إسلام ويب

شرح سنن أبي داود [184]للشيخ : عبد المحسن العباد

  •  التفريغ النصي الكامل
  • أعظم العبادة الدعاء، وهو مفتاح كل خير، والاستعاذة بالله نوع من الدعاء، وقد جاءت عن نبي الرحمة صلى الله عليه وسلم أحاديث كثيرة في تعليم أمته استعاذات مباركات من الشرور الدنيوية والأخروية فينبغي تعلمها والحرص على تردادها بين الوقت والآخر.

    1.   

    الاستعاذة

    شرح حديث (كان النبي يتعوذ من خمس...)

    قال المصنف رحمه الله تعالى: [ باب في الاستعاذة.

    حدثنا عثمان بن أبي شيبة حدثنا وكيع حدثنا إسرائيل عن أبي إسحاق عن عمرو بن ميمون عن عمر بن الخطاب رضي الله عنه قال: (كان النبي صلى الله عليه وسلم يتعوذ من خمس: من الجبن والبخل وسوء العمر وفتنة الصدر وعذاب القبر) ].

    أورد أبو داود رحمه الله هذه الترجمة وهي باب في الاستعاذة، والاستعاذة هي نوع من أنواع الدعاء، فالدعاء يشمل الاستعاذة، فقولك: أعوذ بالله يعني: أنك تسأل الله عز وجل وتدعوه أن يعيذك، فالدعاء أعم من الاستعاذة وأعم من الاستغفار، وأبو داود رحمه الله لما ذكر الاستغفار ذكر أحاديث لا علاقة لها بالاستغفار وإنما هي دعاء، وكل الأحاديث التي أوردها في باب الاستعاذة هي استعاذة وفق الترجمة.

    أورد هنا حديث عمر بن الخطاب رضي الله تعالى عنه وأرضاه (كان النبي صلى الله عليه وسلم يتعوذ من خمس: من الجبن، والبخل، وسوء العمر، وفتنة الصدر، وعذاب القبر) هذه الخمس كان يستعيذ منها رسول الله صلى الله عليه وسلم، فالجبن ضد الشجاعة، سواء كان جبناً في الجهاد في سبيل الله أو في الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر أو غير ذلك، فالجبن ضعف وخور ومهابة تجعل الإنسان يتأخر عن فعل الخير.

    والبخل ضد الجود والكرم، يعني: أن يبخل الإنسان بالمال.

    وسوء العمر يعني كونه يرد إلى أرذل العمر بأن يتقدم به السن بحيث يرجع إلى أرذل العمر فيكون مثل الطفل، وهذا هو الهرم.

    وفتنة الصدر هي ضيقه أو ما يعلق بالقلب من السوء ومن الشر، وسيأتي حديث عن النبي صلى الله عليه وسلم فيه: (اللهم إني أعوذ بك من شر سمعي، ومن شر بصري، ومن شر قلبي)، فهو يماثل هذا، والصدر هو موضع القلب كما جاء في القرآن: فَإِنَّهَا لا تَعْمَى الأَبْصَارُ وَلَكِنْ تَعْمَى الْقُلُوبُ الَّتِي فِي الصُّدُورِ [الحج:46].

    فإما أن يراد بفتنة الصدر ما يحصل من الضيق للإنسان، أو يراد ما يحصل للقلب الذي هو في الصدر من الفتن التي تعرض على القلوب، كما جاء في الحديث أن الفتن تعرض على القلوب، وقد وردت الاستعاذة من وسوسة الصدر، يعني: وسوسة القلب.

    وعذاب القبر تواترت به الأحاديث عن رسول الله صلى الله عليه وسلم، وقد أنكر المعتزلة عذاب القبر وأن الناس يعذبون في قبورهم.

    تراجم رجال إسناد حديث (كان النبي يتعوذ من خمس...)

    قوله:[ حدثنا عثمان بن أبي شيبة ].

    عثمان بن أبي شيبة ثقة أخرج له أصحاب الكتب الستة إلا الترمذي .

    [ حدثنا وكيع ].

    وكيع بن الجراح الرؤاسي الكوفي ، ثقة أخرج له أصحاب الكتب الستة.

    [ حدثنا إسرائيل ].

    وهو إسرائيل بن يونس بن أبي إسحاق، ثقة أخرج له أصحاب الكتب الستة.

    [ عن أبي إسحاق ].

    أبو إسحاق السبيعي عمرو بن عبد الله الهمداني، ثقة أخرج له أصحاب الكتب الستة.

    [ عن عمرو بن ميمون ].

    عمرو بن ميمون ثقة مخضرم، أخرج له أصحاب الكتب الستة.

    [ عن عمر بن الخطاب ].

    عمر بن الخطاب أمير المؤمنين، وثاني الخلفاء الراشدين الهادين المهديين، صاحب المناقب الجمة، والفضائل الكثيرة، أخرج حديثه أصحاب الكتب الستة.

    والحديث ذكره الألباني في الضعيفة، ولا أدري وجه هذا التضعيف؛ لأن رجال الإسناد كلهم ثقات معروفون، وأيضاً الألفاظ التي وردت فيه كلها جاءت عن رسول الله صلى الله عليه وسلم إلا فتنة الصدر، فالحديث صحيح.

    شرح حديث (اللهم إني أعوذ بك من العجز والكسل...)

    قال المصنف رحمه الله تعالى: [ حدثنا مسدد أخبرنا المعتمر قال: سمعت أبي قال: سمعت أنس بن مالك يقول: كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: (اللهم إني أعوذ بك من العجز والكسل، والجبن والبخل والهرم، وأعوذ بك من عذاب القبر، وأعوذ بك من فتنة المحيا والممات) ].

    مر في باب الاستعاذة حديث رقم (1539) عن عمر بن الخطاب رضي الله تعالى عنه وأرضاه، وذكره الشيخ الألباني في الضعيفة، مع أن رجاله ثقات، ومعناه جاء في الأحاديث الأخرى، فلا أدري وجه ذلك التضعيف، مع أنه سبق أن مر الحديث رقم (1517) الذي فيه: (من قال أستغفر الله الذي لا إله إلا هو الحي القيوم وأتوب إليه غفر له وإن كان قد فر من الزحف) وفيه أربعة رجال من المقبولين، وكتب عنه: صحيح. يعني: لطرق أخرى، فلا أدري لماذا لم يصحح هذا الحديث مع أن ألفاظه جاءت في أحاديث صحيحة!

    بعد ذلك أورد أبو داود رحمه الله حديث أنس بن مالك رضي الله عنه (أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يتعوذ من العجز والكسل) والعجز هو مقابل القدرة، والمقصود به العجز عن الإتيان بما هو خير، والكسل هو الخمول وعدم النشاط الذي هو مقابل الجد.

