إسلام ويب

شرح سنن أبي داود [149]للشيخ : عبد المحسن العباد

  •  التفريغ النصي الكامل
  • من رحمة الله بعباده المؤمنين أن فرض عليهم الصلاة في الحضر أربعاً دون جمع أو قصر، وخففها عنهم في السفر مراعاة لأحوال المسافر، فجاز للمسافر أن يقصر الصلاة الرباعية إلى ركعتين، وأن يجمع بين الظهر والعصر وبين المغرب والعشاء، وهذه صدقة تصدق الله بها علينا، فلنقبل صدقة الله سبحانه وتعالى.

    1.   

    صلاة المسافر

    شرح حديث (فرضت الصلاة ركعتين ركعتين..)

    قال المصنف رحمه الله تعالى: [ تفريع أبواب صلاة السفر. باب صلاة المسافر.

    حدثنا القعنبي عن مالك عن صالح بن كيسان عن عروة بن الزبير عن عائشة رضي الله عنها قالت: (فرضت الصلاة ركعتين ركعتين في الحضر والسفر، فأقرت صلاة السفر وزيد في صلاة الحضر) ].

    تراجم رجال إسناد حديث (فرضت الصلاة ركعتين ركعتين..)

    قوله: [ حدثنا القعنبي ].

    القعنبي هو: عبد الله بن مسلمة بن قعنب القعنبي ، ثقة، أخرج له أصحاب الكتب الستة إلا ابن ماجة.

    [ عن مالك ].

    هو مالك بن أنس ، إمام دار الهجرة، الإمام المشهور أحد أصحاب المذاهب الأربعة من مذاهب أهل السنة، وأخرج له أصحاب الكتب الستة.

    [ عن صالح بن كيسان ].

    صالح بن كيسان ثقة، أخرج له أصحاب الكتب الستة.

    [ عن عروة بن الزبير ].

    هو عروة بن الزبير بن العوام ، ثقة فقيه، أحد فقهاء المدينة السبعة في عصر التابعين، أخرج له أصحاب الكتب الستة.

    [ عن عائشة ].

    هي أم المؤمنين رضي الله عنها وأرضاها، الصديقة بنت الصديق، وهي أحد سبعة أشخاص عرفوا بكثرة الحديث عن النبي صلى الله عليه وسلم.

    شرح حديث (صدقة تصدق الله بها عليكم..)

    قال المصنف رحمه الله: [ حدثنا أحمد بن حنبل ومسدد قالا: حدثنا يحيى عن ابن جريج، ح: وحدثنا خشيش -يعني ابن أصرم - حدثنا عبد الرزاق عن ابن جريج قال: حدثني عبد الرحمن بن عبد الله بن أبي عمار عن عبد الله بن بابيه عن يعلى بن أمية رضي الله عنه قال: قلت لـعمر بن الخطاب رضي الله عنه: أرأيت إقصار الناس الصلاة وإنما قال تعالى: إِنْ خِفْتُمْ أَنْ يَفْتِنَكُمُ الَّذِينَ كَفَرُوا [النساء:101]، فقد ذهب ذلك اليوم؟! فقال: عجبت مما عجبت منه، فذكرت ذلك لرسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: (صدقة تصدق الله بها عليكم، فاقبلوا صدقته) ].

    أورد أبو داود حديث عمر بن الخطاب رضي الله عنه الذي فيه أن يعلى بن أمية رضي الله عنه قال لـعمر: كيف القصر وقد أمنا والله تعالى علق ذلك بالخوف؟ فكيف ذلك وقد ذهب الخوف والناس يقصرون في حال الأمان؟ فقال عمر رضي الله عنه: [عجبت مما عجبت منه] يعني: هذا الذي حصل لك حصل لي، وسألت عنه رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: (صدقة تصدق الله بها عليكم، فاقبلوا صدقته)، يعني: فاقصروا، ويكون ما جاء من ذكر الخوف في الآية محمولاً على الغالب أو جرى مجرى الغالب، وليس المقصود به القصر عليه وحده، هذا هو الذي يفهم من هذا الحديث؛ لأنه أتى به للدلالة على أن الآية إنما هي في قصر العدد والكمية وأنه بدل أن تكون الصلاة أربعاً تكون ثنتين.

    وهذا هو الذي جاء في هذا الحديث عن عمر رضي الله عنه، وبعض أهل العلم قال: إن القصر الذي في الآية إنما هو قصر الكيفية، وهو خاص في حال الخوف، وذلك بأن تصلى على هيئة معينة، وعلى حالة مخصوصة، وعلى صفات معينة كما سيأتي في صلاة الخوف.

    وكذلك -أيضاً- في كونها في حال شدة الخوف والقتال يصلي الناس على حسب أحوالهم راجلين وراكبين مستقبلي القبلة وغير مستقبليها، فالصلاة تصلى في وقتها ولا تؤخر، ولكن قالوا: هذا قصر للكيفية، وليس قصراً للكمية، وقصر الكمية إنما ثبت في السنة ولم يثبت في القرآن، وإنما الذي جاء في القرآن هو قصر الكيفية، لكن هذا الذي جاء عن عمر رضي الله عنه في هذا الحديث دليل على أنه قصر للكمية، وأن ذكر الخوف في الآية إنما جرى مجرى الغالب، وليس الأمر مقصوراً عليه، وبعض أهل العلم -كما ذكرت- يقول: إن الآية إنما هي في قصر الكيفية وليست في قصر الكمية، والقصر في الكمية إنما جاء في السنة عن رسول الله صلى الله عليه وسلم في الأحاديث الكثيرة التي جاءت من قوله وفعله عليه الصلاة والسلام، حيث كان يقصر، وحيث كان يأتي عنه ذكر القصر، كما جاء في حديث ابن عباس : (فرضت صلاة السفر ركعتين، والحضر أربعاً، والجمعة ركعتين) يعني: تماماً غير قصر، فيكون إثبات قصر الكمية إنما جاء في السنة، وعلى كل فالآية اختلف فيها، والذي جاء في حديث عمر يدل على أنها كما تدل على قصر الكيفية تدل على قصر الكمية كذلك.

    تراجم رجال إسناد حديث (صدقة تصدق الله بها عليكم..)

    قوله: [ حدثنا أحمد بن حنبل ].

    هو أحمد بن محمد بن حنبل الشيباني الإمام المشهور، أحد أصحاب المذاهب الأربعة المشهورة من مذاهب أهل السنة، وحديثه أخرجه أصحاب الكتب الستة.

