إسلام ويب

شرح سنن أبي داود [126]للشيخ : عبد المحسن العباد

  •  التفريغ النصي الكامل
  • ورد في السنة النبوية حذف التسليم -أي: عدم مده وإطالته- كما جاء في بعض الأحاديث أن من أحدث في الصلاة توضأ واستأنفها من أولها، وفي ذلك خلاف، وجاء أن من أكمل الفريضة ثم أراد التنفل فصل بينهما بالذكر المشروع، وجاء استحباب الانتقال إلى مكان آخر لصلاة النافلة.

    1.   

    ما جاء في حذف التسليم

    شرح حديث حذف التسليم

    قال المصنف رحمه الله تعالى: [ باب حذف التسليم.

    حدثنا أحمد بن محمد بن حنبل حدثني محمد بن يوسف الفريابي حدثنا الأوزاعي عن قرة بن عبد الرحمن عن الزهري عن أبي سلمة عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (حذف السلام سنة) قال عيسى : نهاني ابن المبارك عن رفع هذا الحديث، قال أبو داود سمعت أبا عمير عيسى بن يونس الفاخوري الرملي قال: لما رجع الفريابي من مكة ترك رفع هذا الحديث وقال: نهاه أحمد بن حنبل عن رفعه ].

    المقصود بحذف التسليم: ترك إطالته وترك مده، بحيث يأخذ وقتاً أكثر مما لو أتى به بغير مد، فلا يمد السلام فيقول: السلام عليكم ورحمة الله وبركاته، يطوله، وإنما يقول: السلام عليكم ورحمة الله، السلام عليكم ورحمة الله، هذا هو المقصود بحذف التسليم.

    وفائدته: أن الإمام يخرج من الصلاة من غير أن يكون هناك تطويل في هذا الذي به الخروج؛ لأن المأموم قد يسابقه إذا طول في السلام فيسبقه، ولكنه إذا أتى به مخففاً بسكون وهدوء وعدم سرعة خاطفة ولا تطويل، بل بتوسط: (السلام عليكم ورحمة الله، السلام عليكم ورحمة الله) فلا يحصل من المأموم أن يسهو ويسلم فيفرغ من السلام قبل الإمام أو يكون مع الإمام؛ لأن المسابقة للإمام لا تجوز والموافقة للإمام مكروهة، والسنة هو التخلف عن الإمام يسيراً، وتلك هي المتابعة؛ لأن للمصلي مع الإمام أربع حالات: مسابقة، وموافقة، ومتابعة، وتخلف.

    والمشروع هو المتابعة، فالتطويل قد يؤدي إلى أن المأموم يسبق الإمام في الخروج من الصلاة.

    وقد أورد أبو داود رحمه الله حديث أبي هريرة رضي الله تعالى عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: [ (حذف السلام سنة) ] يعني: تخفيفه وعدم مده طويلاً بحيث يمكث وقتاً أكثر وهو يسلم.

    وبعدما ذكر أبو داود رحمه الله هذا الحديث ذكر كلاماً عن بعض أهل العلم في تركهم هذا الحديث ونهيهم عن رفعه، والمقصود بالشيء المتروك هو رفعه صراحة بأن يقول: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم، هذا هو الذي تركه من تركه ونهى عنه من نهى عنه، أما إذا قال الصحابي كما جاء عن أبي هريرة رضي الله تعالى عنه أنه قال: [ (حذف السلام سنة) ] فيكون موقوفاً على أبي هريرة ، لكنه مرفوع حكماً؛ لأن الصحابي إذا قال: هذا سنة، أو هذا من السنة، فهو مرفوع، ولكنه مرفوع حكماً ليس تصريحاً؛ لأن المرفوع قسمان: مرفوع صراحة، ومرفوع حكماً، فالمرفوع صراحة أن يقول: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول كذا، أو يقول: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم كذا، أو أمر رسول الله صلى الله عليه وسلم بكذا، أو نهى رسول الله صلى الله عليه وسلم عن كذا، فيضيف الكلام ويسنده إلى رسول الله عليه الصلاة والسلام مباشرة من قوله أو فعله.