    قوله: (والجبن والبخل) الجبن ضد الشجاعة، فيدخل فيه الجبن في الجهاد في سبيل الله، وكذلك الجبن فيما يتعلق بالأمر بالمعروف والنهي عن المنكر.

    البخل هو الشح، أو الشح أشد البخل، وهو مقابل الكرم والجود والإحسان.

    قوله: والهرم الهرم هو الشيخوخة التي يكون معها الضعف، ويكون معها الرد إلى أرذل العمر.

    قوله: (وأعوذ بك من عذاب القبر) عذاب القبر هو ما يحصل بين الموت والبعث من القبور، فإن الناس يعذبون في قبورهم أو ينعمون، والقبر يعتبر من الدار الآخرة؛ لأن الحد الفاصل بين الدنيا والآخرة الموت، فمن مات قامت قيامته، وانتقل من دار العمل إلى دار الجزاء، ويجازى في قبره على ما قدم إن خيراً فخير وإن شراً فشر.

    قوله: [ (وأعوذ بك من فتنة المحيا والممات) ] هذا تعميم بعد التخصيص؛ لأن فتنة المحيا تعم كل ما يحصل في الحياة من الفتن، وفتنة الممات عامة في كل ما يحصل بعد الموت من البلاء والشر، فإن ذلك من فتنة الممات، فهذا من ذكر العام بعد الخاص.

    تراجم رجال إسناد حديث (اللهم إني أعوذ بك من العجز والكسل...)

    قوله:[ حدثنا مسدد ].

    الشيخ: مسدد بن مسرهد البصري ثقة أخرج له البخاري وأبو داود والترمذي والنسائي .

    [ أخبرنا المعتمر ].

    المعتمر بن سليمان بن طرخان التيمي وهو ثقة أخرج له أصحاب الكتب الستة.

    [ سمعت أبي ].

    وهو سليمان بن طرخان ثقة أخرج له أصحاب الكتب الستة.

    [ عن أنس بن مالك ].

    وهو صاحب رسول الله صلى الله عليه وسلم وخادمه رضي الله عنه، وأحد السبعة المعروفين بكثرة الحديث عن النبي صلى الله عليه وسلم.

    وهذا الإسناد من رباعيات أبي داود التي هي أعلى ما يكون عند أبي داود من الأسانيد، فبينه وبين النبي صلى الله عليه وسلم أربعة رجال، وهم في هذا الحديث: مسدد والمعتمر وأبوه سليمان وأنس بن مالك رضي الله تعالى عنهم.

    شرح حديث (اللهم إني أعوذ بك من الهم والحزن...)

    قال المصنف رحمه الله تعالى: [ حدثنا سعيد بن منصور وقتيبة بن سعيد قالا: حدثنا يعقوب بن عبد الرحمن -قال سعيد : الزهري - عن عمرو بن أبي عمرو عن أنس بن مالك رضي الله عنه قال: (كنت أخدم النبي صلى الله عليه وسلم فكنت أسمعه كثيراً يقول: اللهم إني أعوذ بك من الهم والحزن وضلع الدين وغلبة الرجال)، وذكر بعض ما ذكره التيمي ].

    ذكر أبو داود رحمه الله حديث أنس بن مالك رضي الله عنه أنه كان يخدم النبي صلى الله عليه وسلم وكان يسمعه يقول: (اللهم إني أعوذ بك من الهم والحزن وضلع الدين، وقهر الرجال)، وذكر بعض ما ذكره التيمي يعني في الحديث السابق، والتيمي هو أبو المعتمر سليمان بن طرخان التيمي يعني: ذكر العجز والكسل والهرم والبخل وفتنة المحيا وفتنة الممات، وهنا ذكر الهم والحزن.

    والهم هو ما يهم الإنسان في أمر يشغل باله، ويكون الهم غالباً في شيء مستقبل أو حاضر، والحزن في أمر فات ومضى، فيصيبه حزن عليه، وضلع الدين هو شدته، وكون الإنسان عليه الدين وليس عنده سداد، فيهمه ويشغله، وقهر الرجال غلبتهم وقهرهم.

    تراجم رجال إسناد حديث (اللهم إني أعوذ بك من الهم والحزن...)

    قوله: [ حدثنا سعيد بن منصور ].

    سعيد بن منصور ثقة أخرج له أصحاب الكتب الستة.

    [ وقتيبة بن سعيد ].

    قتيبة بن سعيد ثقة أخرج له أصحاب الكتب الستة.

    [ حدثنا يعقوب بن عبد الرحمن ].

    يعقوب بن عبد الرحمن الزهري وهو ثقة أخرج له أصحاب الكتب الستة إلا ابن ماجة .

    [ قال سعيد : الزهري ].

    يعني الشيخ الأول الذي هو سعيد بن منصور أضاف إلى يعقوب بن عبد الرحمن كلمة: الزهري ، والشيخ الثاني الذي هو قتيبة بن سعيد اقتصر على يعقوب بن عبد الرحمن .

    [ عن عمرو بن أبي عمرو ].

    عمرو بن أبي عمرو ثقة ربما وهم، أخرج له أصحاب الكتب الستة.

    [ عن أنس بن مالك ].

    أنس بن مالك رضي الله عنه قد مر ذكره .

    شرح حديث (كان يعلمهم هذا الدعاء كما يعلمهم السورة من القرآن...)

    قال المصنف رحمه الله تعالى: [ حدثنا القعنبي عن مالك عن أبي الزبير المكي عن طاوس عن عبد الله بن عباس رضي الله عنهما : (أن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم كان يعلمهم هذا الدعاء كما يعلمهم السورة من القرآن يقول: اللهم إني أعوذ بك من عذاب جهنم، وأعوذ بك من عذاب القبر، وأعوذ بك من فتنة المسيح الدجال، وأعوذ بك من فتنة المحيا والممات). ].

    أورد أبو داود حديث ابن عباس رضي الله تعالى عنهما أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يعلمهم هذا الدعاء كما يعلمهم السورة من القرآن، وهذا يدل على الاهتمام والعناية بهذا الدعاء، وجاء في بعض الروايات أن ذلك بعد التشهد وقبل السلام، وقد مر بنا قريباً حديث الاستخارة، وأنه كان يعلمهم الاستخارة كما يعلمهم السورة من القرآن، وكذلك مر في حديث التشهد أنه كان يعلمهموه كما يعلمهم السورة من القرآن.

    وهذا الحديث يدل على الاهتمام والعناية من رسول الله صلى الله عليه وسلم بهذا الدعاء الذي يعلمهم إياه، وهذا الدعاء هو: (اللهم إني أعوذ بك من عذاب جهنم، وأعوذ بك من عذاب القبر، وأعوذ بك من فتنة المسيح الدجال، وأعوذ بك من فتنة المحيا والممات).

