إسلام ويب

شرح سنن أبي داود [135]للشيخ : عبد المحسن العباد

  •  التفريغ النصي الكامل
  • يوم الجمعة يوم عظيم، وقد شرع الله تعالى فيه صلاة الجمعة، وهي تتعلق بها جملة من الأحكام الشرعية، منها وجوبها وفرضيتها على كل مسلم إلا المرأة والعبد والمريض والمسافر والصبي، ومن أحكامها ما يتعلق باجتماعها مع أحد العيدين، ويسن أن يقرأ الإمام فيها بسورتي الجمعة والمنافقون وفي فجرها بالسجدة والإنسان.

    1.   

    الجمعة للمملوك والمرأة

    شرح حديث (الجمعة حق واجب على كل مسلم...)

    قال المصنف رحمه الله تعالى: [ باب: الجمعة للمملوك والمرأة.

    حدثنا عباس بن عبد العظيم حدثني إسحاق بن منصور حدثنا هريم عن إبراهيم بن محمد بن المنتشر عن قيس بن مسلم عن طارق بن شهاب رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: (الجمعة حق واجب على كل مسلم في جماعة إلا أربعة: عبد مملوك، أو امرأة، أو صبي، أو مريض).

    قال أبو داود : طارق بن شهاب قد رأى النبي صلى الله عليه وسلم ولم يسمع منه شيئاً ].

    يقول الإمام أبو داود السجستاني رحمه الله تعالى: [باب: الجمعة للمملوك والمرأة] أي: ما حكمها في حقهما؟

    ومعلوم أن المرأة لا تجب عليها الجمعة بإجماع العلماء، والمملوك فيه خلاف بين أهل العلم: منهم من قال بوجوبها عليه إذا كان مخارجاً، أي: متفقاً معه على أن يعمل ويعطي لسيده خراجاً معلوماً، فإنه يكون في هذه الحالة مثل الحر، يتصرف في نفسه، وهو مستقل بعمله، وإنما يدفع لسيده خراجاً معلوماً من المال، وإلا فإنه يتصرف تصرف الأحرار، فإذا كان المملوك غير مرتبط بعمل يعذر صاحبه في التخلف عن الجمعة فإنه يكون حكمه حكم الحر، بمعنى: أن عليه أن يحضر الصلاة، وأما إذا كان غير متمكن أو كان مكلفاً بعمل والأمر يقتضي بقاءه في عمله فإنه يكون معذوراً.

    وقد أورد أبو داود رحمه حديث طارق بن شهاب رضي الله تعالى عنه أن النبي عليه الصلاة والسلام قال: [(الجمعة حق واجب على كل مسلم في جماعة)] وهذا فيه أن الجمعة من فروض الأعيان، وأنها فرض عين على كل مسلم، وأنها ليست من قبيل فروض الكفايات، وإنما هي من فروض الأعيان.

    وقوله: [(على كل مسلم في جماعة)] دليل على أن الجمعة تؤدى جماعة.

    وقوله: [(إلا أربعة: عبد مملوك، أو امرأة، أو صبي، أو مريض)] الصبي مثل المرأة باتفاق العلماء، فالجمعة لا تجب عليه؛ لأنه غير مكلف، ولكن وليه مأمور بأن يأمره أن يصلي وأن يعوده على حضور الجمعة والجماعة، لكنه لا يأثم إذا لم يحصل منه حضور الجمعة والجماعة.

    وكذلك المريض أيضاً يعذر في ترك الجمعة والجماعة إذا كان لا يستطيع أو يلحقه ضرر بحضور الجماعة، فإنه معذور، قال الله تعالى: لا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلَّا وُسْعَهَا [البقرة:286].

    ولو حضر الجمعة أحد المعذورين فإنها تجزئه عن الظهر، فهؤلاء الذين لا تجب عليهم الجمعة إذا حضروا الجمعة أجزأتهم الجمعة، ويسقط عنهم ما كان عليهم من الفرض في ذلك الوقت.

    والمسافر إذا كان سائراً فإنه لا تجب عليه الجمعة، ولكنه إذا حضر وصلى أجزأته، وإذا كان في البلد مقيماً فإن حكمه حكم المقيمين إذا سمع النداء فعليه أن يشهد الصلاة، ولا يجلس في بيته وهو مستقر مقيم، أما المسافر السائر فلا تلزمه الجمعة، ولكن إذا كان هناك مسجد في الطريق ونزل وصلى فيه فلا شك في أن ذلك خير.

    تراجم رجال إسناد حديث (الجمعة حق واجب على كل مسلم...)

    قوله: [ حدثنا عباس بن عبد العظيم ].

    هو عباس بن عبد العظيم العنبري البصري، ثقة أخرج حديثه البخاري تعليقاً ومسلم وأصحاب السنن.

    [ حدثني إسحاق بن منصور ].

    هو إسحاق بن منصور السلولي صدوق أخرج حديثه أصحاب الكتب الستة.

    وإسحاق بن منصور اثنان:

    أحدهما: إسحاق بن منصور الكوسج ، والثاني: إسحاق بن منصور السلولي ، وهما في طبقتين، فإذا جاء في طبقة شيوخ البخاري وأهل السنن فهو إسحاق بن منصور الكوسج ، وإذا جاء في طبقة شيوخ شيوخهم فهو إسحاق بن منصور السلولي .

    [ حدثنا هريم ].

    وهريم بن سفيان، صدوق أخرج له أصحاب الكتب الستة.

    [ عن إبراهيم بن محمد بن المنتشر ].

    إبراهيم بن محمد بن المنتشر ثقة، أخرج له أصحاب الكتب الستة.

    [ عن قيس بن مسلم ].

    قيس بن مسلم ثقة أخرج له أصحاب الكتب الستة.

    [ عن طارق بن شهاب ].

