إسلام ويب

شرح سنن أبي داود [158]للشيخ : عبد المحسن العباد

  •  التفريغ النصي الكامل
  • لقد حثنا النبي صلى الله عليه وسلم على كل خير، ومن جملة ما حثنا عليه من أعمال الخير نوافل الصلوات، ومنها الصلاة بين كل أذان وإقامة، وخص المغرب بأمره صلى الله عليه وسلم بصلاة ركعتين بين أذانها وإقامتها وليست براتبة لها، وحثنا على صلاة الضحى وفعلها صلى الله عليه وسلم بنفسه، وبين لنا أن صلاتها ركعتين صدقة يتصدق بها الإنسان عن نفسه وكفاية يحوزها العبد من ربه جل جلاله.

    1.   

    الصلاة قبل المغرب

    شرح حديث (صلوا قبل المغرب ركعتين...)

    قال المصنف رحمه الله تعالى: [ باب الصلاة قبل المغرب

    حدثنا عبيد الله بن عمر حدثنا عبد الوارث بن سعيد عن الحسين المعلم عن عبد الله بن بريدة عن عبد الله المزني رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (صلوا قبل المغرب ركعتين، ثم قال: صلوا قبل المغرب ركعتين لمن شاء خشية أن يتخذها الناس سنة) ].

    أورد أبو داود رحمه الله: [ باب الصلاة قبل المغرب ]، يعني أن الصلاة قبل المغرب سائغة ومستحبة، ولكنها ليست راتبة، فالرواتب التي جاءت بها الأحاديث عن رسول الله صلى الله عليه وسلم هي اثنتا عشرة ركعة.

    وأورد أبو داود حديث عبد الله بن مغفل رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: [ (صلوا قبل المغرب ركعتين، ثم قال: صلوا قبل المغرب لمن شاء خشية أن يتخذها الناس سنة) ]. يعني: لئلا يتخذها الناس سنة ويعتقد أن هذا شيء ثابت ومستقر، وأن هذه الصلاة كغيرها من الرواتب التي يحافظ ويداوم عليها، فدل ذلك على مشروعية الصلاة قبل المغرب بعد أذان المغرب وقبل صلاة المغرب، فيشرع للإنسان أن يصلي ركعتين لهذا الحديث، وللحديث الآخر: (بين كل أذانين صلاة) الذي ليس خاصاً بالمغرب، بل يشمل المغرب والعصر والعشاء وكل الصلوات، فبين كل أذان وإقامة صلاة، لكن منها سنن راتبة كسنة الفجر والظهر، ومنها سنن غير راتبة كالتي تكون قبل العصر، والتي تكون قبل المغرب، والتي تكون قبل العشاء، كلها تدخل تحت قوله: (بين كل أذانين صلاة) وأما بالنسبة للمغرب بخصوصها ففيها هذا الحديث الذي هو: (صلوا قبل المغرب).

    تراجم رجال إسناد حديث (صلوا قبل المغرب ركعتين...)

    قوله: [ حدثنا عبيد الله بن عمر ].

    هو عبيد الله بن عمر بن ميسرة القواريري ، ثقة، أخرج له البخاري ومسلم وأبو داود والنسائي .

    [ حدثنا عبد الوارث بن سعيد ].

    هو عبد الوارث بن سعيد العنبري ، ثقة، أخرج له أصحاب الكتب الستة.

    [ عن الحسين المعلم ].

    هو حسين بن ذكوان المعلم ، وهو ثقة، أخرج له أصحاب الكتب الستة.

    [ عن عبد الله بن بريدة ].

    هو عبد الله بن بريدة بن حصيب رضي الله عنه، وهو ثقة، أخرج له أصحاب الكتب الستة.

    [ عن عبد الله المزني ].

    عبد الله بن مغفل رضي الله عنه، وحديثه أخرجه أصحاب الكتب الستة.

    شرح حديث (صليت الركعتين قبل المغرب على عهد رسول الله...)

    قال المصنف رحمه الله: [ حدثنا محمد بن عبد الرحيم البزاز أخبرنا سعيد بن سليمان حدثنا منصور بن أبي الأسود عن المختار بن فلفل عن أنس بن مالك رضي الله عنه قال: (صليت الركعتين قبل المغرب على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم. قال: قلت لـأنس : أرآكم رسول الله صلى الله عليه وسلم؟ قال: نعم رآنا فلم يأمرنا ولم ينهنا) ].

    أورد أبو داود حديث أنس رضي الله عنه قال: [ (صليت الركعتين قبل المغرب على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم. فقيل له: أرآكم رسول الله صلى الله عليه وسلم؟ قال: نعم رآنا فلم يأمرنا ولم ينهنا) ]. يعني: سكت، ومعلوم أن سكوت النبي صلى الله عليه وسلم إقرار، فهذا يؤيد ما جاء في الحديث السابق من الصلاة قبل المغرب.

    تراجم رجال إسناد حديث (صليت الركعتين قبل المغرب على عهد رسول الله...)

    قوله: [ حدثنا محمد بن عبد الرحيم البزاز ].

    محمد بن عبد الرحيم البزاز هو الملقب بـ: صاعقة ، وهو ثقة، أخرج له البخاري وأبو داود والترمذي والنسائي .

    [ أخبرنا سعيد بن سليمان ].

    سعيد بن سليمان ، ثقة، أخرج له أصحاب الكتب الستة.

    [ عن منصور بن أبي الأسود ].

    منصور بن أبي الأسود صدوق، أخرج له أبو داود والترمذي والنسائي .

    [ عن المختار بن فلفل ].

    المختار بن فلفل صدوق له أوهام أخرج له مسلم وأبو داود والترمذي والنسائي .

    [ عن أنس بن مالك ].

    هو أنس بن مالك رضي الله عنه خادم رسول الله صلى الله عليه وسلم، وأحد السبعة المعروفين بكثرة الحديث عن النبي صلى الله عليه وسلم.

    شرح حديث (بين كل أذانين صلاة...)

    قال المصنف رحمه الله: [ حدثنا عبد الله بن محمد النفيلي حدثنا ابن علية عن الجريري عن عبد الله بن بريدة عن عبد الله بن مغفل رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (بين كل أذانين صلاة، بين كل أذانين صلاة لمن شاء) ].

    سبق أن حصل البدء بترجمة الصلاة قبل المغرب، ومر بعض الأحاديث في ذلك، ومنها حديث أنس الذي فيه أنهم كانوا يصلون في زمنه صلى الله عليه وسلم، وكان يراهم فلا يأمرهم ولا ينهاهم، أي: يقرهم على ذلك، وأورد أبو داود رحمه الله هنا حديث عبد الله بن مغفل رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: [ (بين كل أذانين صلاة، بين كل أذانين صلاة لمن شاء) ] والمقصود بالأذانين: الأذان والإقامة؛ لأن الإقامة يقال لها أذان لأنها إعلام بالقيام إلى الصلاة، والأذان: إعلام بدخول الوقت، ودعوة الناس إلى الحضور إلى المساجد بقول: (حي على الصلاة حي على الفلاح) والإقامة إعلام بالقيام للصلاة، وأن الناس يقومون لها، أي: الذين هم حاضرون.

    ولذا قيل: إن كلاً منهما يقال له: أذان، وبعض أهل العلم يقول: إنه تغليب، يعني أن الإقامة قيل لها أذان تغليباً، فغلب الأذان فأتي بلفظه فقيل: (أذانان)، كما يقال: العمران والقمران، وما إلى ذلك من الأشياء التي يؤتى بها مثناة، ويغلب أحد الشيئين فيهما على الآخر، لكن الأذان والإقامة ليسا من هذا القبيل؛ لأن كل واحد منهما يعتبر أذاناً، إلا أن هذا أذان إعلام بدخول الوقت، وهذا إعلام بالقيام إلى الصلاة.

    وقوله: [ (صلاة) ] مطلق، ولكن أقل ما يتنفل به ركعتان.

    وإذا حصلت زيادة على ذلك فلا بأس، وأما بالنسبة للفجر فلا يصلى قبلها إلا ركعتان خفيفتان، ولا يتطوع ويؤتى بنوافل، فقوله صلى الله عليه وسلم: [ (بين كل أذانين صلاة) ] يدل على أن كل صلاة من الصلوات الخمس يصلى بين أذانها وإقامتها، إلا أن الظهر ورد فيه أربع، وهي راتبة، والفجر ورد قبلها ركعتان، وأما العصر والمغرب والعشاء فلم يأت شيء يدل على الرواتب فيها، ولكن ورد ما يدل على فضل الصلاة قبل العصر، كقوله صلى الله عليه وسلم: (رحم الله امرأً صلى قبل العصر أربعاً) . وهذا الحديث أيضاً يدل على ذلك، وهو قوله صلى الله عليه وسلم [ (بين كل أذانين صلاة) ].