    [ ومسدد ].

    مسدد هو: ابن مسرهد البصري ، ثقة، أخرج حديثه البخاري وأبو داود والترمذي والنسائي .

    [ قالا: حدثنا يحيى ].

    هو يحيى بن سعيد القطان البصري ، ثقة، أخرج له أصحاب الكتب الستة.

    [ عن ابن جريج ].

    ابن جريج : عبد الملك بن عبد العزيز بن جريج المكي ، ثقة، أخرج له أصحاب الكتب الستة.

    [ ح وحدثنا خشيش -يعني: ابن أصرم - ].

    خشيش بن أصرم هو أبو عاصم ، وهو ثقة، أخرج له أبو داود والنسائي .

    [ حدثنا عبد الرزاق ].

    هو عبد الرزاق بن همام الصنعاني اليماني ، وهو ثقة، أخرج له أصحاب الكتب الستة.

    [ عن ابن جريج قال: حدثني عبد الرحمن بن عبد الله بن أبي عمار ].

    ابن جريج مر ذكره، وعبد الرحمن بن عبد الله بن أبي عمار ثقة، أخرج حديثه مسلم وأصحاب السنن.

    [ عن عبد الله بن بابيه ].

    عبد الله بن بابيه -ويقال: ابن باباه - ثقة، أخرج له مسلم وأصحاب السنن.

    [ عن يعلى بن أمية ].

    يعلى بن أمية رضي الله عنه هو صحابي، أخرج حديثه أصحاب الكتب الستة.

    [ عن عمر بن الخطاب ].

    هو عمر بن الخطاب رضي الله تعالى عنه وأرضاه، أمير المؤمنين، وثاني الخلفاء الراشدين الهادين المهديين، صاحب المناقب الجمة والفضائل الكثيرة رضي الله عنه وأرضاه، وحديثه عند أصحاب الكتب الستة.

    منزلة السنة من القرآن

    لاشك في أن السنة مستقلة، ولا يمكن أن يستغنى بالقرآن عن السنة، ومن آمن بالقرآن ولم يؤمن بالسنة فهو كافر بالقرآن والسنة؛ لأن السنة هي وحي من الله عز وجل، والله تعالى يقول: وَمَا يَنْطِقُ عَنِ الْهَوَى * إِنْ هُوَ إِلَّا وَحْيٌ يُوحَى [النجم:3-4].

    وهناك أمور معلومة من دين الإسلام بالضرورة، وما علمت إلا عن طريق السنة، ومن ذلك أعداد الصلوات، فليس في القرآن أعداد الصلوات بكون الظهر أربع ركعات، والعصر أربع ركعات، والمغرب ثلاث، والعشاء أربع، والفجر ثنتين، فهذا لا يوجد في القرآن وإنما هو موجود في السنة.

    فالذي يقول: إنه يؤمن بالقرآن ولا يؤمن بالسنة كيف يصلي؟ وما هي الكيفية التي سيصلي بها في الصلوات الخمس المفروضة التي فرضها الله على العباد؟

    إن هذا لا يوجد إلا في السنة، ولهذا فالسنة حجة قائمة بنفسها، وهي شقيقة القرآن، وكلها من الله عز وجل، كما قال عز وجل: وَمَا يَنْطِقُ عَنِ الْهَوَى * إِنْ هُوَ إِلَّا وَحْيٌ يُوحَى [النجم:3-4].

    فليست من عند رسول الله عليه الصلاة والسلام، وإنما هي من عند الله، والذي أوحي إلى الرسول صلى الله عليه وسلم القرآن والسنة، إلا أن القرآن متعبد بتلاوته والعمل به، والسنة متعبد بالعمل بها ولم يتعبد بتلاوتها كما يتعبد بتلاوة القرآن، ومن حيث العمل كل منهما يجب العمل به، وهي شقيقة القرآن، ومن أنكر السنة فقد أنكر القرآن وكذب به، ولا سبيل إلى تنفيذ القرآن إلا عن طريق معرفة السنة.

    والاستغناء بالقرآن عن السنة يؤدي إلى عدم الإتيان بالأمور الواجبة، فكيف يزكي الإنسان الزكاة؟ إذ ما عرفت مقاديرها وأنصبتها ومقدار ما يزكى إلا بالسنة، وهكذا الحج وتفاصيله وما إلى ذلك لا يعرف إلا بالسنة.

    ولا تعرف كيفية الصلاة إلا عن طريق السنة، بل أعداد الركعات لا تعرف إلا بالسنة، وليست في القرآن، ولكن الصحابي في هذا الحديث فهم أن الآية جاء فيها التقييد بالخوف والناس يقصرون مع وجود الأمن، فـعمر رضي الله عنه سأل الرسول صلى الله عليه وسلم وقال: إنها رخصة، يعني: ثبت بالسنة أن الناس يقصرون في حال الأمن كما يقصرون في حال الخوف، والقصر الذي جاء في القرآن محتمل لقصر العدد ولقصر الكيفية، والكيفية واضح القصر فيها بلا إشكال؛ لأن الآية إنما جاءت في الخوف، والآية التي بعدها في صيغة صلاة الخوف، وأن الخوف يصلى على هيئات معينة حيث خفف الله عز وجل عن الناس في الخوف، وكذلك -أيضاً- في حال شدة القتال فإن الناس يصلون ركباناً وراجلين، مستقبلي القبلة وغير مستقبليها، يومئون إيماءً، ولا يؤخرون الصلوات عن أوقاتها، فالسنة -كما هو معلوم- هي شقيقة القرآن ولا يستغنى عنها، ومن أنكر السنة فقد أنكر القرآن وكفر بالقرآن ولا يعتبر مسلماً.

    وقد ألف في ذلك العلماء، وممن ألف في ذلك السيوطي رسالة قيمة أسماها: (مفتاح الجنة في الاحتجاج بالسنة) وأتى بنقول كثيرة كلها تدل على حجية السنة، وعلى أنها مستقلة في بيان الأحكام، وأن القول بأنه لا يعول عليها وإنما يعول على القرآن قول في غاية السوء، ووصفه بأوصاف ذميمة في غاية السوء.

    إسناد آخر لحديث: (صدقة تصدق بها عليكم...) وتراجم رجاله

    قال المصنف رحمه الله: [ حدثنا أحمد بن حنبل حدثنا عبد الرزاق ومحمد بن بكر قالا: أخبرنا ابن جريج قال: سمعت عبد الله بن أبي عمار يحدث، فذكر نحوه، قال أبو داود : رواه أبو عاصم وحماد بن مسعدة كما رواه ابن بكر ].