    وعذاب جهنم هو عذاب النار، وجهنم اسم من أسماء النار، وعذاب القبر داخل في عذاب الآخرة، وهو عذاب البرزخ الذي يكون بين الموت وبين البعث، ولكنه تابع للدار الآخرة؛ لأنه في دار الجزاء، والمسيح الدجال هو الرجل الذي أخبر النبي صلى الله عليه وسلم بفتنته، وما يحصل منه من الأمور المدهشة التي يغتر بها كثير من الناس، وذكر فتنة المحيا والممات وهو تعميم بعد تخصيص.

    تراجم رجال إسناد حديث (كان يعلمهم هذا الدعاء كما يعلمهم السورة من القرآن...)

    قوله: [ حدثنا القعنبي ].

    القعنبي هو عبد الله بن مسلمة بن قعنب ثقة أخرج له أصحاب الكتب الستة إلا ابن ماجة .

    [ عن مالك ].

    مالك بن أنس إمام دار الهجرة، الإمام المحدث الفقيه أحد أصحاب المذاهب الأربعة المشهورة من مذاهب أهل السنة، وحديثه أخرجه أصحاب الكتب الستة .

    [ عن أبي الزبير المكي ].

    هو محمد بن مسلم بن تدرس ، وهو صدوق أخرج له أصحاب الكتب الستة.

    [ عن طاوس ].

    طاوس بن كيسان وهو ثقة أخرج له أصحاب الكتب الستة.

    [ عن ابن عباس ].

    عبد الله بن عباس بن عبد المطلب ابن عم النبي صلى الله عليه وسلم، وأحد العبادلة الأربعة من الصحابة، وأحد السبعة المعروفين بكثرة الحديث عن النبي صلى الله عليه وسلم.

    شرح حديث (اللهم إني أعوذ بك من فتنة النار وعذاب النار...)

    قال المصنف رحمه الله تعالى: [ حدثنا إبراهيم بن موسى الرازي أخبرنا عيسى حدثنا هشام عن أبيه عن عائشة رضي الله عنها: أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يدعو بهؤلاء الكلمات: (اللهم إني أعوذ بك من فتنة النار وعذاب النار، ومن شر الغنى والفقر) ].

    أورد أبو داود حديث عائشة رضي الله عنها أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يدعو بهؤلاء الكلمات: (اللهم إني أعوذ بك من فتنة النار ومن عذاب النار ومن شر الغنى والفقر) وفتنة النار قيل: المقصود بذلك ما يحصل من التوبيخ والتقريع الذي يحصل لهم في النار كما قال الله عز وجل: كُلَّمَا أُلْقِيَ فِيهَا فَوْجٌ سَأَلَهُمْ خَزَنَتُهَا أَلَمْ يَأْتِكُمْ نَذِيرٌ [الملك:8]، وعذاب النار هو حصول العذاب فيها.

    وفتنة الغنى هو الغنى الذي يكون معه الطغيان، وفتنة الفقر هو الذي يكون معه عدم الصبر أو الأمور التي لا تحمد عقباها، كأن يقدم الإنسان على أن يحصل المال عن طريق حرام بسبب الفقر الذي قد حصل له، فالغنى يمكن أن يكون نعمة أو يكون نقمة، وهو بلاء كما قال الله عز وجل: وَنَبْلُوكُمْ بِالشَّرِّ وَالْخَيْرِ فِتْنَةً [الأنبياء:35]، فإن البلوى تكون بالخير وتكون بالشر، والإنسان إذا أعطي المال ولم يشكر الله عز وجل على هذه النعمة، وحصل له الطغيان والإفساد بالمال، وصرفه في الأمور التي لا تجوز؛ يكون الغنى وبالاً عليه، والله تعالى يقول: كَلَّا إِنَّ الإِنسَانَ لَيَطْغَى * أَنْ رَآهُ اسْتَغْنَى [العلق:6-7] فيحصل بسبب الغنى الطغيان من بعض الناس، يقول الله عز وجل: وَلَوْ بَسَطَ اللَّهُ الرِّزْقَ لِعِبَادِهِ لَبَغَوْا فِي الأَرْضِ [الشورى:27].

    ومن الناس من يستعمل المال في طاعة الله، ومن الناس من يستعمله فيما يعود عليه بالخير كما كان الصحابة رضي الله عنه وأرضاهم، مثل عثمان بن عفان وعبد الرحمن بن عوف وغيرهما من أثرياء الصحابة الذين كانوا يصرفون أموالهم في سبيل الله عز وجل، فانتفعوا بذلك دنيا وأخرى، ونفعوا غيرهم، ويعود ثواب ذلك عليهم حيث ينفقون أموالهم في سبيل الله عز وجل.

    والفقر وهو قلة ذات اليد فتنة، فقد يجعل الإنسان يقدم على سرقة أو يقدم على تسخط أو تألم وعدم صبر وما إلى ذلك من الأمور التي تترتب على الفقر الذي لا يكون معه صبر، فإن الشكر مع الغنى والصبر مع الفقر من الصفات المحمودة.

    تراجم رجال إسناد حديث (اللهم إني أعوذ بك من فتنة النار وعذاب النار...)

    قال المصنف رحمه الله تعالى:[ حدثنا إبراهيم بن موسى الرازي ].

    إبراهيم بن موسى الرازي ثقة أخرج له أصحاب الكتب الستة.

    [ أخبرنا عيسى ].

    عيسى بن يونس بن أبي إسحاق ثقة أخرج له أصحاب الكتب الستة.

    [حدثنا هشام ].

    هشام بن عروة بن الزبير ثقة أخرج له أصحاب الكتب الستة.

    [ عن أبيه ].

    وهو عروة بن الزبير ، ثقة من فقهاء أهل المدينة السبعة في عصر التابعين أخرج له أصحاب الكتب الستة.

    [ عن عائشة ].

    عائشة أم المؤمنين رضي الله عنها وأرضاها الصديقة بنت الصديق ، وهي واحدة من سبعة أشخاص عرفوا بكثرة الحديث عن النبي صلى الله عليه وسلم.

    ورجال هذا الإسناد كلهم ممن خرج لهم أصحاب الكتب الستة.

    شرح حديث (اللهم إني أعوذ بك من الفقر والقلة...)

    قال المصنف رحمه الله تعالى: [ حدثنا موسى بن إسماعيل حدثنا حماد أخبرنا إسحاق بن عبد الله عن سعيد بن يسار عن أبي هريرة رضي الله عنه : أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يقول: (اللهم إني أعوذ بك من الفقر والقلة والذلة، وأعوذ بك من أن أظلم أو أظلم) ].

