إسلام ويب

شرح سنن أبي داود [159]للشيخ : عبد المحسن العباد

  •  التفريغ النصي الكامل
  • لصلاة النوافل كيفيات معهودة وأخرى غير معهودة، أما المعهودة منها فصلاة الليل والنهار، وذلك أن صلاة النهار مثنى مثنى، ويجوز فيها أن تصلى أربعاً بتسليم واحد مع أن الأولى صلاتها اثنتين اثنتين، وأما صلاة الليل فقد بين النبي صلى الله عليه وسلم بفعله وقوله أنها تصلى ركعتين ركعتين كما تصلى أربعاً بتسليم واحد، وأما غير المعهود من الكيفيات في صلاة النافلة فكيفية صلاة التسبيح التي وردت بهيئتها المذكورة، وهي مخالفة للمعهود من أمر الصلاة.

    1.   

    ما جاء في صلاة النهار

    شرح حديث (صلاة الليل والنهار مثنى مثنى)

    قال المصنف رحمه الله تعالى: [ باب: في صلاة النهار.

    حدثنا عمرو بن مرزوق أخبرنا شعبة عن يعلى بن عطاء عن علي بن عبد الله البارقي عن ابن عمر رضي الله عنهما عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (صلاة الليل والنهار مثنى مثنى) ].

    أورد أبو داود [ باب: في صلاة النهار ]، يعني: هل تصلى اثنتين اثنتين أو تصلى أربعاً مقرونة مسرودة؟ فهذا هو المقصود بالترجمة، أي: كيف تصلى صلاة النهار؟

    وخص النهار دون الليل لأن الليل له أبواب تخصه تتعلق بقيام الليل، وفيها كيفية صلاة الليل، وأنها تكون متصلة ومنفصلة، تكون اثنتين اثنتين، وتكون أربعاً أربعاً وثلاثاً، لكن الترجمة معقودة لصلاة النهار، وأنها تصلى كما تصلى صلاة الليل مثنى مثنى، ويجوز أن تجمع الركعات مع بعض كما جاء في بعض الأحاديث، وكما يدل عليه إطلاق الأربع، ولكن الإتيان بها مفصولة اثنتين اثنتين أولى، وذلك لسهولتها ولتمكن الإنسان من أن يقضي حاجته بينها، أو يطلب شيئاً هو بحاجة إليه، وإن جمع وقرن بينها وصلى الأربع فلا بأس بذلك، لكن الإتيان بها اثنتين اثنتين هو الأولى.

    وصلاة الليل تكون مفصولة اثنتين اثنتين، وتكون موصولة أربعاً أربعاً، وقد جاء عن النبي صلى الله عليه وسلم الوصل والفصل، وقد جاء من قوله صلى الله عليه وسلم الفصل في قوله: (صلاة الليل مثنى مثنى، فإذا خشي أحدكم الصبح صلى ركعة واحدة توتر له ما قد صلى).

    وعلى هذا فالأولى والأفضل في صلاة الليل والنهار أن تكون مثنى مثنى كما جاء في حديث الباب، وكما جاء في حديث صلاة الليل السابق.

    تراجم رجال إسناد حديث (صلاة الليل والنهار مثنى مثنى)

    قوله: [ حدثنا عمرو بن مرزوق ].

    عمرو بن مرزوق ثقة، أخرج له البخاري وأبو داود .

    [ أخبرنا شعبة ].

    هو شعبة بن الحجاج الواسطي، مر ذكره.

    [ عن يعلى بن عطاء ].

    يعلى بن عطاء ثقة، أخرج له البخاري في جزء القراءة ومسلم وأصحاب السنن.

    [ عن علي بن عبد الله البارقي ].

    علي بن عبد الله البارقي صدوق ربما أخطأ، أخرج حديثه مسلم وأصحاب السنن.

    [ عن ابن عمر ].

    هو عبد الله بن عمر بن الخطاب رضي الله عنهما، الصحابي الجليل، أحد العبادلة الأربعة من الصحابة، وأحد السبعة المعروفين بكثرة الحديث عن النبي صلى الله عليه وسلم.

