إسلام ويب

شرح سنن أبي داود [145]للشيخ : عبد المحسن العباد

  •  التفريغ النصي الكامل
  • إن الناس بحاجة إلى ربهم في كل وقت وحين، وقد شرع الله تعالى لعباده عبودية اللجوء إليه بطلب رحمته، ومن جملة ذلك لجوءهم إليه تعالى لطلب السقيا بعد الجدب، وهو من جملة الأحوال التي يظهر العباد فيها فقرهم وحاجتهم إلى ربهم، وقد حفت به جملة من الأحكام الشرعية التي تهدف إلى تحقيق هذه المسألة العظيمة.

    1.   

    صلاة الاستسقاء

    شرح حديث (خرج بالناس يستسقي فصلى بهم ركعتين ..)

    قال المصنف رحمه الله تعالى: [ جماع أبواب صلاة الاستسقاء وتفريعها:

    حدثنا أحمد بن محمد بن ثابت المروزي حدثنا عبد الرزاق أخبرنا معمر عن الزهري عن عباد بن تميم عن عمه رضي الله عنه: (أن رسول الله صلى الله عليه وسلم خرج بالناس يستسقي فصلى بهم ركعتين جهر بالقراءة فيهما، وحول رداءه ورفع يديه فدعا واستسقى واستقبل القبلة) ].

    يقول الإمام أبو داود السجستاني رحمه الله تعالى: [جماع أبواب صلاة الاستسقاء وتفريعها ] والمقصود بقوله: [بجماع] ما يجمع النصوص الواردة في صلاة الاستسقاء والتفاريع المتعلقة بها من كون أن فيها خطبة، وفيها صلاة، وفيها رفع يدين، وفيها تحويل رداء، وغيرها من الفروع التي بهذه الأبواب، ولهذا أورد أبو داود رحمه الله أبواباً قليلة، ولكن هذه الأبواب تدل على هذه الفروع التي أشار إليها، فجمع أحاديث الاستسقاء في مكان واحد وفرعها إلى أبواب، كما هو الشأن في الكتب الأخرى، ككتاب العيدين وكتاب الجمعة وغير ذلك؛ لأنه يأتي بالأبواب أو الموضوعات المتعلقة بالجمعة في مكان واحد ويفرعها في الأبواب المختلفة ثم يورد تحت كل باب الأحاديث التي تتعلق بتلك الترجمة التي يترجم لها.

    وأورد أبو داود رحمه الله عدة أحاديث، وأولها حديث عبد الله بن زيد بن عاصم المازني رضي الله تعالى عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم خرج بالناس يستسقي، وهذا يدل على أن صلاة الاستسقاء يشرع الخروج لها إلى العراء؛ لأن النبي صلى عليه وسلم خرج بهم لأداء تلك الصلاة، فصلى بهم ركعتين جهر بالقراءة فيهما، فصلاة الاستسقاء يجهر فيها بالقراءة، وهي كالعيدين، بل جاء في بعض الأحاديث التي ستأتي أنه صلاها كما يصلي العيد، والعيد يجهر فيه بالقراءة، وكذلك الاستسقاء يجهر فيها بالقراءة، والصلوات التي تكون في النهار جامعة، وتكون إما أسبوعية كصلاة الجمعة، أو سنوية كصلاة العيدين أو على حسب المناسبات كصلاة الاستسقاء، كل هذه يجهر فيها بالقراءة، ودعا وحول رداءه صلى الله عليه وسلم، فجعل ما على الأيمن على الأيسر، وما على الأيسر على الأيمن، قيل: وذلك تفاؤل لتغير الحال من القحط إلى الجدب، ومن الضيق إلى الرخاء.

    وقوله: [(ورفع يديه)] يدلنا على أن الدعاء في الاستسقاء ترفع فيه الأيدي، بل إن النبي صلى الله عليه وسلم لما استسقى في خطبة الجمعة رفع يديه، ولم يكن يرفع يديه في خطبة الجمعة عليه الصلاة والسلام، ولكنه لما استسقى في خطبة الجمعة رفع يديه، فدل هذا على أن دعاء الاستسقاء من المواضع التي ترفع فيه اليدان.

    قوله: [(واستقبل القبلة)] يعني: بعدما خطب الناس تحول إلى القبلة، وحول رداءه ودعا، وجاء في بعض الأحاديث أن الناس حولوا أرديتهم تبعاً لرسول الله صلى الله عليه وسلم، وهذا يدلنا على أن تحويل الرداء ليس خاصاً بالإمام، بل هو للإمام ولغيره من الناس، وقد عرفنا فيما مضى أن الصحابة رضي الله عنه وأرضاهم لما كان صلى الله عليه وسلم يصلي بهم ثم جاءه جبريل وأخبره أن في نعليه شيئاً من الأذى خلع نعليه في الصلاة، فالصحابة خلعوا نعالهم اقتداء به صلى الله عليه وسلم، ولما فرغ من الصلاة سألهم: لماذا خلعتم نعالكم؟ قالوا: رأيناك خلعت نعليك فخلعنا نعالنا، وهكذا حول رداءه فحولوا أرديتهم اقتداء به صلى الله عليه وسلم.

    والإمام في حال الخطبة يدعو وهو مستقبل الناس، ولكنه بعدما ينهي الخطبة يتحول إلى جهة القبلة في مكانه ويحول رداءه ويدعو، والناس أيضاً يحولون أرديتهم ويدعون.

    تراجم رجال إسناد حديث (خرج بالناس يستسقي فصلى بهم ركعتين..)