    طارق بن شهاب رضي الله عنه صحابي صغير رأى النبي صلى الله عليه وسلم، قال أبو داود : [لم يسمع منه شيئاً] وحديثه من مراسيل الصحابة، ومراسيل الصحابة مقبولة وحجة؛ لأنهم غالباً إنما يروون ويأخذون ويتلقون عن الصحابة، وحديثه أخرجه أصحاب الكتب الستة.

    1.   

    الجمعة في القرى

    شرح حديث (ذكر أول جمعة جمعت في الإسلام ...)

    قال المصنف رحمه الله تعالى: [ باب الجمعة في القرى.

    حدثنا عثمان بن أبي شيبة ومحمد بن عبد الله المخرمي -لفظه- قالا: حدثنا وكيع عن إبراهيم بن طهمان عن أبي جمرة عن ابن عباس رضي الله عنهما أنه قال: (إن أول جمعة جمعت في الإسلام بعد جمعة جمعت في مسجد رسول الله صلى الله عليه وسلم بالمدينة لجمعة جمعت بجواثا قرية من قرى البحرين) قال عثمان : قرية من قرى عبد قيس ].

    أورد أبو داود رحمه الله: [باب الجمعة في القرى] يعني أنها تكون في القرى كما تكون في المدن وليست مقصورة على المدن الكبيرة التي فيها المنازل الكثيرة، وإنما القرية التي فيها عدد قليل من الناس مستوطنون، ولهم أبنية هم ساكنون فيها، وليسوا رحلاً ينتقلون من مكان إلى مكان طلباً للعشب كما هو شأن أهل البادية الذين يتتبعون العشب ونزول الأمطار.

    فإذا كان هناك أناس مستوطنون في قرية فإنها تجب عليهم الجمعة، وليس لهم أن يتركوا الجمعة ويصلوا ظهراً، بل عليهم أن يصلوا الجمعة، وليس الأمر مقصوراً على المدن الكبار، وإنما القرى أيضاً حكمها حكم المدن.

    وقد أورد أبو داود حديث ابن عباس في قصة عبد القيس وأول جمعة جمعت بعد مسجد الرسول صلى الله عليه وسلم، وذلك في مسجد جواثا، وهي قرية من قرى البحرين، وهي لعبد القيس من قبيلة ربيعة، الذين وفدوا إلى رسول الله عليه الصلاة والسلام في زمن مبكر وقالوا: (يا رسول الله! إنا لا نصل إليك إلا في شهر حرام، وبيننا وبينك هذا الحي من كفار مضر، فمرنا بأمر نعمل به ونخبر به من وراءنا) فالرسول صلى الله عليه وسلم علمهم، وبعد رجوع وفدهم صلوا الجمعة في مسجدهم، وكان قدومهم إلى المدينة في زمن مبكر حيث لقوا رسول الله صلى الله عليه وسلم وطلبوا منه أن يوصيهم، وأخبروه أن بينهم وبينه كفار مضر، وأنهم لا يستطيعون أن يأتوا إليه إلا في الشهر الحرام الذي يعظمه الكفار، فأوصاهم الرسول صلى الله عليه وسلم بوصايا، وسألوه أسئلة وأجابهم عنها صلى الله عليه وسلم.

    والمقصود أنهم جمعوا في قرية، وهذا دليل على مشروعية إقامة الجمع في القرى، وليس الأمر خاصاً بالأمصار والمدن، بل هو لها ولغيرها مما فيه الاستيطان والاستقرار، فهذا يدل على ما ترجم له المصنف من إقامة الجمعة في القرى كما تقام في المدن.

    وقرية جواثا في بلاد البحرين، والمقصود ببلاد البحرين جهة شرق الجزيرة على الساحل، والآن في اصطلاح الناس تطلق على الجزر التي في وسط البحر، لكن البحرين قديماً كانت تطلق على المنطقة التي على الساحل كلها.

    وبالنسبة للبدو الرحل الذين يقيمون في مكان قرابة ستة أشهر مثلاً فإنهم لا يجمعون ولو مكثوا طويلاً؛ لأن من شرط التجميع الاستقرار في قرى، وليس في بيوت شعر ينتقلون من مكان إلى مكان ويتحولون من مكان إلى مكان طلباً للعشب.

    تراجم رجال إسناد حديث (ذكر أول جمعة جمعت في الإسلام ...)

    قوله: [ حدثنا عثمان بن أبي شيبة ].

    هو عثمان بن أبي شيبة الكوفي، ثقة أخرج له أصحاب الكتب الستة إلا الترمذي .

    [ ومحمد بن عبد الله المخرمي ].

    هو محمد بن عبد الله بن المبارك المخرمي، ثقة أخرج حديثه البخاري وأبو داود والنسائي .

    [ لفظه ].

    يعني أنه ساق لفظ الشيخ الثاني، الذي هو محمد بن عبد الله بن المبارك .

    [ قالا: حدثنا وكيع ].

    هو وكيع بن الجراح الرؤاسي الكوفي ، وهو ثقة أخرج له أصحاب الكتب الستة.

    [ عن إبراهيم بن طهمان ].

    إبراهيم بن طهمان ثقة، أخرج له أصحاب الكتب الستة.

    [ عن أبي جمرة ].

    هو نصر بن عمران الضبعي، وهو ثقة أخرج له أصحاب الكتب الستة، وهو مشهور بكنيته أبي جمرة ، وهو يروي عن ابن عباس ، ويوجد آخر يشابهه في الرسم وهو أبو حمزة يروي عن ابن عباس ، والتصحيف يمكن أن يكون بينهما، فهذا أبو جمرة وذاك أبو حمزة فليس بينهما فرق إلا في النقط، والأول هو المكثر من الرواية عن ابن عباس ، بل جاء في صحيح البخاري في باب أداء الخمس من الإيمان أن ابن عباس قال له: (ألا أجعل لك جعلاً على أن تبلغ عني)، يعني أن يبلغ الذي يحدث به ابن عباس لمن لا يسمع لبعد مكانه، ولهذا قال الحافظ ابن حجر : وهو حجة في اتخاذ المحدث المستملي. فـأبو جمرة كان ملازماً لـابن عباس ، ويروي عن ابن عباس كثيراً، بخلاف أبي حمزة القصاب الذي كنيته قريبة في الرسم من كنية أبي جمرة نصر بن عمران الضبعي .