    شرح حديث (الصلاة مثنى مثنى..)

    قال المصنف رحمه الله تعالى: [ حدثنا ابن المثنى حدثنا معاذ بن معاذ حدثنا شعبة حدثني عبد ربه بن سعيد عن أنس بن أبي أنس عن عبد الله بن نافع عن عبد الله بن الحارث عن المطلب عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (الصلاة مثنى مثنى، أن تشهد في كل ركعتين، وأن تبأس وتمسكن وتقنع بيديك وتقول: اللهم اللهم، فمن لم يفعل ذلك فهي خداج) سئل أبو داود عن صلاة الليل مثنى قال: إن شئت مثنى، وإن شئت أربعاً ].

    أورد أبو داود حديث المطلب ، وأن النبي صلى الله عليه وسلم قال: [ (الصلاة مثنى مثنى) ] وهذا مطلق، أي: ليس خاصاً بالنهار، فهو يشمل النهار والليل.

    قوله: [ (وأن تشهد في كل ركعتين) ].

    يعني أنه يتشهد في كل ركعتين ويسلم.

    قوله: [ (وأن تبأس وتمسكن) ].

    يعني: تظهر البؤس والفاقة والمسكنة والفقر إلى الله عز وجل.

    قوله: [ (وتقنع بيديك) ]. يعني: ترفع يديك تدعو الله عز وجل وتقول اللهم أعطني كذا، اللهم اغفر لي، اللهم ارحمني، فهو أتى بالدعاء ولم يذكر الذي يدعى به، ولكن الإنسان يدعو ويسأل الله عز وجل؛ لأن (اللهم) معناه أنه يدعو قائلاً: اللهم أعطني كذا، اللهم اغفر لي كذا، اللهم حقق لي كذا، اللهم يسر لي كذا.

    قوله: [ (فمن لم يفعل ذلك فهي خداج) ].

    يعني: الصلاة التي ليست كذلك هي خداج، أي أنها ناقصة، لكن الحديث ضعيف فيه عبد الله بن نافع بن العمياء ، وهو مجهول، والإسناد قيل: إن فيه أخطاء من شعبة راوي الحديث، وأن المحفوظ الصحيح هو أن عبد ربه بن سعيد يروي عن عمران بن أبي أنس بدل أنس بن أبي أنس عن عبد الله بن نافع عن ربيعة بن الحارث بن عبد المطلب بدل عبد الله بن الحارث ، وكذلك ربيعة بن الحارث بن عبد المطلب يروي عن الفضل بن عباس، والحديث -كما هو معلوم- يدور على عبد الله بن نافع بن العمياء، وهو مجهول، والحديث غير صحيح، وغير ثابت عن رسول الله صلى الله عليه وسلم.

    تراجم رجال إسناد حديث (الصلاة مثنى مثنى..)

    قوله: [ حدثنا ابن المثنى ].

    هو: محمد بن مثنى أبو موسى الملقب بـالزمن ، وهو ثقة أخرج له أصحاب الكتب الستة، بل هو شيخ لأصحاب الكتب الستة.

    [ حدثنا معاذ بن معاذ ].

    معاذ بن معاذ ثقة، أخرج له أصحاب الكتب الستة.

    [ حدثنا شعبة حدثني عبد ربه بن سعيد ].

    شعبة مر ذكره، وعبد ربه بن سعيد هو أخو يحيى بن سعيد الأنصاري المدني ، وهو ثقة، أخرج له أصحاب الكتب الستة.

    [ عن أنس بن أبي أنس ].

    أنس بن أبي أنس قيل: هو عمران بن أبي أنس، وهو ثقة، أخرج له البخاري في الأدب المفرد ومسلم وأصحاب السنن.

    [ عن عبد الله نافع ].

    هو عبد الله بن نافع بن العمياء ، وهو مجهول، أخرج حديثه أبو داود وأصحاب السنن.