    أورد الحديث من طريق أخرى، وأحال إلى الطريق السابقة فقال: (نحوه) يعني أنه نحوه في المعنى وليس متفقاً معه في الألفاظ؛ لأن كلمة (مثله) تعني المماثلة في اللفظ والمعنى، وكلمة (نحوه) تعني المماثلة والاتفاق في المعنى مع الاختلاف في الألفاظ.

    قوله: [ حدثنا أحمد بن حنبل حدثنا عبد الرزاق ].

    مر ذكرهما.

    [ ومحمد بن بكر ].

    محمد بن بكر صدوق قد يخطئ، أخرج له أصحاب الكتب الستة.

    [ قالا: أخبرنا ابن جريج قال: سمعت عبد الله بن أبي عمار ].

    ابن جريج وعبد الله بن أبي عمار مر ذكرهما، وهو مذكور هنا عبد الله بن أبي عمار ، وصوابه الأول عبد الرحمن بن عبد الله بن أبي عمار كما قال الحافظ .

    [ قال: أبو داود رواه أبو عاصم وحماد بن مسعدة كما رواه ابن بكر ].

    أبو عاصم وهو: الضحاك بن مخلد النبيل ، ثقة، أخرج له أصحاب الكتب الستة.

    [ وحماد بن مسعدة ].

    حماد بن مسعدة ، ثقة، أخرج له أصحاب الكتب الستة.

    [ كما رواه ابن بكر ].

    أي: في الطريق السابقة، مع أن ابن بكر روى معه أيضاً عبد الرزاق ، لكن لعل المصنف ذكر روايته وساق اللفظ عليه أو ساق الحديث على لفظه. وهو في شيوخ شيوخه.

    1.   

    متى يقصر المسافر

    شرح حديث (كان رسول الله إذا خرج مسيرة ثلاثة أميال أو ثلاثة فراسخ...)

    قال المصنف رحمه الله: [ باب متى يقصر المسافر؟

    حدثنا محمد بن بشار حدثنا محمد بن جعفر حدثنا شعبة عن يحيى بن يزيد الهنائي قال: سألت أنس بن مالك رضي الله عنه عن قصر الصلاة فقال أنس : (كان رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا خرج مسيرة ثلاثة أميال أو ثلاثة فراسخ -شعبة شك- يصلي ركعتين) ].

    أورد أبو داود رحمه الله هذه الترجمة [باب متى يقصر المسافر؟] وهذه الترجمة يدخل تحتها ما هو السفر الذي إذا سافره يقصر فيه المسافر، وأيضاً متى يبدأ المسافر في القصر إذا سافر؟

    فأورد حديث أنس بن مالك رضي الله عنه الذي فيه أن النبي صلى الله عليه وسلم كان إذا سافر مسيرة ثلاثة أميال أو ثلاثة فراسخ -شك شعبة - صلى ركعتين.

    وفسر هذا الحديث بأن المقصود منه مسافة السفر، وأنه إذا سافر هذا المقدار كان يقصر عليه الصلاة والسلام.

    ومن أهل العلم من فسر ذلك بأن المقصود: إذا سافر هذه المسافة فإنه يبدأ بالقصر؛ لأنه لم يكن يخرج بعدما يدخل الوقت، ولكنه بعد ما يصلي يسافر، فيمضي مدة قبل أن تأتي الصلاة الأخرى، فيكون البدء بعد مضي هذه المدة، لكن سيأتي في الحديث الذي بعد هذا أن النبي صلى الله عليه وسلم بدأ القصر بذي الحليفة، وذو الحليفة مكان قريب من المدينة، فلما سافر إلى مكة في حجة الوداع صلى الظهر في مسجده صلى الله عليه وسلم، ثم خرج وصلى العصر في ذي الحليفة ركعتين، فقالوا: إن المقصود بقوله: [ثلاثة فراسخ أو ثلاثة أميال] مسافة السفر، وليس المقصود به أنه لا يقصر إلا بعد أن يمشي ثلاثة فراسخ؛ لأنه صلى الله عليه وسلم قصر بعد أن وصل إلى ذي الحليفة، وهو مكان قريب من المدينة لا يقصر الإنسان إذا ذهب إليه، ولكنه يبدأ القصر منه؛ لأن الذهاب إليه ليست مسافة قصر، لكنه بدأ بالقصر منه لأنه خارج البنيان.

    وقد اختلف أهل العلم في مسافة القصر، فمنهم من قال: ثلاث مراحل. يعني: مسيرة ثلاث ليال، ومنهم من قال: مرحلتان. يعني: مسيرة يومين قاصدين، وهذا قد جاء عن بعض الصحابة، فقد سئل عن القصر في الذهاب إلى عرفة فقال: لا، ولكن إذا ذهب إلى الطائف أو إلى جدة أو إلى عسفان فإنه يقصر، قالوا: وهذا مقداره مسافة اليومين القاصدين، أي: مسافة مرحلتين، ومنهم من قال بهذا المقدار الذي جاء في هذا الحديث، أي: ثلاثة فراسخ أو ثلاثة أميال، ومنهم من قال: أقل من ذلك، ومنهم من أناط الحكم بالسفر، وما يعتبر سفراً في العرف فإنه يحصل به قصر الصلاة، ولم يأت عن رسول الله صلى الله عليه وسلم تحديد أنه لا يقصر إلا في المسافة الفلانية، وأن من سافر هذا المقدار فهو الحد الفاصل، وقيل: يرجع إلى العرف، فما كان يعتبر سفراً بالعرف فهو الذي تناط وتعلق به الأحكام التي هي القصر والجمع والفطر، وكذلك لزوم المحرم بالنسبة للمرأة في السفر.

    ومن المعلوم أن هذه الأقوال مختلفة، ولكن الاحتياط في الدين أمر مطلوب، ولا يصلح أن يقصر لمسافات قصيرة وقليلة؛ لأن الإنسان إذا صار إلى ذلك، وليس هناك تحديد ثابت يكون قد فرط، والاحتياط هو في كون القصر في السفر في مثل السفر بين مكة إلى الطائف أو إلى عسفان أو إلى جدة وما إلى ذلك، فهذا هو الذي يسمى سفراً، أما المسافات القصيرة فلا ينبغي القصر فيها، وعلى الإنسان أن يحتاط لدينه، ولا يأخذ بالشيء الذي فيه إشكال وليس فيه شيء واضح يدل عليه.

