذكره.

    1.   

    الأسئلة

    دخول المسعى في المسجد

    السؤال: هل يعتبر المسعى داخلاً في المسجد فتؤجل المرأة السعي حتى تطهر؟

    الجواب: هو الآن داخل المسجد، ودخول المسجد للحائض عند الحاجة مثل المرور أو مثل أن تكون قد أتت بالطواف ولكن بقي عليها السعي جائز، فيمكنها أن تسعى، فالسعي لا يشترط فيه الطهارة، وإنما تشترط الطهارة في الطواف، وعلى هذا: لو أن امرأة طافت بالبيت وبقي عليها السعي، وجاءها الحيض بعد الطواف وقبل السعي؛ فإنها تتستر وتتحقق من أنه لا ينزل منها شيء يلوث المسجد، وتسعى، فلا تشترط الطهارة للسعي.

    وكذلك لا بأس أن تمر في المسجد للحاجة وللضرورة، وذلك إذا أمنت التلويث.

    حكم استخدام الأطعمة في التنظيف

    السؤال: ما حكم استخدام الأطعمة في التنظف، مثل استخدام زيت الزيتون في الشعر، فإن النساء يستخدمنه لذلك في بعض الأحيان؟

    الجواب: لا بأس بذلك عند الحاجة، ولا يعد استهانة بالأطعمة.

    حكم أداء سنة الفجر في وقت الأذان الأول

    السؤال: ما حكم أداء سنة الفجر في وقت الأذان الأول ؟

    الجواب: لا يصح ذلك؛ لأن صلاة سنة الفجر تكون بعد الأذان الثاني الذي يدل على دخول الوقت، والأذان الأول هو قبل دخول الوقت، فللإنسان أن يوتر بعد الأذان الأول؛ لأن وقت الوتر إلى طلوع الفجر الثاني، فعلى هذا لا تصلى ركعتا الفجر قبل الأذان الثاني.

    حكم الحج عن المرأة التي ليس لها محرم

    السؤال: امرأة لم يكن لها محرم فحج عنها شخص آخر، ثم بعد ذلك وجدت محرماً فهل تعيد الحج؟

    الجواب: الحي لا يحج عنه إلا في حالتين اثنتين:

    الحالة الأولى: أن يكون هرماً كبيراً لا يستطيع الركوب والسفر.

    الحالة الثانية: أن يكون مريضاً مرضاً لا يرجى برؤه، والمرأة التي ليس لها محرم ليست من هذين الصنفين، وعلى هذا فلا يحج عنها، وإنما تحج إذا قدرت، وإلا فلا.

    حكم تثبيت الإحرام بالمشابيك

    السؤال: ما حكم تثبيت الإحرام بالمشابيك؟

    إذا كان مشبكاً واحداً يمسك أطرافه أو يعقد أطرافه فلا بأس، وأما ما يفعله الناس من تعديد المشابيك وجمعها فالأولى تركه.

    معنى المخيط الذي يحرم على المحرم

    السؤال: ما معنى قولهم: يحرم المخيط على المحرم؟

    الجواب: الإحرام إذا كانت أطرافه مخيطة لا يؤثر، لأن المحذور هو لبس المخيط الذي على هيئته التي يلبس عليها، وإلا فلو أن إنساناً كان في الطائرة وأراد أن يحرم وما عنده لباس إحرام، فيمكن أن يخلع ثوبه ويجعله إزاراً، ولو كان مخيطاً؛ لأن المحذور هو لبسه على هيئة اللبس المعروفة.

    والإحرام الذي يوضع له أزرار أو طقطق لا ينبغي، لأن هذا مثل المخيط الذي لا يلبس في الإحرام.

    وبعض الإحرامات المصنوعة يأتي بها أهل بلد معين نراهم في الحج، فتجد الإحرام -خاصة الإزار- من أعلاه إلى أسفله يكبس كبساً، والأولى ألا يفعل هذا، لأن مثل هذا يشبه المشابك المتعددة، وكون الإنسان يستر عورته هذا مطلوب لكن لا يعمل مثل هذه الأشياء، إلا عند الحاجة فإذا لم يجد الإنسان إزاراً كأن يكون في الطائرة وهي ستتجاوز الميقات فله أن يخلع ثوبه ويتزر به؛ لأنه لبس المخيط على هيئة ليست معهودة، وهذا لا بأس به عند الحاجة، وأما أن يتوسع المرء في مسألة الإزار فيعمل له أزارير أو يعمل له مشابك أو أشياء فترك هذا أولى.