    [ عن عبد الله بن الحارث ].

    عبد الله بن الحارث هو: ربيعة بن الحارث بن عبد المطلب كما قال الليث .

    وعبد الله بن الحارث بن عبد المطلب قيل: له رؤية، وقيل: أجمعوا على ثقته.

    والمحفوظ أنه ربيعة بن الحارث بن عبد المطلب ، وربيعة بن الحارث يروي عن الفضل بن العباس بدل المطلب.

    كما جاءت الرواية عن الليث وعلى كل فالحديث غير صحيح، سواءٌ أكان بسبب الاضطراب أم بسبب عبد الله بن نافع الذي جاء في السند.

    فالذي يروي عن عمران بن أبي أنس هو عبد ربه ، وعمران بن أبي أنس يروي عن عبد الله بن نافع وعبد الله بن نافع يروي عن عبد الله بن الحارث .

    [ عن المطلب ].

    المطلب قيل: هو عبد المطلب، وعلى رواية الليث بدل المطلب الفضل بن عباس رضي الله تعالى عنهما، والمطلب صحابي، أخرج له أصحاب السنن، وهو المطلب بن ربيعة بن الحارث بن عبد المطلب .

    ما ورد في كيفية صلاة الليل وصلاة النهار

    قوله: [ سئل أبو داود عن صلاة الليل مثنى قال: إن شئت مثنى، وإن شئت أربعاً ].

    أي أن الأحاديث في صلاة النهار، وسيذكر الأحاديث في صلاة الليل، لكنه هنا بالمناسبة ذكر ما يتعلق بالليل، حيث سئل أبو داود عن صلاة الليل فقال: [ إن شئت مثنى، وإن شئت أربعاً ] يعني: لك أن تفصل، ولك أن تصل، وقد جاء الفصل والوصل في صلاة الليل عن رسول الله صلى الله عليه وسلم من قوله وفعله، ففعله أنه صلى ركعتين ركعتين كما جاء في حديث ابن عباس لما بات عند خالته ميمونة ، وجاء عنه الوصل في حديث عائشة : (كان يصلي أربعاً فلا تسأل عن حسنهن وطولهن، ثم يصلي أربعاً فلا تسأل عن حسنهن وطولهن، ثم ثلاثاً).

    فهذا فيه الوصل والفصل، وقد جاء الفصل من قوله صلى الله عليه وسلم حيث قال: (صلاة الليل مثنى مثنى، فإذا خشي أحدكم الصبح صلى ركعة واحده توله ما قد صلى) وما أظن أنه جاء فيها الجلوس بدون سلام. وسيعقب المصنف أبواباً لذكر صلاة الليل.

    وبالنسبة لصلاة النهار جاء في بعض الأحاديث أنه يصليها ويسلم على الملائكة المقربين، وعلى كل عبد صالح، ومعناه أنه بين الركعتين يتشهد ويسلم.

    1.   

    ما جاء في صلاة التسبيح

    حديث صلاة التسبيح موقوفاً على عبد الله بن عمرو وتراجم رجاله

    قال المصنف رحمه الله: [ باب صلاة التسبيح.

    حدثنا عبد الرحمن بن بشر بن الحكم النيسابوري حدثنا موسى بن عبد العزيز حدثنا الحكم بن أبان عن عكرمة عن ابن عباس رضي الله عنهما: (أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال للعباس بن عبد المطلب رضي الله عنه: يا عباس ! يا عماه! ألا أعطيك؟ ألا أمنحك ؟ ألا أحبوك؟ ألا أفعل بك عشر خصال إذا أنت فعلت ذلك غفر الله لك ذنبك أوله وآخره، قديمه وحديثه، خطأه وعمده، صغيره وكبيره، سره وعلانيته، عشر خصال، أن تصلي أربع ركعات تقرأ في كل ركعة فاتحة الكتاب وسورة، فإذا فرغت من القراءة في أول ركعة وأنت قائم قلت: سبحان الله، والحمد لله، ولا إله إلا الله، والله أكبر خمس عشرة مرة، ثم تركع فتقولها وأنت راكع عشراً، ثم ترفع رأسك من الركوع فتقولها عشراً، ثم تهوي ساجداً فتقولها وأنت ساجد عشراً، ثم ترفع رأسك من السجود فتقولها عشراً، ثم تسجد فتقولها عشراً، ثم ترفع رأسك فتقولها عشراً، فذلك خمس وسبعون في كل ركعة تفعل ذلك في أربع ركعات، إن استطعت أن تصليها في كل يوم مرة فافعل، فإن لم تفعل ففي كل جمعة مرة، فإن لم تفعل ففي كل شهر مرة، فإن لم تفعل ففي كل سنة مرة، فإن لم تفعل ففي عمرك مرة) ].