    تراجم رجال إسناد حديث: (كان رسول الله إذا خرج مسيرة ثلاثة أميال أو ثلاثة فراسخ...)

    قوله: [ حدثنا محمد بن بشار ].

    هو محمد بن بشار الملقب بندار البصري ، ثقة، أخرج له أصحاب الكتب الستة، بل هو شيخ لأصحاب الكتب الستة.

    [ حدثنا محمد بن جعفر ].

    هو محمد بن جعفر الملقب بـغندر ، ثقة، أخرج له أصحاب الكتب الستة.

    [ حدثنا شعبة ].

    هو شعبة بن الحجاج الواسطي ثم البصري، ثقة، أخرج له أصحاب الكتب الستة.

    [ عن يحيى بن يزيد الهنائي ].

    يحيى بن يزيد الهنائي مقبول، أخرج حديثه مسلم وأبو داود .

    [ سألت أنس بن مالك ].

    أنس بن مالك رضي الله عنه صاحب رسول الله صلى الله عليه وسلم، وأحد السبعة المعروفين بكثرة الحديث عن النبي صلى الله عليه وسلم، والحديث فيه ذكر الفراسخ والأميال، والشك من شعبة أحد رواة الحديث، والفرسخ ثلاثة أميال، والثلاثة الفراسخ تسعة أميال.

    والميل الآن يعتبر أكثر من الكيلو، لكن لا أدري كم مسافته بالضبط.

    شرح حديث (صليت مع رسول الله الظهر بالمدينة أربعاً...)

    قال المصنف رحمه الله: [ حدثنا زهير بن حرب حدثنا ابن عيينة عن محمد بن المنكدر وإبراهيم بن ميسرة سمعا أنس بن مالك رضي الله عنه يقول: (صليت مع رسول الله صلى الله عليه وسلم الظهر بالمدينة أربعاً والعصر بذي الحليفة ركعتين) ].

    أورد أبو داود حديث أنس بن مالك رضي الله عنه، وأنه صلى مع الرسول صلى الله عليه وسلم الظهر بالمدينة في مسجده صلى الله عليه وسلم أربعاً، وصلى العصر بذي الحليفة ركعتين؛ لأنه مسافر إلى مكة في حجة الوداع، صلى في هذا المسجد أربع ركعات الظهر، ومشى بعد الظهر فصلى العصر بذي الحليفة ركعتين قصراً، فهذا يدلنا على أن البدء بالقصر إنما يكون عند الخروج من البلد، فيبدأ المسافر بالأخذ برخص السفر، ومادام في البلد فإنه لا يترخص؛ لأنه لا يقال له: مسافر حتى يخرج من البلد.

    وكون الرسول صلى الله عليه وسلم قصر بذي الحليفة -وهي خارج المدينة- يدلنا على أن القصر إنما يكون إذا فارق الإنسان بلده الذي هو فيه وبدأ بالسفر، فإنه بذلك يحصل له الأخذ بأحكام السفر كالقصر والجمع والفطر وما يتعلق بذلك.

    وإذا وصل العمران إلى ذي الحليفة فإنها تكون من المدينة فلا يقصر بها وإنما يقصر بعدما يتجاوز الإنسان العمران كله، فإذا وصل البنيان واتصل إلى منطقة ذي الحليفة صارت ذو الحليفة من المدينة، ومن المعلوم أن المدينة غير الحرم، فالحرم لا يزيد والمدينة يمكن أن تزيد، فالحرم محدد ومقدر وهو لا يزيد، وأما المدينة فيمكن أن تزيد وتخرج عن الحرم ويصير جزء منها خارج الحرم، فإذا وصل البنيان إلى أبيار علي وإلى ذي الحليفة فلا يجوز القصر بها، بل إذا تجاوز البنيان كله.

    تراجم رجال إسناد حديث (صليت مع رسول الله الظهر بالمدينة أربعاً...)

    قوله: [ حدثنا زهير بن حرب ].

    هو زهير بن حرب أبو خيثمة ، ثقة، أخرج له أصحاب الكتب الستة إلا الترمذي .

    [ حدثنا ابن عيينة ].

    ابن عيينة هو: سفيان بن عيينة المكي ، ثقة، أخرج له أصحاب الكتب الستة.

    [ عن محمد بن المنكدر ].

    محمد بن المنكدر ثقة، أخرج له أصحاب الكتب الستة.

    [ وإبراهيم بن ميسرة ].

    إبراهيم بن ميسرة ثقة، أخرج له أصحاب الكتب الستة.

    [ سمعا أنس بن مالك ].

    أنس رضي الله عنه قد مر ذكره.

    حكم الجمع أو القصر في مطار المدينة المنورة

    مطار المدينة يعتبر اليوم خارج المدينة وليس في المدينة؛ لأن البنيان ما وصل إليه، وإذا كان السفر محققاً ولا إشكال فيه فيمكن للإنسان أن يقصر، لكن المشكلة أن السفر في الطائرة يمكن أنه يتأخر فيرجع المسافر؛ لأن السفر لا يكون محققاً مثل كون الإنسان يسافر بدابته أو بسيارته؛ لأن هذا أمر يرجع إليه، وأما الطائرة فأمرها يرجع إلى غيره، فالقصر يجوز، أقول: ما دام أن الإنسان خارج البلد والمطار خارج البلد فلا بأس بالقصر، والمطار الآن خارج المدينة والبنيان ما وصل إليه.

    وإذا أراد المسافر السفر ودخل وقت الظهر وهو في المدينة فله أن يخرج ويجمع خارج المدينة.

    ولو أذن المؤذن فذلك لا يضر؛ لأنه سافر بعد الأذان، ووجد منه السفر بعد الأذان، فليس من شرط السفر أن يكون قبل الأذان، وأنه لا تجري عليه الأحكام إلا إذا كان قبل الأذان، فالإنسان إذا وجد منه السفر ولو كان بعد الأذان فإنه تجري عليه أحكام السفر.

    1.   

    الأذان في السفر

    شرح حديث (يعجب ربكم من راعي غنم في رأس شظية..)

    قال المصنف رحمه الله: [ باب: الأذان في السفر.