    أورد أبو داود حديث أبي هريرة رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يقول: (اللهم إني أعوذ بك من الفقر والقلة والذلة، وأعوذ بك أن أظلم أو أظلم) قيل: المقصود بالقلة هي قلة المال، وعلى هذا فهو يماثل الفقر، وقيل: هي القلة في العدد التي لا تحصل معها نصرة، فهي تتعلق بقلة المال أو بقلة العدد.

    والذلة: كون الإنسان يحصل له الذل والخوف والذعر ويكون ذليلاً.

    وقوله: (وأعوذ بك أن أظلم أو أظلم) يعني: أن يلحق الضرر بغيره أو غيره يحلق الضرر به، فهو يتعوذ بالله أن يكون ظالماً يظلم غيره أو مظلوماً يظلمه غيره.

    تراجم رجال إسناد حديث (اللهم إني أعوذ بك من الفقر والقلة...)

    قوله: [ حدثنا موسى بن إسماعيل ].

    الشيخ: موسى بن إسماعيل التبوذكي البصري ثقة أخرج له أصحاب الكتب الستة.

    [ حدثنا حماد ].

    حماد بن سلمة ، وقد عرفنا أنه إذا جاء موسى بن إسماعيل عن حماد فالمراد به ابن سلمة ، وهو ثقة أخرج له البخاري تعليقاً ومسلم وأصحاب السنن.

    [ أخبرنا إسحاق بن عبد الله ].

    إسحاق بن عبد الله بن أبي طلحة ثقة أخرج له أصحاب الكتب الستة.

    [ عن سعيد بن يسار ].

    سعيد بن يسار ثقة أخرج له أصحاب الكتب الستة .

    [ عن أبي هريرة ].

    هو عبد الرحمن بن صخر الدوسي صاحب رسول الله عليه الصلاة والسلام، وأكثر أصحابه حديثاً على الإطلاق رضي الله عنه وأرضاه.

    شرح حديث (اللهم إني أعوذ بك من زوال نعمتك...)

    قال المصنف رحمه الله تعالى: [ حدثنا ابن عوف حدثنا عبد الغفار بن داود حدثنا يعقوب بن عبد الرحمن عن موسى بن عقبة عن عبد الله بن دينار عن ابن عمر رضي الله عنهما قال: كان من دعاء رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: (اللهم إني أعوذ بك من زوال نعمتك، وتحول عافيتك، وفجاءة نقمتك، وجميع سخطك). ].

    زوال النعمة ذهابها وسلبها، وكون الإنسان يكون في نعمة فيسلبها، فيتحول مثلاً من الغنى إلى الفقر.

    والنعمة أعم من الغنى؛ لأن نعم الله عز وجل لا تحصى، فيدخل فيها الصحة والعافية ويدخل فيها المال، ويدخل فيها أنواع النعم؛ لأن النعمة هنا من المفرد المضاف إلى معرفة فتعم كقوله تعالى: وَإِنْ تَعُدُّوا نِعْمَةَ اللَّهِ لا تُحْصُوهَا [إبراهيم:34]، وقوله: وَمَا بِكُمْ مِنْ نِعْمَةٍ فَمِنِ اللَّهِ [النحل:53].

    وتحول العافية من الصحة إلى المرض، ومن الخير إلى الشر.

    قوله: (وفجاءة نقمتك) يعني البغتة، حيث يكون الإنسان آمناً فيحصل له انتقام فجأة؛ لأن البغتة قد تحصل بها للإنسان أمور تضره.

    وقوله: (وجميع سخطك) هذا عام يعم كل ما يسخط الله عز وجل.

    تراجم رجال إسناد حديث (اللهم إني أعوذ بك من زوال نعمتك...)

    قوله: [ حدثنا ابن عوف ].

    هو محمد بن عوف ثقة أخرج له أبو داود والنسائي في مسند علي .

    [ حدثنا عبد الغفار بن داود ].

    عبد الغفار بن داود وهو ثقة أخرج له البخاري وأبو داود والنسائي وابن ماجة .

    [ حدثنا يعقوب بن عبد الرحمن عن موسى بن عقبة ].

    يعقوب بن عبد الرحمن مر ذكره، وموسى بن عقبة ثقة أخرج له أصحاب الكتب الستة.

    [ عن عبد الله بن دينار ].

    عبد الله بن دينار ثقة أخرج له أصحاب الكتب الستة .

    [ عن ابن عمر ].

    عبد الله بن عمر بن الخطاب رضي الله تعالى عنهما، وهو أحد العبادة الأربعة من الصحابة، وأحد السبعة المعروفين بكثرة الحديث عن النبي صلى الله عليه وسلم.

    شرح حديث (اللهم إني أعوذ بك من الشقاق والنفاق...)

    قال المصنف رحمه الله تعالى: [ حدثنا عمرو بن عثمان حدثنا بقية حدثنا ضبارة بن عبد الله بن أبي السليك عن دويد بن نافع حدثنا أبو صالح السمان قال: قال أبو هريرة: (إن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان يدعو يقول: (اللهم إني أعوذ بك من الشقاق والنفاق وسوء الأخلاق) ].

    أورد أبو داود حديث أبي هريرة رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يدعو ويقول: (اللهم إني أعوذ بك من الشقاق والنفاق وسوء الأخلاق)، الشقاق: هو المشاقة والمخاصمة بالباطل في مقابلة صاحب الحق.

    والنفاق: هو إظهار الإيمان وإبطان الكفر، وهو النفاق الاعتقادي، وكذلك النفاق العملي الذي منه الكذب وغير ذلك.

    وسوء الأخلاق: تعميم بعد تخصيص؛ لأن سوء الأخلاق لفظ عام يشمل الأخلاق السيئة.

    هذا الحديث لا يثبت عن رسول الله عليه الصلاة والسلام؛ لأن في إسناده راوياً مجهولاً، ولكن إذا دعا أحد بهذا الدعاء لا على أنه من قول الرسول صلى الله عليه وسلم، ولكن لكونه دعاءً مشتملاً على أمر عظيم جامع، فلا بأس بأن يدعو به، لكن لا على اعتبار أنه حديث، وأن هذا دعاء الرسول صلى الله عليه وسلم، إذ لم يثبت عن رسول الله عليه الصلاة والسلام، ولكن معناه صحيح، والمسلم يسأل الله السلامة من الشقاق والنفاق وسوء الأخلاق، لكن لا يضيفه إلى الرسول صلى الله عليه وسلم ويقول: هذا كلام الرسول صلى الله عليه وسلم وهو لم يثب عنه عليه الصلاة والسلام.

    تراجم رجال إسناد حديث (اللهم إني أعوذ بك من الشقاق والنفاق...)

    [ حدثنا عمرو بن عثمان ].

