إسلام ويب

شرح سنن أبي داود [122]للشيخ : عبد المحسن العباد

  •  التفريغ النصي الكامل
  • كان النبي صلى الله عليه وسلم يعلم أصحابه التشهد كما يعلمهم السورة من القرآن، وكل ما ورد عن الصحابة من صيغ للتشهد صحيحة يمكن أن تقال، على ألا يجمع بينها بل تذكر كل واحدة منفردة.

    1.   

    ما جاء في التشهد

    شرح تشهد ابن مسعود مع زيادة الدعاء

    قال المصنف رحمه الله: [ باب التشهد:

    حدثنا تميم بن المنتصر قال أخبرنا إسحاق -يعني: ابن يوسف- عن شريك عن أبي إسحاق عن أبي الأحوص عن عبد الله رضي الله عنه أنه قال: كنا لا ندري ما نقول إذا جلسنا في الصلاة، وكان رسول الله صلى الله عليه وسلم قد علم فذكر نحوه.

    قال شريك : وحدثنا جامع -يعني: ابن شداد - عن أبي وائل عن عبد الله رضي الله عنه بمثله قال: وكان يعلمنا كلمات ولم يكن يعلمناهن كما يعلمنا التشهد: (اللهم ألف بين قلوبنا، وأصلح ذات بيننا، واهدنا سبل السلام، ونجنا من الظلمات إلى النور، وجنبنا الفواحش ما ظهر منها وما بطن، وبارك لنا في أسماعنا وأبصارنا وقلوبنا وأزواجنا وذرياتنا، وتب علينا إنك أنت التواب الرحيم، واجعلنا شاكرين لنعمتك مثنين بها قابليها، وأتمها علينا) ].

    مر حديث عبد الله بن مسعود رضي الله عنه من الطريق الأولى التي فيها أنهم كانوا يقولون: السلام على الله قبل عباده، السلام على فلان وفلان، فقال لهم النبي عليه الصلاة والسلام: (لا تقولوا السلام على الله، فإن الله هو السلام ومنه السلام، ولكن قولوا: التحيات لله والصلوات والطيبات، السلام عليك أيها النبي ورحمة الله وبركاته، السلام علينا وعلى عباد الله الصالحين، فإنكم إذا قلتم ذلك أصاب كل عبد صالح في السماء والأرض أو بين السماء والأرض، أشهد أن لا إله إلا الله وأشهد أن محمداً عبده ورسوله) وقد مر الكلام عليه، وبيان ما يتعلق به من أحكام.

    ثم أورد أبو داود رحمه الله طريقاً أخرى لهذا الحديث، وأحال على الحديث المتقدم فقال: [ عن عبد الله رضي الله عنه قال: كنا لا ندري ما نقول إذا جلسنا في الصلاة، وكان رسول الله صلى الله عليه وسلم قد علم.. فذكر نحوه ]، أي: كنا لا ندري ما نقول في الصلاة من الدعاء والذكر في التشهد، وكان رسول الله صلى الله عليه وسلم قد علم.

    قوله: [ فذكر نحوه ] أي نحو متن الحديث المتقدم، والمعنى وجود اتفاق في المعنى مع اختلاف في بعض الألفاظ.

    وقوله: [ وكان رسول الله صلى لله عليه وسلم قد علم ]، أي: علمه الله عز وجل، وهذا يدل على أن سنة رسول الله صلى لله عليه وسلم وحي من الله تعالى، ولهذا يقول الله عز وجل: وَمَا يَنْطِقُ عَنِ الْهَوَى * إِنْ هُوَ إِلَّا وَحْيٌ يُوحَى [النجم:3-4] فما يأتي به الرسول الكريم صلى الله عليه وسلم هو من ربه سبحانه وتعالى، سواء كان قرآناً أو سنة، إلا أن القرآن يتعبد بتلاوته والعمل به، والسنة يتعبد بالعمل بها، فالقرآن والسنة يتعبد بالعمل بهما ولا يفرق بينهما، ومن لا يعمل بالسنة لا يعمل بالقرآن، ومن يلتزم بالسنة فهو ملتزم بالقرآن؛ لأن السنة شارحة للقرآن ومفسرة له، ودالة عليه، ومبينة لما أجمل فيه.

    وقد جاء عن النبي صلى الله عليه وسلم ما يدل على أن السنة إنما هي من الله؛ فمن ذلك حديث أنس في فرائض الصدقة، حيث قال أبو بكر : (هذه فريضة الصدقة التي فرضها الله على رسوله)، ثم ذكر التفاصيل التي جاءت فيها، أي: أن ما جاء في السنة إنما هو من الله.

    وكذلك الحديث الذي قال فيه الرسول الكريم صلى الله عليه وسلم: (يغفر للشهيد كل شيء)، ثم إنه قال بعد ذلك: (إلا الدين، سارني به جبريل آنفاً)، يعني نزل جبريل باستثناء الدين، فهذا يوضح أن السنة وحي من الله سبحانه وتعالى.