    والمرفوع حكماً مثل قول الصحابي: من السنة كذا، أو هذا سنة، أو أمرنا بكذا، أو نهينا عن كذا، وغيرها من الألفاظ التي لها حكم الرفع وإن كانت غير مسندة إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم، لكن التعبير بالسنة له حكم الرفع، وكذلك الأحاديث التي تأتي عن الصحابة وفيها إخبار عن عقوبة محددة أو وعيد بجنة أو نار.. أو ما إلى ذلك؛ لأن الصحابي لا يقول ذلك من قبل نفسه ولا من قبل رأيه، ولا يأتي بذلك إلا بتوقيف؛ لأن هذه أمور غيبية، والغيب لا يعرف إلا عن طريق عالم الغيب والشهادة حيث يوحي إلى رسوله صلى الله عليه وسلم بشيء من الغيب، فيخبر به الرسول صلى الله عليه وسلم أصحابه فيتلقونه عنه، وأحياناً لا يضيف الصحابي إلى الرسول صلى الله عليه وسلم شيئاً، وإنما يأتي بكلام يدل على ذلك، مثل الأحاديث التي مرت بنا وفيها: (فإن هذه قعدة المغضوب عليهم) (إن هذا فعل الذين يعذبون) ، وما إلى ذلك؛ لأن هذه أمور لها حكم الرفع.

    إذاً هذا هو معنى قول من نهى عن رفعه إلى رسول الله عليه الصلاة والسلام، ولكن هذا النهي أو هذا الترك لا ينفي أن يكون مرفوعاً؛ لأنه مرفوع حكماً، كما مر عن ابن عباس أنه سئل عن الجلوس بين السجدتين على العقبين قال: (تلك السنة، فقيل له: إننا نراه جفاء في الرجل، قال: تلك سنة نبيكم محمد صلى الله عليه وسلم).

    ولما سئل ابن عباس رضي الله عنه: (ما بال المسافر إذا صلى وحده صلى ركعتين -يعني قصر- وإذا صلى خلف إمام يتم أتم؟! قال: تلك السنة).

    الكلام على المذاهب الأربعة

    روى المصنف هذا الحديث عن أحمد بن محمد بن حنبل الشيباني ، وهو الإمام المشهور، أحد أصحاب المذاهب الأربعة المشهورة من مذاهب أهل السنة، وحديثه أخرجه أصحاب الكتب الستة.

    وهذه المذاهب الأربعة اشتهرت بسبب أن لأصحابها أتباعاً وتلاميذ عنوا بجمع أقوالهم والروايات التي نقلت عنهم والأسئلة التي سئلوها ولا يعني هذا أنه ليس هناك علماء مثلهم، بل هناك علماء مثلهم في زمانهم وقبل زمانهم.

    ومن المعلوم أن أصحاب المذاهب الأربعة وهم أبو حنيفة ومالك والشافعي وأحمد رحمة الله على الجميع، أولهم أبو حنيفة ، وكانت ولادته سنة (80هـ)، وآخرهم الإمام أحمد وكانت وفاته سنة (241هـ)، وقد كان في زمانهم وقبل زمانهم وبعد زمانهم أناس مثلهم في الفقه، مثل الأوزاعي في الشام، فهو إمام فقيه محدث، والليث بن سعد في مصر، محدث فقيه، وسفيان الثوري في الكوفة، وسفيان بن عيينة بمكة، وإسحاق بن راهويه في مرو، وغيرهم كثير ممن اشتهروا بالفقه، ولهذا إذا قرأ الإنسان في الكتب المؤلفة في بيان العلماء -سواء كانوا من الصحابة أو من التابعين أو من بعدهم- يجد أنه يأتي في المسائل المختلفة: قال فلان الصحابي كذا، قال فلان التابعي كذا، وقال الإمام أحمد كذا، وقال الإمام الشافعي كذا.. وهكذا، فهناك أناس مثلهم في الفقه ومثلهم في العلم، ولكن لم يحصل لهم مثلما حصل للأئمة الأربعة من التلاميذ والأتباع الذين عنوا بالمذهب وتدوينه وتبويبه وتنظيمه وبيان مختلف الروايات، وبيان الراجح والمرجوح والمتقدم والمتأخر والقديم والجديد، وما إلى ذلك.