    عمرو بن عثمان الحمصي صدوق أخرج له أبو داود والنسائي وابن ماجة .

    [ حدثنا بقية ].

    بقية بن الوليد الحمصي وهو صدوق كثير التدليس عن الضعفاء، وحديثه أخرجه البخاري تعليقاً ومسلم وأصحاب السنن.

    [ حدثنا ضبارة بن عبد الله ].

    ضبارة بن عبد الله بن أبي السليك وهو مجهول أخرج له البخاري في الأدب المفرد وأبو داود والنسائي وابن ماجة .

    [ عن دويد بن نافع ].

    دويد بن نافع وهو مقبول أخرج له أبو داود والنسائي وابن ماجة .

    [ عن أبي صالح السمان ].

    اسمه ذكوان ولقبه السمان ، وهو ثقة أخرج له أصحاب الكتب الستة.

    [ عن أبي هريرة ]

    وقد مر ذكره.

    شرح حديث (اللهم إني أعوذ بك من الجوع فإنه بئس الضجيع)

    قال المصنف رحمه الله تعالى: [ حدثنا محمد بن العلاء عن ابن إدريس عن ابن عجلان عن المقبري عن أبي هريرة رضي الله عنه أنه قال: كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: ((اللهم إني أعوذ بك من الجوع فإنه بئس الضجيع، وأعوذ بك من الخيانة فإنها بئست البطانة) ].

    قوله: (اللهم إني أعوذ بك من الجوع فإنه بئس الضجيع). الضجيع هو الذي يلازم الإنسان، فيكون معه يلازمه إذا اضجطع، فيكون مشوش الذهن والفكر لخلو معدته من الطعام.

    وقوله: (وأعوذ بك من الخيانة فإنها بئست البطانة) الخيانة ضد الأمانة، وهي عامة تكون في حقوق الله عز وجل كالصلاة والصيام والصدقة والزكاة والحج وغسل الجنابة وغير ذلك، وتكون في حقوق الناس فيما بينهم.

    والبطانة في الأصل هي اللباس الداخلي، أو بطانة الشيء ما يكون من الداخل؛ لأن الثوب له بطانه وظهاره، فالبطانة ما تكون من الداخل، ومعنى هذا أنها بئس الصفة للإنسان أن يتصف بها، وينطوي عليها، وبطانة الشخص هم خاصته الذين يلازمونه، ويحصل منهم له إما الدلالة على الخير أو الدلالة على الشر.

    تراجم رجال إسناد حديث (اللهم إني أعوذ بك من الجوع فإنه بئس الضجيع)

    قوله: [ حدثنا محمد بن العلاء ].

    محمد بن العلاء بن كريب أبو كريب ثقة أخرج له أصحاب الكتب الستة .

    [ عن ابن إدريس ].

    عبد الله بن إدريس الأودي وهو ثقة أخرج له أصحاب الكتب الستة .

    [ عن ابن عجلان ]

    محمد بن عجلان المدني صدوق أخرج له البخاري تعليقاً ومسلم وأصحاب السنن .

    [ عن المقبري ].

    يحتمل أن يكون أبا سعيد المقبري أو سعيد بن أبي سعيد ؛ لأن كلاً منهما يروي عن أبي هريرة ، وكل منهما ثقة خرج له أصحاب الكتب الستة، لكن قد نص المزي على أنه هنا سعيد بن أبي سعيد .

    [ عن أبي هريرة ]

    هو عبد الرحمن بن صخر الدوسي صاحب رسول الله صلى الله عليه وسلم، ومر ذكره.

    شرح حديث (اللهم إني أعوذ بك من الأربع)

    قال المصنف رحمه الله تعالى: [ حدثنا قتيبة بن سعيد حدثنا الليث عن سعيد بن أبي سعيد المقبري عن أخيه عباد بن أبي سعيد أنه سمع أبا هريرة يقول: كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: (اللهم إني أعوذ بك من الأربع: من علم لا ينفع، ومن قلب لا يخشع، ومن نفس لا تشبع، ومن دعاء لا يسمع). ].

    هذا الدعاء فيه سؤال الغاية والنهاية الحسنة في هذه الأمور، فالقلب يكون فيه الخشوع، وإذا فقد فإن هذا مما يتعوذ منه.

    (وعلم لا ينفع)؛ لأن فائدة العلم في العمل، والعلم بدون العمل يكون وبالاً على الإنسان، فالإنسان إذا علم وعمل يكون عمله على بصيرة، واهتدى إلى بصيرة، وعبد الله على بصيرة، وإذا كان بخلاف ذلك كان العلم وبالاً عليه، وكان الجاهل أحسن حالاً منه كما قال الشاعر:

    إذا كنت لا تدري فتلك مصيبة

    وإن كنت تدري فالمصيبة أعظم

    لا يستوي من يعصي الله وهو جاهل، ومن يعص الله وهو عالم

    (ومن نفس لا تشبع): فالنفس التي لا تشبع يكون عندها الفقر ولو امتلأت اليدان، فالغنى هو غنى النفس، وإذا وجد غنى النفس فما وراء ذلك يكون تبعاً له، وإذا فقد غنى النفس فإن اليد ولو كانت غنية فإن الفقر يكون موجوداً.

    (ومن دعاء لا يسمع) يعني: لا يستجاب، والإمام يقول: سمع الله لمن حمده، فيقول المصلي وراءه: ربنا ولك الحمد، وسبق أن ذكرنا الفائدة العظيمة التي ذكرها بعض العلماء في بيان منزلة معاوية بن أبي سفيان لما قيل له: ماذا تقول في معاوية بن أبي سفيان ؟ قال: ماذا أقول في رجل صلى خلف النبي صلى الله عليه وسلم، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم في الصلاة: سمع الله لمن حمده، فقال معاوية وراءه: ربنا ولك الحمد؟!

    تراجم رجال إسناد حديث (اللهم إني أعوذ بك من الأربع)

    قوله: [ حدثنا قتيبة بن سعيد ].

    مر ذكره.

    [ حدثنا الليث ].

    الليث بن سعد المصري ثقة فقيه أخرج له أصحاب الكتب الستة.

    [ عن سعيد بن أبي سعيد المقبري ].

    سعيد بن أبي سعيد المقبري مر ذكره.

    [ عن أخيه ].

    عباد بن أبي سعيد وهو مقبول أخرج له أبو داود والنسائي وابن ماجة .

    [ عن أبي هريرة ].

    أبو هريرة مر ذكره.

    فائدة: سعيد بن أبي سعيد يروي عن أبيه عن أبي هريرة ، ويروي عن أخيه عن أبي هريرة ، ويروي عن أبي هريرة مباشرة.

