إسلام ويب

شرح سنن أبي داود [153]للشيخ : عبد المحسن العباد

  •  التفريغ النصي الكامل
  • الصلاة من أعظم شعائر الإسلام، ومن تمامها إقامتها جماعة، ولذلك لم يترك رسول الله صلى الله عليه وسلم صلاة الجماعة حتى في حالات الخوف والحرب، وقد وردت لصلاة الجماعة في الخوف كيفيات متعددة، وقد أورد أبو داود بعض هذه الكيفيات في سننه، مبيناً أنها تختلف باختلاف موقع العدو من موقع المسلمين.

    1.   

    كيفية صلاة الخوف إذا كان العدو في جهة القبلة

    شرح حديث أبي عياش الزرقي في صفة صلاة الخوف

    قال المصنف رحمه الله تعالى: [ باب صلاة الخوف.

    من رأى أن يصلي بهم وهم صفان فيكبر بهم جميعاً، ثم يركع بهم جميعاً، ثم يسجد الإمام والصف الذي يليه، والآخرون قيام يحرسونهم، فإذا قاموا سجد الآخرون الذين كانوا خلفهم، ثم تأخر الصف الذي يليه إلى مقام الآخرين، وتقدم الصف الأخير إلى مقامهم، ثم يركع الإمام ويركعون جميعاً، ثم يسجد ويسجد الصف الذي يليه، والآخرون يحرسونهم، فإذا جلس الإمام والصف الذي يليه سجد الآخرون، ثم جلسوا جميعاً، ثم سلم عليهم جميعاً، قال أبو داود : هذا قول سفيان.

    حدثنا سعيد بن منصور حدثنا جرير بن عبد الحميد عن منصور عن مجاهد عن أبي عياش الزرقي رضي الله عنه قال: (كنا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم بعسفان، وعلى المشركين خالد بن الوليد فصلينا الظهر، فقال المشركون: لقد أصبنا غرة! لقد أصبنا غفلة! لو كنا حملنا عليهم وهم في الصلاة؛ فنزلت آية القصر بين الظهر والعصر، فلما حضرت العصر قام رسول الله صلى الله عليه وسلم مستقبل القبلة والمشركون أمامه، فصف خلف رسول الله صلى الله عليه وسلم صف، وصف بعد ذلك الصف صف آخر، فركع رسول الله صلى الله عليه وسلم وركعوا جميعاً، ثم سجد وسجد الصف الذي يلونه، وقام الآخرون يحرسونهم، فلما صلى هؤلاء السجدتين وقاموا سجد الآخرون الذين كانوا خلفهم، ثم تأخر الصف الذي يليه إلى مقام الآخرين، وتقدم الصف الأخير إلى مقام الصف الأول، ثم ركع رسول الله صلى الله عليه وسلم وركعوا جميعاً، ثم سجد وسجد الصف الذي يليه، وقام الآخرون يحرسونهم، فلما جلس رسول الله صلى الله عليه وسلم والصف الذي يليه سجد الآخرون، ثم جلسوا جميعاً فسلم عليهم جميعاً. فصلاها بعسفان، وصلاها يوم بني سليم) ].

    أورد أبو داود هذه الترجمة: باب صلاة الخوف. أي: الخوف من العدو، وقد جاءت صلاة الخوف عن رسول الله صلى الله عليه وسلم على صفات متعددة منها: ما إذا كان العدو في جهة القبلة، ومنها: ما إذا كان في غير جهة القبلة، وهذا الذي أورده المصنف أولاً في الباب إذا كان العدو في جهة القبلة، وأتى بالترجمة على وفق الحديث؛ لأنه في باب صلاة الخوف يذكر في الترجمة من قال بمقتضى ذلك، ويسرد مجمل الحديث أو أكثر الحديث فيها، ثم بعدما يذكر الترجمة المطولة التي فيها صفة صلاة الخوف يذكر الحديث بإسناده.

    وهذه الترجمة فيما إذا كان في جهة القبلة، أي أنه قد يكون أخطر.

    وهذا الحديث الذي أورده أبو داود عن أبي عياش الزرقي أنهم لما كانوا في عسفان، وكان على جيش المشركين خالد بن الوليد، أي: وذلك قبل أن يسلم، ثم بعد ذلك أسلم وحسن إسلامه، وجاهد في سبيل الله، وفتح الفتوحات رضي الله عنه وأرضاه.

    فالرسول صلى الله عليه وسلم لما صلوا الظهر قال الكفار: (أدركنا غرة) أي: هذه الصلاة التي يصلونها لو أننا انقضضنا عليهم فيها لتمكنا منهم، فنزلت آية الخوف، فإنه لما جاء العصر صلى بالناس صلاة الخوف بالطريقة التي تخالف ما يريده المشركون، وكان المشركون في جهة القبلة، فالرسول صلى الله عليه وسلم صف أصحابه صفين، ودخل في الصلاة بهم جميعاً، وقام وهم قائمون جميعاً، وركعوا جميعاً، ورفعوا جميعاً، ثم بعد ذلك سجد رسول الله صلى الله عليه وسلم وسجد الصف الأول، والباقون الذين هم الصف الثاني واقفون يحرسونه، لأن العدو في جهة القبلة، فلما قام الرسول صلى الله عليه وسلم وقام الصف الأول سجد أهل الصف الثاني السجدتين ثم قاموا، فصاروا كلهم قائمين في الركعة الثانية، فتقدم أهل الصف الأخير وتأخر أهل الصف الأول، أي: الذين كانوا في الخلف تقدموا وصاروا في الصف الأول، والذين كانوا في الصف الأول تأخروا إلى الصف الثاني حتى يحصل لهم مثل ما حصل للأولين.

    فالرسول صلى الله عليه وسلم صلى الركعة الثانية، وركع وركعوا جميعاً، ورفع ورفعوا جميعاً، وسجد وسجد معه الصف الأول الذي يليه وهو الذي كان آخراً في الركعة الأولى، ولما فرغوا من السجود جلسوا للتشهد، فنزل الذين في الصف الثاني وسجدوا السجدتين وجلسوا في التشهد، ثم سلم بهم صلى الله عليه وسلم جميعاً.

    فهذه الهيئة حيث كان العدو في جهة القبلة، وفيها أداء الصلاة والقيام بالحراسة دون أن يقسم الناس إلى مجموعتين كما سيأتي في بعض صفات صلاة الخوف الأخرى، أعني إذا كان العدو في غير جهة القبلة.

    فهذه صفة صلاة الخوف إذا كان العدو في جهة القبلة.