    أورد أبو داود رحمه هذا الباب، وهو [ باب صلاة التسبيح ]، وقيل لهذه الصلاة: صلاة التسبيح لكثرة ما فيها من التسبيح، وكون التسبيح يكون في القيام والركوع والرفع من الركوع، وفي السجود وبين السجدتين، بل وبعد السجدة الثانية.

    وأورد أبو داود رحمه الله الحديث من طرق أولها حديث عكرمة عن ابن عباس أن النبي صلى الله عليه وسلم قال لعمه العباس [ (يا عباس ! يا عماه! ألا أعطيك؟ ألا أمنحك؟ ألا أحبوك؟ ألا أفعل بك عشر خصال إذا أنت فعلت ذلك غفر الله لك ذنبك أوله وآخره، قديمه وحديثه، خطأه وعمده، صغيره وكبيره، سره وعلانيته) ].

    ثم قال: تصلي أربع ركعات تقرأ في كل ركعة فاتحة الكتاب وسورة، وبعدما تنتهي من القراءة في الركعة الأولى تقول: سبحان الله، والحمد لله، ولا إله إلا الله، والله أكبر خمس عشر مرة وأنت قائم، ثم تركع وتقول ذلك عشر مرات وأنت راكع، ثم تقوم من الركوع وتقوله عشر مرات وأنت قائم بعد الركوع وقبل السجود، ثم تسجد وتقوله في السجدة الأولى عشر مرات، ثم تقوم من السجدة الأولى وتجلس بين السجدتين وتقوله عشر مرات، ثم تسجد الثانية وتقوله عشر مرات، ثم ترفع من السجدة الثانية وتقوله عشر مرات وأنت جالس، أي: في جلسة الاستراحة، بحيث تكون طويلة، ويكون فيها عشر تسبيحات عشر مرات، فيكون مجموع ذلك خمساً وسبعين في كل ركعة، القيام فيه خمس عشرة، والركوع والرفع منه، والسجدة الأولى وبين السجدتين، والسجدة الثانية، وبعد السجدة الثانية في كل تلك الأصول عشر مرات، فيكون العدد خمساً وسبعين تسبيحة.

    فإذا فعلت ذلك في كل الركعات الأربع فمعناه أنه يكون عدد ذلك ثلاثمائة، أي: قول (سبحان الله، والحمد لله، ولا إله إلا الله، والله أكبر).

    ثم قال: [ (إن استطعت أن تصليها في كل يوم مرة فافعل، وإن لم تفعل ففي كل جمعة) ] يعني: في كل أسبوع؛ لأن الأسبوع يقال له جمعة، [ (فإن لم تفعل ففي كل شهر مرة، فإن لم تفعل ففي كل سنة مرة، فإن لم تفعل ففي عمرك مرة) ].

    فهذا هو الحديث الذي أورده أبو داود في صلاة التسبيح، وقد اختلف العلماء في صلاة التسبيح فمنهم من اعتبرها، وصحح حديثها وفعلها، ومنهم من ضعف أحاديثها وأنكرها وقال: إنها غير صحيحة، وهي شاذة مخالفة للصلوات الأخرى، وفيها أمور غريبة تختلف عن غيرها من الصلوات الأخرى.