    وهؤلاء الأئمة الأربعة هم من أئمة أهل السنة، بخلاف غيرهم من المذاهب الأخرى التي ليست من مذاهب أهل السنة، وإنما هي مذاهب أناس خالفوا السنة، ولكن هؤلاء الأربعة هم من أهل السنة، والذين يرجعون إلى كلامهم هم أهل السنة، وعلى هذا فإن الأمر ينبغي أن يفهم، وينبغي أن يعلم أننا عندما نذكر أن هذه مذاهب أهل السنة أنه ليس العلماء المحققون مقصورين على هؤلاء الأئمة الأربعة، بل هناك كثير من أمثالهم في زمانهم وقبل زمانهم، مثل الفقهاء السبعة في المدينة، الذين كانوا في عصر التابعين وقبل الأئمة الأربعة، وكانت وفياتهم غالباً قبل المائة، وأدركوا كبار الصحابة أو متوسطيهم، فلا يقال إن الحق محصور في الأئمة الأربعة وإن غير أقوال الأئمة الأربعة لا يلتفت إليها.

    تراجم رجال إسناد حديث حذف التسليم

    قوله: [حدثنا أحمد بن حنبل ].

    تقدم ذكره.

    [ عن محمد بن يوسف الفريابي ]

    محمد بن يوسف الفريابي ثقة أخرج له أصحاب الكتب الستة.

    [ عن الأوزاعي ]

    هو عبد الرحمن بن عمرو أبو عمرو الأوزاعي ، كنيته توافق اسم أبيه، فهو أبو عمرو وهو ابن عمرو ، وأن معرفة من وافقت كنيته اسم أبيه نوع من أنواع علوم الحديث المهمة، وفائدة معرفتها أن لا يظن به التصحيف فيما إذا قيل في الأوزاعي عبد الرحمن بن عمرو : عبد الرحمن أبي عمرو ، فإن من لا يعرف أن كنيته أبو عمرو يظن أن (أبي) مصحفة عن (ابن)؛ لأنه عبد الرحمن بن عمرو ، فسواء قيل عبد الرحمن بن عمرو أو قيل عبد الرحمن أبي عمرو ، فإن من يعرفه ومن يكون على علم به ينتفي عنه ظن التصحيف.

    وعبد الرحمن بن عمرو الأوزاعي ثقة، وهو فقيه الشام ومحدثها في زمانه، وقد أخرج له أصحاب الكتب الستة.

    [ عن قرة بن عبد الرحمن ]

    هو صدوق له مناكير، أخرج حديثه مسلم وأصحاب السنن.

    [ عن الزهري ]

    هو محمد بن مسلم بن عبيد الله بن شهاب الزهري ، ثقة فقيه، أخرج له أصحاب الكتب الستة.

    [ عن أبي سلمة ]

    أبو سلمة بن عبد الرحمن بن عوف ، وهو ثقة فقيه، من فقهاء المدينة السبعة في عصر التابعين على أحد الأقوال الثلاثة في السابع منهم؛ لأن الذين اختلف هل هم من الفقهاء السبعة أو لا: ثلاثة، فمن العلماء من يجعل السابع أبا سلمة بن عبد الرحمن هذا، ومنهم من يجعل السابع أبا بكر بن عبد الرحمن بن الحارث بن هشام ، ومنهم من يجعل السابع سالم بن عبد الله بن عمر بن الخطاب ، وستة متفق على عدهم في الفقهاء السبعة وهم: عبيد الله بن عبد الله بن عتبة بن مسعود ، وخارجة بن زيد بن ثابت ، وسعيد بن المسيب ، وسليمان بن يسار ، والقاسم بن محمد بن أبي بكر الصديق ، وعروة بن الزبير بن العوام .

    [ عن أبي هريرة ]

    هو عبد الرحمن بن صخر الدوسي ، صاحب رسول الله صلى الله عليه وسلم، وهو أكثر الصحابة حديثاً على الإطلاق عن النبي صلى الله عليه وسلم، رضي الله عن أبي هريرة وعن الصحابة أجمعين.