    تراجم رجال إسناد حديث أبي عياش الزرقي في صفة صلاة الخوف

    قوله: [ حدثنا سعيد بن منصور ].

    سعيد بن منصور ، ثقة، أخرج له أصحاب الكتب الستة.

    [ حدثنا جرير بن عبد الحميد ].

    جرير بن عبد الحميد الضبي الكوفي ، ثقة، أخرج له أصحاب الكتب الستة.

    [ عن منصور ].

    منصور بن المعتمر الكوفي ، ثقة، أخرج له أصحاب الكتب الستة.

    [ عن مجاهد ].

    مجاهد بن جبر المكي ، وهو ثقة، أخرج له أصحاب الكتب الستة.

    [ عن أبي عياش ].

    أبو عياش الزرقي، وهو صحابي، أخرج له أبو داود والنسائي.

    شرح حديث جابر في صفة صلاة الخوف وتراجم رجاله

    [ قال أبو داود : روى أيوب وهشام عن أبي الزبير عن جابر هذا المعنى عن النبي صلى الله عليه وسلم ].

    قوله: [ قال أبو داود : روى أيوب وهشام ].

    أيوب بن أبي تميمة السختياني ، ثقة، أخرج له أصحاب الكتب الستة، وهشام يحتمل أن يكون هشام بن حسان أو هشام بن أبي عبد الله الدستوائي ؛ لأن كلاً منهما روى عن أبي الزبير. وكل منهما ثقة، أخرج له أصحاب الكتب الستة.

    [ عن أبي الزبير ].

    أبو الزبير هو محمد بن مسلم بن تدرس المكي ، ثقة، أخرج له أصحاب الكتب الستة.

    [ عن جابر ].

    جابر رضي الله عنه قد مر ذكره، وحديث جابر في صحيح مسلم .

    شرح حديث ابن عباس في صفة صلاة الخوف وتراجم رجاله

    قال المصنف رحمه الله: [ وكذلك رواه داود بن حصين عن عكرمة عن ابن عباس ].

    قوله: [ رواه داود بن حصين ].

    وهو ثقة إلا في عكرمة ، أخرج له أصحاب الكتب الستة.

    [ عن ابن عباس ].

    وابن عباس مر ذكره.

    شرح حديث جابر في صفة صلاة الخوف من طريق أخرى وتراجم رجاله

    قال المصنف رحمه الله تعالى: [ وكذلك عبد الملك عن عطاء عن جابر ].

    قوله: [ وكذلك عبد الملك ].

    هو عبد الملك بن أبي سليمان العرزمي صدوق له أوهام أخرج له البخاري تعليقاً، ومسلم وأصحاب السنن.

    [ عن عطاء ].

    عطاء بن أبي رباح المكي ، ثقة، أخرج له أصحاب الكتب الستة.

    [ عن جابر ].

    جابر بن عبد الله مر ذكره.

    شرح حديث أبي موسى في صفة صلاة الخوف وتراجم رجاله

    قال المصنف رحمه الله: [ وكذلك قتادة عن الحسن عن حطان عن أبي موسى فعله ].

    قوله: [ وكذلك قتادة ].

    هو ابن دعامة السدوسي ، ثقة، أخرج له أصحاب الكتب الستة.

    [ عن الحسن ].

    الحسن البصري ، ثقة، أخرج له أصحاب الكتب الستة.

    [ عن حطان ].

    حطان بن عبد الله ، وهو ثقة، أخرج له مسلم وأصحاب السنن.

    [ عن أبي موسى ].

    أبو موسى عبد الله بن قيس الأشعري رضي الله عنه.

    مرسل مجاهد في صفة صلاة الخوف وتراجم رجاله

    قال المصنف رحمه الله تعالى: [وكذلك عكرمة بن خالد عن مجاهد عن النبي صلى الله عليه وسلم].

    قوله: [وكذلك عكرمة بن خالد ].

    وهو ثقة، أخرج له أصحاب الكتب الستة إلا ابن ماجة .

    [ عن مجاهد ].

    مجاهد بن جبر مر ذكره.

    [ عن النبي ].

    عن النبي يعني: مرسلاً.

    مرسل عروة بن الزبير في صفة صلاة الخوف وتراجم رجاله

    قال المصنف رحمه الله تعالى: [ وكذلك هشام بن عروة عن أبيه عن النبي صلى الله عليه وسلم وهو قول الثوري ].

    قوله: [

    هشام بن عروة عن أبيه].

    هشام ثقة، أخرج له أصحاب الكتب الستة.

    وأبوه عروة بن الزبير ثقة من فقهاء المدينة السبعة، أخرج له أصحاب الكتب الستة.

    [عن النبي صلى الله عليه وسلم] وهو مرسل كالذي قبله.

    [وهو قول الثوري ].

    يعني: الذي فيه هذه الصفة أو هذه الكيفية.

    1.   

    الكيفية الثانية من كيفيات صلاة الخوف

    شرح حديث سهل بن أبي حثمة في صفة صلاة الخوف

    قال المصنف رحمه الله تعالى: [ باب من قال: يقوم صف مع الإمام وصف وجاه العدو فيصلي بالذين يلونه ركعة ثم يقوم قائماً حتى يصلي الذين معه ركعة أخرى، ثم ينصرفون فيصفون وجاه العدو، وتجيء الطائفة الأخرى فيصلي بهم ركعة ويثبت جالساً فيتمون لأنفسهم ركعة أخرى، ثم يسلم بهم جميعاً.

    حدثنا عبيد الله بن معاذ حدثنا أبي حدثنا شعبة عن عبد الرحمن بن القاسم عن أبيه عن صالح بن خوات عن سهل بن أبي حثمة رضي الله عنه: (أن النبي صلى الله عليه وسلم صلى بأصحابه في خوف فجعلهم خلفه صفين، فصلى بالذين يلونه ركعة، ثم قام، فلم يزل قائماً حتى صلى الذين خلفهم ركعة، ثم تقدموا وتأخر الذين كانوا قدامهم، فصلى بهم النبي صلى الله عليه وسلم ركعة، ثم قعد حتى صلى الذين تخلفوا ركعة، ثم سلم).

    هذه ترجمة في كيفية من الكيفيات التي جاءت بها صلاة الخوف عن رسول الله صلى الله عليه وسلم، وقد سبقت كيفية تتعلق بما إذا كان العدو في جهة القبلة، وهذه الكيفية فيما إذا كان العدو في غير جهة القبلة.