    وكذلك بعد المغرب ورد أن الصحابة رضي الله عنهم كانوا يصلون، والرسول صلى الله عليه وسلم كان يقرهم على ذلك، وقبل العشاء يدخل تحت عموم هذا الحديث الذي هو قوله: [ (بين كل أذانين صلاة، بين كل أذانين صلاة لمن شاء) ]. فثلاث من الصلوات -وهن العصر والمغرب والعشاء- يصلى بين أذانها وإقامتها، لكن ذلك ليس من الرواتب، وإنما الرواتب هي قبل الفجر ركعتان، وقبل الظهر أربع ركعات.

    وقد يقال: هل يستفاد من هذا الحديث أن يردد خلف المقيم؟

    والجواب: الإقامة يقال عندها مثلما يقال عند الأذان، وليس هذا الحديث هو الدليل على هذا، وإنما الدليل قوله: (إذا سمعتم النداء فقولوا مثلما يقول المؤذن)؛ لأن هذا نداء وأذان، والإنسان يقول كما يقول المؤذن، إلا عند: (حي على الصلاة حي على الفلاح) فإنه يقال: لا حول ولا قوة إلا بالله، وأما حديث: (أقامها الله وأدامها) . فهو حديث ضعيف لا تقوم به حجة، وليس بثابت عن رسول الله صلى الله عليه وسلم، وإنما الذي هو ثابت هو قوله: (إذا سمعتم النداء فقولوا مثلما يقول المؤذن) والنداء هو إعلام بالقيام إلى الصلاة، فيقال فيه مثلما يقول المؤذن.

    تراجم رجال إسناد حديث (بين كل أذانين صلاة...)

    قوله: [ حدثنا عبد الله بن محمد النفيلي ].

    عبد الله بن محمد النفيلي ثقة، أخرج حديثه البخاري وأصحاب السنن.

    [ حدثنا ابن علية ].

    ابن علية هو: إسماعيل بن إبراهيم بن مقسم الأسدي البصري المشهور بـابن علية ، ثقة، أخرج له أصحاب الكتب الستة.

    [ عن الجريري ].

    الجريري هو: سعيد بن إياس الجريري، ثقة، أخرج له أصحاب الكتب الستة.

    [ عن عبد الله بن بريدة ].

    هو عبد الله بن بريدة بن الحصيب ، هو ثقة، أخرج له أصحاب الكتب الستة.

    [ عن عبد الله بن مغفل ].

    هو عبد الله بن مغفل رضي الله عنه، صاحب رسول الله صلى الله عليه وسلم، وحديثه أخرجه أصحاب الكتب الستة.

    شرح حديث (ما رأيت أحداً على عهد رسول الله يصليهما...)

    قال المصنف رحمه الله تعالى: [ حدثنا محمد بن بشار حدثنا محمد بن جعفر حدثنا شعبة عن أبي شعيب عن طاوس قال: سئل ابن عمر رضي الله عنهما عن الركعتين قبل المغرب، فقال: (ما رأيت أحداً على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم يصليهما. ورخص في الركعتين بعد العصر) قال أبو داود: سمعت يحيى بن معين يقول: هو شعيب. يعني: وهم شعبة في اسمه ].

    أورد أبو داود حديث عبد الله بن عمر رضي الله تعالى عنهما أنه قال: [ (ما رأيت أحداً على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم يصليهما) ].

    أي: الركعتين قبل المغرب [ (ورخص في الركعتين بعد العصر) ].

    فهذا الحديث يخالف الأحاديث السابقة قبله؛ لأن الأحاديث السابقة كلها تدل على إثبات الصلاة قبل صلاة المغرب وبعد الأذان كحديث أنس بن مالك ، وكذلك حديث عبد الله بن مغفل (صلوا قبل المغرب) وفيه التنصيص على صلاة المغرب، والحديث الثاني الذي فيه: (بين كل أذانين صلاة) ومن ذلك ما بين الإقامة والأذان في المغرب، فتلك الأحاديث دالة على ثبوت الصلاة، وأنس رضي الله عنه يقول: كنا نصلي والرسول صلى الله عليه وسلم يرانا فلم يأمرنا ولم ينهنا. يعني أنه أقرهم على ذلك، وعلى هذا فحديث عبد الله بن مغفل فيه أمر بالصلاة قبل المغرب وخصوصاً في قوله: (صلوا قبل المغرب) ثم قال: (لمن شاء) وهذا خاص بالمغرب، وعموماً في قوله: (بين كل أذانين صلاة). لأنه يشمل المغرب وغير المغرب.

    فهذا الحديث بخلاف ذلك، فهو ضعيف لا يحتج به؛ لأنه مخالف لما تقدمه من أحاديث، وإسناده فيه أبو شعيب الذي قيل: هو شعيب ، وبعض أهل العلم قال: لا يعرفان، وبعضهم قال: إن شعيباً هو بياع الطيالسة، وهو لا بأس به، لكن لو كان الإسناد صحيحاً وثابتاً وليس فيه أي إشكال فإنه يكون شاذاً، أي: مخالف لروايات الثقات الذين رووا عن رسول الله صلى الله عليه وسلم ما يدل على الصلاة بين الأذان والإقامة قبل صلاة المغرب.

    تراجم رجال إسناد حديث (ما رأيت أحداً على عهد رسول الله يصليهما...)

    قوله: [ حدثنا محمد بن بشار ].

    هو محمد بن بشار الملقب بندار البصري ، ثقة، أخرج له أصحاب الكتب الستة، بل هو شيخ لأصحاب الكتب الستة، رووا عنه مباشرة وبدون واسطة.

    [ حدثنا محمد بن جعفر ].

    هو محمد بن جعفر البصري الملقب: غندر ، وهو ثقة، أخرج له أصحاب الكتب الستة.

    [ عن شعبة ].

    هو شعبة بن الحجاج الواسطي ثم البصري، وهو ثقة، أخرج له أصحاب الكتب الستة.

    [ عن أبي شعيب ].

    هو أبو شعيب، وقيل: هو شعيب بياع الطيالسة، وهو لا بأس به، وهي بمعنى (صدوق) عند الحافظ ابن حجر، وحديثه أخرجه أبو داود .

    وبعض أهل العلم قال: إن أبا شعيب وشعيب لا يعرفان.

    [ عن طاوس ].

    هو: ابن كيسان ، وهو ثقة، أخرج له أصحاب الكتب الستة.

    [ سئل ابن عمر ].

    هو عبد الله بن عمر بن الخطاب رضي الله عنهما الصحابي الجليل، أحد العبادلة الأربعة من الصحابة، وأحد السبعة المعروفين بكثرة الحديث عن النبي صلى الله عليه وسلم.

    1.   

    ما جاء في صلاة الضحى

    شرح حديث (يصبح على كل سلامى من ابن آدم صدقة...)

    قال المصنف رحمه الله تعالى: [ باب صلاة الضحى.

    حدثنا أحمد بن منيع عن عباد بن عباد، ح: وحدثنا مسدد حدثنا حماد بن زيد -المعنى- عن واصل عن يحيى بن عقيل عن يحيى بن يعمر عن أبي ذر عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (يصبح على كل سلامى من ابن آدم صدقة: تسليمه على من لقي صدقة، وأمره بالمعروف صدقة، ونهيه عن المنكر صدقة، وإماطته الأذى عن الطريق صدقة، وبضعة أهله صدقة، ويجزىء من ذلك كله ركعتان من الضحى) ].

    أورد أبو داود رحمه الله: [ باب صلاة الضحى ] أي: الصلاة في الضحى، وصلاة الضحى سنة ثابتة عن رسول الله صلى الله عليه وسلم بأحاديث كثيرة أورد أبو داود رحمه الله في هذا الباب جملة منها، وهناك أحاديث لم يذكرها أبو داود تدل على ما دلت عليه الأحاديث التي أوردها أبو داود ، ومنها ما هو في الصحيحين، ومنها ما هو في أحدهما، ومما لم يذكره أبو داود في هذا الباب حديث أبي هريرة المتفق على صحته: (أوصاني خليلي صلى الله عليه وسلم بثلاث: ركعتي الضحى، وصيام ثلاثة أيام من كل شهر، وأن أوتر قبل أن أنام) . وحديث أبي الدرداء في صحيح مسلم قال: (أوصاني حبيبي صلى الله عليه وسلم بثلاث: ركعتي الضحى، وصيام ثلاثة أيام من كل شهر، وأن أوتر قبل أن أرقد).