    سبب كثرة مرويات أبي هريرة

    ومما ينبغي أن ينبه إليه بالنسبة لـأبي هريرة أن أبا هريرة أسلم عام خيبر في السنة السابعة، وكانت مدة بقائه مع النبي صلى الله عليه وسلم أربع سنوات؛ لأن الرسول صلى الله عليه وسلم توفي في أول سنة إحدى عشرة، ومع ذلك كان أبو هريرة أكثر الصحابة حديثاً، مع أن كثيراً من الصحابة لازموا رسول الله صلى الله عليه وسلم وكانوا معه كثيراً، ولم يرو عنهم مثلما روي عن أبي هريرة ، مع أن أبا هريرة أقل مدة منهم.

    وقد بين العلماء السبب في ذلك، ومما قيل في ذلك: إن أبا هريرة كان يلازم النبي صلى الله عليه وسلم في دخوله وخروجه وذهابه وإيابه؛ لأنه كان فقيراً، وكان يأكل من طعامه ويشرب من شرابه ويكون معه باستمرار، فحصل له من تلقي الحديث ما لم يحصل لغيره؛ بسبب هذه الملازمة في هذه الفترة القصيرة، فكان ذلك من أسباب كثرة روايته.

    ثم أيضاً ما جاء في بعض الأحاديث أن النبي صلى الله عليه وسلم حدث بأحاديث وكان بسط ثوبه ثم قبضه وقال: إنه لا يفوته شيء من ذلك، ومعناه أنه حفظ كل ذلك الذي سمعه.

    ثم أيضاً: أبو هريرة رضي الله عنه كان ساكناً في المدينة ومقيماً فيها، والمدينة يأتيها الناس صادرين وواردين، ومن المعلوم أن الصحابي إذا كان موجوداً في البلد وقد ورد إلى البلد غير الصحابي فإنه يحرص على أن يلتقي بذلك الصحابي وأن يتلقى عنه الحديث؛ لأن رؤية الصحابي غنيمة، كما سبق أن مر في حديث الرجل الذي جاء إلى الرقة وقيل له: هل لك في رجل من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم؟ قال: قلت: غنيمة، يعني: لقاؤه غنيمة؛ وذلك لأن الصحابي حصل له شرف الصحبة والرؤية للنبي صلى الله عليه وسلم، فالذي يرى الصحابة يرى العيون التي رأت النبي صلى الله عليه وسلم، فكان لقاء الصحابي غنيمة كما قال ذلك الرجل التابعي.

    ومعنى هذا أن أبا هريرة رضي الله عنه كان مقيماً في المدينة والناس يحضرون ويردون إلى المدينة ويأتون إلى أبي هريرة ويأخذون منه ويعطونه، ويسمع منهم ويسمعون منه، لا سيما إذا كانوا صحابة وجاءوا إلى المدينة فيحدثهم ويحدثونه، فهذا من أسباب كثرة حديث أبي هريرة رضي الله عنه، مع أن مدته التي صحب فيها رسول الله صلى الله عليه وسلم كانت وجيزة.

    والحديث يبين أن الرفع إلى الرسول صلى الله عليه وسلم صراحة فيه ما فيه، وبعض العلماء نهى عنه؛ والشيخ الألباني ضعف هذا الحديث في ضعيف سنن أبي داود ، ولكنه ذكره في صفة صلاة النبي صلى الله عليه وسلم وعزاه إلى الترمذي وإلى الحاكم، والترمذي والحاكم إنما رووه موقوفاً على أبي هريرة ، إذ ليس فيه: قال صلى الله عليه وسلم كذا، إذاً له حكم الرفع، ولكنه ليس من قبيل ما هو مرفوع صراحة إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم، والذي تكلم فيه من رجاله هو قرة بن عبد الرحمن ، وهو صدوق له مناكير، وقد أخرج حديثه مسلم وأصحاب السنن، ومسلم إنما أخرج له مقروناً.

    [ قال عيسى : نهاني ابن المبارك عن رفع هذا الحديث ].

    عيسى هو ابن يونس الفاخوري الذي ذكره أبو داود فيما بعد، وابن المبارك هو الذي روي من طريقه هذا الحديث الذي هو مرفوع حكماً وليس فيه (قال رسول الله صلى الله عليه وسلم) كذا عند الترمذي .

    وقد نهى ابن المبارك عن رفع الحديث، أي: عن رفعه صراحة، بأن يقول: عن أبي هريرة قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم كذا، لكن هذا لا ينفي أن يكون مرفوعاً حكماً كما عرفنا.