    هذا الحديث صححه الألباني ، وله شاهدان عند مسلم وعند الترمذي وقال: حسن صحيح غريب، وكلمة (غريب) هذه لا تؤثر؛ لأن الترمذي يستعملها أحياناً في أحاديث في الصحيحين، فمثلاً آخر حديث في صحيح البخاري : (كلمتان حبيبتان إلى الرحمن، خفيفتان على اللسان، ثقيلتان في الميزان: سبحان الله وبحمده، سبحان الله العظيم)، قال الترمذي عنه: حسن صحيح غريب، وقصده بغريب تفرد بعض الرواة به.

    شرح حديث (اللهم إني أعوذ بك من صلاة لا تنفع)

    قال المصنف رحمه الله تعالى: [ حدثنا محمد بن المتوكل حدثنا المعتمر قال: قال أبو المعتمر أرى أن أنس بن مالك حدثنا أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يقول: (اللهم إني أعوذ بك من صلاة لا تنفع) . وذكر دعاء آخر ].

    أورد أبو داود حديث أنس رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يقول: (اللهم إني أعوذ بك من صلاة لا تنفع)، وذكر دعاء آخر، يعني مع ذلك، وهذه غير الأربع المذكورة؛ ففي الحديث السابق الاستعاذة من قلب لا يخشع، وقد تدخل فيه الصلاة التي لا خشوع فيها، ولا إقبال فيها، ولاشك أن الخشوع أهم شيء مطلوب فيها.

    تراجم رجال إسناد حديث (اللهم إني أعوذ بك من صلاة لا تنفع)

    قوله: [ حدثنا محمد بن المتوكل ].

    صدوق له أوهام كثيرة أخرج له أبو داود وحده.

    [ حدثنا المعتمر ].

    المعتمر يروي هنا عن أبيه وهو سليمان بن طرخان ، وقد مر ذكرهما.

    [ عن أنس بن مالك ].

    أنس بن مالك قد مر ذكره، وأبو المعتمر سمع من أنس ، وهنا قال: أراه. يعني: أنه شك في أن الصحابي الذي حدثه هو أنس .

    شرح حديث (اللهم إني أعوذ بك من شر ما عملت ومن شر ما لم أعمل)

    قال المصنف رحمه الله تعالى: [ حدثنا عثمان بن أبي شيبة حدثنا جرير عن منصور عن هلال بن يساف عن فروة بن نوفل الأشجعي أنه قال: سألت عائشة أم المؤمنين رضي الله عنها عما كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يدعو به قالت: كان يقول: (اللهم إني أعوذ بك من شر ما عملت، ومن شر ما لم أعمل) ].

    أورد أبو داود حديث عائشة رضي الله عنها أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يقول: (اللهم إني أعوذ بك من شر ما عملت، ومن شر ما لم أعمل)، ففيه التعوذ من شر ما عمل الإنسان في الماضي، ومن شر ما لم يعمله في المستقبل، وهذا الدعاء من الأدعية الجامعة.

    تراجم رجال إسناد حديث (اللهم إني أعوذ بك من شر ما عملت ومن شر ما لم أعمل)

    قوله: [ حدثنا عثمان بن أبي شيبة ].

    عثمان بن أبي شيبة ثقة أخرج له أصحاب الكتب الستة إلا الترمذي .

    [ حدثنا جرير ].

    جرير بن عبد الحميد الضبي الكوفي ثقة أخرج له أصحاب الكتب الستة.

    [ عن منصور ].

    منصور بن المعتمر الكوفي ثقة أخرج له أصحاب الكتب الستة .

    [ عن هلال بن يساف ].

    هلال بن يساف ثقة أخرج له البخاري تعليقاً ومسلم وأصحاب السنن .

    [ عن فروة بن نوفل الأشجعي ].

    قال في التقريب: مختلف في صحبته، والصواب أن الصحبة لأبيه، أخرج له مسلم وأصحاب السنن، فيفهم من هذا أنه ثقة، ولو كان فيه ضعف لأشار إليه، وأحياناً ينص على توثيق من اختلف في صحبته، فيقول: بل تابعي ثقة.

    [ عن عائشة أم المؤمنين ].

    مر ذكرها.

    شرح حديث (اللهم إني أعوذ بك من شر سمعي...)

    قال المصنف رحمه الله تعالى: [ حدثنا أحمد بن محمد بن حنبل حدثنا محمد بن عبد الله بن الزبير ح وحدثنا أحمد حدثنا وكيع -المعنى- عن سعد بن أوس عن بلال العبسي عن شتير بن شكل عن أبيه قال في حديث أبي أحمد : شكل بن حميد رضي الله عنه أنه قال: (قلت: يا رسول الله! علمني دعاء قال: قل: اللهم إني أعوذ بك من شر سمعي، ومن شر بصري، ومن شر لساني، ومن شر قلبي، ومن شر منيي) ].

    قوله: (ومن شر سمعي) يعني كونه يسمع به ما لا يجوز سماعه، وهذا هو الشر الذي يقع عن طريق السمع.

    (ومن شر بصري) يعني: كونه ينظر إلى محرم.

    (ومن شر لساني) يعني: كونه يتكلم بكلام شر وفسوق، وقد جاء في الحديث: (من يضمن لي ما بين رجليه وما بين لحييه أضمن له الجنة)، وجاءت الأحاديث الكثيرة في بيان خطر اللسان، ومنها حديث معاذ : (ألا أخبرك بملاك ذلك كله؟ كف عليك هذا -وأشار إلى لسان نفسه- فقال: وإنا لمؤاخذون بما نتكلم به! قال: ثكلتك أمك يا معاذ ! وهل يكب الناس في النار على وجوههم -أو قال: على مناخرهم- إلا حصائد ألسنتهم؟!).

    (ومن شر قلبي) يعني: ما يكون فيه من الحقد ومن كل شر وبلاء.

    (ومن شر منيي) يعني: كونه يضعه في موضع لا يحل له أن يضعه فيه، قال الله عز وجل: وَالَّذِينَ هُمْ لِفُرُوجِهِمْ حَافِظُونَ * إِلَّا عَلَى أَزْوَاجِهِمْ أوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُهُمْ فَإِنَّهُمْ غَيْرُ مَلُومِينَ * فَمَنِ ابْتَغَى وَرَاءَ ذَلِكَ فَأُوْلَئِكَ هُمُ الْعَادُونَ [المؤمنون:5-7]، فإذا وضع منيه في غير هذين الموضعين -وهما الأزواج وملك اليمين- فإنه من العدوان والاعتداء، وصاحبه ملوم، وفي الحديث الذي أشرت إليه: (من يضمن لي ما بين لحييه وما بين رجليه أضمن له الجنة) يعني: يحفظ فرجه.