    والترجمة واضحة أنه يجعلهم صفين، صفّاً تجاه العدو، وصفّاً معه، فيصلي بمن معه ركعة ثم يقوم للركعة الثانية ويثبت قائماً حتى يصلي الذين معه ركعة ثانية لأنفسهم، ثم ينصرفون، ويأتي الذين هم وجاه العدو فيصلي بهم ركعة ويثبت جالساً بعد أن ينهي الركعة، فيأتون بالركعة التي بقيت عليهم، ثم يسلم بهم جميعاً. هكذا يقول المصنف، وكلامه واضح إلا في قوله: [ثم يسلم بهم جميعاً] لأن الحديث الذي أورده ليس فيه شيء يدل على هذا، وإنما الذين صلوا مع النبي صلى الله عليه وسلم في الركعة الأولى وأتموا لأنفسهم سلموا وذهبوا، ثم هؤلاء الذين كانوا وجاه العدو إذا جاءوا فصلوا معه الركعة الثانية، فإنه يجلس للتشهد وهم يتمون لأنفسهم الركعة التي بقيت عليهم، ثم يسلم بهم، أي بالطائفة الثانية.

    فالترجمة التي أوردها المصنف واضحة إلا في قوله: (ثم يسلم بهم جميعاً)؛ لأن الطائفة الأولى ذهبت بعد أن فرغت من صلاتها وانتهت، والطائفة الثانية هي التي بقيت معه حتى سلم، فسلم بها صلى الله عليه وسلم.

    أورد أبو داود رحمه الله حديث سهل بن أبي حثمة ، وهو غير واضح المطابقة للترجمة، وذلك أنه قال: إن النبي صلى الله عليه وسلم جعل أصحابه صفين، فالطائفة الأولى معه، والطائفة الثانية وجاه العدو، فصلى بالذين معه ركعة، ثم ثبت قائماً حتى صلى الذين خلفهم -أي: الطائفة الثانية- ركعة، ثم جاءوا، ثم صلى بهم الركعة التي بقيت من صلاته، ولما بقي جالساً أتم الذين تخلفوا ركعة، ثم سلم صلى الله عليه وسلم، يعني: ثم سلم بهم.

    فالحديث لا يطابق الترجمة، وقد قال صاحب عون المعبود: إن الطائفة الأولى لم يذكر قيامها بالركعة الثانية وأنها أتمت لأنفسها ركعة ثم ذهبت، لكن يبقى الإشكال وهو قوله: إن الرسول بقي حتى صلى الذين وراءهم ركعة، ثم صلى بهم الرسول صلى الله عليه وسلم الركعة الباقية من صلاته، ولما جلس في التشهد صلى الذين تخلفوا ركعة، وعلى هذا إذا كان المقصود بها الطائفة الثانية فمعناه أنه حصل لها ثلاث ركعات، والطائفة الأولى ما حصل لها إلا ركعة، وقد قال صاحب عون المعبود: إن الركعة الثانية لم تذكر، ولعلها تركت أو لم تذكر اختصاراً.

    لكن لو كان قوله: (فلم يزل قائماً حتى صلى الذين خلفهم ركعة) معناه: حتى صلى الذين خلفه -بدون ميم- لكانت هذه الركعة الثانية للطائفة الأولى، ثم الطائفة الثانية أدركت الركعة الثانية مع رسول الله صلى الله عليه وسلم، ثم بعد أن ثبت جالساً أتموا لأنفسهم، فعلى هذا يستقيم الكلام طبقاً للترجمة؛ وإذا كان الحديث أو اللفظ فيه شيء من الخطأ، وأن (خلفهم) صوابه: (خلفه) فإنه يستقيم أنه حصلت الركعة الثانية للأولين وأتموا، وأن الطائفة الثانية أدركوا الركعة الثانية مع الرسول صلى الله عليه وسلم وعندما جلس أتموا لأنفسهم وهو ينتظرهم جالساً ثم سلموا معه.

    وإن كان المراد به أن الذين خلفهم صلوا لأنفسهم ركعة أولاً والرسول صلى الله عليه وسلم قائم، ثم صلوا الركعة الثانية معه صلى الله عليه وسلم، وكان المراد بـ (الذين تخلفوا) الذين صلوا الركعة الأولى ثم ذهبوا وجاه العدو، ثم جاءوا وصلوا الركعة الثانية والنبي صلى الله عليه وسلم جالس، وأتموا لأنفسهم في حال جلوسه، ثم سلم بهم، فإنه يستقيم المعنى، إلا أنه لا يطابق الترجمة، وعلى هذا فالحديث غير واضح المطابقة للترجمة كما هو واضح بين.

    فقوله: [عن سهل بن أبي حثمة رضي الله عنه (أن النبي صلى الله عليه وسلم صلى بأصحابه في خوف فجعلهم خلفه صفين، فصلى بالذين يلونه ركعة) ] .

    هذه الركعة الأولى مع الجماعة الأولى الذين هم يلون رسول الله صلى الله عليه وسلم.

    قوله: [ (ثم قام فلم يزل قائماً حتى صلى الذين خلفهم ركعة)].

    (الذين خلفهم) إذا كانوا هم الجماعة الذين هم في جهة العدو فالمعنى أنهم صلوا لأنفسهم ركعة والرسول صلى الله عليه وسلم قائم؛ فهذه معناها ركعة مضت لهم.

    قوله: [ (ثم تقدموا وتأخر الذين كانوا قدامهم فصلى بهم النبي صلى الله عليه وسلم ركعة) ].

    معناه: أن هذه أيضاً للذين كانوا خلفه من الصف الثاني.

    قوله: [ (ثم قعد حتى صلى الذين تخلفوا ركعة) ].

    ما المراد بالذين تخلفوا؟

    إن أريد بهم الذين صاروا أهل الصف الأول، وأنهم ذهبوا ثم جاءوا وصلوا ركعة وسلم بهم جميعاً استقام الكلام، وقوله: (تخلفوا) يعني: أنهم رجعوا القهقرى.

    وإن كان المقصود بالذين تخلفوا الذين كانوا وجاه العدو فتكون لهم ركعة ثالثة، وهذا لا يستقيم، ولو قيل كما قال صاحب عون المعبود: إن الجماعة الثانية ما ذكرت لهم الركعة وأنهم أتموا لأنفسهم فيبقى الإشكال أن هؤلاء عندهم ثلاث ركعات، فالحديث لا يطابق الترجمة.