    [ عن ابن عباس ].

    هو عبد الله بن عباس بن عبد المطلب، ابن عم النبي صلى الله عليه وسلم وأحد العبادلة الأربعة من أصحاب النبي عليه الصلاة والسلام ورضي الله تعالى عن الصحابة أجمعين.

    شرح أثر ترحم كعب بن مالك على أسعد بن زرارة لجمعه بهم أول جمعة

    قال المصنف رحمه الله تعالى: [ حدثنا قتيبة بن سعيد ، حدثنا ابن إدريس عن محمد بن إسحاق عن محمد بن أبي أمامة بن سهل عن أبيه عن عبد الرحمن بن كعب بن مالك -وكان قائد أبيه بعد ما ذهب بصره- عن أبيه كعب بن مالك رضي الله عنه: (أنه كان إذا سمع النداء يوم الجمعة ترحم لـأسعد بن زرارة فقلت له: إذا سمعت النداء ترحمت لـأسعد بن زرارة ! قال: لأنه أول من جمع بنا في هزم النبيت من حرة بني بياضة في نقيع يقال له: نقيع الخضمات، قلت: كم أنتم يومئذ؟ قال: أربعون) ].

    أورد أبو داود حديث كعب بن مالك رضي الله تعالى عنه صاحب رسول الله صلى الله عليه وسلم، وهو الصحابي المشهور صاحب القصة المشهورة في التخلف عن تبوك، وأورد عنه أبو داود رضي الله عنه هذا الحديث الذي فيه أن ابنه عبد الرحمن كان قائده لما عمي وفقد بصره، وكان أبوه إذا سمع الأذان يوم الجمعة ترحم على أسعد بن زرارة ، فسأله ابنه عن سبب هذا الترحم عليه، فأخبره بأنه يتذكر أول جمعة جمعت، وكان الذي صلى بهم الجمعة وجمع بهم هو أسعد بن زرارة رضي الله تعالى عنه، وكان ذلك في المدينة قبل مقدم النبي صلى الله عليه وسلم إليها، وكان ذلك في هزم النبيت في حرة بني بياضة، يعني: في ذلك المكان جمع بهم وصلى بهم الجمعة، وهو أول من صلى بهم الجمعة، وكان عدد المصلين أربعين، وهذا يدل على إقامتها في القرى.

    واستدل به بعض أهل العلم على أن عدد المصلين يوم الجمعة لا يقل عن أربعين؛ لأن أول جمعة جمعت كان عددهم فيها أربعين، قالوا: فلا ينقص العدد في الجمعة عن أربعين، لكن هذا الحديث لا يدل على اشتراط الأربعين، وإنما فيه بيان أنه حصل اتفاقاً أنهم كانوا أربعين، فليس فيه دليل على اشتراط هذا العدد، وأنه لا ينقص عدد المصلين يوم الجمعة عن هذا العدد، بل يجوز أقل من ذلك، ففي الحديث أن الصحابة لما سمعوا بالعير ذهبوا وما بقي مع النبي صلى الله عليه وسلم إلا اثنا عشر رجلاً، بل يجوز أن يصلي الجمعة ثلاثة إذا كانوا أهل القرية، وهم مستقرون ومستوطنون، فإنهم يصلون الجمعة والجماعة؛ لأنه لم يأت حديث صحيح عن رسول الله صلى الله عليه وسلم في مقدار عدد الذين تنعقد بهم الجمعة.

    والجمعة التي صلاها أسعد بن زرارة بأهل المدينة كانت قبل الهجرة، قبل أن يبنى مسجد الرسول عليه الصلاة والسلام، وقبل أن يبنى مسجد قباء.

    تراجم رجال إسناد أثر ترحم كعب بن مالك على أسعد بن زرارة لجمعه بهم أول جمعة

    قوله: [ حدثنا قتيبة بن سعيد ].

    هو قتيبة بن سعيد بن جميل بن طريف البغلاني ، وبغلان قرية من قرى بلخ، وهو ثقة أخرج له أصحاب الكتب الستة.

    [ حدثنا ابن إدريس ].

    هو عبد الله بن إدريس، وهو ثقة أخرج له أصحاب الكتب الستة.

    [ عن محمد بن إسحاق ].

    هو محمد بن إسحاق المدني، وهو صدوق أخرج حديثه البخاري تعليقاً ومسلم وأصحاب السنن الأربعة.

    [ عن محمد بن أبي أمامة بن سهل ].

    هو محمد بن أمامة بن سهل بن حنيف، ثقة أخرج له أبو داود والنسائي وابن ماجة .

    [ عن أبيه ].

    هو أبو أمامة بن سهل بن حنيف، واسمه أسعد ، وقيل: إن له رؤية، وحديثه أخرجه أصحاب الكتب الستة.

    [ عن عبد الرحمن بن كعب بن مالك ].

    عبد الرحمن بن كعب بن مالك ثقة، أخرج له أصحاب الكتب الستة.

    [ عن أبيه ].