    حدثنا هارون بن معروف حدثنا ابن وهب عن عمرو بن الحارث أن أبا عشانة المعافري حدثه عن عقبة بن عامر رضي الله عنه قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: (يعجب ربكم من راعي غنم في رأس شظية بجبل يؤذن بالصلاة ويصلي، فيقول الله عز وجل: انظروا إلى عبدي هذا يؤذن ويقيم الصلاة يخاف مني، قد غفرت لعبدي وأدخلته الجنة) ].

    أورد أبو داود رحمه الله هذه الترجمة، وهي: [الأذان في السفر] كما يكون في الحضر، والإنسان المسافر يؤذن، سواءٌ أكان في جماعة أم كان لوحده، ولذلك إذا أذن يحصل بأذانه ذكر الله، ويحصل بأذانه كونه لا يسمعه شيء إلا شهد له، وكذلك -أيضاً- يمكن أنه يسمعه أحدٌ من الناس فيعرف دخول الوقت بهذا الأذان، ويمكن أن يأتي إليه ويصلي معه، كل ذلك من فوائد حصول الأذان في السفر.

    فالمسافر يؤذن ويقيم، سواءٌ أكان في جماعة أم كان واحداً.

    وقد أورد أبو داود ، حديث عقبة بن عامر رضي الله تعالى عنه الذي يدل على أذان الفرد إذا كان وحده في السفر، فإنه يؤذن ويصلي.

    قوله: [ (يعجب ربكم من راعي غنم في رأس شظية بجبل) ].

    الشظية: قطعة من الجبل أو جزء منه أو ناحية من الجبل.

    قوله: [ (يؤذن بالصلاة ويصلي) ].

    يعني: يؤذن ويحصل منه الأذان والإقامة، وتحصل منه الصلاة.

    قوله: [ (فيقول الله عز وجل: انظروا إلى عبدي هذا يؤذن ويقيم الصلاة، يخاف مني، قد غفرت لعبدي وأدخلته الجنة) ].

    هذا يدلنا على فضل هذه الأعمال في السفر، فالصلاة لا بد منها، والأذان كذلك، حيث يشرع للإنسان المسافر أن يؤذن ولو كان وحده، وهذا الأجر مركب على مجموع هذه الأمور، وكون الإنسان يؤذن ويقيم الصلاة يدل على أنه يخاف الله عز وجل، فالله تعالى يغفر له ذنوبه ويدخله الجنة جزاءً على ذلك العمل الصالح الذي عمله.

    وفي الحديث إثبات صفة العجب لله عز وجل، وقد جاء ذلك في القرآن في إحدى القراءتين لقوله تعالى: بَلْ عَجِبْتَ وَيَسْخَرُونَ [الصافات:12] ، لأنه على قراءة (بل عجبتُ)، تكون من آيات الصفات، وعلى قراءة: بَلْ عَجِبْتَ لا تكون تكون آية صفة، فالعجب صفة ثابتة لله عز وجل في القرآن في إحدى القراءات المتواترة.

    وكذلك -أيضاً- جاء في سنة رسول الله صلى الله عليه وسلم في أحاديث عديدة، منها هذا الحديث عن رسول الله صلوات الله وسلامه وبركاته عليه.

    تراجم رجال إسناد حديث (يعجب ربكم من راعي غنم في رأس شظية..)

    قوله: [ حدثنا هارون بن معروف ].

    هارون بن معروف ثقة، أخرج له البخاري ومسلم وأبو داود .

    [ حدثنا ابن وهب ].

    ابن وهب هو: عبد الله بن وهب المصري ، ثقة، أخرج له أصحاب الكتب الستة.

    [ عن عمرو بن الحارث ].

    هو عمرو بن الحارث المصري ، ثقة، أخرج له أصحاب الكتب الستة.

    [ أن أبا عشانة المعافري حدثه ].

    أبو عشانة المعافري هو: حي بن يؤمن المصري ، ثقة، أخرج البخاري في الأدب المفرد وأبو داود والنسائي وابن ماجة .

    [ عن عقبة بن عامر ].

    عقبة بن عامر رضي الله عنه صاحب رسول الله صلى الله عليه وسلم، وحديثه أخرجه أصحاب الكتب الستة.

    1.   

    المسافر يصلي وهو يشك في الوقت

    شرح حديث (كنا إذا كنا مع رسول الله في السفر فقلنا..)

    قال المصنف رحمه الله: [ باب: المسافر يصلي وهو يشك في الوقت.

    حدثنا مسدد حدثنا أبو معاوية عن المسحاج بن موسى قال: قلت لـأنس بن مالك رضي الله عنه: سمعت من رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: (كنا إذا كنا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم في السفر فقلنا زالت الشمس أو لم تزل صلى الظهر ثم ارتحل) ].

    أورد أبو داود هذه الترجمة [باب المسافر يصلي وهو يشك في الوقت].

    ومن المعلوم أن الصلاة لابد من أن تكون في وقتها، فلا تصلى قبل وقتها ولا تؤخر عن وقتها، وإذا فات أو لم يحصل أداؤها في وقتها اضطراراً أو لأمر خارج عن إرادة الإنسان فإنه يقضيها، كما قال عليه الصلاة والسلام: (إذا نام أحدكم عن صلاة أو نسيها فليصلها إذا ذكرها، لا كفارة لها إلا ذلك).

    وعلى هذا فالصلوات إنما تكون في أوقاتها، ولا يجوز تقديمها عن وقتها، ولا يجوز تأخيرها عن وقتها إلا لضرورة بأن يكون الإنسان ناسياً أو نائماً، ولا يجوز للإنسان أن يؤخر الصلاة عن وقتها، ولا يجوز للإنسان أن يصلي وهو شاك في الوقت هل دخل أو لم يدخل، والحديث الذي أورده أبو داود من حديث أنس بن مالك رضي الله عنه إنما حصل الشك فيه منهم وليس من رسول الله صلى الله عليه وسلم، الرسول صلى الله عليه وسلم هو إمامهم، وهو الذي يصلي بهم، وهو إنما صلى في الوقت ولكن هم كانوا يظنون أن الوقت ما دخل، ولكنه قد دخل، فشك المأموم لا يؤثر؛ لأن الإمام هو المسئول عن الوقت، وهو الذي يؤدي الصلاة في الوقت، ويحصل منه أداء الصلاة في الوقت، فحصول الشك لا يؤثر، ويمكن أن يكون هذا الشك معناه المبادرة بعد دخول الوقت، وليس معنى ذلك أنهم صلوا قبل دخول الوقت، فيكون المقصود منه المبادرة إلى الصلاة في أول وقتها، فمن حين دخول الوقت مباشرة صلوا مبادرين ولم يؤخروا الصلاة بعد دخول وقتها شيئاً، ويشبه هذا الحديث الذي جاء عن عائشة رضي الله عنها وأرضاها أنها قالت: إن النبي صلى الله عليه وسلم كان يصلي ركعتي الفجر فأقول: هل قرأ فيهما بفاتحة الكتاب؟ أي: لتخفيفهما. وكما هو معلوم أنه لا يشك في أنه يقرأ فيهما بفاتحة الكتاب، ولا يظن بـعائشة أنها تقول: (إنه ما قرأ)، ولكن ذلك إشارة إلى تقليلهما وتخفيفهما وعدم إطالتهما وأنه يخففهما كثيراً.