    ويمكن أن يقال كما هو ظاهر لفظ الحديث: إن الرسول صلى الله عليه وسلم صلى بالجماعة الأولى ركعة ثم ذهبت، ثم جاءت الطائفة الثانية وصلت ركعة، والرسول صلى الله عليه وسلم قائم، فتكون هذه الركعة الأولى لهم، ثم الركعة الثانية لهم مع الرسول صلى الله عليه وسلم، فإذا جلسوا للتشهد يكونون قد صلوا ركعتين، والذين تخلفوا ورجعوا قد صلوا الركعة الأولى، فتكون هذه هي الركعة الأخيرة لهم، ويكون معناه: الطائفة الثانية عندها ركعة قبل الصلاة مع الرسول صلى الله عليه وسلم، وعندها الركعة الثانية مع الرسول صلى الله عليه وسلم، والطائفة الأولى الذين تخلفوا عندهم الركعة الأولى معه، ثم أتموا لأنفسهم والرسول صلى الله عليه وسلم جالس، ثم يسلم بهم جميعاً، فيستقيم هذا المعنى، لكن الترجمة التي ذكرها المصنف بالتفصيل لا تستقيم مع هذا الحديث.

    والحديث لا أدري كيف لفظه؟ فليس بواضح؛ لأنه لو كان المقصود أن الجماعة الأولى صلت الركعة الأولى مع الرسول صلى الله عليه وسلم، ثم صلت والنبي صلى الله عليه وسلم جالس فمعناه أن صلاتهم تتخللها صلاة الطائفة الثانية، ثم يسلم بهم جميعاً، فيستقيم الحديث لكن لا يطابق الترجمة، لأن الترجمة واضحة في أن النبي صلى الله عليه وسلم صلى بالجماعة الأولى ركعة، وأتمت لنفسها وهو قائم، ثم الثانية جاءت وصلت مع الرسول صلى الله عليه وسلم الركعة الثانية، وأتمت لنفسها والرسول صلى الله عليه وسلم جالس، ثم سلم بالطائفة الثانية، هذا هو الذي يطابق الترجمة، ولا مطابقة بين الحديث والترجمة؛ لأن الحديث معناه ما سبق بيانه، والترجمة ليس فيها إشكال، هي واضحة ولكنها مطابقة للحديث الذي سيأتي عن صالح بن خوات من طريق يزيد بن رومان ، لكن هذا الحديث هذا هو ظاهره، يعني: أن الطائفة الأولى صلت الركعة الأولى مع النبي صلى الله عليه وسلم، والطائفة الثانية صلت الركعة الأولى لها وحدها والرسول صلى الله عليه وسلم قائم، ثم صلت معه الركعة الثانية، ثم جلست حتى سلمت مع الرسول صلى الله عليه وسلم، والطائفة الأولى صلت الركعة الثانية والنبي صلى الله عليه وسلم جالس، فتكون ركعتاها متباعدتين، ومعناه أنهم ذهبوا ولم يسلموا بل هم باقون في الصلاة، وجاءوا وصلوا ركعة ثانية والنبي صلى الله عليه وسلم جالس ثم سلم بهم جميعاً، فيستقيم هذا الكلام من ناحية التسليم؛ لكن لا يستقيم من ناحية أن الأولى أتمت لنفسها الركعة الثانية ثم جاءت الطائفة الثانية وصلت الركعة الأولى مع الرسول صلى الله عليه وسلم، ثم أتمت لنفسها والرسول صلى الله عليه وسلم جالس ثم سلم بهم، لا يستقيم هذا.

    وعلى كل: الحديث بلفظه يستقيم إذا قيل: إن الطائفة الأولى صلت ركعتها الأخيرة عند التشهد، والطائفة الثانية صلت ركعتها الأولى لنفسها مستقلة، ثم صلت ركعتها الثانية مع الرسول صلى الله عليه وسلم، ولو صوب قوله: (الذين خلفهم) إلى: (الذين خلفه) لاستقام معنى الحديث مع الترجمة، لكن يبقى الإشكال أنه بعد ذلك قال: ثم تقدموا وتأخر الذين قدامهم، وهذا لا يستقيم.

    وهذا كله مبني على أن العدو ليس في جهة القبلة؛ لأن الترجمة هذه مبنية على أنه في غير جهة القبلة، ويمكن أن يستقيم إذا كان في جهة القبلة.

    تراجم رجال إسناد حديث سهل بن أبي حثمة في صفة صلاة الخوف

    قوله: [حدثنا عبيد الله بن معاذ ].

    عبيد الله بن معاذ العنبري ، ثقة، أخرج له البخاري ومسلم وأبو داود والنسائي .

    [حدثنا أبي].

    أبوه: معاذ بن معاذ العنبري ، ثقة، أخرج له أصحاب الكتب الستة.

    [حدثنا شعبة ].

    شعبة بن الحجاج الواسطي ثم البصري، ثقة أخرج له أصحاب الكتب الستة.

    [ عن عبد الرحمن بن القاسم ].

    عبد الرحمن بن القاسم ، وهو ثقة، أخرج له أصحاب الكتب الستة.

    [ عن أبيه ].

    القاسم بن محمد بن أبي بكر الصديق ، ثقة فقيه من فقهاء المدينة السبعة في عصر التابعين، أخرج له أصحاب الكتب الستة.

    [ عن صالح ].

    صالح بن خوات ، وهو ثقة، أخرج له أصحاب الكتب الستة.

    [ عن سهل بن أبي حثمة ].

    سهل بن أبي حثمة رضي الله عنه، وحديثه أخرجه أصحاب الكتب الستة.

    1.   

    الكيفية الثالثة من كيفيات صلاة الخوف

    شرح حديث صفة صلاة الخوف يوم ذات الرقاع

    قال المصنف رحمه الله تعالى: [ باب من قال: إذا صلى ركعة وثبت قائماً أتموا لأنفسهم ركعة، ثم سلموا، ثم انصرفوا فكانوا وجاه العدو، واختلف في السلام.

    حدثنا القعنبي عن مالك عن يزيد بن رومان عن صالح بن خوات عمن صلى مع رسول الله صلى الله عليه وسلم يوم ذات الرقاع صلاة الخوف: (أن طائفة صلت معه، وطائفة وجاه العدو، فصلى بالتي معه ركعة ثم ثبت قائماً وأتموا لأنفسهم، ثم انصرفوا وصفوا وجاه العدو، وجاءت الطائفة الأخرى فصلى بهم الركعة التي بقيت من صلاته، ثم ثبت جالساً وأتموا لأنفسهم، ثم سلم بهم). قال مالك : وحديث يزيد بن رومان أحب ما سمعت إلي ].

    أورد أبو داود هذه الترجمة، وهي: من قال إذا صلى ركعة وثبت قائماً أتموا لأنفسهم ركعة ثم سلموا، ثم انصرفوا فكانوا وجاه العدو، واختلف في السلام.