    هو كعب بن مالك رضي الله تعالى عنه صاحب رسول الله صلى الله عليه وسلم، وهو أحد الثلاثة الذين خلفوا وتاب الله عليهم وذكرهم في آخر سورة التوبة بقوله تعالى: لَقَدْ تَابَ اللَّهُ عَلَى النَّبِيِّ وَالْمُهَاجِرِينَ وَالأَنصَارِ [التوبة:117] إلى أن قال: وَعَلَى الثَّلاثَةِ الَّذِينَ خُلِّفُوا حَتَّى إِذَا ضَاقَتْ عَلَيْهِمُ الأَرْضُ بِمَا رَحُبَتْ [التوبة:118].. الآية، فـكعب بن مالك رضي الله عنه هو أحد هؤلاء الثلاثة، وقد نجاه الله بالصدق، ولهذا لما ذكرهم الله عز وجل قال بعد الآية التي فيها ذكرهم: يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَكُونُوا مَعَ الصَّادِقِينَ [التوبة:119] أي: كونوا مع أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم أهل الصدق.

    1.   

    إذا وافق يوم الجمعة يوم عيد

    شرح حديث (أشهدت مع رسول الله صلى الله عليه وسلم عيدين اجتمعا في يوم)

    قال المصنف رحمه الله تعالى: [ باب: إذا وافق يوم الجمعة يوم عيد.

    حدثنا محمد بن كثير أخبرنا إسرائيل حدثنا عثمان بن المغيرة عن إياس بن أبي رملة الشامي أنه قال: (شهدت معاوية بن أبي سفيان رضي الله عنهما وهو يسأل زيد بن أرقم رضي الله عنه قال: أشهدت مع رسول الله صلى الله عليه وسلم عيدين اجتمعا في يوم؟ قال: نعم، قال: فكيف صنع؟ قال: صلى العيد ثم رخص في الجمعة فقال: من شاء أن يصلي فليصل) ].

    أورد أبو داود رحمه الله هذه الترجمة، وهي: [باب: إذا وافق يوم الجمعة يوم عيد] يعني: إذا وافق عيد الأضحى أو عيد الفطر يوم الجمعة فما الحكم؟ هل يلزم كل مسلم أن يصلي العيد وأن يصلي الجمعة، أو أنه إذا حضر العيد فإنه يجزئه عن الجمعة، بمعنى أنه لا يلزمه حضورها ولكنه يصلي ظهراً حيث لم يحضر الجمعة؟

    والجواب أن من صلى العيد فإنه مرخص له أن يتخلف عن الجمعة، ولا يلزمه أن يحضر العيد ويحضر الجمعة، بل إذا حضر العيد فإنه مرخص له أن يتخلف عن الجمعة، فأهل الأطراف وأهل العوالي وأهل الأماكن البعيدة الذين يأتون من خارج البلد إذا قدموا للعيد في ذلك اليوم فلهم أن يرجعوا إلى أماكنهم ولا يصلون الجمعة ذلك اليوم، ولا يلزمهم أن يعودوا مرة ثانية إلى الجمعة، ولا يلزمهم أن يبقوا من أجل أن يصلوا الجمعة إذا جاءوا لصلاة العيد؛ لأن الاجتماع الأعظم الكبير الذي اعتادوه في كل يوم جمعة قد حصل في صلاة العيد، فلهذا جاء الترخيص لهم بأن يتخلفوا، ولكنهم إذا تخلفوا لا بد من أن يصلوا الظهر؛ لأن فرض الظهر لا بد منه، فهو لا يسقط، والله تعالى فرض خمس صلوات في كل يوم وليلة، سواءٌ أكان يوم عيد وافق جمعة أم غير ذلك، فلا بد من أداء الصلوات الخمس في كل يوم وليلة، ولكن إذا حصل اجتماع يوم عيد مع الجمعة فإنه يرخص في التخلف عن الجمعة؛ لأن الاجتماع الذي كان مطلوباً في الجمعة قد وجد في صلاة العيد في ذلك اليوم، ففي الحديث دليل على أن من حضر العيد يرخص له في ترك الجمعة، وأن من أراد أن يصلي الجمعة فلا شك في أن ذلك خير له وأفضل وأولى، ولكن من حضر العيد فليس ملزماً بالجمعة، وليس آثماً لو تخلف عن الجمعة، لكن لا بد من صلاة الظهر.

    وفيه إطلاق العيد على الجمعة، وأن يوم الجمعة يقال له: يوم عيد، فهو عيد الأسبوع؛ لأن الحديث فيه [أشهدت مع رسول الله صلى الله عليه وسلم عيدين اجتمعا في يوم؟] فقال: نعم. يعني: اجتمع في يوم واحد الجمعة والعيد، فهذا يدلنا على إطلاق لفظ العيد على الجمعة وأنه يقال له: يوم عيد، وهو عيد المسلمين الأسبوعي، ولهذا جاء النهي عن إفراده بالصوم، ولكن إذا صيم ومعه غيره فلا بأس بذلك، وأما إذا صيم وحده فإن ذلك لا يجوز، والنبي صلى الله عليه وسلم لما دخل على أم المؤمنين جويرية وقد صامت يوم الجمعة قال لها: (أصمت أمس؟ قالت: لا، قال: أتصومين غداً؟ قالت: لا، قال: فأفطري) فدل هذا على أنه لا يجوز إفراده بالصوم ولكن يصام معه يوم قبله أو يوم بعده أو قبله وبعده.

    ففيه إطلاق العيد على الجمعة، وقد جاء ذلك في بعض الآثار كما في خطبة أمير المؤمنين عثمان بن عفان التي أوردها البخاري في صحيحه حيث خطب الناس وقال لهم: (إنه قد اجتمع لكم في يومكم هذا عيدان).

    تراجم رجال إسناد حديث (أشهدت مع رسول الله صلى الله عليه وسلم عيدين اجتمعا في يوم)

    قوله: [ حدثنا محمد بن كثير ].

    هو محمد بن كثير العبدي، ثقة أخرج له أصحاب الكتب الستة.

    [ أخبرنا إسرائيل ].

    هو إسرائيل بن يونس بن أبي إسحاق، وهو ثقة أخرج له أصحاب الكتب الستة.