    ثم إن العشر الخصال لم يأت توضيحها وبيانها، ومعلوم أن العشر الخصال هي أعمال إذا عملها الإنسان يحصل على ذلك أجراً، فمن الذين شرحوا الحديث قالوا: إن العشر ترجع إلى العشر الكلمات التي هي: أوله وآخره، خطؤه وعمده، صغيره وكبيره، سره وعلانيته، قديمه وحديثه، فهذه هي العشر، وهذه لا يستقيم أن تكون هي العشر الخصال التي حث عليها؛ لأن هذا يقال له: جزاء وليس هو خصالاً تفعل، وإنما هو ثواب.

    ومن أهل العلم من فسر الحديث فقال: إن المقصود بالعشر العشر التسبيحات والتحميدات والتكبيرات والتهليلات التي جاءت في ستة أحوال بالنسبة للركعة الواحدة، فقيل لها: عشر خصال، وهذا -في الحقيقة- غير واضح، فالعشر الخصال غير معروفة، وغير موجودة في الحديث، فليس فيه إلا أربع ركعات، وفيه خصال تتكرر في كل ركعة عشر مرات، فلا يصلح أن يقال: إن هذه هي العشر الخصال، فهذا لا يستقيم، ثم إنَّ فيه التنصيص على أن الإنسان إذا فعل ذلك في عمره مرة واحدة يكفر عنه الذنوب الكبيرة والصغيرة، وهذا مخالف لما جاء في الأحاديث الصحيحة، كقوله صلى الله عليه وسلم (الجمعة إلى الجمعة، ورمضان إلى رمضان، مكفرات لما بينهن إذا اجتنبت الكبائر). فهذا يدلنا على أن هذه الأعمال العظيمة إذا فعلها الإنسان فإن مجرد فعله لها لا يكفر عنه الكبائر، وإنما يكفر الصغائر، والله تعالى يقول: إِنْ تَجْتَنِبُوا كَبَائِرَ مَا تُنْهَوْنَ عَنْهُ نُكَفِّرْ عَنْكُمْ سَيِّئَاتِكُمْ [النساء:31].

    ثم إن في متنه من الإشكال كونه بين كل ركعة وركعة يجلس حتى يقول: سبحان الله والحمد لله عشر مرات.

    ثم أيضاً فيه هذا العدد الذي يحتاج إلى عد والإنسان يصلي، حيث يقول ذلك وهو قائم، وفي كل ركوع ورفع وسجود، وبين السجدتين، وبعد السجدة الثانية في جلسة الاستراحة يكون هذا الدعاء، وهي مخالفة لجميع الصلوات في هيئتها، فهي غريبة، وفيها هذا الثواب الذي فيه تكفير الصغائر والكبائر، مع أن الكبائر لا يكفرها إلا التوبة، وقد جاء أنّ الأعمال التي تفعل في كل سنة مثل صيام رمضان، وكذلك الجمعة في كل أسبوع والفرائض لا تكفر إلا الصغائر، فهذا المتن فيه غرابة.

    وبعض أهل العلم -كما قلت- صححه، وعمل بما فيه، لكن لم يعرف عن الصحابة أنهم عملوا بهذا، وإنما جاء عن بعض التابعين، ولم يأت عن الأئمة الأربعة أيضاً أنهم فعلوا ذلك، وإنما جاء عن بعض أتباع الأئمة الأربعة، وقد جاء عن بعض المحدثين أنهم ضعفوا تلك الأحاديث، ومنهم العقيلي وابن خزيمة حيث قال: إن صح الخبر فإن في النفس منه شيئاً فعلق العمل به على صحته وقال: في النفس منه شيء، وكذلك أيضاً جاء عن ابن تيمية وعن المزي، وكذلك النووي في المجموع ضعف الأحاديث الواردة في ذلك وقال: إنها لا تثبت ولا يعمل بها، وكذلك الحافظ ابن حجر جاء عنه في بعض الكتب أنه تكلم فيها وجاء عنه أنه صححها، وجاء عن جماعة من أهل العلم أنهم صححوها، وبعض التابعين ومن بعدهم من بعض أصحاب المذاهب الأربعة فعلوها، لكنها -كما هو معلوم- غريبة، وفي ألفاظها نكارة، وهي فيها التنصيص على أن هذا العمل الذي يفعل في العمر مرة واحدة يكفر أول الذنوب وآخر الذنوب، والصغير والكبير.