    حكم الحج بالمال المكتسب بطريقة غير شرعية

    السؤال: رجل اكتسب المال بطريق غير شرعي هل يجوز له أن يحج به؟

    الجواب: لا يحج إلا من مال حلال، (إن الله طيب لا يقبل إلا طيباً).

    حكم من ذهب إلى جدة ثم المدينة وأحرم من ميقات المدينة

    السؤال: ذهب رجل إلى جدة ثم قصد المدينة وهو يريد الحج من دون إحرام ثم أحرم للحج من ميقات أهل المدينة فماذا عليه؟

    الجواب: لا بأس بذلك، فمن جاء إلى جدة وكان قصده أن يذهب إلى المدينة ليحرم من ميقاتها، ولم يكن قصده أن يذهب إلى مكة؛ فلا بأس عليه، وهو تجاوز الميقات بغير إحرام لأنه سيذهب إلى مكان خارج المواقيت ويحرم من ذلك الميقات، فلا بأس بذلك.

    ميقات المكيين الذين يدرسون في المدينة

    السؤال: طلاب من أهل مكة يدرسون في المدينة، وفي إجازة الحج يريدون الذهاب إلى أهليهم وهم يريدون الحج إن جاء وقته، فهل يلزمهم الإحرام من ذي الحليفة؟ وإذا أرادوا الرجوع فهل يلزمهم طواف الوداع؟

    الجواب: ذكر العلماء أن الإنسان إذا كان له بلدان أحدهما داخل المواقيت والآخر خارج المواقيت فإن له أن يحرم من خارج المواقيت أو من داخل المواقيت، وهؤلاء لا شك أنهم إذا أحرموا من المدينة فهو أفضل لهم وأحوط، ويكونون قد قطعوا الشك باليقين، وإذا ذهبوا إلى مكة وجاء وقت الحج فأحرموا من مكة التي هي بلادهم فلا بأس بذلك، لكن الأحوط أن يحرموا من المدينة.

    والمكي -كما هو معلوم- ليس عليه طواف وداع؛ لأنه لا يغادر مكة، لكن هؤلاء جاءوا إلى مكة وسيغادرونها، فإنهم وإن كانوا مكيين فإن مثلهم عليه أن يودع، لاسيما والأحوط أن طواف الوداع يشرع حتى في العمرة، وفي هذا خلاف، لكن كون المعتمر لا يخرج إلا وقد ودع هو الأولى.

    حكم من أحرمت واشترطت أنها إذا حاضت أحلت

    السؤال: امرأة أرادت أن تعتمر فاشترطت أنها إذا جاءتها العادة الشهرية فإنها تحل، ثم لما أحرمت حاضت فلم تطف، بل سعت ثم قصرت وتحللت وسافرت، فما الحكم؟

    الجواب: إذا كان يترتب على تأخرها ضرر فلا بأس، وإذا كان لا يترتب على تأخرها ضرر فالله أعلم ما حكم فعلها هذا.

    حكم طواف الحائض للإفاضة بسبب ارتباطها برحلة لا يمكن تأجيلها

    السؤال: يكثر السؤال عن المرأة التي تحيض في مكة وهي مرتبطة برحلة، أو إذا كانت نفساء والمدة ستطول، ولم تطف طواف الإفاضة فما العمل؟

    الجواب: الذي نعلمه أن الرسول صلى الله عليه وسلم لما ظن أن صفية لم تطف بالبيت طواف الإفاضة قال: (أحابستنا هي؟)، ولما علم أنها قد طافت طواف الإفاضة قال: (انفري قال: -أو- انفروا) يعني: انفري لأنه ما بقي إلا شيء واجب يسقط عن الحائض، وهو طواف الوداع، وأما طواف الإفاضة فإنه لا يسقط؛ ولذا قال: (أحابستنا هي؟)، وهذا يدل على أن الحج لا يتم إلا بحصول طواف الإفاضة، والطواف لا يصح إلا بطهارة، فيجب عليها أن تبقى ويبقى محرمها معها، وإذا أمكنها الذهاب وهي على إحرامها ثم ترجع وهي لا تزال محرمة؛ فإنها تذهب وترجع إذا كان لا يمكنها البقاء.