    [ حدثنا عثمان بن المغيرة ].

    عثمان بن المغيرة ثقة أخرج له البخاري وأصحاب السنن.

    [ عن إياس بن أبي رملة الشامي ].

    إياس بن أبي رملة الشامي مجهول أخرج له أبو داود والنسائي وابن ماجة .

    [ عن زيد بن أرقم ]

    هو زيد بن أرقم رضي الله عنه صاحب رسول الله صلى الله عليه وسلم، وحديثه أخرجه أصحاب الكتب الستة.

    والحديث في سنده مجهول، ولكن له شواهد، فهو ثابت، وقد جاء عن النبي صلى الله عليه وسلم ما يدل على ما دل عليه، فالحديث ثابت عن رسول الله صلى الله عليه وسلم.

    شرح أثر ترك ابن الزبير صلاة الجمعة والظهر يوم العيد

    قال المصنف رحمه الله تعالى: [ حدثنا محمد بن طريف البجلي حدثنا أسباط عن الأعمش عن عطاء بن أبي رباح أنه قال: (صلى بنا ابن الزبير رضي الله عنهما في يوم عيد في يوم جمعة أول النهار ثم رحنا إلى الجمعة فلم يخرج إلينا فصلينا وحداناً، وكان ابن عباس بالطائف، فلما قدم ذكرنا ذلك له فقال: أصاب السنة) ].

    أورد أبو داود حديث ابن عباس رضي الله تعالى عنه أن ابن الزبير رضي الله عنه صلى بهم أول النهار صلاة العيد ثم ذهبوا إلى صلاة الجمعة فلم يخرج إليهم فصلوا وحداناً، ولما أخبروا ابن عباس بالذي صنع ابن الزبير قال: [أصاب السنة] أي: في كون الجمعة ليست بلازمة على من حضر العيد، لكن بعض أهل العلم قال: إن الإمام عليه أن يجمع ويحضر معه من يحضر، وقد جاء في حديث أبي هريرة الذي سيأتي أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (وإنا مجمعون) لما رخص للناس في التخلف عن الجمعة، فدل قوله: (وإنا مجمعون) على أن من أراد أن يحضر فليحضر، ولكنه ليس بلازم؛ لأن المقصود من الاجتماع الأسبوعي الذي يجتمع فيه العدد الكبير من المسلمين قد تحقق ذلك في هذا اليوم في صلاة العيد، فمن حضره فإنه مرخص له أن يتخلف عن الجمعة؛ لأن الاجتماع الذي يحصل في كل أسبوع قد وجد في أول النهار.

    وقول ابن عباس رضي الله عنه: [أصاب السنة] أي: أصاب سنة الرسول صلى الله عليه وسلم؛ لأن الصحابي إذا قال: (هذا سنة) أو: (هذا من السنة) فله حكم الرفع إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم، والظاهر أن ابن الزبير صلى في بيته وما خرج إليهم للجمعة، لكن حديث أبي هريرة الذي سيأتي فيه أن الإمام يجمع وأن من شاء أن يتخلف عن الجمعة فله ذلك ولا يأثم، ولا يؤاخذ، ولا يعاقب، وهذا الذي جاء عن ابن الزبير رضي الله تعالى عنه وأرضاه فيه دلالة على أنهم ما تركوا صلاة الظهر، وإنما جاءوا من أجل الجمعة، ولكنه لما لم يحضر صلوا وحداناً، أي: صلوا الظهر؛ لأن الظهر هي فرض الوقت، وهي ضمن خمس صلوات في كل يوم وليلة، فقد قال عليه الصلاة والسلام لـمعاذ حين بعثه إلى أهل اليمن: (فإن هم أجابوك لذلك - أي: للشهادتين والدخول في الإسلام - فأخبرهم أن الله افترض عليهم خمس صلوات في كل يوم وليلة) فلا تسقط الصلاة في أي يوم من الأيام عن أحد من الناس المكلفين، بل هي لازمة لهم ومتعينة عليهم، والإنسان يصلي على حسب طاقته وقدرته، ولا يكلف الله نفساً إلا وسعها، وعلى هذا فمن قال من أهل العلم: إن صلاة الظهر تسقط يوم العيد، وإن الإنسان لا يصلي الظهر في ذلك اليوم فقوله غير صحيح، والصحيح أنها تصلى كما كانت في الأصل، فهي فرضت ظهراً أولاً، والجمعة فرضت فيما بعد، ولهذا فإن من لا يحضر الجمعة فإنه يبقى على الأصل فيصلي ظهراً كالنساء وكغير النساء ممن لا يحضر الجمعة، فمن تخلف عن الجمعة فإنه يصلي ظهراً ولا يصلي جمعة؛ لأن الجمعة لا بد فيها من الصلاة على الهيئة المعروفة التي يتقدمها الخطبتان، وتصلى ركعتين، وأما الظهر فهي الأصل، ومن لا يحضر الجمعة فإن فرضه الظهر ولا تسقط عنه الظهر بحال من الأحوال، فالقول بأنها تسقط يوم العيد وأنها لا تصلى في ذلك اليوم غير صحيح، وليس هناك دليل واضح يدل عليه، وحديث أبي هريرة الذي سيأتي يدل على أنها لا تسقط، وكذلك حديث زيد بن أرقم يدل على أنها لا تسقط، وأثر ابن الزبير ليس فيه دليل على أنه ما صلى الظهر؛ لأن أصحابه جاءوا للصلاة.

    وقوله: [ (قال: فلم يخرج إلينا فصلينا وحداناً) ] يفيد أنهم صلوا وحداناً، فيحتمل أن يكون معنى (وحداناً) أنهم كانوا يصلون جماعات متتابعة، ويحتمل أن كل واحد منهم صلى الظهر وحده، وابن الزبير صلى الظهر في بيته.