    وقد عرفنا أن ما هو أعظم من صلاة التسبيح لا يحصل به تكفير الكبائر، كقوله صلى الله عليه وسلم: (الجمعة إلى الجمعة، ورمضان إلى رمضان، مكفرات لما بينهن إذا اجتنبت الكبائر). أما هذا فيكفر الذنب أوله وآخره، صغيره وكبيره، قديمه وحديثه، خطأه وعمده، سره وعلانيته، وهذا إخبار بحصول هذا الثواب الذي يخالف ما هو ثابت عن رسول الله صلى الله عليه وسلم في أعمال أجل وأعظم، في عمل يتكرر كل سنة وهو صيام رمضان، وعمل يتكرر كل أسبوع، وهو صلاة الجمعة، ومع ذلك لا تكفر الكبائر به، والأحاديث التي ورد فيها تكفير الذنوب مقيدة باجتناب الكبائر، والأحاديث يحمل بعضها على بعض.

    وعلى هذا: فالذي يظهر أن صلاة التسبيح لا ينبغي أن يعمل بها، ولا أن تفعل، ومن فعلها من الأئمة فإنه استند على ما جاء في بعض الروايات، لكن الإشكال موجود في المتن، وبعض الرجال تكلم فيهم، والله تعالى أعلم.

    تراجم رجال إسناد حديث صلاة التسبيح

    قوله: [ حدثنا عبد الرحمن بن بشر بن الحكم النيسابوري ].

    عبد الرحمن بن بشر بن الحكم النيسابوري ثقة، أخرج له البخاري ومسلم وأبو داود وابن ماجة .

    [ حدثنا موسى بن عبد العزيز ].

    موسى بن عبد العزيز صدوق سيئ الحفظ، أخرج له البخاري في جزء القراءة وأبو داود وابن ماجة .

    [ حدثنا الحكم بن أبان ].

    الحكم بن أبان صدوق له أوهام، أخرج حديثه البخاري في جزء القراءة وأصحاب السنن.

    [ عن عكرمة ].

    هو عكرمة مولى ابن عباس ، وهو ثقة، أخرج له أصحاب الكتب الستة.

    [ عن ابن عباس ].

    هو عبد الله بن عباس بن عبد المطلب ، ابن عم النبي صلى الله عليه وسلم، وأحد العبادلة الأربعة من الصحابة، وأحد السبعة المعروفين بكثرة الحديث عن النبي صلى الله عليه وسلم.

    شرح حديث تعليم النبي صلى الله عليه وسلم عبد الله بن عمرو صلاة التسبيح

    قال المصنف رحمه الله تعالى: [ حدثنا محمد بن سفيان الأبلي حدثنا حبان بن هلال أبو حبيب حدثنا مهدي بن ميمون حدثنا عمرو بن مالك عن أبي الجوزاء قال: حدثني رجل كانت له صحبة -يرون أنه عبد الله بن عمرو رضي الله عنهما- قال: (قال لي النبي صلى الله عليه وسلم: ائتني غدا أحبوك وأثيبك وأعطيك، حتى ظننت أنه يعطيني عطية، قال: إذا زال النهار فقم فصل أربع ركعات، فذكر نحوه، قال: ثم ترفع رأسك -يعني: من السجدة الثانية- فاستو جالساً ولا تقم حتى تسبح عشراً، وتحمد عشراً، وتكبر عشراً، وتهلل عشراً، ثم تصنع ذلك في الأربع الركعات، فإنك لو كنت أعظم أهل الأرض ذنباً غفر لك بذلك، قلت: فإن لم أستطع أن أصليها تلك الساعة؟ قال: صلها من الليل والنهار).