    قوله: [ حدثنا أحمد بن محمد بن ثابت المروزي ].

    أحمد بن محمد بن ثابت المروزي ثقة، أخرج حديثه أبو داود .

    [حدثنا عبد الرزاق ].

    هو عبد الرزاق بن همام الصنعاني اليماني، ثقة، أخرج له أصحاب الكتب الستة.

    [ أخبرنا معمر ].

    هو معمر بن راشد الأزدي البصري، ثم اليماني، ثقة، أخرج له أصحاب الكتب الستة.

    [ عن الزهري ].

    هو محمد بن مسلم بن عبيد الله بن شهاب الزهري، ثقة، أخرج له أصحاب الكتب الستة.

    [ عن عباد بن تميم ].

    هو عباد بن تميم المازني ثقة، أخرج له أصحاب الكتب الستة.

    [ عن عمه ].

    هو عبد الله بن زيد بن عاصم المازني وهو صحابي أخرج حديثه أصحاب الكتب الستة.

    شرح حديث (خرج رسول الله صلى الله عليه وسلم يوماً يستسقي فحول إلى الناس ظهره يدعو الله)

    قال المصنف رحمه الله تعالى: [ حدثنا ابن السرح وسليمان بن داود قالا: أخبرنا ابن وهب قال: أخبرني ابن أبي ذئب ويونس عن ابن شهاب أنه قال: أخبرني عباد بن تميم المازني أنه سمع عمه رضي الله عنه -وكان من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم- يقول: (خرج رسول الله صلى الله عليه وسلم يوماً يستسقي، فحول إلى الناس ظهره يدعو الله عز وجل. قال سليمان بن داود : واستقبل القبلة وحول رداءه ثم صلى ركعتين. قال ابن أبي ذئب : وقرأ فيهما. زاد ابن السرح : يريد الجهر) ].

    أورد أبو داود حديث عبد الله بن زيد بن عاصم المازني رضي الله عنه من طريق أخرى، وفيه أنه صلى الله عليه وسلم استقبل القبلة ودعا وحول رداءه ورفع يديه.

    قوله: [(خرج رسول الله صلى الله عليه وسلم يوماً يستسقي فحول إلى الناس ظهره يدعو الله عز وجل) ] كان هذا بعدما خطب.

    قوله: [ قال سليمان بن داود : واستقبل القبلة ]

    سليمان بن داود هو أحد الشيخين لـأبي داود في الحديث، قال: [واستقبل القبلة] يعني: حينما حول رداءه استقبل القبلة ودعا.

    قوله: [ ثم صلى ركعتين ] أي أن الصلاة بعد الخطبة وبعد الدعاء، والرواية السابقة تفيد أن الصلاة كانت قبل؛ لأنه خرج فصلى بهم ثم خطب بهم، وسيأتي عن عبد الله بن عباس أنه صلى بعد الخطبة، وهذا يفيدنا أن الخطبة جاء ما يدل على أنها قبل وما يدل على أنها بعد، والأمر في ذلك واسع.

    قوله: [ قال ابن أبي ذئب : وقرأ فيهما. وزاد ابن السرح : يريد الجهر ].

    يعني أنه جهر فيهما بالقراءة، وليس المراد مجرد القراءة ولو كانت سرية، وقد جاء التنصيص على الجهر في الرواية السابقة.

    تراجم رجال إسناد حديث (خرج رسول الله صلى الله عليه وسلم يوماً يستسقي فحول إلى الناس ظهره يدعو الله)

    قوله: [ حدثنا ابن السرح ].

    هو أحمد بن عمرو بن السرح، وهو ثقة، أخرج حديثه مسلم وأبو داود والنسائي وابن ماجة .

    [ وسليمان بن داود ].

    هو سليمان بن داود المصري المهري أبو الربيع، وهو ثقة، أخرج حديثه أبو داود والنسائي .

    [ أخبرنا ابن وهب ].

    هو عبد الله بن وهب المصري، ثقة، أخرج له أصحاب الكتب الستة.

    [ أخبرني ابن أبي ذئب ].

    هو محمد بن الرحمن بن المغيرة بن أبي ذئب، ثقة، أخرج له أصحاب الكتب الستة.

    [ ويونس ].

    هو يونس بن يزيد الأيلي، وهو ثقة، أخرج له أصحاب الكتب الستة.

    [ عن ابن شهاب أخبرني عباد بن تميم عن عمه ].

    مر ذكر الثلاثة في الرواية السابقة.

    شرح حديث: (وحول رداءه فجعل عطافه الأيمن على عاتقه الأيسر ...)

    قال المصنف رحمه الله تعالى: [ حدثنا محمد بن عوف قال: قرأت في كتاب عمرو بن الحارث -يعني الحمصي - عن عبد الله بن سالم عن الزبيدي عن محمد بن مسلم بهذا الحديث بإسناده لم يذكر الصلاة، قال: (وحول رداءه فجعل عطافه الأيمن على عاتقه الأيسر، وجعل عطافه الأيسر على عاتقه الأيمن ثم دعا الله عز وجل) ].

    أورد أبو داود حديث عبد الله بن زيد بن عاصم المازني من طريق أخرى، وهو مختصر، وفيه أنه لم يذكر الصلاة، وإنما ذكر الدعاء وتحويل الرداء، وذكر أنه حول رداءه فجعل عطافه الأيمن على شقه الأيسر، وعطافه الأيسر على شقه الأيمن، والعطاف هو جانب الرداء، يعني أنه جعل ما على اليمين على الشمال، وما على الشمال على اليمين، ثم دعا الله عز وجل.