    فهذان حديثان أحدهما في الصحيحين عن أبي هريرة وقد عبر أبو هريرة فيه بقوله: (خليلي).

    والآخر في صحيح مسلم عن أبي الدرداء، وقد عبر فيه أبو الدرداء بقوله: (حبيبي صلى الله عليه وسلم).

    وقد أورد أبو داود جملة من الأحاديث الدالة على فضل صلاة الضحى، وعلى الترغيب فيها، والحث عليها، ومنها حديث أبي ذر الذي أورده المصنف أولاً، وهو قوله صلى الله عليه وسلم: [ (يصبح على كل سلامى من ابن آدم صدقة) ] والسلامى: هي المفاصل والأعضاء التي تتحرك وتلين وتنهصر عندما يتحرك الإنسان، هذه هي السلامى، وقيل: المراد بها سلامى اليدين والرجلين، وهي المفاصل، وقيل: إنها تشمل ما هو أعم من ذلك، وهو جسم الإنسان كله، وقد جاء في بعض الأحاديث أن جسم الإنسان فيه ثلاثمائة وستون مفصلاً، وهذه عليها صدقة، وهذه الصدقة أنواع: منها ما هو صدقة من الإنسان على نفسه، ومنها ما هو صدقة منه على نفسه وغيره، فكون الإنسان يصلي صدقة منه على نفسه؛ لأن الصلاة نفعها مقصور على الإنسان، وليس متعدياً، وهناك صدقات يحصل تعدي النفع بها، كأن يسلم الإنسان على غيره، فهذه صدقة متعدية؛ لأنه يتصدق على نفسه وعلى غيره؛ لأن السلام دعاء، ويتطلب جواباً وهو دعاء.

    فكون الإنسان يسلم على غيره هو صدقة منه على نفسه وعلى غيره؛ لأنهما يحصلان أجراً، والذي يبدأ بالسلام أفضل والذي يسلم عليه -أيضاً- يدعى له وهو يجيب بالدعاء، فهي صدقة متعدية.

    قوله: [ (تسليمه على من لقي صدقة، وأمره بالمعروف صدقة) ].

    هذا فيه أن الإنسان يسلم على من لقي ممن يعرف ومن لا يعرف، فقوله: [ (من لقي) ] عام، يشمل من يعرف ومن لا يعرف، وليس السلام خاصاً بالمعرفة، وإنما هو على من يعرف ومن لا يعرف، ولهذا قال: [ (من لقي) ]، وقد جاء في الحديث: (وأن تسلم على من عرفت ومن لم تعرف) يعني أنه للعامة وليس لأحد أن يميز ويخص به.

    قوله: [ (أمره بالمعروف صدقة ونهيه عن المنكر صدقة) ]. وذلك حين تأمر غيرك بمعروف فتدله على خير، وتحذره من شر، تأمره بالمعروف وتنهاه عن المنكر، فهي صدقة منك عليه، وهي صدقة منك على نفسك أيضاً؛ لأن الإنسان يؤجر على أمره بالمعروف ونهيه عن المنكر.

    وسواءٌ استجيب له أو لم يستجب فهو مأجور، فإذا أمر بالمعروف ونهى عن المنكر فقد حصل أجراً، لكن المأمور إن حصل أنه انتفع واستفاد فإنه يحصل أيضاً أجراً، فكون الإنسان يأمر بالمعروف وينهى عن المنكر هو صدقة منه على نفسه وعلى غيره.

    [ (وإماطته الأذى عن الطريق صدقة) ].

    أي: كون الإنسان يجد شيئاً في الطريق يؤذي الناس -سواءٌ المشاة أو السيارات-، أو يجد شيئاً يسبب الانزلاق إذا وطئ عليه، فيحصل بذلك ضرر فيرفعه فإماطته الأذى عن الطريق صدقة، والأذى هو أي شيء يؤذي الناس من شوك أو زجاج أو حديد أو حصى أو قشر موز أو غير ذلك من الأشياء التي يحصل بسببها أذى.

    قوله: [ (وبضعة أهله صدقة) ].

    يعني: كون الإنسان يجامع أهله صدقة منه على نفسه وعلى غيره؛ لأنه يعف نفسه ويعف أهله، ويتصدق على نفسه وعلى غيره.

    قوله: [ (ويجزئ من ذلك كله ركعتان من الضحى) ].

    يعني: إذا فعل في كل يوم هاتين الركعتين من الضحى فإنهما تجزئان عن هذه الصدقة التي هي على الأعضاء، وذلك: أن الإنسان إذا ركع الركعتين تتحرك أعضاؤه ومفاصله، فيكون بذلك قد تصدق على نفسه بهذه الصلاة، وهذا يدلنا على فضل هذه الصلاة؛ لأنها تعتبر مجزئة عن هذه الصدقة التي هي على كل سلامى من جسم الإنسان في كل يوم من الأيام.

    تراجم رجال إسناد حديث (يصبح على كل سلامى من ابن آدم صدقة...)

    قوله: [ حدثنا أحمد بن منيع ].

    أحمد بن منيع ثقة، أخرج له أصحاب الكتب الستة.

    [ عن عباد بن عباد ].

    هو عباد بن عباد بن حبيب الأزدي وهو ثقة ربما وهم، أخرج له أصحاب الكتب الستة.

    [ ح: وحدثنا مسدد ].

    هو: ابن مسرهد البصري ، ثقة، أخرج له البخاري وأبو داود والترمذي والنسائي .

    [ حدثنا حماد بن زيد ].

    هو حماد بن زيد بن درهم البصري ، ثقة، أخرج له أصحاب الكتب الستة.

    [ عن واصل ].

    هو: واصل مولى أبي عيينة ، وهو صدوق، أخرج له البخاري في الأدب المفرد ومسلم وأبو داود والنسائي وابن ماجة .

    [ عن يحيى بن عقيل ].

    يحيى بن عقيل صدوق، أخرج له البخاري في الأدب المفرد ومسلم وأبو داود والنسائي وابن ماجة .

    [ عن يحيى بن يعمر ].

    يحيى بن يعمر ثقة، أخرج له أصحاب الكتب الستة.

    [ عن أبي ذر ].

    هو أبو ذر جندب بن جنادة رضي الله عنه، صاحب رسول الله صلى الله عليه وسلم، وحديثه أخرجه أصحاب الكتب الستة.

    وقت صلاة الضحى

    ويبدأ وقت صلاة الضحى من ارتفاع الشمس قيد رمح إلى الزوال، كل هذا وقت صلاة الضحى، ولكن أفضل وقتها إذا اشتدت حرارة الشمس، كما جاء في الحديث: (صلاة الأوابين حين ترمض الفصال) والمقصود بذلك صلاة الضحى.

    قوله: [ قال أبو داود: وحديث عباد أتم، ولم يذكر مسدد الأمر والنهي، زاد في حديثه: وقال كذا وكذا، وزاد ابن منيع في حديثه: (قالوا: يا رسول الله! أحدنا يقضي شهوته وتكون له صدقة؟ قال: أرأيت لو وضعها في غير حلها ألم يكن يأثم؟!) ].

    أي: قال: أبو داود رحمه الله: إن حديث عباد أتم، يعني أن الطريق الأولى أتم من الطريق الثانية، ولم يذكر الزيادة التي عند مسدد في الطريق الثانية، وإنما قال: [ زاد في حديثه: وقال كذا وكذا ] وأبهمها، ثم رجع إلى أحمد بن منيع وذكر الزيادة، وقال: إن مسدداً لم يذكر الأمر والنهي، يعني: لم يذكر قوله: [ (وأمره بالمعروف صدقة، ونهيه عن المنكر صدقة) ]. ولم يذكر الزيادة التي زادها وأبهمها، وزاد في حديث ابن منيع أنه قال: [ (قالوا: يا رسول الله! أحدنا يقضي شهوته وتكون له صدقة؟) ]أي حين قال: [ (وبضعة أهله صدقة) ]. قالوا: [ (أحدثنا يقضي شهوته) ] لأنه تحصل له هذه الفائدة، فهذا الذي يحصل له يكون له به صدقة؟ فقال صلى الله عليه وسلم: [ (أرأيت لو وضعها في غير حلها ألم يكن يأثم؟!) ] يعني: فكما أنه إذا وضعها في حرام يأثم فكذلك إذا وضعها في حلال فإنه يؤجر ويثاب، وهذا من كرم الله عز وجل وإحسانه وفضله على عباده، وذلك أن الأمور التي يتعاطاها الإنسان إذا نوى بها الخير واستحضر ما فيها وما يحصل بها من المنفعة، وأنه يقضي وطره ويعف نفسه، أو يقيت عياله وينفق عليهم مع كونه ينوي ويحتسب الأجر عند الله عز وجل يحصل له الثواب على ذلك، وإن كان شيئاً واجباً عليه لابد له منه، ولا محيد له عنه، فالأعمال والأمور التي تكون لازمة للإنسان عندما يستحضر النية فيها فإنه يؤجر على ذلك.