    قال أبو داود : وحبان بن هلال خال هلال الرئي ].

    أورد أبو داود حديث رجل من الصحابة يرون أنه عبد الله بن عمرو أن النبي صلى الله عليه وسلم قال له: [ (ائتني غداً أحبوك وأثيبك وأعطيك) ] قال: [ حتى ظننت أنه يعطيني عطية ]، ولما جاء إليه ذكر له صلاة التسبيح، وفيه أنه جعل الأربع الركعات بعد الزوال، وهذا فيه بيان أنها قبل صلاة الظهر بعد الزوال، وفيه التنصيص -أيضاً- على الأمر الذي فيه إشكال من الإشكالات، وهو أن جلسة الاستراحة يمكث فيها حتى يأتي بـ(سبحان الله، والحمد لله، ولا إله إلا الله، والله أكبر) عشر مرات، وهذا مخالف لجميع الصلوات، وهو كون الإنسان يجلس للاستراحة ويأتي فيها بدعاء وهي قصيرة وثابتة في الأحاديث الصحيحة عن رسول الله صلى الله عليه وسلم، وليس فيها شيء من الدعاء لقصرها، وإنما هي جلسة خفيفة يقوم الإنسان منها للركعة الثانية.

    وهذا فيه أنه يجلس حتى يفرغ من قوله: (سبحان الله، والحمد لله، ولا إله إلا الله) والله أكبر عشر مرات.

    ثم قال: [ (فإنك لو كنت أعظم أهل الأرض ذنباً غفر لك بذلك) ]. وهذا أخف من الذي تقدم؛ لأن الذي تقدم فيه الأول والآخر، والصغير والكبير، وفيه أن الكبائر تكفر بفعل صلاة تحصل في السنة مرة واحدة.

    قوله: [ (قلت: فإن لم أستطع أن أصليها تلك الساعة؟ قال: صلها من الليل والنهار) ].

    يعني: افعلها في أي ساعة من ليل أو نهار، ومعناه الأمر في ذلك واسع، وليست خاصةً بما بعد الزوال وقبل صلاة الظهر.

    تراجم رجال إسناد حديث تعليم النبي صلى الله عليه وسلم عبد الله بن عمرو صلاة التسبيح

    قوله: [ حدثنا محمد بن سفيان الأبلي ].

    محمد بن سفيان الأبلي صدوق، أخرج له أبو داود.

    [ حدثنا حبان بن هلال أبو حبيب ].

    حبان بن هلال أبو حبيب ثقة، أخرج له أصحاب الكتب الستة.

    [ حدثنا مهدي بن ميمون ].

    مهدي بن ميمون ثقة، أخرج له أصحاب الكتب الستة.

    [ حدثنا عمرو بن مالك ].

    عمرو بن مالك صدوق له أوهام، أخرج حديثه البخاري في (خلق أفعال العباد) وأصحاب السنن.

    [ عن أبي الجوزاء ].

    هو أوس بن عبد الله الربيعي ، وهو ثقة، أخرج له أصحاب الكتب الستة.

    [ قال: حدثني رجل كانت له صحبة يرون أنه عبد الله بن عمر ].

    أي: أبا الجوزاء قال: إنه له صحبة، وقوله: [ يرون أنه عبد الله بن عمر ] أي: الذين أخذوا عن أبي الجوزاء يرون أنه: عبد الله بن عمرو بن العاص ، وعبد الله بن عمرو بن العاص هو أحد العبادلة الأربعة من الصحابة، وأحد السبعة المعروفين بكثرة الحديث عن النبي صلى الله عليه وسلم.

    قوله: [ قال أبو داود : حبان بن هلال خال هلال الرئي ].

    حبان بن هلال هو من رجال الكتب الستة، وحديثه أخرجه أصحاب الكتب الستة، ولكن هذا فيه إشارة إلى صلته بذلك الرجل الذي هو هلال الرئي .