    تراجم رجال إسناد حديث: (وحول رداءه فعجل عطافه الأيمن على عاتقه الأيسر ...)

    قوله: [ حدثنا محمد بن عوف ].

    محمد بن عوف ثقة، أخرج حديثه أبو داود والنسائي في مسند علي .

    [ قال: قرأت في كتاب عمرو بن الحارث -يعني الحمصي- ].

    عمرو بن الحارث الحمصي مقبول أخرج له البخاري في الأدب المفرد وأبو داود .

    [ عن عبد الله بن سالم ].

    عبد الله بن سالم ثقة، أخرج له الترمذي وأبو داود والنسائي .

    [ عن الزبيدي ].

    هو محمد بن الوليد الزبيدي، وهو ثقة، أخرج له أصحاب الكتب الستة إلا الترمذي .

    [ عن محمد بن مسلم بهذا الحديث بإسناده ].

    محمد بن مسلم هو الزهري ، وذكر هنا باسمه، وقبل ذلك ذكر بنسبته، وهو مشهور بنسبته الزهري ، وبنسبته إلى جده شهاب ، فكثيراً ما يقال: ابن شهاب ، وكثيراً ما يقال: الزهري ، ولكنه أحياناً يأتي باسمه فيقال: محمد بن مسلم .

    وقول محمد بن عوف : [قرأت في كتاب عمرو بن الحارث ] يعني أنه أخذه من كتابه، لكنه معلوم من رواية عبد الله بن زيد بن عاصم ، وقد جاء عنه من طرق متعددة، والذي جاء في هذا الطريق موجود في تلك الطرق،وهذه وجادة، وقد تكون مناولة إذا أعطاه كتابه.

    شرح حديث (استسقى رسول الله وعليه خميصة له سوداء)

    قال المصنف رحمه الله تعالى: [ حدثنا قتيبة بن سعيد حدثنا عبد العزيز عن عمارة بن غزية عن عباد بن تميم أن عبد الله بن زيد قال: (استسقى رسول الله صلى الله عليه وسلم وعليه خميصة له سوداء، فأراد رسول الله صلى الله عليه وسلم أن يأخذ بأسفلها فيجعله أعلاها فلما ثقلت قلبها على عاتقه) ].

    أورد أبو داود حديث عبد الله بن زيد بن عاصم المازني أن النبي عليه الصلاة والسلام كانت عليه خميصة سوداء، والخميصة هي رداء أو كساء مربع له أعلام في أطرافه، ولما أراد أن يقلبها ويجعل أسفلها أعلاها ثقلت عليه، فجعل ما على اليمين على الشمال، وما على الشمال على اليمين، وهذا يفيد أنه إذا كان الشيء متساوياً أسفله وأعلاه كالرداء فإنه يقلبه ويجعل أسفله أعلاه وأعلاه أسفله، وإلا فإنه يجعل ما على الشمال على اليمين، وذلك مثل الجبة والمشلح وما إلى ذلك.

    والإنسان الذي ما عليه إلا شماغ يشرع له أن يحول الشماغ، ويجعل ما كان باطناً ظاهراً؛ لأن الشماغ والغترة مثل الرداء تماماً، وكذلك من كان لابساً طاقية -قلنسوة- يمكن له أن يقلبها.

    تراجم رجال إسناد حديث (استسقى رسول الله وعليه خميصة له سوداء)

    قوله: [ حدثنا قتيبة بن سعيد ].

    هو قتيبة بن سعيد بن جميل بن طريف البغلاني، ثقة، أخرج له أصحاب الكتب الستة.

    [ حدثنا عبد العزيز ].

    هو عبد العزيز بن محمد الدراوردي، وهو صدوق، أخرج له أصحاب الكتب الستة.

    [ عن عمارة بن غزية ].

    عمارة بن غزية لا بأس به، أي: صدوق، أخرج له البخاري تعليقاً ومسلم وأصحاب السنن.

    [ عن عباد بن تميم عن عبد الله بن زيد ].

    هنا ذكر عمه باسمه، وفي الرواية السابقة قال: عن عمه، وهنا قال: عن عبد الله بن زيد ، وهو عمه.

    شرح حديث (خرج رسول الله متبذلاً متواضعاً حتى أتى المصلى)

    قال المصنف رحمه الله تعالى: [ حدثنا النفيلي وعثمان بن أبي شيبة نحوه، قالا: حدثنا حاتم بن إسماعيل حدثنا هشام بن إسحاق بن عبد الله بن كنانة قال: أخبرني أبي قال: أرسلني الوليد بن عتبة -قال عثمان : ابن عقبة - وكان أمير المدينة إلى ابن عباس رضي الله عنهما أسأله عن صلاة رسول الله صلى الله عليه وسلم في الاستسقاء، فقال: (خرج رسول الله صلى الله عليه وسلم متبذلاً متواضعاً متضرعاً حتى أتى المصلى -زاد عثمان : فرقى على المنبر، ثم اتفقا- ولم يخطب خطبكم هذه، ولكن لم يزل في الدعاء والتضرع والتكبير ثم صلى ركعتين كما يصلي في العيد).

    قال أبو داود : والإخبار للنفيلي والصواب ابن عتبة ].