    [ قال أبو داود : سمعت أبا عمير عيسى بن يونس الفاخوري الرملي ، قال: لما رجع الفريابي من مكة ترك رفع هذا الحديث وقال: نهاه أحمد بن حنبل عن رفعه ].

    ومعناه: أنه كان يرفعه فيقول: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم كذا، وكان هذا قبل أن يذهب إلى مكة، وبعد رجوعه من مكة ترك هذا، ولعله نبه على ذلك بمكة.

    وعيسى بن يونس الفاخوري صدوق ربما أخطأ، أخرج حديثه النسائي وابن ماجة ، قال في التقريب: لم يصح أن أبا داود روى له.

    قد يقال: الفريابي شيخ لـأحمد في هذا الحديث، فكيف نهاه أحمد عن رفعه؟

    والجواب: أن صاحب عون المعبود قال: إن الضمير في [ نهاه ] يرجع إلى أبي داود ، وإن أحمد نهى أبا داود عن رفع هذا الحديث، وأحمد هو شيخ أبي داود .

    1.   

    إذا أحدث في صلاته يستقبل

    شرح حديث استئناف الصلاة من الحدث

    قال المصنف رحمه الله تعالى:

    [ باب إذا أحدث في صلاته يستقبل.

    حدثنا عثمان بن أبي شيبة حدثنا جرير بن عبد الحميد عن عاصم الأحول عن عيسى بن حطان عن مسلم بن سلام عن علي بن طلق رضي الله عنه أنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (إذا فسا أحدكم في الصلاة فلينصرف فليتوضأ وليعد صلاته) ].

    أورد أبو داود رحمه الله هذه الترجمة، وهي [ باب إذا أحدث في صلاته يستقبل ].

    يعني: يستقبل صلاته فيبدؤها من جديد، أي يذهب ويتوضأ ثم يصلي من جديد، ولا يبني على ما سبق قبل نقض الوضوء، وإنما يستأنف الصلاة ولا يعتد بتلك الصلاة التي قطعها بالحدث، هذا هو المقصود بالترجمة.

    وقد اختلف العلماء في هذه المسألة: فمنهم من قال: إنه إذا أحدث فإنه يقطع صلاته ويتوضأ ويستأنف، والصلاة التي قطعت بالحدث لا يعتد بها، وإنما يؤتى بصلاة من أولها إلى آخرها على طهارة.

    ومن أهل العلم من قال: إنه يذهب ويتوضأ ولا يتكلم ولا يتحدث ثم إذا رجع يبني على ما سبق، والصحيح هو الذي دل عليه هذا الحديث وهذه الترجمة التي معنا، وهو أن الإنسان يستأنف الصلاة من جديد، ولا يبني على ما سبق قبل أن يحصل منه الحدث.

    وقد أورد أبو داود رحمه الله في هذا حديث علي بن طلق رضي الله عنه.

    وقوله: [ (إذا فسا أحدكم في صلاته فلينصرف وليتوضأ وليعد صلاته) ] معناه: أنه يستأنف الصلاة من أولها، ولا يبني على ما تقدم.

    قوله: [ (فسا) ] أي: خرج منه ريح ليس لها صوت؛ لأن الريح إذا خرجت من دون صوت يقال لها فساء، وإذا حصل معها صوت فهو ضراط.

    والحديث يدل على أن خروج الريح ناقض للوضوء، وهو كذلك بإجماع العلماء، وقد قال عليه الصلاة والسلام: (إذا شك أحدكم في صلاته هل خرج منه شيء فلا ينصرف حتى يسمع صوتاً أو يجد ريحاً) أي: حتى يسمع صوتاً لما خرج منه أو يشم ريحاً لما خرج بدون صوت وهو الفساء.

    تراجم رجال إسناد حديث استئناف الصلاة من الحدث

    قوله: [ حدثنا عثمان بن أبي شيبة ]

    هو عثمان بن أبي شيبة الكوفي ، وهو ثقة، أخرج له أصحاب الكتب الستة إلا الترمذي .

    [ عن جرير بن عبد الحميد ]

    هو جرير بن عبد الحميد الضبي الكوفي ، وهو ثقة أخرج له أصحاب الكتب الستة.

    [ عن عاصم الأحول ]

    هو عاصم بن سليمان الأحول ، وهو ثقة أخرج له أصحاب الكتب الستة.