    وقول ابن عباس : [أصاب السنة] يعني كونه ما حصل منه الإلزام بصلاة الجمعة، لعل هذا هو المقصود، وإلا فحديث أبي هريرة واضح في وقوع التجميع من الإمام، فالمسجد الذي تصلى فيه الجمعة لا تترك فيه الجمعة، بل يصلي الإمام الجمعة مع من يحضر معه.

    ومن لم يحضر العيد يلزمه أن يحضر الجمعة؛ لأن الترخيص إنما هو لمن شهد صلاة العيد، وهذا من الأدلة التي يستدل بها بعض أهل العلم على أن العيد فرض عين، فمن أقوى أدلتهم على أنها فرض عين كون من حضر العيد تسقط عنه الجمعة ويرجع إلى الظهر، فلولا أن العيد فرض عين لما كانت الظهر تجزئ عن الجمعة.

    ومن لم يحضر الجمعة هل يصلي الظهر منفرداً أو في جماعة؟

    الأظهر أن الأمر يرجع إلى ما كان عليه في غير يوم الجمعة، ومن المعلوم أن الجماعة واجبة ولازمة، وأن الناس يصلون جماعات في مساجدهم، وإنما الذي سقط عنهم كونهم ملزمين بأن يتركوا مساجدهم ويذهبوا إلى الجمعة، وإذا صلى الإنسان جماعة حصل المقصود، وإن لم يصل جماعة فإنه يصلي الظهر وحده.

    تراجم رجال إسناد أثر ترك ابن الزبير صلاة الجمعة والظهر يوم العيد

    قوله: [ حدثنا محمد بن طريف البجلي ].

    محمد بن طريف البجلي صدوق أخرج حديثه مسلم وأبو داود والترمذي وابن ماجة .

    [ حدثنا أسباط ].

    هو أسباط بن محمد القرشي، ثقة أخرج له أصحاب الكتب الستة.

    [ عن الأعمش ].

    الأعمش هو سليمان بن مهران الكاهلي الكوفي ، وهو ثقة أخرج له أصحاب الكتب الستة.

    [ عن عطاء بن أبي رباح ].

    هو عطاء بن أبي رباح المكي، وهو ثقة أخرج له أصحاب الكتب الستة.

    [ عن ابن عباس ].

    هو عبد الله بن عباس رضي الله تعالى عنهما، وهو أحد العبادلة الأربعة، وأحد السبعة المعروفين بكثرة الحديث عن النبي صلى الله عليه وسلم، وقد مر ذكره.

    شرح أثر صلاة ابن الزبير العيد والجمعة في ركعتين

    قال المصنف رحمه الله تعالى: [ حدثنا يحيى بن خلف عن أبي عاصم عن ابن جريج أنه قال: قال عطاء : (اجتمع يوم الجمعة ويوم فطر على عهد ابن الزبير رضي الله عنهما فقال: عيدان اجتمعا في يوم واحد فجمعهما جميعاً فصلاهما ركعتين بكرة لم يزد عليهما حتى صلى العصر) ].

    هذه الرواية عن ابن الزبير مشكلة، وهي تختلف عن الرواية السابقة، والرواية السابقة هي الأوضح والأنسب والأليق في حق ابن الزبير رضي الله تعالى عنه، وأنه ما اكتفى بصلاة العيد عن الجمعة، والرسول عليه الصلاة والسلام أخبر أنه سيصلي العيد وأنه سيجمع، فهذه غير هذه، ولا تكون صلاة واحدة يجتمع فيها صلاتان، والروايتان كلاهما عن عطاء بن أبي رباح ، وهي حكاية فعل حصل من ابن الزبير ، وعلى هذا فالرواية الأرجح هي الأولى التي جاءت من طريق الأعمش ، فهي أرجح من الطريق التي جاءت من طريق ابن جريج المكي ، وفيها أن ابن الزبير ركعهما ركعتين عن الجمعة وعن العيد في الصباح، وأنه لم يزد عليهما حتى صلى العصر، ومعنى هذا أنه لم يصل الجمعة ولا الظهر، فالإشكال في كونه جمعهما فصلى صلاة واحدة عن العيد وعن الجمعة، وهذا غير مستقيم؛ لأن الجمعة شيء والعيد شيء، ولكن الشيء الذي جاءت به السنة أن من حضر العيد يمكنه أن يتخلف عن الجمعة، وأن أهل الأطراف وأهل العوالي الذين جاءوا في الصباح ليحضروا صلاة العيد إذا رجعوا إلى منازلهم وإلى أماكنهم لهم أن يصلوا الظهر جماعة، ولكن كونه يأتي بصلاة واحدة وينوى بها صلاة الجمعة والعيد غير مستقيم، وهذه حكاية من عطاء لما حصل من ابن الزبير ، والرواية الأولى تفيد أنهم صلوا العيد ثم جاءوا للجمعة، وأنه لم يخرج إليهم هي الأظهر والأقرب، وبعض أهل العلم يقولون: الظهر تسقط عمن حضر العيد، ويستدلون بهذه الرواية عن ابن الزبير ، وهي أنه صلى في الصباح ثم لم يحصل أنه صلى إلا العصر، ويفهم من هذا أنه ما صلى الظهر، ولكن هذا غير واضح، والرواية الأولى هي الأظهر، وهي لا تدل على أنه جمعهما في صلاة واحدة، ونوى بهما الجمعة والعيد.

    تراجم رجال إسناد أثر صلاة ابن الزبير العيد والجمعة في ركعتين

    قوله: [ حدثنا يحيى بن خلف ].

    يحيى بن خلف صدوق أخرج حديثه مسلم وأبو داود والترمذي وابن ماجة .

    [ عن أبي عاصم ].

    هو الضحاك بن مخلد أبو عاصم النبيل، ثقة أخرج له أصحاب الكتب الستة.