    إسناد وقف حديث صلاة التسبيح على عبد الله بن عمرو بن العاص وتراجم رجاله

    إسناد آخر معلق لصلاة التسبيح وتراجم رجاله

    [ ورواه روح بن مسيب وجعفر بن سليمان عن عمرو بن مالك النكري عن أبي الجوزاء عن ابن عباس قوله ].

    ثم أورد طريقاً أخرى معلقة أنه من قول ابن عباس أيضاً.

    قوله: [ ورواه روح بن المسيب ].

    روح بن المسيب هو: روح بن المسيب الكليبي أبو رجاء، اختلف العلماء فيه، فـابن معين قال: صويلح، وأبو حاتم قال: صالح ليس بالقوي، وابن عدي قال: أحاديثه غير محفوظة، وابن حبان قال: يروي الموضوعات عن الثقات لا تحل الرواية عنه، والبزار قال: ثقة.

    وليس هو من رجال الكتب الستة.

    وترجمته موجودة في اللسان؛ لأن الميزان يترجم لأصحاب الكتب ولغيرهم، واللسان لا يترجم إلا لغير أصحاب الكتب الستة، ولهذا فإن الإنسان إذا كان عنده تهذيب التهذيب ولسان الميزان فمعنى ذلك أن الرجال غير الرجال، فلا تكرر بين الكتابين؛ لأن الرجال غير الرجال، فلا يأتي في لسان الميزان شخص جاء في تهذيب التهذيب، ولا يأتي في تهذيب التهذيب شخص جاء في لسان الميزان، بل هؤلاء مستقلون وهؤلاء مستقلون، لا ازدواجية ولا تكرر، ومن عنده الكتابان فعنده سفران في رجال لا تكرر بينهم.

    [ وجعفر بن سليمان ].

    جعفر بن سليمان صدوق، أخرج له البخاري في الأدب المفرد ومسلم وأصحاب السنن.

    [ عن عمرو بن مالك عن أبي الجوزاء عن ابن عباس ].

    قد مرَّ ذكرهم.

    قوله: [ قوله ].

    أي: من قوله، ويمكن أن يكون له حكم الرفع، لكن فيه غرابة، وهو مخالف لبقية الأحاديث والسنن.

    وبعض أهل العلم قال: إن أصح شيء فيها هو حديث عكرمة عن ابن عباس .

    قوله: [ وقال في حديث روح: فقال: حديث النبي صلى الله عليه وسلم ].

    يعني أنه مرفوع، وليس موقوفاً.

    إسناد آخر لحديث صلاة التسبيح وتراجم رجاله

    قال المصنف رحمه الله تعالى: [ حدثنا أبو توبة الربيع بن نافع حدثنا محمد بن مهاجر عن عروة بن رويم قال: حدثني الأنصاري أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال لـجعفر ... بهذا الحديث، فذكر نحوه، قال في السجدة الثانية من الركعة الأولى كما قال في حديث مهدي بن ميمون ].

    أورد أبو داود أن الرسول صلى الله عليه وسلم قال لـجعفر مثلما مر في الحديث السابق.

    قوله: [ قال في السجدة الثانية من الركعة الأولى كما قال في حديث مهدي بن ميمون ].

    يعني: أن الروايات كلها في السجدة الثانية الكلام فيها واحد.

    قوله: [ حدثنا أبو توبة الربيع بن نافع ].

    الربيع بن نافع ثقة، أخرج له أصحاب الكتب الستة إلا الترمذي .

    [ حدثنا محمد بن مهاجر ].

    محمد بن مهاجر ثقة، أخرج له البخاري في الأدب المفرد ومسلم وأصحاب السنن.

    [ عن عروة بن رويم ].

    عروة بن رويم صدوق، أخرج له أبو داود والنسائي وابن ماجة .

    [ قال: حدثني الأنصاري ].

    الأنصاري مجهول لا يعرف.

    [ أن رسول الله قال لـجعفر ].

    هو جعفر بن أبي طالب ، والحديث ليس عن جعفر وإنما هو عن الأنصاري .