    وبعض الناس تجده لا يفكر في هذه المعاني، ولا يفكر في هذه الأشياء، وكأنه تخلص من واجب، وقد يكون يشعر بثقل عندما يؤدي هذا الواجب، فمثل هذا لا يحصل الأجر، والرسول صلى الله عليه وسلم يقول: (إنما الأعمال بالنيات، وإنما لكل امرىء ما نوى).

    شرح حديث (يصبح على كل سلامى من أحدكم في كل يوم صدقة...)

    قال المصنف رحمه الله تعالى: [ حدثنا وهب بن بقية أخبرنا خالد عن واصل عن يحيى بن عقيل عن يحيى بن يعمر عن أبي الأسود الدؤلي قال: بينما نحن عند أبي ذر رضي الله عنه قال: (يصبح على كل سلامى من أحدكم في كل يوم صدقة، فله بكل صلاة صدقة، وصيام صدقة، وحج صدقة، وتسبيح صدقة، وتكبير صدقة، وتحميد صدقة، فعد رسول الله صلى الله عليه وسلم من هذه الأعمال الصالحة، ثم قال: يجزىء أحدكم من ذلك ركعتا الضحى) ].

    أورد أبو داود حديث أبي ذر من طريق أخرى، وفيه الشاهد للترجمة، وهو قوله: [ (يجزىء أحدكم من ذلك ركعتا الضحى) ] يعني أنهما تجزئان عن الصدقات عن السلامى التي هي أعضاء الإنسان، والرسول صلى الله عليه وسلم عد أعمالاً كثيرة يحصل بها أجر وثواب، وهي صدقة من الإنسان إما على نفسه وإما على نفسه وعلى غيره، أي: إما نفع قاصر عليه، أو نفع متعد.

    قوله: [ بينما نحن عند أبي ذر قال: [ (يصبح على كل سلامى من أحدكم في كل يوم صدقة، فله بكل صلاة صدقة) ].

    أي أن كل صلاة يصليها الإنسان هي صدقة منه على نفسه، سواء الفرض أو النفل.

    قوله: [ (وصيام صدقة، وحج صدقة، وتسبيح صدقة) ].

    التسبيح هو كون الإنسان يقول: (سبحان الله)، فهي صدقة منه على نفسه.

    قوله: [ (وتكبير صدقة) ] أي: قول: (الله أكبر).

    [ (وتحميد صدقة) ] أي: قول: الحمد لله.

    قوله: [ (فعد رسول الله صلى الله عليه وسلم من هذه الأعمال الصالحة، ثم قال: يجزىء أحدكم من ذلك ركعتا الضحى) ].

    يعني: فيما يتعلق بالصدقات التي على السلامى.

    والصدقة -كما هو معلوم- هي: إحسان من الإنسان على نفسه وعلى غيره، وكون الإنسان يأتي بهذه الأمور مما كان قاصراً على نفسه وليس متعدياً هو صدقة منه على نفسه، وما كان متعدياً فصدقة منه على نفسه وعلى غيره.

    تراجم رجال إسناد حديث (يصبح على كل سلامى من أحدكم في كل يوم صدقة...)

    قوله: [ حدثنا وهب بن بقية ].

    وهب بن بقية هو: الواسطي ، وهو ثقة، أخرج له مسلم وأبو داود والنسائي .

    [ أخبرنا خالد ].

    هو: خالد بن عبد الله الواسطي ، وهو ثقة، أخرج له أصحاب الكتب الستة.

    [ عن واصل عن يحيى بن عقيل عن يحيى بن يعمر ].

    واصل ، ويحيى بن عقيل ، ويحيى بن يعمر قد مر ذكرهم في الإسناد الذي قبل هذا.

    [ عن أبي الأسود الدؤلي ].

    هو: ظالم بن عمرو، وهو ثقة، أخرج له أصحاب الكتب الستة.

    [ عن أبي ذر ].

    أبو ذر مر ذكره.

    شرح حديث (من قعد في مصلاه حين ينصرف من صلاة الصبح حتى يسبح ركعتي الضحى...)

    قال المصنف رحمه الله: [ حدثنا محمد بن سلمة المرادي حدثنا ابن وهب عن يحيى بن أيوب عن زبان بن فائد عن سهل بن معاذ بن أنس الجهني عن أبيه رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: (من قعد في مصلاه حين ينصرف من صلاة الصبح حتى يسبح ركعتي الضحى لا يقول إلا خيراً غفر له خطاياه وإن كانت أكثر من زبد البحر) ].

    قوله: [ (من قعد في مصلاه حين ينصرف من صلاة الصبح) ].

    معناه: جلس من بعد صلاة الفجر إلى أن يصلي صلاة الضحى.

    قوله: [ (غفر له خطاياه وإن كانت مثل زبد البحر ) ] أي: غفرت له ذنوبه وإن كانت مثل زبد البحر.

    وهذا الحديث يدل على فضل صلاة الضحى، وعلى فضل الجلوس بعد الفجر إلى ذلك الوقت، ثم أداء صلاة الضحى؛ لأن الحديث يدل على صلاة الضحى وعلى غيرها، لكن الحديث غير صحيح، وغير ثابت عن رسول الله صلى الله عليه وسلم، ففيه رجل ضعيف، ورجل -أيضاً- ضعيف في رواية تلميذ عنه، وهما زبان بن فائد وسهل بن معاذ، فهذان ضعيفان، فالحديث غير ثابت عن رسول الله صلى الله عليه وسلم. نعم.

    تراجم رجال إسناد حديث (من قعد في مصلاه حين ينصرف من صلاة الصبح حتى يسبح ركعتي الضحى...)

    قوله: [ حدثنا محمد بن سلمة المرادي ].

    هو محمد بن سلمة المرادي المصري ، ثقة، أخرج له مسلم وأبو داود والنسائي وابن ماجة .

    [ حدثنا ابن وهب ].

    ابن وهب هو: عبد الله بن وهب المصري ، ثقة فقيه، أخرج له أصحاب الكتب الستة.

    [ عن يحيى بن أيوب ].

    يحيى بن أيوب صدوق ربما أخطأ، أخرج له أصحاب الكتب الستة.

    [ عن زبان بن فائد ].

    زبان بن فائد ضعيف، أخرج له البخاري في الأدب المفرد وأبو داود والترمذي وابن ماجة .

    [ عن سهل بن معاذ بن أنس الجهني ].

    سهل بن معاذ بن أنس الجهني لا بأس به إلا في رواية زبان عنه، وهذا الحديث من رواية زبان عنه، أخرج حديثه البخاري في الأدب المفرد وأبو داود والترمذي وابن ماجة.

    والمعهود أنه يضعف الراوي بالرواية عن بعض شيوخه، وهنا حصل العكس، حيث ضعف سهل بن معاذ في رواية زبان عنه، ومعناه أن الرواية التي تأتي عنه من طريق هذا الرجل ضعيفة ولا تستقيم.

    [ عن أبيه ].

    هو: معاذ بن أنس الجهني رضي الله عنه، صحابي أخرج له البخاري في الأدب المفرد وأبو داود والترمذي وابن ماجة .

    شرح حديث (صلاة في إثر صلاة لا لغو بينهما كتاب في عليين)

    قال المصنف رحمه الله تعالى: [ حدثنا أبو توبة الربيع بن نافع حدثنا الهيثم بن حميد عن يحيى بن الحارث عن القاسم بن عبد الرحمن عن أبي أمامة رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: (صلاة في إثر صلاة لا لغو بينهما كتاب في عليين) ].

    أورد أبو داود حديث أبي أمامة أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: [ (صلاة في إثر صلاة لا لغو بينهما كتاب في عليين) ]. ومعناه أنها يصعد بها، وأنها ترفع وتكون في عليين، وأنها تكون مقبولة، حيث تكون الصلاة قد أديت كما ينبغي، ويكون ما بين الصلاتين لا لغو فيه، وإنما فيه كلام طيب، والحديث سبق أن مر بأطول من هذا فيما مضى.

    تراجم رجال إسناد حديث (صلاة في إثر صلاة لا لغو بينهما كتاب في عليين

    قوله: [ حدثنا أبو توبة الربيع بن نافع ].