    فقولها: (هل قرأ فاتحة الكتاب؟) معناه أنه خففهما كثيراً ولم يطولهما، فهذا من جنسه، ثم إن هذا إذا كان المقصود به الشك فهو إنما حصل من المأمومين أو من بعض المأمومين، والإمام هو الذي يحافظ على الوقت، ويعرف دخول الوقت، ويصلي بعد دخول الوقت، ولا يجوز إتيان الصلاة على وجه مشكوك فيه، بل لابد من تحقق دخول الوقت.

    تراجم رجال إسناد حديث (كنا إذا كنا مع رسول الله في السفر فقلْنا...)

    قوله: [ حدثنا مسدد ].

    مسدد مر ذكره .

    [ حدثنا أبو معاوية ].

    أبو معاوية هو: محمد بن خازم الضرير الكوفي ، ثقة، أخرج له أصحاب الكتب الستة.

    [ عن المسحاج بن موسى ].

    المسحاج بن موسى مقبول، أخرج له أبو داود .

    [ قلت لـأنس بن مالك ].

    هو أنس بن مالك رضي الله عنه صاحب رسول الله صلى الله عليه وسلم، وقد مر ذكره.

    شرح حديث (كان رسول الله إذا نزل منزلاً لم يرتحل حتى يصلي الظهر...)

    قال المصنف رحمه الله: [ حدثنا مسدد حدثنا يحيى عن شعبة حدثني حمزة العائذي رجل من بني ضبة قال: سمعت أنس بن مالك رضي الله عنه يقول: (كان رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا نزل منزلاً لم يرتحل حتى يصلي الظهر، فقال له رجل: وإن كان بنصف النهار؟ قال: وإن كان بنصف النهار) ].

    أورد أبو داود حديث أنس بن مالك رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم كان إذا نزل منزلاً لم يرتحل حتى يصلي الظهر، والمقصود من ذلك إذا كان قريباً من وقت الظهر، وليس معنى ذلك أنه يواصل الجلوس والبقاء والمكث في هذا المكان حتى يصلي الظهر، فإذا كان الوقت بعيداً مثل الصباح أو نزل منزلاً بالليل فليس معناه أنه يستمر في الجلوس والمكث حتى يصلي الظهر، وإنما إذا نزل منزلاً وكان وقت الظهر قريباً فإنه ينتظر حتى يصلي الظهر ثم يرتحل صلوات الله وسلامه وبركاته عليه، فالمقصود من ذلك القرب من الوقت أو القرب من الظهر، وليس ذلك مطلقاً في أي وقت من الأوقات ينزل فيمكث حتى يجيء الظهر.

    قوله: [ (وإن كان بنصف النهار) ].

    هذه إشارة إلى المبادرة إلى الإتيان بالصلاة في أول وقتها.

    ونصف النهار هو الزوال، وقد يختلف الوقت أيضاً، ولكن الصلاة لا تكون في حال الزوال ولا قبل الزوال.

    تراجم رجال إسناد حديث (كان رسول الله إذا نزل منزلاً لم يرتحل حتى يصلي الظهر...)

    قوله: [ حدثنا مسدد حدثنا يحيى عن شعبة حدثني حمزة العائذي ].

    مسدد ويحيى وشعبة مر ذكرهم.

    وحمزة العائذي صدوق أخرج له مسلم وأبو داود والنسائي .

    [ عن أنس ].

    أنس رضي الله عنه قد مر ذكره.

    1.   

    الأسئلة

    حكم الاشتغال بالنظر إلى الكسوف وترك الصلاة

    السؤال: إن من المشاهد الآن أن كثيراً من الناس إذا حصل الكسوف أو الخسوف يتمتعون بالنظر إلى ما يحصل للشمس والقمر، فمنهم من يستخدم بعض النظارات التي تقي -كما يقولون- من بعض أضرار هذا الأمر، وتجد الكثير من الناس ينظر إلى هذه الأشياء دون الصلاة، فما التعليق على ذلك؟

    الجواب: أما كون الناس ينظرون دون أن يحصل لهم ضرر ليس هناك مانع يمنع منه، وقد كان الصحابة يذكرون كيفية الكسوف وأن الشمس حصل لها كذا، وأنها صارت في مكان كذا، فالنظر في الشمس إذا ما حصلت مضرة على الإنسان منه في عينيه فلا بأس بذلك، ولكن المشكل كونهم لا يصلون، هذا هو الذي ليس بسليم، وأما كون الناس يصلون فهذا هو السنة والمشروع، وكون الناس ينظرون ففي الغالب أن بعض الناس ينظر إلى هذا الكسوف كيف يكون؟ وماذا حصل للشمس؟ وهل ذهب ضوءها كله أو بعضه؟ فهذا شيء لا يوجد مانع يمنعه، لكن الذي ينبغي هو أن يحافظ على النظر، أن لا يعرض للخطر، والناس -كما هو معلوم- عندهم غريزة حب الاستطلاع.

    حكم دفع الرشوة لأجل الوصول إلى الحق

    السؤال: إذا تعذر الحصول على حق إلا بدفع الرشوة فهل يجوز ذلك؟

    الجواب: إذا كان الإنسان يستطيع أن يصل إلى حقه عن طريق رفع من امتنع من وصوله إليه فلا يجوز له أن يفعل أي شيء سوى إيقاف الظالم عند حده وعدم تمكينه من الظلم، وأما إذا كان الإنسان لا يستطيع أن يصل إلى حقه إلا أن يدفع شيئاً، أو يتنازل عن شيء منه، أو يتخلص من المظلمة بأن يحصل على بعض حقه، فمعلوم أن نزول المظلوم عن بعض حقه ليحصل على بعضه أولى من كونه يضيعه كله من أوله إلى آخره، من أجل أن لا يدفع شيئاً من ذلك.