    أورد أبو داود حديث ابن عباس رضي الله تعالى عنهما أنه قال: إن النبي صلى الله عليه وسلم خرج متبذلاً، يعني: ليس لابساً أحسن الثياب ومتجملاً، وإنما لبس ألبسة مبتذلة ليست جميلة كما يكون بالنسبة للجمعة والعيدين، متواضعاً لله عز وجل، متضرعاً إليه، يعني: يضرع إليه ويسأله ويلح عليه في الدعاء.

    قوله: [ زاد عثمان فرقى على المنبر ].

    أي: شيخه الثاني، وقد جاء في بعض الروايات أنه أمر بمنبر فوضع.

    قوله: [ ولم يخطب خطبكم هذه ] هذا لا ينفي أصل الخطبة، ولكنه ينفي النوع، فالنفي منصب على القيد دون المقيد؛ لأن القيد هو (هذه) يعني: على هذا النحو، ولم ينف أصل الخطبة، فالخطبة أصلها ثابت، والذي نفاه إنما هو الهيئة والكيفية والنوع الذي كانوا يفعلونه، ولعل ذلك نوع خاص يختلف عما كان عليه رسول الله صلى الله عليه وسلم، فليس فيه نفي الخطبة، ولكنه نفي للكيفية والهيئة والصفة التي كانت عليها خطبهم التي كانوا يخطبونها.

    قوله: [ ولكن لم يزل في الدعاء والتضرع والتكبير ] يعني أنه خطب ولم يزل في الدعاء والتضرع والتكبير ثم نزل.

    قوله: [ ثم صلى ركعتين كما يصلي في العيد ] هذا يدلنا على أن صلاة الاستسقاء كصلاة العيد، ويدل -أيضاً- على أنه يكبر فيها كما يكبر في العيد، وبعض أهل العلم قال: تصلى بدون تكبير، لكن قول ابن عباس : [كما يصلي العيد] يدلنا على أنها تماثل العيد، والعيد فيه تكبيرات سبع في الأولى وخمس في الثانية، فيكبر فيها كما يكبر في العيد؛ لأن المشابهة تقتضي أن يكون المشبه مثل المشبه به، وصلاة العيد فيها تكبيرات فصلاة الاستسقاء يكون فيها تكبيرات.

    هذا وليس لصلاة الاستسقاء سنة قبلية ولا بعدية، والظاهر أن الدعاء يكون وهم واقفون، فالنبي صلى الله عليه وسلم دعا واقفاً، والناس قلبوا أرديتهم ودعوا وقوفاً ولم يجلسوا.

    ونفي الخطبة هنا مثل ما جاء في حديث الجمعة أنه ليس للحيطان ظل يستظل به، فلم ينف أصل الظل، وإنما نفي الظل الذي يتمكن الناس من الاستظلال به، فالنفي للقيد لا للمقيد، وهنا النفي للقيد لا للمقيد.

    تراجم رجال إسناد حديث (خرج رسول الله متبذلاً متواضعاً متضرعاً حتى أتى المصلى)

    قوله: [ حدثنا النفيلي ].

    عبد الله بن محمد النفيلي ثقة، أخرج حديثه البخاري وأصحاب السنن.

    [ وعثمان بن أبي شيبة ].

    عثمان بن أبي شيبة ثقة، أخرج له أصحاب الكتب الستة إلا الترمذي .

    [ نحوه ].

    أي أن رواية عثمان بن أبي شيبة نحو رواية النفيلي .

    [ حدثنا حاتم بن إسماعيل ].

    حاتم بن إسماعيل صدوق يهم، أخرج حديثه أصحاب الكتب الستة.

    [ حدثنا هشام بن إسحاق بن عبد الله بن كنانة ].

    هشام بن إسحاق بن عبد الله بن كنانة مقبول، أخرج له أصحاب السنن.

    [ أخبرني أبي ]

    هو صدوق أخرج له أصحاب السنن.

    [ قال: أرسلني الوليد بن عتبة -وفي رواية ابن أبي شيبة : ابن عقبة- ].

    يعني: جعل بدل التاء قافاً، وهو الوليد بن عتبة كما قال أبو داود في الآخر: [ والصواب ابن عتبة ]، أي: كما قاله النفيلي ، وليس ابن عقبة كما قاله عثمان بن أبي شيبة ، والوليد بن عتبة بن أبي سفيان كان أميراً على المدينة لعمه معاوية بن أبي سفيان رضي الله تعالى عنه وأرضاه.

    [ إلى ابن عباس ].

    هو عبد الله بن عباس بن عبد المطلب ابن عم النبي صلى الله عليه وسلم، وأحد العبادلة الأربعة من الصحابة الكرام، وأحد السبعة المعروفين بكثرة الحديث عن النبي صلى الله عليه وسلم.

    [ قال أبو داود : والإخبار للنفيلي ].

    يعني: السياق إنما هو للنفيلي .

    1.   

    وقت تحويل الرداء في الاستسقاء

    شرح حديث (خرج رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى المصلى يستسقي ولما أراد أن يدعو استقبل القبلة ..)

    قال المصنف رحمه الله تعالى: [ باب: في أي وقت يحول رداءه إذا استسقى؟

    حدثنا عبد الله بن مسلمة حدثنا سليمان يعني ابن بلال عن يحيى عن أبي بكر بن محمد عن عباد بن تميم أن عبد الله بن زيد رضي الله عنه أخبره (أن رسول الله صلى الله عليه وسلم خرج إلى المصلى يستسقي، وأنه لما أراد أن يدعو استقبل القبلة ثم حول رداءه) ].