    [ عن ابن جريج ].

    هو عبد الملك بن عبد العزيز بن جريج المكي وهو ثقة أخرج له أصحاب الكتب الستة، وهو مدلس، وهنا روى بـ(قال)، و(قال) مثل (عن)، فهناك احتمال سقوط واسطة بين ابن جريج وبين عطاء بن أبي رباح .

    [ قال عطاء ].

    عطاء بن أبي رباح مر ذكره.

    وابن الزبير هو عبد الله بن الزبير بن العوام صاحب رسول الله صلى الله عليه وسلم، وأحد العبادلة الأربعة من أصحابه الكرام.

    لابد من صلاة الجمعة أو الظهر في يوم العيد إذا وافق الجمعة

    ورواية الأعمش هي الموافقة لما جاء في الروايات الأخرى التي في حديث زيد بن ثابت وحديث أبي هريرة، متفقة معها من جهة أن الظهر تصلى، وأنه لا يكتفي بصلاة العيد عن صلاة الجمعة والظهر، والرواية السابقة التي فيها إقرار ابن عباس لـابن الزبير وقوله: (أصاب السنة) هي حكاية من عطاء ، وقول ابن عباس : (أصاب السنة) يحمل على الروايات الأخرى التي فيها بقاء الظهر وعدم سقوطها، وبعض الإخوان في جامعة أم القرى كتب بحثاً خاصاً في هذه المسألة، ورجح أن صلاة الظهر لا تسقط يوم العيد، وسماها: (الطهر في أداء صلاة الظهر) يعني: إذا وافق يوم الجمعة يوم عيد، وهي رسالة مطبوعة.

    والألباني صحح هذه الرواية وغيرها، لكنها مشكلة في الحقيقة؛ لأن ظاهرها أنه جمع بينهما، وبعض أهل العلم قال: إنه اعتبر الجمعة هي الأصل والعيد تبعاً لها، يعني أنه أتى بالجمعة قبل الزوال، لكن الروايات عن ابن الزبير ليس فيها شيء من هذا، ولا أنه نوى بالعيد الجمعة، بل الذين صلوا معه العيد جاءوا بعد ذلك ليصلوا الجمعة كالمعتاد.

    شرح حديث (قد اجتمع في يومكم هذا عيدان)

    قال المصنف رحمه الله تعالى: [ حدثنا محمد بن المصفى وعمر بن حفص الوصابي المعنى، قالا: حدثنا بقية حدثنا شعبة عن المغيرة الضبي عن عبد العزيز بن رفيع عن أبي صالح عن أبي هريرة رضي الله عنه عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال: (قد اجتمع في يومكم هذا عيدان، فمن شاء أجزأه من الجمعة، وإنا مجمعون) قال عمر : عن شعبة ].

    أورد أبو داود حديث أبي هريرة رضي الله عنه أنه اجتمع عيدان -عيد الأضحى أو الفطر- في يوم جمعة الذي هو عيد الأسبوع، فقال صلى الله عليه وسلم: [(فمن شاء أجزأه من الجمعة)] أي: يكفيه عن الجمعة [(وإنا مجمعون)] فمن حضر معنا وأدى معنا الجمعة حصل منه الاجتماع الأول والاجتماع الثاني، ومن اكتفى بالاجتماع الأول الذي هو العيد فإنه يجزئه عن الحضور للجمعة، ومعنى هذا أن أهل الأطراف وأهل العوالي إذا جاءوا في الصباح ورجعوا لا يأتون إلى الجمعة، بل يصلون الظهر في مساجدهم وفي أماكنهم.

    تراجم رجال إسناد حديث (قد اجتمع في يومكم هذا عيدان)

    قوله: [ حدثنا محمد بن المصفى ].

    محمد بن المصفى صدوق له أوهام، أخرج حديثه أبو داود والنسائي وابن ماجة .

    [ وعمر بن حفص الوصابي ].

    عمر بن حفص الوصابي مقبول أخرج حديثه أبو داود .

    [ المعنى ].

    يعني: هذان الشيخان متفقان في المعنى مع اختلاف الألفاظ.

    [ قالا: حدثنا بقية ].

    هو بقية بن الوليد، وهو صدوق كثير التدليس عن الضعفاء، وحديثه أخرجه البخاري تعليقاً ومسلم وأصحاب السنن.

    [ حدثنا شعبة ].

    هو شعبة بن الحجاج الواسطي، وهو ثقة أخرج له أصحاب الكتب الستة.

    [ عن المغيرة الضبي ].

    هو المغيرة بن مقسم الضبي، وهو ثقة أخرج له أصحاب الكتب الستة، وهذا هو الذي قيل عنه أنه احتلم وعمره ثلاث عشر سنة، وأعجب منه أن عمرو بن العاص رضي الله عنه حيث ولد له وعمره ثلاث عشرة سنة، فقد كان بينه وبين ابنه عبد الله ثلاثة عشر عاماً، فدل على أنه احتلم في سن مبكر.

    [ عن عبد العزيز بن رفيع ].

    عبد العزيز بن رفيع ثقة أخرج له أصحاب الكتب الستة.

    [ عن أبي صالح ].

    أبو صالح هو ذكوان السمان، ثقة أخرج له أصحاب الكتب الستة.

    [ عن أبي هريرة ].

    هو أبو هريرة عبد الرحمن بن صخر الدوسي رضي الله عنه صاحب رسول الله صلى الله عليه وسلم، وهو أكثر الصحابة حديثاً على الإطلاق عن النبي صلى الله عليه وسلم.

    قوله: [ قال عمر : عن شعبة ].

    يعني أن في رواية الشيخ الأول -وهو محمد بن المصفى - قال بقية : حدثنا شعبة ، وأما في رواية الشيخ الثاني -وهو عمر الوصابي - فإن رواية بقية فيها بالعنعنة، وبقية مدلس، وقد صرح بالتحديث في رواية الشيخ الأول، ومعنى هذا أن الشيخين لم يتفقا في صيغة بقية .