    [ عن عيسى بن حطان ]

    وهو مقبول، أخرج له أبو داود والترمذي والنسائي .

    [ عن مسلم بن سلام ]

    وهو مقبول، أخرج له أبو داود والترمذي والنسائي .

    [ عن علي بن طلق ]

    وهو صحابي، أخرج له أبو داود والترمذي والنسائي .

    وهذا الحديث فيه من هو متكلم فيه، وهما: عيسى بن حطان ومسلم بن سلام ، وكل منهما مقبول، والألباني أورد الحديث في الضعيفة، ولكن بعض أهل العلم صححه.

    ولهذا فالذين احتجوا بهذا الحديث على أنه يستأنف الصلاة يقابلهم الذين قالوا إنه لا يستأنف الصلاة، واستدلوا بحديث عائشة الذي فيه: (من حصل له قيء أو رعاف فليذهب وليتوضأ، وليعد إلى صلاته وهو لا يتكلم)، ومعناه أنه يبني على ما سبق، لكن حديث عائشة هذا لم يصححه أحد، وأما حديث علي بن طلق فقد صححه ابن حبان ، فيكون أقوى من ذلك.

    ثم أيضاً كونه يستأنف فيه التحقق من كون الإنسان أدى ما عليه، بخلاف ذلك الذي فيه البناء من غير أن يكون هناك أساس صحيح يعتمد عليه، فإن فيه ما فيه، فلا شك أن السلامة والاحتياط للدين في الاستئناف، والحديث الذي فيه صححه بعض أهل العلم، بخلاف ذلك فإنه لم يصححه أحد.

    1.   

    ما جاء في الرجل يتطوع في مكانه الذي صلى فيه المكتوبة

    شرح حديث الانتقال للتطوع بعد المكتوبة

    قال المصنف رحمه الله تعالى: [ باب في الرجل يتطوع في مكانه الذي صلى فيه المكتوبة.

    حدثنا مسدد حدثنا حماد وعبد الوارث عن ليث عن الحجاج بن عبيد عن إبراهيم بن إسماعيل عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (أيعجز أحدكم -قال عن عبد الوارث - أن يتقدم أو يتأخر أو عن يمينه أو عن شماله -زاد في حديث حماد - في الصلاة، يعني في السبحة) ].

    أورد أبو داود رحمه الله هذه الترجمة وهي: [ باب في الرجل يتطوع في مكانه الذي صلى فيه المكتوبة ] هكذا أتى بالترجمة مطلقة، ومعنى هذا أنه جائز، ولكن الأولى أن يغير المكان؛ لأنه إذا غير المكان يكون فيه فصل بين الفرض والنفل، وأيضاً فيه أن البقاع تشهد للإنسان بالصلاة فيها، وقد جاء في القرآن: يَوْمَئِذٍ تُحَدِّثُ أَخْبَارَهَا [الزلزلة:4] أي: أن الأرض تشهد بما حصل على ظهرها من خير أو شر، وقد جاء عن النبي صلى الله عليه وسلم في الجملة ما يدل على مثل ذلك، وهو أنه كان إذا خرج لصلاة العيد يذهب من طريق ويرجع من طريق، وقيل في ذلك أقوال كثيرة، منها: أن ذلك ليشهد له الطريقان.

    قوله: [ (في السبحة) ].

    السبحة: هي النافلة.

    ومعنى الحديث: أن المصلي يغير المكان تقدماً أو تأخراً أو بأن يذهب إلى جهة اليمين أو جهة الشمال، أي: يصلي النافلة في مكان آخر غير المكان الذي صلى فيه الفرض.

    قوله: [ (في الصلاة -يعني: في السبحة-) ] أي: عندما يصلي النافلة التي يقال لها السبحة؛ لأن النوافل يقال لها ذلك، وقد جاء في بعض الأحاديث أنه لما جمع بين الصلاتين لم يسبح بينهما، أي: لم يتنفل، والحديث ذكره الألباني في صحيح سنن أبي داود ، وفيه رجلان مجهولان: أحدهما مجهول العين، والثاني مجهول الحال، لكنه قد جاء حديث آخر يدل على ما دل عليه وهو يتعلق بالجمعة، وهو أن على الإنسان أن يفصل بكلام أو قيام أو قريب من هذا، ولعله صححه لوجود شيء يشهد له، وإلا فإنه من حيث الإسناد فيه رجلان مجهولان.