    تراجم رجال إسناد حديث (اللهم إني أعوذ بك من شر سمعي...)

    قوله: [ حدثنا أحمد بن محمد بن حنبل ].

    أحمد بن محمد بن حنبل الشيباني الإمام المشهور أحد أصحاب المذاهب الأربعة من مذاهب أهل السنة، وحديثه أخرجه أصحاب الكتب الستة.

    [ عن محمد بن عبد الله بن الزبير ].

    محمد بن عبد الله بن الزبير أبو أحمد الزبيري ثقة أخرج له أصحاب الكتب الستة.

    [ ح وحدثنا أحمد حدثنا وكيع المعنى ].

    ثم قال: ح وحدثنا أحمد أي: ابن حنبل عن وكيع وهو ابن الجراح الرؤاسي ، ثقة أخرج له أصحاب الكتب الستة، وقوله: (المعنى) يعني أن المعنى واحد.

    [ عن سعد بن أوس ].

    سعد بن أوس وهو ثقة أخرج له البخاري في الأدب المفرد وأصحاب السنن.

    [ عن بلال العبسي ].

    بلال العبسي وهو صدوق أخرج له البخاري في الأدب المفرد وأصحاب السنن.

    [ عن شتير بن شكل ].

    شتير بن شكل وهو ثقة أخرج له البخاري في الأدب المفرد ومسلم وأصحاب السنن.

    [ عن أبيه ].

    شكل بن حميد صاحب رسول الله صلى الله عليه وسلم له هذا الحديث فقط، أخرج له البخاري في الأدب المفرد وأبو داود والترمذي والنسائي .

    [ قال في حديث أبي أحمد : شكل بن حميد ].

    يعني: الشيخ الأول وهو أبو أحمد محمد بن عبد الله بن الزبير ذكر نسب الصحابي فقال: شكل بن حميد ، ولم يقتصر على قوله: عن أبيه.

    شرح حديث (اللهم إني أعوذ بك من الهدم..)

    قال المصنف رحمه الله تعالى: [ حدثنا عبيد الله بن عمر حدثنا مكي بن إبراهيم حدثني عبد الله بن سعيد عن صيفي مولى أفلح مولى أبي أيوب عن أبي اليسر (أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان يدعو: اللهم إني أعوذ بك من الهدم، وأعوذ بك من التردي، وأعوذ بك من الغرق والحرق، وأعوذ بك من الهرم، وأعوذ بك أن يتخبطني الشيطان عند الموت، وأعوذ بك أن أموت في سبيلك مدبراً، وأعوذ بك أن أموت لديغاً) ].

    أورد أبو داود رحمه الله حديث أبي اليسر رضي الله تعالى عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يقول: (اللهم إني أعوذ بك من الهدم) يعني: سقوط جدار أو بنيان؛ لما يحصل بسبب ذلك من الأضرار التي تلحق الجسم، فيصير مقعداً أو يحصل له ضرر كبير في صحته، فلا يتمكن من أن يأتي بالأمور التي كان يستطيعها قبل أن يحصل له ذلك الضرر.

    وقوله: [ (وأعوذ بك من التردي) ] يعني: السقوط من شاهق، سواء من جبل، أو من عمارة، أو أي مكان عال، فيحصل له بسببه التكسر والضرر.

    قوله: [ (وأعوذ بك من الغرق) ] يعني: كون الإنسان يحصل له الغرق.

    قوله: [ (والحرق)] يعني: كونه يحترق بالنار، فيتضرر بذلك.

    قوله: [ (والهرم)] وهو كون الإنسان يتقدم به السن، ويرد إلى أرذل العمر.

    قوله: [ (وأعوذ بك أن يتخبطني الشيطان عند الموت) ] يعني: أن يستولي عليه الشيطان عند الموت، ويصرفه عما ينبغي أن يكون عليه من الخاتمة الحسنة.

    قوله: [ (وأعوذ بك أن أموت في سبيلك مدبراً) ] يعني: فاراً من الزحف غير متحرفاً لقتال أو متحيز إلى فئة كما استثناهما الله تعالى.

    قوله: [ (وأعوذ بك أن أموت لديغاً)] يعني: من ذوات السموم.

    وقد جاء أن الغريق والمحروق واللديغ شهداء، لكن إذا بقي في قيد الحياة فقد يحصل له أمور لا يستطيع أن يصبر معها، فيصير عنده تحسر وضجر.

    والاستعاذة من هذه الأشياء عامة، سواء مات منها أو لم يمت، فيستعاذ منها.

    تراجم رجال إسناد حديث (اللهم إني أعوذ بك من الهدم..)

    قوله: [ حدثنا عبيد الله بن عمر ] .

    عبيد الله بن عمر القواريري ، وهو ثقة، أخرج له البخاري ومسلم وأبو داود والنسائي .

    [ حدثنا مكي بن إبراهيم ] .

    مكي بن إبراهيم ، ثقة، أخرج له أصحاب الكتب الستة.

    [ حدثني عبد الله بن سعيد ] .

    عبد الله بن سعيد وهو صدوق ربما وهم، أخرج له أصحاب الكتب الستة.

    [ عن صيفي مولى أفلح مولى أبي أيوب ] .

    صيفي مولى أفلح مولى أبي أيوب ثقة، أخرج له مسلم وأبو داود والترمذي والنسائي .

    [ عن أبي اليسر ] .

    وهو كعب بن عمرو رضي الله عنه، أخرج حديثه البخاري في الأدب المفرد ومسلم وأصحاب السنن.

    شرح حديث الاستعاذة من الغم

    قال المصنف رحمه الله تعالى: [ حدثنا إبراهيم بن موسى الرازي أخبرنا عيسى عن عبد الله بن سعيد قال: حدثني مولى لـأبي أيوب عن أبي اليسر رضي الله عنه: زاد فيه (والغم) ] .

    أورد أبو داود حديث أبي اليسر من طريق ثان، وفيه بالإضافة إلى ما تقدم (والغم) يعني: ما يصيب الإنسان من الغم.

    تراجم رجال إسناد حديث الاستعاذة من الغم

    قوله: [ حدثنا إبراهيم بن موسى الرازي أخبرنا عيسى عن عبد الله بن سعيد ] .

    قد مر ذكر الثلاثة.

    [ عن مولى لـأبي أيوب ] .

    مولى أبي أيوب هو صيفي ، وذكر أبي أيوب هنا فيه تجوز؛ لأنه مولى أفلح مولى أبي أيوب .

    شرح حديث (اللهم إني أعوذ بك من البرص..)

    قال المصنف رحمه الله تعالى: [ حدثنا موسى بن إسماعيل حدثنا حماد أخبرنا قتادة عن أنس رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وآله وسلم كان يقول: (اللهم إني أعوذ بك من البرص، والجنون، والجذام، ومن سيئ الأسقام) ] .