    أبو توبة الربيع بن نافع ثقة، أخرج له أصحاب الكتب الستة إلا الترمذي .

    [ حدثنا الهيثم بن حميد ].

    الهيثم بن حميد ، صدوق، أخرج له أصحاب السنن.

    [ عن يحيى بن الحارث ].

    يحيى بن الحارث ، ثقة، أخرج له أصحاب السنن.

    [ عن القاسم بن عبد الرحمن ].

    القاسم بن عبد الرحمن ، صدوق يغرب كثيراً، أخرج حديثه البخاري في الأدب المفرد وأصحاب السنن.

    [ عن أبي أمامة ].

    هو صدي بن عجلان الباهلي رضي الله عنه، وحديثه أخرجه أصحاب الكتب الستة.

    مناسبة الحديث للباب

    لا تظهر مناسبة الحديث للباب تماماً، إلا أنَّه في شأن صلاة بعد صلاة لا يحصل بينها لغو تكتب في عليين، ومن ذلك صلاة الفجر وصلاة الضحى، فإن هذه صلاة في إثر صلاة ولا لغو بينهما.

    فهذا من جملة ما يدخل تحت عموم الحديث؛ لأن الحديث ليس خاصاً بصلاة معينة، وإنما هو في صلاة في إثر صلاة، يعني: سواءٌ أكانت فريضة بعد فريضة، أم كانت نافلتين بينهما فراغ، كل ذلك صلاة في إثر صلاة، حيث لا يكون بينهما لغو.

    وقوله: [ (كتاب في عليين) ].

    أي: مكتوب في عليين، تكتبه الملائكة وترفعه إلى الله عز وجل؛ لأن الأعمال الصالحة ترفع إلى الله عز وجل.

    شرح حديث (يا ابن آدم لا تعجزني من أربع ركعات في أول نهارك أكفك آخره)

    قال المصنف رحمه الله تعالى: [ حدثنا داود بن رشيد حدثنا الوليد عن سعيد بن عبد العزيز عن مكحول عن كثير بن مرة أبي شجرة عن نعيم بن همار رضي الله عنه قال: (سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: يقول الله عز وجل: يا ابن آدم! لا تعجزني من أربع ركعات في أول نهارك أكفك آخره) ].

    أورد أبو داود حديث نعيم بن همار رضي الله عنه أن الرسول صلى الله عليه وسلم قال: [ (يقول الله عز وجل -وهذا حديث قدسي-: يا ابن آدم! لا تعجزني من أربع ركعات في أول نهارك أكفك آخره) ].

    وكلمة (لا تعجزني) قيل: معناها: لا يفوتك هذا الشيء، ولا تترك أن تتقرب إلي به، فإذا عملت ذلك في أول النهار أكفك آخره، وإيراد المصنف للحديث هنا يدل على أن الأربع الركعات هي صلاة الضحى، وبعض أهل العلم يقول: إنها صلاة الفجر والركعتان قبلها، على اعتبار أن النهار الشرعي يبدأ من طلوع الفجر إلى غروب الشمس، وهو كذلك في اللغة، وعند بعض أهل اللغة أنه يبدأ من طلوع الشمس إلى غروبها، فإذا كان من طلوع الشمس فمعناه أن أول النهار صلاة الضحى.

    والأقرب أن أول النهار من طلوع الفجر الذي يكون به الصيام، وصيام النهار إنما يكون من طلوع الفجر إلى غروب الشمس.

    وعلى كل حال فصلاة الضحى لا شك في أن فضلها عظيم، وركعتا الفجر النافلة وصلاة الفجر كل منهما شأنه عظيم، والإنسان إذا أتى بركعتي الفجر وصلاة الفجر وأتى بركعتي الضحى فهو على خير عظيم بلا شك.

    تراجم رجال إسناد حديث (يا ابن آدم لا تعجزني من أربع ركعات في أول نهارك أكفك آخره)

    قوله: [ حدثنا داود بن رشيد ].

    داود بن رشيد ثقة أخرج له أصحاب الكتب الستة إلا الترمذي .

    [ حدثنا الوليد ].

    هو الوليد بن مسلم الدمشقي ، وهو ثقة، أخرج له أصحاب الكتب الستة.

    [ عن سعيد بن عبد العزيز ].

    هو ثقة، أخرج له البخاري في الأدب المفرد ومسلم وأصحاب السنن.

    [ عن مكحول ].

    هو: الشامي ، وهو ثقة، أخرج حديثه البخاري في جزء القراءة ومسلم وأصحاب السنن.

    [ عن كثير بن مرة أبي شجرة ].

    كثير بن مرة أبو شجرة ثقة، أخرج له البخاري في جزء القراءة وأصحاب السنن.

    [ عن نعيم بن همار ].

    هو نعيم بن همار رضي الله عنه، وحديثه أخرجه أبو داود والنسائي.

    وهذا الحديث يشهد له حديث: (من صلى الفجر في جماعة فهو في ذمة الله، فانظر -يا ابن آدم- لا يطلبنك الله من ذمته بشيء).

    شرح حديث صلاة رسول الله صلى الله عليه وسلم يوم الفتح سبحة الضحى ثماني ركعات

    قال المصنف رحمه الله تعالى: [ حدثنا أحمد بن صالح وأحمد بن عمرو بن السرح قالا: حدثنا ابن وهب حدثني عياض بن عبد الله عن مخرمة بن سليمان عن كريب مولى ابن عباس عن أم هانئ بنت أبي طالب رضي الله عنها: (أن رسول الله صلى الله عليه وسلم يوم الفتح صلى سبحة الضحى ثماني ركعات، يسلم من كل ركعتين) قال أحمد بن صالح : (إن رسول الله صلى الله عليه وسلم صلى يوم الفتح سبحة الضحى) فذكر مثله. قال ابن السرح : إن أم هانئ قالت: (دخل علي رسول الله صلى الله عليه وسلم..) ولم يذكر سبحة الضحى، بمعناه ].

    أورد أبو داود حديث أم هانئ بنت أبي طالب رضي الله عنها أخت علي بن أبي طالب أن الرسول صلى الله عليه وسلم صلى سبحة الضحى ثماني ركعات يسلم من كل ركعتين، وهذا فيه تنصيص على أن هذه الثمان هي صلاة الضحى، وبعض أهل العلم يقول: الذي جاء في الصحيحين لم يذكر فيه أنها سبحة الضحى، ولكن هي صلاة في ذلك الوقت، وهي ضحى، وقيل: إنها من أجل شكر الله عز وجل على الفتح الذي حصل له، وقيل: إنها سبحة الضحى، ولهذا قال بعض أهل العلم: إنها تكون ثمان ركعات لصلاة الضحى، وأقلها ركعتان، وتكون نهايتها ثمان، ولكن ليس هناك شيء يدل على التحديد للنهاية، وذكر سبحة الضحى لم يأت في الصحيحين، وإنما جاء في هذا الإسناد وفي هذا الحديث، والألباني ضعف هذا الحديث، ولعله من أجل ما فيه من ذكر سبحة الضحى، وإلا فإن الثمان الركعات ثابتة في الصحيحين، لكن بدون تسميتها بأنها سنة الضحى.

    تراجم رجال إسناد حديث صلاة رسول الله صلى الله عليه وسلم يوم الفتح سبحة الضحى ثماني ركعات

    قوله: [ حدثنا أحمد بن صالح ].

    أحمد بن صالح ثقة، أخرج حديثه البخاري وأبو داود والترمذي في الشمائل.

    [ وأحمد بن عمرو بن السرح ].

    أحمد بن عمرو بن السرح ثقة، أخرج حديثه مسلم وأبو داود والنسائي وابن ماجة .

    [ عن ابن وهب عن عياض بن عبد الله ].

    ابن وهب مر ذكره.

    وعياض بن عبد الله فيه لين، أخرج له مسلم وأبو داود والنسائي وابن ماجة .

    [ عن مخرمة بن سليمان ].

    مخرمة بن سليمان ثقة، أخرج له أصحاب الكتب الستة.

    [ عن كريب مولى ابن عباس ].

    كريب مولى ابن عباس ثقة، أخرج حديثه أصحاب الكتب الستة.

    [ عن أم هانئ بنت أبي طالب ].

    هي أم هانئ بنت أبي طالب رضي الله عنها، وحديثها أخرجه أصحاب الكتب الستة.

    قوله: قال أحمد بن صالح [ (إن رسول الله صلى الله عليه وسلم صلى يوم الفتح صلى سبحة الضحى) ] فذكر مثله، وقال ابن السرح : إن أم هانئ قالت: [ (دخل علي رسول الله صلى الله عليه وسلم ..) ولم يذكر سبحة الضحى، بمعناه ].