    تراجم رجال إسناد حديث الانتقال للتطوع بعد المكتوبة

    قوله: [ حدثنا مسدد ]

    هو ابن مسرهد البصري ، وهو ثقة، أخرج له البخاري تعليقاً وأبو داود والترمذي والنسائي .

    [ عن حماد ]

    هو حماد بن زيد ، وهو ثقة أخرج له أصحاب الكتب الستة.

    [ وعبد الوارث ].

    هو عبد الوارث بن سعيد العنبري ، وهو ثقة، أخرج له أصحاب الكتب الستة.

    [ عن ليث ]

    هو ليث بن أبي سليم ، صدوق اختلط، ولم يتميز حديثه -أي: ما كان قبل الاختلاط وما كان بعده- فترك، أخرج له البخاري تعليقاً ومسلم وأصحاب السنن.

    [ عن الحجاج بن عبيد ]

    وهو مجهول، أخرج له أبو داود وابن ماجة .

    [ عن إبراهيم بن إسماعيل ]

    وهو مجهول الحال، أخرج له أبو داود وابن ماجة .

    [ عن أبي هريرة ]

    وقد مر ذكره.

    شرح حديث أبي رمثة في الفصل بين النفل والفرض

    قال المصنف رحمه الله تعالى: [حدثنا عبد الوهاب بن نجدة حدثنا أشعث بن شعبة عن المنهال بن خليفة عن الأزرق بن قيس قال: (صلى بنا إمام لنا يكنى أبا رمثة فقال: صليت هذه الصلاة أو مثل هذه الصلاة مع النبي صلى الله عليه وسلم، قال: وكان أبو بكر وعمر يقومان في الصف المقدم عن يمينه، وكان رجل قد شهد التكبيرة الأولى من الصلاة، فصلى نبي الله صلى الله عليه وسلم، ثم سلم عن يمينه وعن يساره حتى رأينا بياض خديه، ثم انفتل كانفتال أبي رمثة -يعني نفسه- فقام الرجل الذي أدرك معه التكبيرة الأولى من الصلاة يشفع، فوثب إليه عمر رضي الله عنه فأخذ بمنكبه فهزه ثم قال: اجلس! فإنه لم يهلك أهل الكتاب إلا أنه لم يكن بين صلواتهم فصل، فرفع النبي صلى الله عليه وسلم بصره فقال: أصاب الله بك يا ابن الخطاب) .

    قال أبو داود : وقد قيل أبو أمية مكان أبي رمثة ].

    هذا حديث أبي رمثة رضي الله تعالى عنه، ومحل الشاهد منه: كون ذلك الرجل قام بعد السلام يتنفل، وكان قد أدرك التكبيرة الأولى، أي أنه ليس بمسبوق؛ لأن المسبوق يقوم بعدما يسلم الإمام ليتم ما فاته، وأما الذين أدركوا الصلاة من أولها فلا يصلح أن يقوموا لتنفل بعدما يسلم الإمام مباشرة، وإنما يأتون بالذكر المشروع أولاً ثم بعد ذلك يتنفلون، ولكن هذا قام وكأنه مسبوق، ولهذا احترز عن كونه مسبوقاً بقوله: [ أدرك التكبيرة الأولى ] يعني أنه ما كان مسبوقاً، وإنما قام يشفع، والمقصود بقوله: [ يشفع ] يتنفل شفعاً، لأن المتنفل لا يصلي ركعة واحدة إلا في الوتر، وأما غيره فإنه لا يقل عن ركعتين، ولهذا جاء عن النبي صلى الله عليه وسلم قوله: (إذا دخل أحدكم المسجد فلا يجلس حتى يصلي ركعتين) والمقصود من هذا أنه لا يصلي أقل من ركعة.

    وقيل: إن المقصود بقوله: [ يشفع ] أي: يشفع الفرض بالنفل ويأتي بعد الفرض بالنفل.