    قوله: [واختلف في السلام] يعني: بين الإمام والمأموم، وذلك أنه في هذا الحديث الطائفة الأولى سلمت لنفسها وانصرفت، والطائفة الثانية بقيت حتى سلمت وخرجت من الصلاة مع الرسول صلى الله عليه وسلم، وسيأتي في الترجمة أحاديث أخرى تختلف عن هذا فيما يتعلق بالسلام، وأن كل طائفة سلمت لنفسها والرسول صلى الله عليه وسلم سلم وحده، يعني: بحيث إن الطائفة الثانية قضوا ركعة بعد أن سلم رسول الله صلى الله عليه وسلم ثم سلموا لأنفسهم، وقال: [واختلف في السلام]، ومعناه أن الطائفة الأولى في الحديث الأول سلمت وانصرفت، والحديث الثاني فيه أن الطائفة الثانية أيضاً لم تسلم مع الرسول صلى الله عليه وسلم، ولم تقض ركعة والرسول صلى الله عليه وسلم جالس، وإنما قامت بعد أن سلم وأتت بركعة ثم سلمت، فصار الاختلاف في السلام بين الطائفتين وبين رسول الله صلى الله عليه وسلم.

    هذا الحديث الذي أورده أبو داود رحمه الله تحت هذه الترجمة وهو حديث من صلى مع النبي صلى الله عليه وسلم، فلم يسم الرجل، ولكن قيل: إنه أبوه خوات بن جبير صاحب رسول الله صلى الله عليه وسلم، وهو الذي يمكن أن يكون منه ذلك.

    أما سهل بن أبي حثمة فقالوا: إنه صغير لا يمكن أن يكون صلى مع النبي صلى الله عليه وسلم صلاة ذات الرقاع، ولكنه إذا كان عنه يكون مرسل صحابي، ومراسيل الصحابة كما هو معلوم حجة، فهو إما أن يكون أباه وهو الأقرب، وإما أن يكون سهل بن أبي حثمة وهو صحابي صغير لم يشهد تلك الصلاة، ولكنه يروي عمن شهد تلك الصلاة، ولكن يمكن أن يكون الأقرب أنه أبوه؛ لأنه جاء في بعض الروايات أنه يروي عن أبيه هذه الصلاة التي هي صلاة الخوف.

    تراجم رجال إسناد حديث صفة صلاة الخوف يوم ذات الرقاع

    قوله: [حدثنا القعنبي ].

    هو عبد الله بن مسلمة القعنبي ، ثقة، أخرج له أصحاب الكتب الستة إلا ابن ماجة .

    [عن مالك ].

    مالك بن أنس إمام دار الهجرة، الإمام المشهور، وحديثه أخرجه أصحاب الكتب الستة.

    [عن يزيد بن رومان ].

    وهو ثقة، أخرج له أصحاب الكتب الستة.

    [ عن صالح بن خوات عمن صلى مع النبي صلى الله عليه وسلم].

    صالح مر ذكره.

    سبب اختيار الإمام مالك لرواية يزيد بن رومان عن خوات في صلاة الخوف

    قوله: [قال مالك : وحديث يزيد بن رومان أحب ما سمعت إلي].

    لأنه هو الذي فيه أن صلاة الطائفة الأولى كانت متصلة، وأنها فرغت من صلاتها وجاءت الطائفة الثانية وصلت مع النبي صلى الله عليه وسلم حين صار في الركعة الثانية، ثم أتمت الركعة الثانية بالنسبة لها وهو جالس للتشهد، ثم سلمت معه، فتكون هذه الهيئة هي أخف الصلوات من حيث الحركات والذهاب والإياب وما إلى ذلك، ولهذا رجحها بعض أهل العلم كالإمام مالك وغيره واختاروها لأنها أقل الهيئات حركات في الصلاة.

    شرح حديث سهل بن أبي حثمة في صفة صلاة الخوف من طريق أخرى

    قال المصنف رحمه الله تعالى: [حدثنا القعنبي عن مالك عن يحيى بن سعيد عن القاسم بن محمد عن صالح بن خوات الأنصاري أن سهل بن أبي حثمة الأنصاري رضي الله عنه حدثه: (أن صلاة الخوف أن يقوم الإمام وطائفة من أصحابه، وطائفة مواجهة العدو، فيركع الإمام ركعة ويسجد بالذين معه، ثم يقوم، فإذا استوى قائماً ثبت قائماً وأتموا لأنفسهم الركعة الباقية، ثم سلموا وانصرفوا والإمام قائم، فكانوا وجاه العدو، ثم يقبل الآخرون الذين لم يصلوا فيكبرون وراء الإمام فيركع بهم ويسجد بهم، ثم يسلم فيقومون فيركعون لأنفسهم الركعة الباقية، ثم يسلمون)]

    أورد أبو داود حديث سهل بن أبي حثمة من طريق أخرى، وفيه: أنه يصلي بالطائفة الأولى ركعة ويثبت قائماً، ويتمون لأنفسهم ويسلمون وينصرفون، ثم تأتي الطائفة الثانية فتصلي معه ركعة، ثم يسلم الإمام، وإذا سلم قاموا وقضوا الركعة التي بقيت عليهم وسلموا، فتكون مثل الطريقة السابقة التي قبلها إلا أن فيها أن الطائفة الثانية ما قضت الركعة الأولى الثانية لها إلا بعد سلام الإمام، وعلى هذا يكون اختلاف السلام بين الإمام والمأمومين جميعاً، فالطائفة الأولى سلمت والرسول صلى الله عليه وسلم قائم في الركعة الأولى، والطائفة الثانية سلمت بعد أن قضت الركعة الثانية وذلك بعد سلام الرسول صلى الله عليه وسلم.

    وهذه الطريق كيفيتها تتفق مع ما جاء في الطريق الأولى إلا أنها تختلف معها في الطائفة الثانية، والطريق الأولى هي التي مرت عن يزيد بن رومان، وفيها أن الطائفة الثانية تصلي الركعة الثانية والنبي صلى الله عليه وسلم جالس للتشهد، ثم يسلمون مع النبي صلى الله عليه وسلم، أما هذه الطريق ففيها أن الطائفة الثانية تقضي الركعة التي عليها بعد سلام الإمام، فتكون كأنها مسبوقة، ثم تأتي بالركعة الثانية بعد سلام الإمام ثم تسلم لنفسها، وبذلك يكون الاختلاف في السلام بين الإمام والمأمومين جميعاً.

    أما الحديث الأول فالاختلاف في السلام إنما هو بين الإمام وبين الطائفة الأولى التي سلمت ومشت، والطائفة الثانية سلمت معه.