    1.   

    ما يقرأ في صلاة الصبح يوم الجمعة

    شرح حديث (قراءته صلى الله عليه وسلم بالسجدة والإنسان في صبح يوم الجمعة)

    قال المصنف رحمه الله تعالى: [ باب ما يقرأ في صلاة الصبح يوم الجمعة.

    حدثنا مسدد حدثنا أبو عوانة عن مخول بن راشد عن مسلم البطين عن سعيد بن جبير عن ابن عباس رضي الله عنهما: (أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان يقرأ في صلاة الفجر يوم الجمعة تنزيل السجدة وهَلْ أَتَى عَلَى الإِنسَانِ حِينٌ مِنَ الدَّهْرِ [الإنسان:1]) ].

    أورد أبو داود رحمه الله [ما يقرأ في صلاة الصبح يوم الجمعة] يعني: ما هي السور التي تقرأ في صلاة الصبح يوم الجمعة؟

    وأورد حديث ابن عباس أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يقرأ فيهما بـ(الم) السجدة و هَلْ أَتَى عَلَى الإِنسَانِ قيل: الحكمة من الإتيان بهاتين السورتين اشتمالهما على أحوال الموت والبعث؛ وذلك أن يوم الجمعة هو اليوم الذي تقوم فيه الساعة، وهو الذي يحصل فيه البعث والنشور كما سبق أن مر في فضل يوم الجمعة، وفيه الصعقة، وفيه النفخة، فقراءة هاتين السورتين في يوم الجمعة تذكير بما سيجري في ذلك اليوم من البعث والنشور وما إلى ذلك، وليس المقصود من قراءة سورة السجدة كون السورة فيها سجدة، وأن للإنسان أن يقرأ سورة أخرى فيها سجدة تغني عن سورة السجدة، ليس هذا هو المقصود؛ لأنه لا يوجد ما يدل على أن المقصود السجدة، ولكن اختيار هاتين السورتين وهما مشتملتان في أوائلهما على البعث وعلى الموت هو السبب في اختيارهما والإتيان بهما في صلاة الصبح.

    وبعض أهل العلم يقول: لا يداوم على قراءتهما حتى لا يعتقد العوام أنها واجبة ولازمة، فإذا حصلت المداومة عليهما يوم الجمعة وتركت قراءتهما مرة لاستغرب العوام وتعجبوا من ذلك، فلا ينبغي المداومة عليهما باستمرار بحيث لا يتركهما أبداً، ولكن يقرأ بهما كثيراً، أما قراءة سورة سَبِّحِ اسْمَ رَبِّكَ الأَعْلَى [الأعلى:1] وهَلْ أَتَاكَ حَدِيثُ الْغَاشِيَةِ [الغاشية:1] في صلاة الجمعة فقد ثبتت بذلك السنة، وجاء فيها قراءة سورة الجمعة والمنافقون.

    تراجم رجال إسناد حديث (قراءته صلى الله عليه وسلم بالسجدة والإنسان في صبح يوم الجمعة)

    قوله: [ حدثنا مسدد ].

    هو مسدد بن مسرهد البصري، ثقة أخرج حديثه أبو داود والترمذي والنسائي .

    [ حدثنا أبو عوانة ].

    هو الوضاح بن عبد الله اليشكري، ثقة أخرج له أصحاب الكتب الستة.

    [ عن مخول بن راشد ].

    مخول بن راشد، ثقة أخرج له أصحاب الكتب الستة.

    [ عن مسلم البطين ].

    هو مسلم بن عمران البطين، وهو ثقة أخرج له أصحاب الكتب الستة.

    [ عن سعيد بن جبير ].

    سعيد بن جبير ثقة أخرج له أصحاب الكتب الستة.

    [ عن ابن عباس ]

    قد مر ذكره.

    شرح حديث قراءة رسول الله صلى الله عليه وسلم في صلاة الجمعة بسورة الجمعة والمنافقون

    قال المصنف رحمه الله تعالى: [ حدثنا مسدد حدثنا يحيى عن شعبة عن مخول بإسناده ومعناه، وزاد في صلاته الجمعة (بسورة الجمعة وإذا جاءك المنافقون) ].

    هذه طريق أخرى، وفيها زيادة أنه كان يقرأ في الجمعة بسورة الجمعة وسورة المنافقين، قيل: الحكمة من قراءة سورة الجمعة وسورة المنافقون في صلاة الجمعة هي أن الجمعة مشتملة على ذكر شيء من أحكام الجمعة، وفيها تذكير بالجمعة وبالذكر بعد الجمعة وابتغاء فضل الله بعد الجمعة.

    وأما سورة المنافقون فقيل: يقرأ بها ليسمع المنافقين الذين يحضرون الجمعة، ففي هذه السورة فضحهم وبيان مخازيهم وبيان ما هم عليه من الشر، وما أصابهم من البلاء العظيم في وقوعهم في النفاق.

    تراجم رجال إسناد حديث قراءة رسول الله صلى الله عليه وسلم في صلاة الجمعة بسورة الجمعة والمنافقون

    قوله: [ حدثنا مسدد حدثنا يحيى ].

    مسدد بن مسرهد مر ذكره، ويحيى هو ابن سعيد القطان ، وهو ثقة أخرج له أصحاب الكتب الستة.

    [ عن شعبة ].

    مر ذكره.

    [ عن مخول ].

    مر ذكره.

    [ بإسناده ومعناه ].

    يعني: بالإسناد الذي تقدم بعد مخول ، وأيضاً بمعنى المتن، ولكن فيه هذه الزيادة التي تتعلق ببيان القراءة في صلاة الجمعة بسورة الجمعة والمنافقون.