    يعني: هذا هو الفرق بينهما، فأحد الشيخين ذكر سبحة الضحى والثاني ما ذكرها.

    شرح حديث (ما أخبرنا أحد أنه رأى النبي صلى الله عليه وسلم يصلي الضحى غير أم هانئ)

    قال المصنف رحمه الله تعالى: [ حدثنا حفص بن عمر حدثنا شعبة عن عمرو بن مرة عن ابن أبي ليلى قال: ما أخبرنا أحد أنه رأى النبي صلى الله عليه وسلم يصلي الضحى غير أم هانئ ، فإنها ذكرت أن النبي صلى الله عليه وسلم يوم فتح مكة اغتسل في بيتها، وصلى ثماني ركعات، فلم يره أحد صلاهن بعد ].

    أورد أبو داود حديث أم هانئ، يقول عنها ابن أبي ليلى : ما أخبرنا أحد أنه رأى النبي صلى الله عليه وسلم يصلى الضحى غير أم هانئ ].

    يعني أنه صلى، لكن هل هي صلاة الضحى؟ إذ ليس هناك شيء واضح يدل عليها، والعلماء قالوا: إنها هي صلاة الضحى.

    فأورد أبو داود حديث أم هانئ رضي الله عنها فيما يرويه ابن أبي ليلى، حيث قال: ما أخبرنا أحد أن النبي صلى الله عليه وسلم صلى الضحى إلا أم هانئ ، فقد أخبرت بأن النبي عليه الصلاة والسلام يوم الفتح اغتسل في بيتها، وصلى ثماني ركعات، فلم يره أحد بعد ذلك يصلي هذه الصلاة.

    فمن أهل العلم من قال: إن هذه الركعات كانت شكراً لله عز وجل على فتح مكة، ومنهم من قال: إن المقصود بها صلاة الضحى؛ لأنها وقعت في الضحى، ولهذا قال بعض أهل العلم: إن أكثر حدٍ لها ثمان ركعات، وأقل شيء اثنتان، والتوسط أربع وست، وحديث أم هانئ في كونه صلى في بيتها عام الفتح ثمان ركعات متفق عليه، ولكن هل هي للضحى أو أنها شكر لله عز وجل على الفتح؟ فمن العلماء من قال بهذا، ومنهم من قال بهذا، وهذا من جملة الأدلة الدالة على مشروعية صلاة الضحى.

    تراجم رجال إسناد حديث (ما أخبرنا أحد أنه رأى النبي صلى الله عليه وسلم يصلي الضحى غير أم هانئ)

    قوله: [ حدثنا حفص بن عمر ].

    حفص بن عمر ثقة، أخرج حديثه البخاري وأبو داود والنسائي .

    [ حدثنا شعبة ].

    هو شعبة بن الحجاج الواسطي ثم البصري، ثقة، أخرج له أصحاب الكتب الستة.

    [ عن عمرو بن مرة ].

    عمرو بن مرة ثقة، أخرج له أصحاب الكتب الستة.

    [ عن ابن أبي ليلى ].

    ابن أبي ليلى هو عبد الرحمن بن أبي ليلى ، وهو ثقة، أخرج له أصحاب الكتب الستة.

    شرح حديث (هل كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يصلي الضحى؟...)

    قال المصنف رحمه الله تعالى: [ حدثنا مسدد حدثنا يزيد بن زريع حدثنا الجريري عن عبد الله بن شقيق قال: سألت عائشة رضي الله عنها: (هل كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يصلي الضحى؟ فقالت: لا، إلا أن يجيء من مغيبه. قلت: هل كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يقرن بين السورتين؟ قالت من المفصل) ].

    أورد أبو داود حديث عائشة رضي الله عنها أنها سئلت: [ (هل كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يصلي الضحى؟ فقالت لا، إلا أن يجيء من مغيبه) ] أي: من سفر، وذلك أنه عليه الصلاة والسلام كان إذا جاء من سفر يأتي إلى المسجد، وكان يأتي في الضحى ويدخل المسجد ويصلي فيه ركعتين، ثم يستقبل الناس صلوات الله وسلامه وبركاته عليه. وجاء هذا -أيضاً- عن غير عائشة كما في حديث جابر لما قدموا من تبوك، وأن الرسول صلى الله عليه وسلم دخل المسجد وصلى فيه ركعتين، وجاءه الناس يسلمون عليه صلى الله عليه وسلم.

    فكان يستقبل الناس بعد صلاة الركعتين، فتروي عائشة رضي الله عنها أن النبي صلى الله عليه وسلم كان إذا جاء من سفر أو جاء من غيبة فإنه يقصد المسجد أول شيء ويصلي فيه، وهذا من السنن المهجورة، أعني كون الإنسان عندما يأتي من سفر يقصد المسجد ويصلي فيه، فهو من السنن المهجورة التي هجرها الناس ولا يفعلونها، فمن يأتي من سفر منهم يذهب إلى بيته رأساً ولا يقصد المسجد، فـعائشة رضي الله عنها تروي أنه كان إذا جاء من سفر يصلي ركعتين في الضحى، وكان يأتي ضحىً عليه الصلاة والسلام.

    وسئلت [ هل كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يقرن بين السورتين؟ ] أي: في ركعة واحدة، فقالت: من المفصل. أي أنه في سور المفصل كان يجمع بين السورتين ويقرؤهما في ركعة واحدة، ولا بأس بذلك، وهو أن الإنسان يقرأ سورتين في ركعة واحدة، وقد كان صلى الله عليه وسلم يقرن بين السورتين من المفصل، أما السور الطوال فما كان يقرن بينها في الفرائض، ولكنه كان يقرن بين السورتين من المفصل في ركعة واحدة، فهذا يدلنا على جواز ذلك، ومما يدل عليه قصة الرجل الذي كان يقرأ ويختم بـ قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ [الإخلاص:1] وبذلك كان يجمع بين السورتين.

    تراجم رجال إسناد حديث (هل كان رسول الله يصلي الضحى؟..)

    قوله: [ حدثنا مسدد ].

    هو مسدد بن مسرهد البصري ، ثقة، أخرج له البخاري وأبو داود والترمذي والنسائي .

    [ حدثنا يزيد بن زريع ].

    هو يزيد بن زريع البصري ، ثقة، أخرج له أصحاب الكتب الستة.

    [ حدثنا الجريري ].

    الجريري هو سعيد بن إياس الجريري ، وهو ثقة، أخرج له أصحاب الكتب الستة.

    [ عن عبد الله بن شقيق ].

    هو عبد الله بن شقيق العقيلي ، وهو ثقة، أخرج حديثه البخاري في الأدب المفرد ومسلم وأصحاب السنن.

    [ عن عائشة ].

    هي عائشة أم المؤمنين رضي الله عنها وأرضاها، الصديقة بنت الصديق ، وهي من أوعية السنة وحفظتها، وقد روت الأحاديث الكثيرة عن رسول الله صلى الله عليه وسلم، ولا سيما في الأمور التي لا يطلع عليها إلا النساء، وقد كثر حديثها رضي الله عنها وأرضاها، ولم ترو امرأة من النساء مثلما روت عائشة رضي الله عنها، والذين عرفوا بكثرة الرواية عن النبي صلى الله عليه وسلم هم سبعة أشخاص: ستة رجال وامرأة واحدة، وهذه المرأة الواحدة هي أم المؤمنين عائشة رضي الله عنها وأرضاها.

    شرح حديث (ما سبح رسول الله سبحة الضحى قط وإني لأسبحها...)

    قال المصنف رحمه الله تعالى: [ حدثنا القعنبي عن مالك عن ابن شهاب عن عروة بن الزبير عن عائشة رضي الله عنها زوج النبي صلى الله عليه وسلم أنها قالت: (ما سبح رسول الله صلى الله عليه وسلم سبحة الضحى قط، وإني لأسبحها، وإن كان رسول الله صلى الله عليه وسلم ليدع العمل وهو يحب أن يعمل به خشية أن يعمل به الناس فيفرض عليهم) ].

    أورد أبو داود حديث عائشة رضي الله عنها أن النبي صلى الله عليه وسلم ما سبح سبحة الضحى، قالت: [ وإني لأسبحها ] أي: أنها تصليها، ولقد كان النبي صلى الله عليه وسلم يحب أن يعمل العمل ولكنه يتركه خشية أن يفعله الناس اقتداء به صلى الله عليه وسلم فيفرض عليهم، فيكون في ذلك مشقة عليهم، وذلك مثلما جاء في رمضان في قيام الليل، فإن الرسول صلى الله عليه وسلم صلى بهم بعض الليالي، ولكنه ترك الصلاة خشية أن تفرض عليهم، ولما توفي رسول الله صلى الله عليه وسلم وكملت الشريعة، ولم يأت فيها فرض قيام الليل الذي هو التراويح أعاد ذلك عمر رضي الله عنه وأتى به، وجمع الناس لصلاة التراويح، وذلك لأن الذي خشيه الرسول صلى الله عليه وسلم انتهى؛ لأنه لا تشريع بعد وفاة الرسول صلى الله عليه وسلم.