    تراجم رجال إسناد حديث سهل بن أبي حثمة في صفة صلاة الخوف من طريق أخرى

    قوله: [حدثنا القعنبي عن مالك عن يحيى بن سعيد ].

    القعنبي ومالك مر ذكرهما.

    ويحيى بن سعيد الأنصاري المدني ، ثقة، أخرج له أصحاب الكتب الستة.

    [ عن القاسم بن محمد ].

    القاسم بن محمد مر ذكره.

    [ عن صالح بن خوات عن سهل بن أبي حثمة ].

    وقد مر ذكرهما.

    [ قال أبو داود : وأما رواية يحيى بن سعيد عن القاسم نحو رواية يزيد بن رومان إلا أنه خالفه في السلام ].

    يقول: إن رواية يحيى بن سعيد هذه الثانية متفقة مع رواية يزيد بن رومان إلا أنه خالفه في السلام كما مر.

    [ ورواية عبيد الله نحو رواية يحيى بن سعيد قال: ويثبت قائماً ]

    ورواية عبيد الله التي مرت في الباب الأول نحو رواية يحيى بن سعيد ، وهي ليست نحوها ولا تماثلها، قال: (ويثبت قائماً) ولكن ليس فيها أن الطائفة الأولى صلت بعد أن ثبت قائماً، فهي في الحقيقة ليست متفقة معها.

    1.   

    الكيفية الرابعة من كيفيات صلاة الخوف

    شرح حديث أبي هريرة في صفة صلاة الخوف

    قال المصنف رحمه الله تعالى: [ باب من قال: يكبرون جميعاً وإن كانوا مستدبري القبلة، ثم يصلي بمن معه ركعة ثم يأتون مصاف أصحابهم، ويجيء الآخرون فيركعون لأنفسهم ركعة، ثم يصلي بهم ركعة، ثم تقبل الطائفة التي كانت مقابل العدو فيصلون لأنفسهم ركعة والإمام قاعد، ثم يسلم بهم كلهم جميعاً.

    حدثنا الحسن بن علي حدثنا أبو عبد الرحمن المقري حدثنا حيوة وابن لهيعة قالا: أخبرنا أبو الأسود أنه سمع عروة بن الزبير يحدث عن مروان بن الحكم أنه سأل أبا هريرة رضي الله عنه (هل صليت مع رسول صلى الله عليه وسلم صلاة الخوف؟ قال أبو هريرة : نعم. قال مروان : متى؟ فقال أبو هريرة : عام غزوة نجد قام رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى صلاة العصر، فقامت معه طائفة، وطائفة أخرى مقابل العدو وظهورهم إلى القبلة، فكبر رسول الله صلى الله عليه وسلم فكبروا جميعا الذين معه والذين مقابل العدو، ثم ركع رسول الله صلى الله عليه وسلم ركعة واحدة وركعت الطائفة التي معه، ثم سجد فسجدت الطائفة التي تليه والآخرون قيام مقابلي العدو، ثم قام رسول الله صلى الله عليه وسلم وقامت الطائفة التي معه فذهبوا إلى العدو فقابلوهم، وأقبلت الطائفة التي كانت مقابلي العدو فركعوا وسجدوا ورسول الله صلى الله عليه وسلم قائم كما هو، ثم قاموا فركع رسول الله صلى الله عليه وسلم ركعة أخرى وركعوا معه، وسجد وسجدوا معه، ثم أقبلت الطائفة التي كانت مقابلي العدو فركعوا وسجدوا ورسول الله صلى الله عليه وسلم قاعد ومن كان معه، ثم كان السلام، وسلم رسول الله صلى الله عليه وسلم وسلموا جميعاً، فكان لرسول الله صلى الله عليه وسلم ركعتان ولكل رجل من الطائفتين ركعة ركعة) ].

    أورد أبو داود هذه الترجمة وهي أن الجيش يكون مجموعتين: مجموعة وجاه العدو، ومجموعة خلف الرسول صلى الله عليه وسلم، وأنه يدخل في الصلاة فيدخلون معه جميعاً، يكبر معه الذين كانوا مستقبلي القبلة وراءه والذين كانوا مستدبريها في وجاه العدو، فيدخلون في الصلاة جميعاً ويكبرون، ثم إن الرسول صلى الله عليه وسلم يصلي بالذين معه ركعة، وإذا فرغ منها وقام الذين معه ذهبوا إلى وجاه العدو، وجاء أولئك الذين كانوا مستدبري القبلة وصلوا لأنفسهم ركعة، والنبي صلى الله عليه وسلم قائم في الركعة الثانية، ثم صلوا مع النبي صلى الله عليه وسلم الركعة الثانية، وإذا جلس للتشهد جاءت الطائفة الأولى التي ذهبت وقد بقي عليها ركعة وصلت تلك الركعة والنبي صلى الله عليه وسلم جالس، ثم سلم بهم جميعاً، فهذه تشبه الطريقة الأولى التي مرت في حديث عبيد الله بن معاذ، لأن الطائفة الأولى في حديث أبي هريرة صلت مع النبي صلى الله عليه وسلم ركعة ثم انصرفت، ثم جاءت الطائفة الثانية وصلت لنفسها ركعة والنبي صلى الله عليه وسلم قائم، ولما جاءت للركعة الثانية صلتها مع الرسول صلى الله عليه وسلم، ولما جلس للتشهد جاءت الطائفة الأولى التي ذهبت وبقي عليها ركعة وصلت الركعة والنبي صلى الله عليه وسلم جالس، ثم سلم بهم جميعاً.

    وهذه الكيفية التي جاءت في حديث أبي هريرة قريبة من الكيفية التي جاءت في حديث سهل بن أبي حثمة التي مرت في الطريق الأولى التي فيها: أن الذين خلفهم صلوا ركعة ثانية ثم صلوا مع النبي صلى الله عليه وسلم الركعة الثانية، ثم جاء الذين تخلفوا وصلوا الركعة والنبي صلى الله عليه وسلم جالس، ثم سلم بهم صلى الله عليه وسلم، فتكون الطائفة الأولى دخلت في الصلاة، فصلت مع النبي صلى الله عليه وسلم ركعة ثم ذهبت وصلى النبي صلى الله عليه وسلم بالطائفة الثانية ركعة، ثم جاءوا وصلوا والنبي صلى الله عليه وسلم جالس، فتكون الطائفة الأولى لها الركعة الأولى ولها إتمام الركعة في حال التشهد.