    أورد أبو داود هذه الترجمة [ باب: في أي وقت يحول رداءه إذا استسقى؟]

    والمقصود من هذا أنه عندما ينتهي من الخطبة يستدبر الناس ويستقبل القبلة، وعند هذه الحال يحول رداءه، ثم يدعو بعد ذلك، والناس يحولون أرديتهم ويدعون بعد ذلك، فوقت تحويل الرداء عند استقبال القبلة عندما ينتهي الخطيب من الخطبة، ويكون مولياً للناس ظهره، فيقلب رداءه ويرفع يديه يدعو، وكذلك المأمومون يفعلون كما يفعل الإمام.

    تراجم رجال إسناد حديث (خرج رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى المصلى يستسقي ولما أراد أن يدعو استقبل القبلة ..)

    قوله:[ حدثنا عبد الله بن مسلمة ].

    هو عبد الله بن مسلمة القعنبي، وهو ثقة، أخرج حديثه أصحاب الكتب الستة إلا ابن ماجة .

    [ حدثنا سليمان -يعني ابن بلال- ].

    سليمان بن بلال ثقة، أخرج له أصحاب الكتب الستة.

    [ عن يحيى ].

    هو يحيى بن سعيد الأنصاري ، وهو ثقة، أخرج له أصحاب الكتب الستة.

    [ عن أبي بكر بن محمد ].

    هو أبو بكر بن محمد بن عمرو بن حزم، وهو ثقة، أخرج له أصحاب الكتب الستة.

    [ عن عباد بن تميم عن عبد الله بن زيد ].

    مر ذكرهما.

    شرح حديث ( خرج رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى المصلى فاستسقى ...)

    قال المصنف رحمه الله تعالى: [ حدثنا القعنبي عن مالك عن عبد الله بن أبي بكر أنه سمع عباد بن تميم يقول: سمعت عبد الله بن زيد المازني رضي الله عنه يقول: (خرج رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى المصلى فاستسقى وحول رداءه حين استقبل القبلة) ].

    أورد أبو داود حديث عباد بن تميم من طريق أخرى مختصرة، وفيه أن الرسول صلى الله عليه وسلم خرج يستسقي وحول رداءه حين استقبل القبلة، والمقصود منه أن تحويل الرداء يكون حينما ينتهي الإمام من الخطبة ويوليهم ظهره، فيستقبل القبلة ويحول رداءه في هذه الحال.

    تراجم رجال إسناد حديث (خرج رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى المصلى فاستسقى ...)

    قوله: [ حدثنا القعنبي عن مالك عن عبد الله بن أبي بكر ].

    مالك هو ابن أنس إمام دار الهجرة، الإمام المشهور، وحديثه أخرجه أصحاب الكتب الستة.

    وعبد الله بن أبي بكر بن محمد بن عمرو بن حزم ثقة، أخرج له أصحاب الكتب الستة.

    [ سمع عباد بن تميم عن عمه ].

    مر ذكرهما.

    1.   

    الأسئلة

    حكم قول الإمام للمأمومين: حولوا أرديتكم

    السؤال: هل يشرع للإمام أن يقول للمأمومين: حولوا أرديتكم؟

    الجواب: لا أعلم شيئاً يمنعه؛ لأن الرسول صلى الله عليه وسلم فعل هذا والناس يرونه، وإذا كثر الناس وتباعدوا فلم ير بعضهم الإمام فكونه ينبههم على ذلك لا بأس به.

    حكم رفع اليدين في تكبيرات صلاة الاستسقاء

    السؤال: ما حكم رفع اليدين في صلاة الاستسقاء؟

    الجواب: لا نعلم شيئاً يدل عليه؛ لأن صلاة الاستسقاء كالعيدين، وما نعلم شيئاً يدل على رفع اليدين في الاستسقاء وكذلك في العيدين.

    خطبة الاستسقاء خطبة واحدة

    السؤال: هل المشروع في صلاة الاستسقاء خطبة واحدة أو خطبتين؟

    الجواب: خطبة واحدة.

    خطبة العيدين خطبتان لا خطبة

    السؤال: هل خطبة العيدين خطبة واحدة أو خطبتان؟

    الجواب: لا أعلم أحداً يقول: إنها خطبة واحدة، ولا يثبت الحديث في كونها خطبتين، لكن دليله القياس على الجمعة، ولا خلاف أعلمه بين العلماء أنها خطبتين.

    حكم صلاة الاستسقاء

    السؤال: ما حكم صلاة الاستسقاء؟ وإذا أمر بها الإمام هل تخرج النساء في الاستسقاء؟

    الجواب: صلاة الاستسقاء هي سنة، وليست واجبة أبداً، بل هي سنة مستحبة، ولو أمر بها الإمام فهي سنة، ولا يلزم أنها تكون واجبة، لكن الإمام هو الذي يأمر بها والناس يخرجون بناءً على أمر الإمام، كما في فعل الرسول صلى الله عليه وسلم، فهو الذي وعدهم يوماً يخرجون فيه، لكنه لا أحد يقول بوجوبها.

    وأما بالنسبة للنساء فلا أعلم شيئاً يمنع النساء من الخروج.

    حكم مرور الحائض من المسجد

    السؤال: ما معنى قوله تعالى: وَلا جُنُبًا إِلَّا عَابِرِي سَبِيلٍ [النساء:43]، وهل يجوز للحائض أن تعبر المسجد بلا جلوس بأن تدخل من باب وتخرج من الباب الآخر ؟

    الجواب: نعم إذا كان يؤمن التلويث، والآية جاءت في الجنب ولم تذكر الحائض، ولكنها تلحق بالجنب، فلها أن تدخل ولا تجلس إذا أمن من أن يخرج منها شيء.