    فالحاصل أن المرأة لا تطوف طواف الإفاضة إلا إذا طهرت من حيضها واغتسلت، فإذا كان البقاء ممكناً بقيت، وإذا لم يمكن البقاء وأمكنها أن تذهب ذهبت ورجعت.

    حكم مجاوزة الميقات بلا إحرام لمن يريد الذهاب إلى مكان قبل دخول مكة

    السؤال: رجل من أهل المدينة يريد أن يذهب إلى الطائف، ثم بعد ذلك يذهب إلى مكة لأداء العمرة، فمن أين يحرم؟

    الجواب: لا بأس للمدني الذي يريد أن يذهب إلى الطائف أولاً أن يأتي من الطائف محرماً؛ لأنه ما تجاوز الميقات وهو محرم، وإنما دخل ماراً الميقات إلى الطائف، فيحرم من الطائف ولا بأس بذلك.

    ومثله أهل الطائف لو جاءوا إلى المدينة، فكون أحدهم يمر بميقاته وهو لا يريد أن يحرم منه، بل يريد أن يذهب للبلد الثاني ثم يحرم من ميقات البلد الثاني؛ فلا بأس بذلك.

    وهذه المسألة لا تشتبه بمن يذهب إلى جدة؛ لأن جدة ليست ميقاتاً، والكلام في شيء وراء المواقيت.

    مدة قصر الصلاة

    السؤال: أنا من أهل المدينة، وسافرت إلى الرياض وجلست عشرة أيام، وكنت أقصر الصلاة وأجمع الظهر مع العصر جمع تقديم، والمغرب مع العشاء مع إسقاط السنن والوتر، فهل ما فعلته صحيح؟ وكم هي مدة القصر؟

    الجواب: إذا دخل الإنسان إلى بلد من البلدان ولا يعرف كم هي المدة التي سيبقاها، وإنما يريد قضاء حاجة من الحاجات، فمتى انتهت فإنه سيمشي، فمثل هذا ولو طالت المدة عليه فهو مسافر، وله أن يقصر، وأما الجمع فالأولى للإنسان المقيم في بلد ألا يجمع، وإنما يصلي كل صلاة في وقتها كما كان النبي صلى الله عليه وسلم يصلي في منى قصراً بدون جمع، والجمع جائز مع الإقامة؛ لأن النبي صلى الله عليه وسلم جمع في حال إقامته في تبوك في يوم من الأيام، وهذا يدل على الجواز، لكن الأولى عدم فعله؛ لما ذكرنا.

    وأما إذا كان عازماً على أن يبقى أكثر من أربعة أيام عند دخوله البلد فحكمه حكم المقيمين، فلا يجمع ولا يقصر؛ لأن المدة التي عرف أن النبي صلى الله عليه وسلم بقيها وهو متحقق منها أربعة أيام في حجة الوداع، حيث دخل مكة في اليوم الرابع وخرج إلى منى في اليوم الثامن، وكان يقصر الصلاة في الأبطح صلى الله عليه وسلم.

    حكم من أحرم فلما وصل مكة غير نيته ورجع

    السؤال: ما حكم من أحرم فلما وصل مكة قبل الطواف غير نيته ورجع بدون عمرة؟

    الجواب: لا يجوز له ذلك أبداً، بل العمرة لازمة له، وهو باقٍ على إحرامه حتى يأتي بالحج والعمرة، وعليه أن يرجع بإحرامه ويكمل عمرته.

    تلبيد الرأس لا يبطل الوضوء

    السؤال: ألا يبطل التلبيد الوضوء؛ لأن الماء يجب أن يصل إلى جميع الأعضاء؟

    الجواب: لا يبطل الوضوء، فالإنسان يمسح على رأسه ولو كان ملبداً، وهذا مثل حال المرأة التي على رأسها حناء، فلا بأس بذلك.