    قوله: [ وقام عمر رضي الله عنه وأخذ بمنكبه فهزه ثم قال: اجلس! فإنه لم يهلك أهل الكتاب إلا أنه لم يكن بين صلواتهم فصل ] أي: ما حصل لهم ما حصل من العذاب إلا بكونهم لا يفصلون بين المكتوبة وغير المكتوبة، وأقره النبي صلى الله عليه وسلم في قوله الذي قاله.

    فالحديث يدل على أن الإنسان لا يقوم ويتنفل مباشرة بعد السلام فإن هذا لا يستقيم، ولم يأت شيء يدل على هذا الربط بين الفريضة والنافلة، فعلى الإنسان أن يتمهل ويبقى يسبح ويحمد ويكبر ويأتي بالذكر الوارد عن رسول الله عليه الصلاة والسلام عقب الصلاة، ولا يكون شأنه كالمسبوق، فهذا لا يصلح؛ لأن هذا يخالف ما جاء عن رسول الله صلى الله عليه وسلم من الإتيان بالذكر المشروع بعد الصلاة، فإذا أتى بالذكر المشروع بعد الصلاة ثم يقوم بعد ذلك ويتنفل فلا بأس، وإن تنفل في مكان آخر فهو أولى، كما في الحديث الذي سبق.

    وهذا الحديث الذي معنا ضعيف غير ثابت؛ لأن في إسناده من هو ضعيف، فلا يثبت به حكم، ولكن كون الإنسان يستعجل ولا يذكر الله عز وجل بعد الصلاة فهذا لا ينبغي، بل الذي ينبغي هو التمهل والإتيان بالذكر المشروع الذي كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يقوله بعد صلاته، وكان الصحابة رضي الله عنهم وأرضاهم يفعلونه.

    تراجم رجال إسناد حديث أبي رمثة في الفصل بين النفل والفرض

    قوله: [ حدثنا عبد الوهاب بن نجدة ]

    عبد الوهاب بن نجدة ثقة أخرج له أبو داود والنسائي .

    [ عن أشعث بن شعبة ]

    [ وهو مقبول أخرج له أبو داود .

    [ عن المنهال بن خليفة ]

    وهو ضعيف، أخرج حديثه أبو داود والترمذي وابن ماجة .

    [ عن الأزرق بن قيس ]

    وهو ثقة، أخرج له البخاري وأبو داود والنسائي .

    [ عن أبي رمثة ].

    وهو صاحب رسول الله صلى الله عليه وسلم، وحديثه أخرجه أبو داود والترمذي والنسائي .

    [ قال أبو داود : وقيل أبو أمية مكان أبي رمثة ].

    يعني أنه جاء بدل أبي رمثة أبو أمية ، وأبو أمية قريبة من أبي رمثة من ناحية التصحيف؛ لأن الميم والثاء والهاء متقاربة، والألف قد تميل قليلاً فتشبه الراء.

    1.   

    الأسئلة

    خالة الرجل خالة لأولاده

    السؤال: والدي يمنعني من أن أسلم على خالته أخت والدته، فهل أسلم عليها؟

    الجواب: خالة والدك خالة لك، وأنت من أقاربها ومن محارمها، ولا سبب للمنع! ولا وجه له؛ لأنها من المحارم ومن الأقارب، وخالة الرجل من النسب هي خالة لأولاده.

    حكم تسمية القبر النبوي بالقبر الشريف أو القبر المقدس

    السؤال: ما مدى صحة إطلاق هذه العبارة على قبر النبي صلى الله عليه وسلم: القبر الشريف، أو القبر المقدس؟ وما الفرق بينهما؟

    الجواب: قبر الرسول صلى الله عليه وسلم يعبرون عنه بالقبر، وذكر الشريف من أجل أن الذي فيه هو أشرف الناس، ولكن كلمة (الشريف) وكلمة (المقدس) لا أعرفها في كلام المتقدمين، ولا شك أن المقبور فيه هو أشرف الناس وخير الناس وسيد الناس عليه الصلاة والسلام.

    إذا قيل القبر الشريف فهو المقصود، لأن الذي فيه هو صاحب الشرف، وأعظم شرف يحصل للبشر إنما هو لنبينا محمد عليه الصلاة والسلام، فهو أشرف الناس وخير الناس وأفضل الناس وسيد الناس، والمرسلون الذين هم خير الناس هو خيرهم وأفضلهم وسيدهم عليه الصلاة والسلام.