    التفريق بين أفعال النبي التشريعية والجبلية

    السؤال: حديث خلع الصحابة رضي الله عنهم نعالهم لما خلع رسول الله صلى الله عليه وسلم نعله في الصلاة، وكذا تحويلهم أرديتهم في صلاة الاستسقاء لما حول رسول الله صلى الله عليه وسلم رداءه، وكذا لما حلق يوم الحديبية حلقوا رءوسهم، ولما واصل الصيام واصلوا، هل هذا كله يدل على أن فعل رسول الله صلى الله عليه وسلم المجرد يدل على الوجوب والالتزام؟

    الجواب: الله تعالى يقول: لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ [الأحزاب:21]وهو صلى الله عليه وسلم القدوة والأسوة، وأعماله هي تشريع لهم، وأما الأعمال الجبلية التي ليست للتشريع فإنها -كما هو معلوم- ليست من الأشياء التي الناس متعبدون بها، فالشيء الذي هو من أعمال الجبلة ليس من قبيل التشريع، مثل كون النبي صلى الله عليه وسلم لما جاء من عرفة حاد وراح يقضي حاجته، فليس من السنة أن الإنسان إذا جاء في الطريق وليس عنده حاجه أنه يحيد من أجل أنه يقتدي بالرسول، مثلما فعل ابن عمر رضي الله عنه وأرضاه، أقول: مثل هذا ليس من الأشياء التي يشرع فيها الاقتداء والاتباع.

    حكم الكلام بين خطبتي الجمعة

    السؤال: ما حكم الكلام بين خطبتي الجمعة؟

    الجواب: لا بأس به، ولكن السكوت وعدم الكلام لاشك في أنه أولى، لكن إذا كان هناك عادة فلا بأس به، لأن المنع جاء والإمام يخطب، أما بين الخطبتين فللإنسان أن يتكلم.

    حكم العدسات الطبية للنساء

    السؤال: ما حكم العدسات الطبية للنساء؟

    الجواب: إذا كان هناك حاجة إليها لكونها تقوي النظر وتعوض عن النظارة، ولا يترتب عليها ضرر العين فلا بأس بها.

    وأما التجمل بها فقد يكون فيه شيء من ناحية أن الإنسان يتشبع بما لم يعط، أو يظهر نفسه بشيء ليس فيه، وأيضاً قد يترتب عليه ضرر للعين، فيكون في ذلك محذور آخر، وأما إذا كانت أشياء طبية بدل النظارات فهذا لا بأس به.

    حكم الدعاء للأمراء في الخطب

    السؤال: هل صحيح أن الدعاء للأمرء في الخطب من البدع؟

    الجواب: ليس بصحيح، فالأمراء هم أحق الناس بالدعاء وأولى الناس بالدعاء؛ لأن في صلاحهم صلاح الرعية والخير الكثير للرعية، والإمام أحمد كان يقول: لو كان لي دعوة مستجابة لجعلتها للسلطان، والفضيل بن عياض كان يقول: لو كان لي دعة مستجابة لجعلتها للسلطان. وذلك لأنه يريد صلاح الناس، والسلطان إذا كان صالحاً حصل الخير الكثير في صلاحه، فهم أولى من يدعى لهم.

    والرسول صلى الله عليه وسلم نص عليهم في قوله: (الدين النصيحة قالوا: لمن يا رسول الله؟ قال: الله، ولكتابه، ولرسوله، والأئمة المسلمين وعامتهم) نص عليهم مع أنه لو قال: وللمسلمين دخلوا في هذا العموم؛ إذ يدخل فيه الرعاة والرعية، لكنه نص عليهم لعظم شأن صلاح الولاة، وأنَّه بصلاحهم يكون الخير الكثير.

    حكم الاحتجاج بمن قال فيه الحافظ ابن حجر: (مقبول)

    السؤال: هل يحتج بمن قال فيه الحافظ : مقبول؟

    الجواب: يحتج به عند المتابعة، أما إذا لم يتابع فإنه لا يحتج به.

    حكم من فاتته صلاة العيدين

    السؤال: إذا فاتتنا ركعتا العيدين فكيف نفعل؟

    الجواب: الذي يبدو أن الإنسان إذا أدرك صلاة العيد صلاها، وإذا لم يدركها فقد فاتته، وهذا على القول بأنها فرض كفاية، إذ حصلت تأديتها بالذين أدوها، وعلى القول بأنها فرض عين فإنها إن فاتته صلاها.

    حكم تأمين المأمومين على دعاء الإمام في الاستسقاء

    السؤال: هل يشرع للإمام إذا استقبل القبلة بعد خطبة الأستسقاء ودعا أن يؤمن الناس على دعائه؟

    الجواب: إذا كان مستقبلاً لهم وهو يخطب وهم يسمعون فيؤمنون على دعائه إذا دعا، وأما في حال استقباله القبلة فإنه يدعو وهم يدعون.

    حكم الاشتراك في الإنترنت

    السؤال: ما حكم الاشتراك في الإنترنت؟

    الجواب: الاشتراك في الإنترنت فيه خير وشر، فكون الإنسان يشترك في الذي يكون فيه نفع للمسلمين وخدمة للإسلام والمسلمين أمر ممكن على اعتبار أنه مأمون جانبه، مثل ذكره للبدع والكتب التي فيها خير وشر، فليس كل أحد يمكنه أن يستفيد منها وأن يخرج منها بفائدة؛ لأن الإنسان الذي ليس عنده قوة وليس عنده تمكن يلحقه في ذلك مضرة، والأمر مثلما قال شيخ الإسلام ابن تيمية رحمة الله عليه، حيث يقول: إن الذي سلم في علمه من علم الكلام اثنان: الإنسان الذي ما دخله أصلاً، والإنسان الذي دخله وكان متمكناً في علم الشريعة، ثم تمكن في علم الكلام وبين فساده وما فيه من المشروع.