    أورد أبو داود هذا الحديث عن أنس رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يقول: (اللهم إني أعوذ بك من البرص، والجذام، والجنون، وسيئ الأسقام) البرص: عاهة تكون دائمة ومستمرة مع الإنسان، وليست من العاهات الطارئة التي تأتي وتذهب مثل الزكام وغير ذلك، وإنما هو شيء ملازم، ومنظر ليس بمستحسن.

    والجذام: علة يذهب معها شعور الأعضاء، وربما ينتهي إلى تآكل الأعضاء وسقوطها.

    والجنون: هو زوال العقل.

    وسيئ الأسقام: أي الأمراض التي تكون من هذا النوع الذي فيه تشويه وضرر يلحق بالإنسان.

    تراجم رجال إسناد حديث (اللهم إني أعوذ بك من البرص..)

    قوله: [ حدثنا موسى بن إسماعيل حدثنا حماد أخبرنا قتادة عن أنس ] .

    تقدم ذكر موسى وحماد وقتادة هو ابن دعامة السدوسي البصري ثقة، أخرج له أصحاب الكتب الستة، وهذا الإسناد من رباعيات أبي داود .

    شرح حديث (اللهم إني أعوذ بك من الهم والحزن..)

    قال المصنف رحمه الله تعالى: [ حدثنا أحمد بن عبيد الله الغداني أخبرنا غسان بن عوف أخبرنا الجريري عن أبي نضرة عن أبي سعيد الخدري رضي الله عنه قال: (دخل رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم ذات يوم المسجد فإذا هو برجل من الأنصار يقال له: أبو أمامة فقال: يا أبا أمامة ! ما لي أراك جالساً في المسجد في غير وقت الصلاة؟! قال: هموم لزمتني وديون يا رسول الله! قال: أفلا أعلمك كلاماً إذا أنت قلته أذهب الله عز وجل همك، وقضى عنك دينك؟ قال: قلت: بلى يا رسول الله! قال: قل إذا أصبحت وإذا أمسيت: اللهم إني أعوذ بك من الهم والحزن، وأعوذ بك من العجز والكسل، وأعوذ بك من الجبن والبخل، وأعوذ بك من غلبة الدين وقهر الرجال. قال: ففعلت ذلك فأذهب الله عز وجل همي، وقضى عني ديني) ] .

    هذه الألفاظ كلها جاءت في أحاديث صحيحة مرت بنا، ولكن هذه القصة جاءت من هذا الطريق، وفيه من لا يصح الاحتجاج به، والألباني رحمه الله ضعف هذا الحديث، ولعل التضعيف يتعلق بالقصة، وأما بالنسبة لمتن الحديث وما فيه من ألفاظ فكل الألفاظ التي فيه جاءت في أحاديث صحيحة ثابتة عن رسول الله صلى الله عليه وسلم.

    تراجم رجال إسناد حديث (اللهم إني أعوذ بك من الهم والحزن..)

    قوله: [ حدثنا أحمد بن عبيد الله الغداني ] .

    أحمد بن عبيد الله الغداني صدوق، أخرج له البخاري وأبو داود .

    [ عن غسان بن عوف ] .

    وهو لين الحديث، وهذا هو الذي ضعف به الحديث، أخرج له أبو داود وحده.

    [ عن الجريري ] .

    سعيد بن إياس الجريري ثقة، أخرج له أصحاب الكتب الستة.

    [ عن أبي نضرة ] .

    أبو نضرة هو المنذر بن مالك بن قطعة ، وهو ثقة أخرج له البخاري تعليقاً ومسلم وأصحاب السنن.

    [ عن أبي سعيد ] .

    أبو سعيد هو سعد بن مالك بن سنان الخدري رضي الله عنه، صاحب رسول الله صلى الله عليه وسلم، وأحد السبعة المعروفين بكثرة الحديث عن النبي صلى الله عليه وسلم.

    نبذة عن تبويبات الكتب الستة

    وإلى هنا ينتهي كتاب الصلاة الذي هو الكتاب الثاني من كتب أبي داود رحمه الله، والإمام أبو داود رحمه الله ذكر بعده الزكاة، وبعد الزكاة المناسك، وذكر بعد ذلك النكاح والطلاق، ثم أتى بكتاب الصيام، فترتيبه يختلف عن غيره، لا سيما أنه أخر الصيام إلى ما بعد النكاح، وقد جرت عادة المؤلفين من المحدثين والفقهاء غالباً أن يذكروا كتاب الجنائز في آخر الصلاة، وأبو داود ما ذكره هنا وإنما أورده في كتاب مستقل، وهو في الكتاب الخامس عشر، ومعلوم أن كتاب الجنائز يشتمل على الصلاة وغير الصلاة، لكن كثير من العلماء يغلبون جانب الصلاة فيوردونه في آخر كتاب الصلاة، وأما أبو داود رحمه الله فقد أورده بعد أربعة عشر كتاباً، أي في الباب الخامس عشر.

    ثم إن أبا داود رحمه الله قليل ذكر الكتب؛ ولهذا نجد أنه جعل الطهارة كلها في كتاب، وجعل الصلاة كلها في كتاب، بخلاف غيره من المؤلفين، فبعضهم يجعل تحت الصلاة عدة كتب، وتحت الطهارة عدة كتب، وأما أبو داود فالكتب عنده قليلة، وهو أقل أصحاب الكتب الستة كتباً، ولكنه أحياناً يطول في الكتب وأحياناً يقصر، فكل ما مضى لنا كتابان فقط: كتاب الطهارة وكتاب الصلاة، فهما كتابان طويلان، ولكنه يأتي أحياناً بكتب قصيرة، وكتبه كلها خمسة وثلاثون كتاباً في كتابه السنن، ومن جملة كتبه كتاب المهدي، أورد فيه أحاديث قليلة تتعلق بـالمهدي .

    ويلي أبا داود في قلة عقد الكتب ابن ماجة ، فإن كتبه سبعة وثلاثون كتاباً، ويليهما الترمذي فإن كتبه خمسون كتاباً في كتابه السنن أو الجامع، ويليه النسائي فيه واحد وخمسون كتاباً، ثم مسلم فيه أربعة وخمسون كتاباً، ثم البخاري فيه سبعة وتسعون كتاباً، وعلى هذا فأصحاب الكتب الستة منهم من يكثر من الكتب كـالبخاري ، ومنهم من يقللها كـأبي داود ، وأكثر الكتب الستة كتباً هو صحيح البخاري حيث بلغت كتبه سبعة وتسعين، وأقلها كتباً سنن أبي داود حيث بلغت كتبه خمسة وثلاثين.