    وقوله هنا: [ في غزوة نجد ] أي: في غزوة ذات الرقاع، وسميت بذات الرقاع؛ لأنهم احتاجوا إلى أن يلفوا على أرجلهم الخرق لتقيهم الأرض وما فيها من أحجار مؤذية، وقيل غير ذلك، وقد كانت قبل الحديبية وقبل خيبر، وقد قيل: إنها حصلت مرتين، فـأبو هريرة ما أسلم إلا بعد خيبر، فتكون غزوة ثانية إلى نجد.

    تراجم رجال إسناد حديث أبي هريرة في صفة صلاة الخوف

    قوله: [حدثنا الحسن بن علي ].

    الحسن بن علي الحلواني ، ثقة، أخرج له أصحاب الكتب الستة إلا النسائي .

    [ حدثنا أبو أبي عبد الرحمن المقري ].

    هو عبد الله بن يزيد المكي ، ثقة، أخرج له أصحاب الكتب الستة.

    [ حدثنا حيوة ].

    حيوة بن شريح المصري ، وهو ثقة، أخرج له أصحاب الكتب الستة.

    [ وابن لهيعة ].

    هو عبد الله بن لهيعة ، وهو صدوق، احترقت كتبه وساء حفظه، ولكنه هنا مقرون بشخص ثقة، أخرج له مسلم وأبو داود والترمذي وابن ماجة .

    [أنه سمع عروة بن الزبير ].

    عروة بن الزبير بن العوام ثقة فقيه، أحد فقهاء المدينة السبعة في عصر التابعين، أخرج له أصحاب الكتب الستة.

    [ عن مروان بن الحكم ].

    مروان بن الحكم احتج به البخاري ، قال عروة بن الزبير : مروان لا يتهم في الحديث، وحديثه أخرجه البخاري وأصحاب السنن.

    [ عن أبي هريرة ].

    أبو هريرة عبد الرحمن بن صخر الدوسي ، صاحب رسول الله صلى الله عليه وسلم، وأكثر الصحابة حديثاً على الإطلاق رضي الله عنه وأرضاه.

    شرح حديث أبي هريرة في صفة صلاة الخوف من طريق ثانية

    قال المصنف رحمه الله تعالى: [حدثنا محمد بن عمرو الرازي حدثنا سلمة حدثني محمد بن إسحاق عن محمد بن جعفر بن الزبير ومحمد بن الأسود عن عروة بن الزبير عن أبي هريرة رضي عنه أنه قال: (خرجنا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى نجد حتى إذا كنا بذات الرقاع من نخل لقي جمعاً من غطفان) فذكر معناه ولفظه على غير لفظ حيوة ، وقال فيه: حين ركع بمن معه وسجد قال: فلما قاموا مشوا القهقرى إلى مصاف أصحابهم ولم يذكر استدبار القبلة ].

    ثم أورد أبو داود رحمه الله حديث أبي هريرة من طريق أخرى، وهو مثل الذي قبله؛ إلا أنه قال: إن الذين كانوا في الصف الأول رجعوا القهقرى ولم يذكر استدبار القبلة، ولكن الحديث كما هو معلوم وارد في حال كون العدو في غير جهة القبلة.

    تراجم رجال إسناد حديث أبي هريرة في صفة صلاة الخوف من طريق ثانية

    قوله: [حدثنا محمد بن عمرو الرازي ].

    محمد بن عمرو الرازي ، ثقة أخرج له مسلم وأبو داود وابن ماجة .

    [ حدثنا سلمة ].

    هو سلمة بن الفضل ، وهو صدوق كثير الخطأ، أخرج له أبو داود والترمذي وابن ماجة في التفسير.

    [ حدثني محمد بن إسحاق ]

    محمد بن إسحاق المدني ، صدوق، أخرج حديثه البخاري تعليقاً ومسلم وأصحاب السنن.

    [ عن محمد بن جعفر بن الزبير ].

    محمد بن جعفر بن الزبير ، وهو ثقة، أخرج له أصحاب الكتب الستة.

    [ ومحمد بن الأسود ].

    إن كان محمداً أبا الأسود استقام، ويكون نفسه صاحب الطريق السابقة.

    [ عن عروة بن الزبير عن أبي هريرة ].

    عروة بن الزبير عن أبي هريرة وقد مر ذكرهما.

    قوله: [فذكر معناه ولفظه على غير لفظ حيوة وقال فيه: حين ركع بمن معه وسجد قال: فلما قاموا مشوا القهقرى..]

    يعني: الذين كانوا معه مشوا القهقرى إلى أن يكونوا وجاه العدو.

    شرح حديث عائشة في صفة صلاة الخوف

    [ قال أبو داود : وأما عبيد الله بن سعد فحدثنا قال: حدثنا عمي حدثنا أبي عن ابن إسحاق حدثني محمد بن جعفر بن الزبير أن عروة بن الزبير حدثه أن عائشة رضي الله عنها حدثته بهذه القصة، قالت: (كبر رسول الله صلى الله عليه وسلم وكبرت الطائفة الذين صفوا معه، ثم ركع فركعوا، ثم سجد فسجدوا، ثم رفع فرفعوا، ثم مكث رسول الله صلى الله عليه وسلم جالساً، ثم سجدوا هم لأنفسهم الثانية، ثم قاموا فنكصوا على أعقابهم يمشون القهقرى حتى قاموا من ورائهم، وجاءت الطائفة الأخرى فقاموا فكبروا، ثم ركعوا لأنفسهم، ثم سجد رسول الله صلى الله عليه وسلم فسجدوا معه، ثم قام رسول الله صلى الله عليه وسلم وسجدوا لأنفسهم الثانية، ثم قامت الطائفتان جميعاً فصلوا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم، فركع فركعوا، ثم سجد فسجدوا جميعاً، ثم عاد فسجد الثانية وسجدوا معه سريعاً كأسرع الإسراع جاهداً لا يألون سراعاً، ثم سلم رسول الله صلى الله عليه وسلم وسلموا، فقام رسول الله صلى الله عليه وسلم وقد شاركه الناس في الصلاة كلها) ].

    ثم أورد أبو داود حديث عائشة رضي الله عنها، وفيها صفة أخرى لصلاة الخوف، وذلك أن النبي صلى الله عليه وسلم جعل أصحابه صفين، طائفة صلت معه وطائفة وجاه العدو، فصلى بالذين معه فركع وركعوا، وسجد السجدة الأولى وسجدوا معه، ثم جلس وسجدوا السجدة الثانية لأنفسهم، ثم رجعوا القهقرى، وجاء الذين في مواجهة العدو وصلوا لأنفسهم ركعة، ولما وصلوا إلى السجود سجد النبي صلى الله عليه وسلم فسجدوا معه السجدة الثانية، هو يسجد الثانية وهم يسجدون الأولى، ثم بعد ذلك سجدوا لأنفسهم بعد أن سجد رسول الله صلى الله عليه وسلم، ثم جاءت الطائفة الأولى التي ذهبت وصلوا جميعاً مع الرسول صلى الله عليه وسلم الركعة الثانية بسرعة مخففين لها وسلم بهم صلى الله عليه وسلم.