    والإنسان الذي دخل فيه ولم يكن متمكناً فهذا هو نصف المتكلم، وقد قال: يفسد الدنيا أربعة: نصف متكلم، ونصف فقيه، ونصف نحوي، ونصف طبيب.

    هؤلاء هم الذين يفسدون الدنيا، فنصف المتكلم يفسد الأديان، حيث يتكلم في العقيدة بعلم الكلام، ونصف الطبيب يفسد الأبدان الذي هو المتطبب، ونصف النحوي يفسد اللسان، ونصف الفقيه يفسد البلدان، فمعناه أن الناس يعبدون الله أو يتعاملون بمعاملات ليست على هدى، بل مبنية على جهل وعدم علم.

    فالاشتراك فيه من قبل الإنسان المتمكن الذي عنده قدرة وعنده أهلية، وسيستفيد منه ويترك الضرر، أو ينبه على الضرر لاشك في جوازه، وأما الذي ما عنده القدرة ولا عنده علم فسلامته خير له.

    الحكم إذا واعد الإمام الناس للاستسقاء ونزل المطر قبل أن يخرجوا

    السؤال: إذا وعد الإمام الناس للاستسقاء ونزل المطر قبل أن يخرجوا فما الحكم؟

    الجواب: إذا نزل المطر انتهى الأمر، فقد سقوا، فما دام أنه نزل المطر فإن الله تعالى حقق لهم ما يريدون بدون أن يستسقوا.

    وأما قصة سليمان أنه خرج يستسقي، فالحديث فيه كلام، وقد ذكره الحافظ في البلوغ وقال: (رأى نملة مستلقية على ظهرها تقول: اللهم إنا خلق من خلقك فلا تمنع عنا فضلك. فقال سليمان : ارجعوا فقد سقيتم بدعوة غيركم).

    حكم خروج الناس للاستسقاء وقد مطر بعضهم

    السؤال: إذا حدد أنه في اليوم الفلاني يكون استسقاء، ثم نزلت الأمطار على بعض المناطق، فهل يخرجون للاستسقاء؟

    الجواب: يمكن للآخرين أن يخرجوا، فالجماعة الذين نزل عندهم المطر لولم يصلوا حصل المقصود، لكن إذا صلوا ودعوا لغيرهم كان ذلك حسناً.

    وهو -أيضاً- بحاجة إلى المزيد من المطر، فيطلبون الله، لكن إذا كان هناك شيء كثير من الأمطار فيدعون بذهابها عنهم مثل قول النبي صلى الله عليه وسلم: (اللهم حوالينا ولا علينا ...).

    معنى قوله تعالى: (وكان عرشه على الماء)

    السؤال: ما المراد بقوله جل وعلا: وَكَانَ عَرْشُهُ عَلَى الْمَاءِ [هود:7]هل هو الماء الحقيقي؟

    الجواب: نعم هو ماء حقيقي، قال تعالى: وَكَانَ عَرْشُهُ عَلَى الْمَاءِ [هود:7] أي: الماء الحقيقي، فالعرش كان موجوداً قبل خلق السماوات والأرض بخمسين ألف سنة، فقد قدر الله المقادير والخلائق قبل خلق السماوات والأرض بخمسين ألف سنة، وكان عرضه على الماء، فالماء كان موجوداً والعرش كان موجوداً.

    فالمقصود بالماء الماء الذي يعرفه الناس وليس بشيء آخر لا يعرف.

    حكم سفر المرأة المعتدة إلى بيت أهلها

    السؤال: المرأة التي في العدة هل يجوز لها أن تسافر من البلد الذي تقيم فيه وتذهب إلى مدينة أخرى يقيم فيها والدها وقرابتها؟

    الجواب: نعم، إذا كان بقاؤها في البلد الذي مات فيه زوجها وليس عندها أحد، وتخشى على نفسها فلها أن تسافر وتعتد عند أهلها.

    حكم المصلي إذا كان حاملاً لطفل فبال عليه

    السؤال: المصلي إذا كان حاملاً للطفل فبال عليه مذا يفعل؟ وهل صلاته باطلة؟

    الجواب: إذا كان هذا البول الذي حصل على شيء يمكن نزعه كأن بال على غترته فإنه يؤخر غترته ويبقى في صلاته، وإن كان لا يمكن نزعه فعليه أن يقطع الصلاة ويذهب ليخلع ثيابه.

    الحق لا يخرج عن المذاهب الأربعة إلا ما ندر

    السؤال: هل الحق يخرج عن المذاهب الأربعة؟

    الجواب: المذاهب الأربعة -كما هو معلوم- إنما وجدت في القرن الثاني الهجري، وأول الأئمة الأربعة أبو حنيفة رحمة الله عليه، ولد سنة ثمانين، فالقرن الأول كان الناس فيه على ما جاء عن رسول الله صلى الله عليه وسلم وعلى الأدلة وعلى اجتهادات العلماء.