    فكانت عائشة رضي الله عنها تخبر بأنه كان يحب أن يعمل الشيء ولكنه يتركه خشية أن يعمله الناس اتباعاً له واقتداء به فيفرض عليهم، ولعل السبب في ذلك أن صلاة الضحى تكون في وقت فيه تباعد بين الصلوات؛ لأن أطول وقت هو من بعد طلوع الشمس إلى الزوال، وهذه الفترة ليس فيها إلا صلاة الضحى، فكان هناك وقت طويل، فلعل الرسول صلى الله عليه وسلم خشي أن يفرض عليهم ذلك في هذا الوقت الذي فيه تباعد بين الوقتين، يعني: بخلاف الأوقات الأخرى المتقاربة كالوقت بين الظهر والعصر، فالوقت بينهما قريب، وفيه نوافل قبل العصر وبعد الظهر، وبعد العصر وقت قصير إلى المغرب، وقبل المغرب هناك نافلة، وبعدها نافلة، وبعد العشاء نافلة، وفيه قيام الليل، وبعد طلوع الفجر صلاة ركعتي الفجر، ولكن الوقت الطويل الذي ليس فيه شيء إلا صلاة الضحى هو هذا الذي يكون بعد طلوع الشمس إلى الزوال، فكان عليه الصلاة والسلام يفعل صلاة الضحى أحياناً كما حصل في عام الفتح، وكما كان يحصل منه صلى الله عليه وسلم إذا قدم من سفر.

    فـعائشة تخبر رضي الله عنها بأن الرسول صلى الله عليه وسلم كان يحب أن يعمل الشيء، ولكنه يدعه خشية أن يعمل به الناس فيفرض عليهم، وهذا من شفقته على أمته، وحرصه عليها، ومحبته لسلامتها من كل ما فيه عنت عليها ومشقة صلوات الله وسلامه وبركاته عليه، وقد وصفه الله بقوله: لَقَدْ جَاءَكُمْ رَسُولٌ مِنْ أَنفُسِكُمْ عَزِيزٌ عَلَيْهِ مَا عَنِتُّمْ حَرِيصٌ عَلَيْكُمْ بِالْمُؤْمِنِينَ رَءُوفٌ رَحِيمٌ [التوبة:128] فصلوات الله وسلامه وبركاته عليه.

    تراجم رجال إسناد حديث (ما سبح رسول الله سبحة الضحى قط وإني لأسبحها...)

    قوله: [ حدثنا القعنبي ].

    القعنبي هو عبد الله بن مسلمة بن قعنب القعنبي ، منسوب إلى جده قعنب ، وهو ثقة، أخرج له أصحاب الكتب الستة إلا ابن ماجة .

    [ عن مالك ].

    هو مالك بن أنس ، إمام دار الهجرة، الإمام المشهور أحد أصحاب المذاهب الأربعة المشهورة من مذاهب أهل السنة، وحديثه أخرجه أصحاب الكتب الستة.

    [ عن ابن شهاب ].

    هو محمد بن مسلم بن عبيد الله بن شهاب الزهري ، ثقة فقيه، أخرج له أصحاب الكتب الستة.

    [ عن عروة بن الزبير ].

    هو عروة بن الزبير بن العوام ، وهو ثقة فقيه، أحد فقهاء المدينة السبعة في عصر التابعين، وحديثه أخرجه أصحاب الكتب الستة.

    وخالته أم المؤمنين عائشة رضي الله عنها وأرضاها، قد مر ذكرها في الحديث الذي قبل هذا.

    شرح حديث قعوده صلى الله عليه وسلم في مصلاه الذي يصلي فيه الغداة حتى تطلع الشمس

    قال المصنف رحمه الله تعالى: [ حدثنا ابن نفيل وأحمد بن يونس قالا: حدثنا زهير حدثنا سماك قال: قلت لـجابر بن سمرة رضي الله عنهما: (أكنت تجالس رسول الله صلى الله عليه وسلم؟ قال: نعم كثيراً، فكان لا يقوم من مصلاه الذي صلى فيه الغداة حتى تطلع الشمس، فإذا طلعت قام صلى الله عليه وسلم) ].

    أورد أبو داود حديث جابر بن سمرة رضي الله عنه، وقد أورده في باب صلاة الضحى ولم يأت فيه ذكر صلاة الضحى، إلا أن قوله: إنه كان يجلس في مصلاه حتى تطلع الشمس وترتفع ثم يقوم يعني أنه يقوم فيصلي، وهذا هو وجه إيراد الحديث في الترجمة التي هي صلاة الضحى، فمعناه أنه يقوم إلى الصلاة فيصلي صلى الله عليه وسلم.

    تراجم رجال إسناد حديث قعوده صلى الله عليه وسلم في مصلاه الذي يصلى فيه حتى تطلع الشمس

    قوله: [ حدثنا ابن نفيل ].

    هو: عبد الله بن محمد بن نفيل النفيلي ، ثقة، أخرج له البخاري وأصحاب السنن.

    [ وأحمد بن يونس ].

    هو أحمد بن يونس الكوفي ، ثقة، أخرج له أصحاب الكتب الستة.

    [ قالا: حدثنا زهير ].

    هو زهير بن معاوية ، وهو ثقة، أخرج له أصحاب الكتب الستة.

    [ حدثنا سماك ].

    هو سماك بن حرب ، وهو صدوق، أخرج حديثه البخاري تعليقاً ومسلم وأصحاب السنن.

    [ قلت لـجابر بن سمرة ].

    هو جابر بن سمرة رضي الله عنه صاحب رسول الله صلى الله عليه وسلم، وحديثه أخرجه أصحاب الكتب الستة.

    الفرق بين صلاة الإشراق وصلاة الضحى

    قد يقال: هل هناك فرق بين صلاة الإشراق وصلاة الضحى؟

    والجواب: بعض أهل العلم يقول: إن هناك فرقاً، فالذي من عادته أنه يصلي الضحى فإنه يصليها بين ارتفاع الشمس إلى الزوال، وبعض أهل العلم يقول: إن الذي يجلس في مصلاه إلى أن ترتفع الشمس ثم يصلي، فصلاته هذه تصلح لأن تكون صلاة إشراق تابعة للجلوس الذي قبلها، وتصلح لأن تكون هي صلاة الضحى؛ لأنها واقعة في وقت صلاة الضحى، ولهذا أورد أبو داود رحمه الله حديث جابر بن سمرة في باب صلاة الضحى؛ لأن فيه أنه يجلس إلى أن ترتفع الشمس ثم يقوم، أي: يقوم للصلاة فيصلي.

    ومن قعد بعد الفجر يذكر الله حتى تطلع الشمس فنوى أن تكون صلاته صلاة الإشراق وصلاة الضحى فهل يصلح ذلك؟

    والجواب: نعم؛ لأن الصلوات -كما هو معلوم- تتداخل، والعمل الواحد قد يقصد به شيئان، مثل تحية المسجد والسنة الراتبة، فإنه يدخل بعضها في بعض، وكذلك ركعتي الطواف، فالإنسان إذا طاف وصلى ركعتين فهما ركعتا الطواف وتحية المسجد.

    1.   

    الأسئلة

    المراد بالمصلى في قوله (من قعد في مصلاه)

    السؤال: قوله: (من قعد في مصلاه) ما المراد بالمصلى؟ وهل يعم كل المسجد؟

    الجواب: المراد المكان الذي يصلي فيه، والذي يبدو أنه لا بأس بأن ينتقل الإنسان إلى مكان آخر.

    معنى قوله صلى الله عليه وسلم في الحديث (لا يقول إلا خيراً)

    السؤال: ما معنى قوله صلى الله عليه وسلم: (لا يقول إلا خيراً)؟!

    الجواب: معناه أنه فيما بين ذلك لا يقول إلا خيراً، إما قراءة قرآن، وإما تعليم، وإما ذكر، وإما أمر بالمعروف ونهي عن منكر وغير ذلك، فهذه الفترة التي بين صلاة الصبح وبين صلاة الضحى لا يقول فيها إلا خيراً، وعلى كل فالحديث غير ثابت.