    فإذاً تكون الطائفة الأولى أدركت معه الركعة كلها إلا السجدة الثانية، والطائفة الثانية أدركت من الركعة الأولى السجدة الثانية، والطائفتان أدركتا الركعة الثانية بكمالها، ولكنه صلى الركعة الثانية بتخفيف، فهذه هي الكيفية التي جاءت في هذا الحديث.

    تراجم رجال إسناد حديث عائشة في صفة صلاة الخوف

    [قال أبو داود : وأما عبيد الله بن سعد فحدثنا].

    معناه: أن الحديث جاء عن عائشة وجاء عن أبي هريرة ، وحديثه هو من نفس الطريق التي جاءت عن عروة وعن محمد بن جعفر ، وبين الصلاتين فرق شاسع.

    وعبيد الله بن سعد هو عبيد الله بن سعد بن إبراهيم ، وهو ثقة، أخرج حديثه البخاري وأبو داود والترمذي والنسائي .

    [حدثنا عمي].

    عمه يعقوب بن إبراهيم ، وهو ثقة، أخرج له أصحاب الكتب الستة.

    [حدثنا أبي].

    أبوه إبراهيم بن سعد ، وهو ثقة، أخرج له أصحاب الكتب الستة.

    [ عن ابن إسحاق حدثني محمد بن جعفر أن عروة بن الزبير حدثه أن عائشة ].

    وقد مر ذكرهم، وأما عائشة فهي أم المؤمنين، الصديقة بنت الصديق رضي الله عنها وأرضاها، وهي واحدة من سبعة أشخاص عرفوا بكثرة الحديث عن النبي صلى الله عليه وسلم.

    1.   

    الأسئلة

    حكم صلاة الفريضة على القطار والطائرة والباخرة

    السؤال: هل من الضرورة في صلاة الفريضة كون الإنسان يسافر في القطار وهو لا يتوقف، وليس بإرادة الراكب, وقد يخرج الوقت وهو لا زال في القطار؟

    الجواب: نعم، الطائرة والقطار والباخرة وغيرها من الوسائل إذا جاء الوقت والمرء راكب عليها فلا يؤخر الصلاة عن وقتها، وإذا كان المكان فيه متسع لأن يصلي مستقبل القبلة ويركع ويسجد فإنه يفعل؛ لأن صلاة الباخرة بإجماع العلماء سائغة، وكذلك مثلها هذه الوسائل التي قد يحصل خروج الوقت قبل توقفها، كالطائرة فإنها لا تنزل إلا بعد خروج الوقت، فالإنسان يصلي على حسب حاله، إذا كان يجد متسعاً لأن يركع ويسجد، وإن لم يجد متسعاً فإنه يصلي على حسب حاله، يقف ويكون مستقبل القبلة، ويصلي بالإيماء، أو إذا كانت مقاعد الطائرة متجهة إلى القبلة يصلي وهو جالس، وإذا كانت متجهة إلى غير القبلة فإنه يقف ويستقبل القبلة ويصلي بالإيماء ويكون السجود أخفض من الركوع، ولكن إذا وجد مكاناً يصلي فيه يركع ويسجد لم يجز له أن يعدل عن ذلك إلى غيره.

    حكم قراءة المؤتم للفاتحة قبل الإمام

    السؤال: قراءة المأموم الفاتحة قبل الإمام هل يترتب عليها شيء سواء قرأها متعمداً أو ساهياً؟

    الجواب: لا بأس أن يقرأ الفاتحة قبل الإمام.

    حكم الترتيب في كفارة اليمين

    السؤال: من حلف يميناً ثم حنث فما هي كفارته حسب الأولوية؟

    الجواب: الكفارة هي عتق رقبة أو إطعام عشرة مساكين أو كسوتهم، فهو مخير بين هذه الأمور، فإن عجز عنه انتقل إلى صيام ثلاثة أيام، كما جاء ذلك مبيناً في سورة المائدة.

    حكم الاضطجاع على البطن

    السؤال: هل هناك حديث صحيح يدل على النهي عن الاضطجاع على البطن؟

    الجواب: نعم، ورد حديث صحيح يدل على ذلك.

    فضل التنفل في الحرمين

    السؤال: ذكرتم بارك الله فيكم أن التنفل في الحرمين غنيمة وفضل، وقد استذكر بعض الإخوان فقال: كيف والنبي صلى الله عليه وسلم يقول: (صلاة المرء في بيته أفضل إلا المكتوبة

    الجواب: معلوم أن الإنسان إذا جاء إلى الحرمين وصار في المسجد ولا سيما إذا دخل الروضة فإنه يصلي، ومعلوم أنه ليس ممنوعاً من الصيام أو الصلاة فله أن يصلي في الحرم وله أن يصلي في البيت، وكونه يصلي في المسجد وينتهز هذه الفرصة لا بأس بذلك، وإن صلى في البيت يحصل له أجر إن شاء الله.

    ما يدرك به المأموم الركوع

    السؤال: إذا كبر المأموم وركع وقبل أن يطمئن راكعاً رفع الإمام، هل يكون قد أدرك الركعة؟

    الجواب: لا يعتبر مدركاً للركعة حتى يكون مطمئناً في ركوعه قبل أن يسمع صوت الإمام يقول: سمع الله لمن حمده، وإلا فاته الركوع.

    حكم شرب المداد الذي كتب به القرآن الكريم

    السؤال: نحن في بلد نقرأ القرآن الكريم على لوح ونغسل هذا اللوح ونشرب الماء الذي غسلناه، فهل يجوز هذا الفعل؟

    الجواب: من المعروف أن الكتابة تكون بمواد ليست مستساغة مثل الطباشير والأشياء الأخرى التي ليس لشربها وجه لاسيما إذا كان مضراً.

    وقضية الكتابة والشرب بعض أهل العلم قال: إن الإنسان يمكن له أن يكتب القرآن في مداد مثل الزعفران وما إلى ذلك، ويشربه ويكون شبيهاً بالرقية أو مثل الرقية، هكذا قال بعض أهل العلم؛ لكن الأولى للإنسان أن لا يفعله، وإنما يفعل الرقية المشروعة التي ثبتت عن رسول الله صلى الله عليه وسلم.