    ومعلوم أن مذاهب الأئمة الأربعة في غالب المسائل أو جل المسائل -إلا ما ندر- هي مع الدليل، لكن قد يوجد بعض المسائل التي يكون الأئمة الأربعة فيها على خلاف قول دل عليه الدليل، وهذا مثل مسألة جعل الطلاق الثلاث واحدة، فقد جاء حديث في صحيح مسلم أنه كان في زمن الرسول صلى الله عليه وسلم وأبي بكر وصدر من خلافة عمر الطلاق الثلاث يعتبر واحدة، والأئمة الأربعة على أنه يكون ثلاثاً، فهذه مسألة فيها دليل كما في صحيح مسلم على خلاف ما جاء عن الأئمة الأربعة، لكن جل المسائل -إلا ما ندر- لاشك أن الدليل فيها وأن الحق موجود في هذه المذاهب إما فيها كلها أو في واحد منها أو في اثنين منها.

    ضابط إطلاق الفسق على العاصي

    السؤال: من المعلوم أن تكفير المعين لابد فيه من شروط تتوافر في الشخص، وموانع تنتفي عنه، ويقوم بذلك أهل العلم، فهل التفسيق يجري مجراه؟ بمعنى: إذا رأيت شخصاً عنده معاص هل يصح لي أن أطلق عليه وصف فاسق؟

    الجواب: كما هو معلوم أن الكفر يتعلق بالاعتقاد، وهذا قد لا يتبين، لكن الفسق يكون ظاهراً، حيث يشاهده الناس يعمل الأعمال المحرمة، فهذا هو الفسق، وإذا لم يقل لمثل هذا: إنه فاسق فعلى من يطلق الفسق؟

    ولكن قد يكون بعض الناس عنده جهل فينبه ويعلم، وبعض الناس يكون على علم ويكون أشد وأخطر من الذي يعصي وهو جاهل.

    والشاعر يقول:

    إذا كنت لا تدري فتلك مصيبة

    وإن كنت تدري فالمصيبة أعظم

    والحاصل أنه ليس كل شيء يقال له: فسق؛ لأن بعض الناس قد يطلق على شيء الفسق وليس فسقاً، لكن المقصود هو الشيء الواضح الذي هو محل إجماع واتفاق كشخص معروف بشرب الخمر وبالزنا فيقال له: فاسق.

    الحكم إذا كان الخطيب يتكلم بكلام يخالف السنة

    السؤال: إذا كان الخطيب يتكلم بكلام يخالف الكتاب والسنة ومنهج السلف في خطبة الجمعة فهل يجب عليه السماع أو ماذا يفعل؟

    الجواب: على الإنسان أن يجلس ويسمع الخطبة، ولكنه بعد ذلك ينبه الخطيب على أخطائه، وإذا كان هذا شأنه وأن كلامه ليس على استقامة وليس على منهج صحيح فإنه فإذا كان هناك مجال للتخلص منه بأن يرفع أمره إلى المسئولين فيستبدل من هو خير منه فهذا هو المطلوب، وإلا فالإنسان لا يحضر الصلاة عنده، ولكن يبحث عن مسجد آخر يصلي فيه الجمعة ولا يصلي وراء ذلك الشخص الذي هو غير مستقيم، وكلامه غير مستقيم، وخطبه قائمة على أمور منكرة.

    حكم المؤتم إذا جاء قبل نهاية صلاة الجنازة بتكبيرة

    السؤال: ماذا أفعل إذا جئت قبل نهاية صلاة الجنازة بتكبيرة؟ هل أقضيها كلها أم أسلم مع الإمام؟ وكيف صفة القضاء؟

    الجواب: إذا جئت وهو قد كبر التكبيرة الثالثة فادخل معه وادع للميت؛ لأن اشتغالك بقراءة الفاتحة والصلاة على النبي صلى الله عليه وسلم يفوت الدعاء، والمقصود من صلاة الجنازة هو الدعاء، وإنما جعلت قراءة الفاتحة والصلاة على النبي صلى الله عليه وسلم تمهيداً ووسيلة، ومن أسباب قبول الدعاء كونه يسبق بحمد الله والصلاة على رسول الله صلى الله عليه وسلم، كما جاء في قصة الذي سمعه النبي صلى الله عليه وسلم يدعو ولم يحمد الله ولم يصل على النبي فقال: (عجل هذا).

    فإذا كان ليس هناك مجال إلا للدعاء فقط ولو اشتغل بالفاتحة والصلاة على النبي فاته الدعاء فإنه يأتي بالدعاء؛ لأن الدعاء هو المقصود من صلاة الجنازة، وإذا سلم الإمام أو كبر التكبيرة الرابعة يكون هو أدرك واحدة، فيكبر الثالثة حال الدخول ثم يكبر معه الرابعة، ثم بعد ذلك بعدما يسلم الإمام يكبر التكبيرتين متواليتين، وإن دعا بينهما قال: اللهم اغفر له؛ لأن الجنازة ترفع، فلا يبقى متسع للإنسان ليقف ويدعو، فيكبر التكبيرات الباقية ويسلم، وهذا داخل تحت عموم قوله صلى الله عليه وسلم: (ما أدركتم فصلوا، وما فاتكم فأتموا).

    دعاء الاستسقاء بين الجهر والسرية

    السؤال: هل الدعاء في الاستسقاء يكون جهراً أم سراً؟

    الجواب: دعاء الإمام الذي في الخطبة يكون جهراً كما هو معلوم أن الخطيب يدعو وهم يؤمنون، وأما الدعاء الذي يكون بعد تحويل الأردية فإنه يكون سراً.