    ما يحمل عليه قوله صلى الله عليه وسلم (غفرت خطاياه وإن كانت مثل زبد البحر)

    السؤال: قوله صلى الله عليه وسلم في بعض الذنوب (غفر له ما تقدم من خطاياه) وكذلك (وإن كانت مثل زبد البحر) هل يعم كل الذنوب؟

    الجواب: الكبائر لا يكفرها إلا التوبة، فالإنسان إذا عمل عملاً صالحاً وهو مصر على الكبيرة لا يقال: إنها تكفر تلك الكبيرة لأنه عمل العمل الصالح؛ إذ الرسول صلى الله عليه وسلم يقول: (الجمعة إلى الجمعة، ورمضان إلى رمضان، والعمرة إلى العمرة، كفارات لما بينهن ما اجتنبت الكبائر).

    ومعناه: إذا كانت الكبيرة لم تجتنب أو كان مصراً عليها فإنه لا يحصل معها التكفير، والله تعالى يقول: إِنْ تَجْتَنِبُوا كَبَائِرَ مَا تُنْهَوْنَ عَنْهُ نُكَفِّرْ عَنْكُمْ سَيِّئَاتِكُمْ [النساء:31]، لكن إذا وجد العمل مع التوبة الصادقة من جميع الذنوب فإنه يحصل ذلك، ولكن التوبة هي المعتبرة، أما إذا وجد العمل الصالح مع عدم التوبة، بل مع الإصرار على الذنب، وكان الإنسان يفكر في الذنب متى يحصله وكان مشغول البال به، متعلقاً قلبه بالمعصية، ويتحين الفرص لينقض عليها، ثم عمل عملاً صالحاً فإنه لا يقال: إن هذا العمل الصالح يقضي على الكبائر التي اقترفها؛ لأنه ما تاب منها، بل إن الصغائر إذا حصل إصرار عليها تعظم حتى تلتحق بالكبائر، والكبائر إذا حصل ندم عليها وخجل من الله عز وجل من فعلها فإنها تتضاءل وتضمحل وتتلاشى، ولهذا يقول عبد الله بن عباس رضي الله تعالى عنهما: لا كبيرة مع الاستغفار، ولا صغيرة مع الإصرار.

    فالكبيرة مع الاستغفار لا تبقى كبيرة، بل تتلاشى وتضمحل وتتضاءل، والصغيرة مع الإصرار لا تبقى صغيرة، بل تضخم وتعظم، بعكس الكبيرة التي تتضاءل بسبب الاستغفار والندم، فهذه تضخم بسبب الإصرار، فكون الإنسان يصر على المعصية، ولا يفكر في تركها، ولا يندم على فعلها يجعلها تضخم، وتكبر حتى تلتحق بالكبائر.

    حكم الوصال في الصيام

    السؤال: هل الوصال محرم أو مكروه؟

    الجواب: الرسول صلى الله عليه وسلم نهى عنه، لكن قد جاء وثبت عنه صلى الله عليه وسلم الإذن بالمواصلة إلى السحر لمن يقدر عليه، حيث قال: (من أراد أن يواصل فليواصل إلى السحر). يعني: بصوم يوماً وليلة، لا أن يصوم يومين وليلة أو أكثر، وإنما أكثر شيء يوم وليلة، هكذا جاء عن رسول الله صلى الله عليه وسلم كما ثبت في الصحيح، والمواصلة لا شك في أن فيها مشقة، وعلى الإنسان أن لا يفعل الشيء الذي فيه مشقة.

    حكم صلاة راتبة الظهر الرباعية بتسليمة واحدة

    السؤال: في مختصر الشمائل المحمدية يقول الشيخ في شأن حديث (أربع قبل الظهر ليس بينهن تسليم تفتح لهن أبواب السماء): قلت: قد أعله أبو داود بأن فيه عبيدة بن معتب، وهو ضعيف، لكن له طريق أخرى يتقوى بها، ولذلك خرجته في صحيح أبي داود ... وذكرت فيه بعض طرقه.

    وفي السنن النهارية يقول الشيخ: من فقه الحديث أن السنة في السنن الرباعية النهارية أن تصلى بتسليمة واحدة، ولا يسلم بين الركعتين، وقد فهم بعضهم من قوله: (يفصل بين كل ركعتين بالتسليم على الملائكة المقربين ومن تبعهم من المؤمنين) . أنه يعني تسليم التحلل من الصلاة، ورده الشيخ علي القارئ في شرح الشمائل.

    وسئل سماحة الشيخ ابن باز رحمة الله عليه: هل تجوز صلاة الأربع قبل الظهر ولو لم أنو إلا بعد الدخول في الصلاة، وأيهما أفضل التشهد بينهما كالظهر أم الوصل بدون تشهد فما تعليقكم على ذلك؟

    فأجاب رحمه الله: يصلي كل ركعتين على حدة، ثم يسلم منهما، والأصل في ذلك حديث ابن عمر رضي الله عنهما أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (صلاة الليل والنهار مثنى مثنى) . رواه الخمسة بإسناد جيد، فهذا الحديث يدل على أن المستحب في صلاة تطوع الليل والنهار أن تكون مثنى مثنى، إلا ما خصه الدليل، فإن صلاها أربعاً جميعاً فلا حرج؛ لإطلاق بعض الأحاديث الواردة في ذلك.

    الجواب: أقول: جمعاً بين الدليلين يكون الأولى هو صلاة ركعتين ركعتين، وإن جمعهما -كما جاء في بعض الأحاديث- فجائز.

    حكم الصلاة على النبي صلى الله عليه وسلم مصحوبة باستغاثات شركية

    السؤال: ما حكم الصلاة على النبي صلى الله عليه وسلم بلفظ: اللهم رب محمد صلى الله عليه وسلم، نحن عباد محمد صلى الله عليه وسلم، وأخرى بلفظ: اللهم صل وسلم على سيدنا محمد قد ضاقت حيلتي أدركني يا رسول الله؟!

    الجواب: محمد هو عبد لله عز وجل، والرسول صلى الله عليه وسلم يقول: (لا تطروني كما أطرت النصارى ابن مريم، إنما أنا عبد فقولوا: عبد الله ورسوله). وفي التشهد: أشهد (أن لا إله إلا الله وأشهد أن محمداً عبده ورسوله) فهو عبد لا يُعبد، ورسول لا يكذب، بل يطاع ويتبع صلوات الله وسلامه وبركاته عليه.

    وأما قول (اللهم صل وسلم على سيدنا محمد قد ضاقت حيلتي أدركني يا رسول الله!) فإن الله تعالى يقول: أَمَّنْ يُجِيبُ الْمُضطَرَّ إِذَا دَعَاهُ وَيَكْشِفُ السُّوءَ وَيَجْعَلُكُمْ خُلَفَاءَ الأَرْضِ أَئِلَهٌ مَعَ اللَّهِ قَلِيلاً مَا تَذَكَّرُونَ [النمل:62] يعني: لا أحد يجيب المضطر إلا الله عز وجل، فالإنسان إذا خرج عن الجادة واتبع هواه ولم يتبع الرسول صلى الله عليه وسلم فإنه يقع في الشرك وهو لا يشعر، والعياذ بالله!

    خطر المعصية في الأماكن المقدسة

    السؤال: هل المعاصي التي تقع في المدينة النبوية تعتبر من الإحداث في المدينة؟

    الجواب: المعاصي في الأماكن المقدسة لا شك في أن لها خطراً، وهي أخطر من الأماكن التي هي غير مقدسة، فالمعصية خطيرة إذا وقعت في أي مكان، لكن إذا وقعت في المكان المقدس فإن الأمر يكون أعظم، كما أن الصلاة في مسجد الرسول صلى الله عليه وسلم لها فضل ألف صلاة، والصلاة في المسجد الحرام بمائة ألف صلاة، وهذا يدل على أن الحسنة في تلك الأماكن لها وزن، ولها شأن كبير، والسيئة لها خطر كبير، فالمعاصي في مكة والمدينة ليست كالمعاصي في الأماكن الأخرى، فهذه أخطر وأشد، من يعصي الله في الحرم ليس كمن يعصيه بعيداً عن الحرم.

    حكم قضاء الأربع الركعات قبل الظهر بعد صلاة فريضة الظهر

    السؤال: من لم يصل أربعاً قبل الظهر هل يجوز له أن يقضيها بعد المكتوبة؟

    الجواب: يقضيها، لكن بعدما يأتي بالسنة البعدية.

    وقت صلاة الضحى

    السؤال: متى يبدأ وقت صلاة الضحى؟

    الجواب: وقت صلاة الضحى يبدأ من ارتفاع الشمس إلى الزوال، كل هذا وقت صلاة الضحى.