    نعم لا يدفع إذا كان هناك سبيل إلى إنصاف الظالم من المظلوم، وأما إذا كان في بلد ليس فيه عدل -لاسيما إذا كان في بلاد كفار أو نحو ذلك- فإن الإنسان إذ نزل عن بعض ماله فلا بأس بذلك؛ لأن حصوله على بعض ماله أحسن من ضياع ماله كله عليه، ولهذا يوجد الصلح على إقرار، والصلح على إنكار في كتب الفقه، فالإنسان إذا ما حصل حقه كله فتحصيل بعضه أولى من ضياعه كله، فهو إما أن يحصله كله وإما أن يضيعه كله، فلا بأس أن يتنازل عن شيء منه أو يدفع شيئاً؛ لأن هذا ظلم، وهذا المظلوم لا يستطيع أن يحصل حقه إلا عن طريق ذلك.

    فكونه يتنازل أو يعطي شيئاً من ماله لا يقال فيه: إن دفع رشوة من أجل أن يحصل حقاً لغيره. إنما هذا تنازل عن بعض ماله أو دفع شيء من ماله ليحصل بعض ماله لئلا يضيع عليه ماله كله، وأما كون الإنسان يدفع شيئاً من أجل أن يغلب غيره أو من أجل أن يأخذ مال غيره أو من أجل أنه يتقدم على غيره أو من أجل أنه يحصل شيئاً يميز به على غيره فلا يجوز ذلك.

    ولكن القضية محصورة في إنسان مظلوم ماله سيذهب كله فإذا دفع بعضه فلا بأس بذلك.

    عدد مرات النداء لصلاة الكسوف

    السؤال: كم مرة ينادى: الصلاة جامعة؟

    الجواب: لا نعلم فيه تحديداً، ولكنه يكرر حتى يسمع الناس.

    كيفية صلاة الليل والنهار

    السؤال: النوافل التي قبل صلاة الظهر والعصر هل تصلى ركعتين ركعتين بينهما تسليمة، أم تصلى أربع ركعات؟

    الجواب: الصلاة ركعتان ركعتان في الليل والنهار، إلا أن الليل الصلاة فيه جاء الوصل فيها، وجاء الفصل -وهو ركعتان- من قوله وفعله عليه الصلاة والسلام، أما فعله فالذي ثبت في حديث ابن عباس أنه صلى ركعتين ركعتين وأوتر بواحدة لما بات عند خالته ميمونة .

    وأما قوله فقد قال عليه الصلاة والسلام: (صلاة الليل مثنى مثنى، فإذا خشي أحدكم الصبح أتى بركعة أوترت له ما قد مضى).

    وقد جاء في بعض الأحاديث أنه كان يصلي أربعاً ثم أربعاً ثم ثلاثاً، فجاء الفصل من قوله وفعله وجاء الوصل من فعله صلى الله عليه وسلم.

    حكم السلام بعد سجدة التلاوة

    السؤال: هل يوجد سلام بعد سجدة التلاوة؟

    الجواب: لا أعلم شيئاً يدل على هذا.

    حكم من أوصى ولده أن يحج عنه ولم يستطع

    السؤال: رجل أوصى ولده قبل وفاته أن يحج عنه، والابن لا يستطيع الحج عن نفسه ولا عن أبيه، بسبب قوانين الحج المتعلقة بالسن والعمر للحجاج من خارج المملكة، فهل يجوز للابن أن يوكل من يستطيع الحج أن يحج عن أبيه، فإن كان ذلك يصح فما هي السنة فيما يتعلق بصيغة التوكيل والتلبية والنفقة؟

    الجواب: الميت يحج عنه، وإذا كان الإنسان قادراً على أن يدفع مالاً لمن يحج عن والده فليفعل، ومعلوم أن النائب الذي يحج عن غيره ينوي عند الإحرام أن النسك إنما هو لفلان، ينوي بقلبه، وإن تلفظ بلسانه فقال: لبيك عمرة لفلان فلا بأس بذلك، ويكفي ما في القلب، أي: كون الإنسان ينوي بقلبه أن العمرة لفلان، وأن الحج لفلان، ثم بعد ذلك جميع الأعمال التي يعملها من حج أو عمرة هي للمحجوج عنه أو المعتمر عنه.

    فمادام عنده قدرة مالية فإنه يدفع لغيره ممن يحج عن أبيه.

    حكم استخدام الطبل والدف مع الأناشيد

    السؤال: هل يجوز استخدام الطبل والدف مع الأناشيد المسماة بالأناشيد الإسلامية، وذلك وقت العرس؟

    الجواب: استعمال الطبول لا يصلح، وإنما الذي جاء في الصحيح الدف وليس هو الطبل الذي يكون مغطى من الجهتين، والدف يكون مكشوفاً من إحدى الجهتين، ويجوز استعماله للنساء فقط وأما الرجال فليس لهم أن يستعملوا الطبول ولا الدفوف.

    حكم قراءة الفاتحة عند قبر الرسول

    السؤال: حملني أهلي أمانة في عنقي، وهي قراءة الفاتحة عند قبر الرسول صلى الله عليه وسلم، وتبليغ سلامهم إليه صلى الله عليه وسلم، فهل يلزمني أن أفعل ذلك؟

    الجواب: ادع لهم، وكان المناسب أن تقول لهم لما قالوا لك ذلك: أكثروا من الصلاة والسلام على رسول الله صلى الله عليه وسلم والملائكة تبلغه؛ لأنه جاء عن النبي عليه الصلاة والسلام أنه قال: (إن لله ملائكة سياحين يبلغوني عن أمتي السلام)،وقال عليه الصلاة والسلام: (لا تجعلوا بيوتكم قبوراً، ولا تتخذوا قبري عيداً، وصلوا علي فإن صلاتكم تبلغني حيث كنتم) يعني: بواسطة الملائكة تبلغه حيث كان الناس، ويمكنك أن تدعو لهم وإذا رجعت تخبرهم؛ بأن السنة هي أنكم تكثرون من الصلاة على الرسول صلى الله عليه وسلم والملائكة تبلغه.

    وأما قراءة الفاتحة فإنه لا يقرأ الفاتحة لأحد، وإنما عليه الدعاء، هذا هو المشروع، فالإنسان يدعو لغيره، لكن لا يقرأ الفاتحة عن غيره في مكان أو في أي مكان.

    ثبوت استقبال الأنصار للنبي صلى الله عليه وسلم بالأناشيد

    السؤال: هل ثبت أن الأنصار استقبلت الرسول صلى الله عليه وسلم بالأناشيد، ومنها قولهم: طلع البدر علينا؟

    الجواب: هذا مشهور لكن لا أدري بثبوته، وإن كانوا قالوه فليس هو بأناشيد، كما ينشد اليوم بصوت واحد.

    كيفية صلاة النبي بالأنبياء في بيت المقدس

    السؤال: يذكر في قصة الإسراء والمعراج أن النبي صلى الله عليه وسلم صلى إماماً بالأنبياء ببيت المقدس قبل عروجه إلى السماء، ولم تفرض الصلاة بعد، فما هي صفة هذه الصلاة؟

    الجواب: الثابت أنه بعد النزول وليس قبل النزول؛ لأنه قبل ذلك كان يسأل عنهم، ويعرف بهم، فلو كان ذلك حصل قبل فمعناه أنه عرفهم من قبل، والتعريف إنما حصل بعد المعراج.

    وأما كيفية الصلاة فلا أعلم كيف كانت، والرسول صلى الله عليه وسلم كان يتحنث ويتعبد في غار حراء قبل أن يبعث وقبل أن يرسل صلى الله عليه وسلم. والله تعالى أعلم.

    معنى قول ابن حبان في المجروحين: فلان يخطئ كثيراً

    السؤال: هل قول ابن حبان في المجروحين: يخطئ كثيراً، يعتبر جرحاً مفسراً أو مجملاً؟

    الجواب: إنما يعرف ذلك بالرجوع إلى كتب التراجم وما قيل في الشخص من تجريح أو تعديل، والجرح قد يكون مجملاً وقد يكون مفسراً، ثم أيضاً كون هذا الجرح مقابل توثيق، أو أنه ليس هناك توثيق، فإذا كان هناك توثيق حتى فلكي يقدم الجرح على التعديل فإنه يحتاج إلى تفسيره، أما إذا كان التعديل موجوداً والجرح مجملاً فقد لا يعول عليه، وقد لا يكون كافياً.

    حكم مريض يستمر في غسل الكلى حتى يخرج وقت الصلاة

    السؤال: شخص مريض يغسل الكلى يضطر للجلوس لغسيل الكلى مدة طويلة بحيث يخرج وقت الصلاة، فماذا يفعل؟

    الجواب: يصلي على حسب الحالة التي هو فيها، ولا يؤخر الصلاة عن وقتها.

    حكم الحج لمن عليه دين

    السؤال: رجل عليه ديون وقد طلع في قرعة الحج بعد سنين، فهل له أن يحج ثم يقضي دينه فيما بعد، مع العلم أنها حجة الإسلام؟

    الجواب: يستأذن الدائنين ويحج.

    حكم سفر المرأة في الطائرة وحدها

    السؤال: ما حكم سفر المرأة لوحدها بدون محرم في الطائرة خاصة إذا كانت مدة السفر يسيره، مثل أن تكون ساعتين؟

    الجواب: سفر المرأة بدون محرم لا يجوز في طائرة ولا في سيارة ولا في باخرة، ولا في أي وسيلة نقل؛ لأن الرسول صلى الله عليه وسلم نهى عن ذلك، فقال: (لا يحل لامرأة تؤمن بالله واليوم الآخر أن تسافر إلا مع ذي محرم .).

    حتى سفر الحج ليس لها أن تسافره إلا إذا وجد المحرم، ولا تكون قادرة على الحج إلا إذا وجد المحرم، ولو كانت عندها قدرة مالية وليس عندها محرم فليس لها أن تسافر؛ لقوله عليه الصلاة والسلام: (لا يحل لامرأة تؤمن بالله واليوم الآخر أن تسافر إلا مع ذي محرم).

    ولو كان السفر في الطائرة، ولو كانت مدة السفر ساعة أو ساعتين، ولو كانت أقل من ذلك، ولو كانت فترة وجيزة، فالسفر إذا قطعته بالطائرة في فترة وجيزة فإنه يقال له: سفر ولا يخرج عن كونه سفراً.

    وجاء في بعض الأحاديث اللفظ مطلقاً، ليس فيه ذكر ثلاثة أيام، ولعل المقصود أنه سئل عن ثلاثة أيام فأجاب، وسئل عن أقل وأكثر فأجاب، وجاء مطلقاً بدون تقييد.

    فكل ما يقال له: سفر ليس للمرأة أن تقدم عليه إلا مع ذي محرم، وهو زوجها، أو من تحرم عليه على التأبيد بنسب أو سبب مباح.

    لزوم الوفاء بالوعد للأم

    السؤال: أنا رجل أعمل بالمملكة، وكنت قد وعدت أمي بتذكرة للعمرة، لكن لما جئت تضررت من جراء البعد عن الزوجة، والزوجة كذلك متضررة، فهل أجعل هذه التذكرة للزوجة بدل أمي، أم ماذا أفعل، مع أن أمي قد تغضب من هذا؟

    الجواب: لا يفعل، وإنما إذا تمكن يأتي بهما معاً، وإلا فليف بوعده لأمه.

    حكم طلاق الحائض

    السؤال: هل يجوز طلاق الحائض إذا كانت في حيضتها الثالثة بعد طهرين لم يجامعها زوجها فيهما؟

    الجواب: طلاق الحائض لا يجوز، ولكنه إذا حصل الطلاق وقع، ولكن عليه أن يراجعها كما جاء في حديث ابن عمر في قصة تطليق زوجته وهي حائض.

    حكم من فاته الركوع الأول من صلاة الكسوف

    السؤال: من فاته الركوع الأول في صلاة الكسوف ماذا يفعل؟

    الجواب: يقضي ركعة؛ لأن صلاة الكسوف إنما تدرك بإدراك ركوعيها، فإذا فاته الركوع الأول فإنه إذا سلم الإمام يقضي ركعة بركوعين.

    حكم من فاته المغرب وأدرك جماعة تصلي العشاء

    السؤال: أخرت المغرب لكي أصليه مع العشاء، فعندما أردت الصلاة وجدت جماعة تصلي العشاء أربع ركعات، فهل أدخل معهم أو أصلى المغرب أولاً؟

    الجواب: يدخل الإنسان معهم وإذا قاموا للرابعة يجلس، وإذا سلم الإمام يسلم معه، وهو بذلك يكون قد صلى المغرب، ثم يصلي العشاء بعد ذلك.