    وقوله: [ فذكر نحوه ] أي نحو حديث عبد الله بن مسعود المتقدم في الطريق الأولى المشتملة على التشهد المشهور المعروف الذي قال به أكثر العلماء، وقدموه على غيره، وقد عرفنا أن كل ما صح عن رسول الله صلى الله عليه وسلم من صيغ التشهد فإن الأخذ به حق وصحيح، وللإنسان أن يأتي بهذا أو بهذا، ولكن لا يجمع بينها بأن يأتي بصيغة التشهد التي رواها ابن مسعود ، وصيغة التشهد التي رواها ابن عباس ، وصيغة التشهد التي رواها ابن عمر ، وصيغة التشهد التي رواها أبو موسى ، وصيغة التشهد التي رواها عمر ، وإنما يأتي بصيغة واحدة، ولكن كل صيغة صحت عن رسول الله صلى الله عليه وسلم فإن الأخذ بها أخذ بالحق، وسبق أن ذكرت أن هذا الاختلاف من قبيل اختلاف التنوع وليس من قبيل اختلاف التضاد؛ لأن هذه أنوع للحق، فالذي أخذ بتشهد ابن مسعود قد أصاب، والذي يأخذ بتشهد ابن عباس قد أصاب، والذي يأخذ بتشهد فلان أو فلان مما ثبت عن رسول الله صلى الله عليه وسلم قد أصاب.

    ثم بعد ذلك ذكر الطريق الأخرى التي عن شريك والتي فيها ما تقدم إلا أن فيها زيادة دعاء كان النبي صلى الله عليه وسلم يعلمهم إياه، ولكن لم يكن يعلمهموه كما يعلمهم التشهد، أي أن الاهتمام والعناية به أخف وأقل من عنايته بالتشهد.

    تراجم رجال إسناد تشهد ابن مسعود مع زيادة الدعاء

    قوله: [ حدثنا تميم بن المنتصر ].

    ثقة أخرج له أبو داود والنسائي وابن ماجة .

    [ أخبرنا إسحاق -يعني: ابن يوسف - ].

    هو إسحاق بن يوسف الأزرق ، وهو ثقة أخرج له أصحاب الكتب الستة.

    وقوله: [يعني] أتى بها من دون تميم بن المنتصر تلميذ إسحاق بن يوسف الأزرق، وهو إما أبو داود أو من دون أبي داود ، وأتى بها لأن تميم بن المنتصر لما حدث عن شيخه إسحاق لم يزد على كلمة [عن إسحاق ] وهذا ما يسمونه في علم المصطلح بالمهمل، أي: الذي ذكر اسمه ولم ينسب، وهو نوع من أنواع علوم الحديث.

    فتلميذه ما زاد على كلمة [ عن إسحاق ] ولكن من دونه أراد أن يبين من هو إسحاق وأتى بكلمة [يعني] ولم يقل: إسحاق بن يوسف ؛ لأنه لو قال: إسحاق بن يوسف لفهم أن هذا كلام تلميذه تميم بن المنتصر ، وكلمة [يعني] فعل مضارع فاعلها ضمير مستتر يرجع إلى إسحاق بن يوسف الأزرق ، وقائلها أبو داود أو من دون أبي داود .

    [ عن شريك ].

    هو شريك بن عبد الله النخعي الكوفي القاضي وهو صدوق يخطئ كثيراً، واختلط لما ولي القضاء، وحديثه أخرجه البخاري تعليقاً ومسلم وأصحاب السنن.

    لكن الرواية المتقدمة التي أحال عليها في الحديث السابق قد جاءت من الطريق السابقة ومن غيرها، فهي ثابتة من هذه الطريق ومن الطرق الأخرى، وأما زيادة الدعاء التي جاءت بعد ذلك فلم تأت إلا من هذه الطريق، ولا أدري هل يرويها أبو داود يرويها عن شريك بالإسناد المتقدم إليه، أو أنه معلق وأن الواسطة بينه وبين شريك بالنسبة للزيادة التي زادها سقطت.

    [ عن أبي إسحاق ].

    وهو عمرو بن عبد الله الهمداني السبيعي ، وهو ثقة أخرج له أصحاب الكتب الستة.

    [ عن أبي الأحوص ].

    هو عوف بن مالك ، وهو ثقة، أخرج حديثه البخاري في الأدب المفرد ومسلم وأصحاب السنن الأربعة، وهذا غير أبي الأحوص الذي سبق أن مر في حديثين حيث روى عن أبي ذر حديث: (لا يزال الله مقبلاً على العبد ما لم يلتفت، فإذا التفت انصرف عنه) وحديث بعده وهو حديث النهي عن مسح المصلي الحصى فإن الرحمة تواجهه، يرويه أبو الأحوص شيخ من أهل المدينة عن أبي ذر ، وفي رواية أنه مولى بني ليث أو مولى بني غفار، وهو الذي لم يرو عنه إلا الزهري ، وهو يروي عن أبي ذر ، وهو مجهول، وقال عنه الحافظ في التقريب: مقبول، فهذا غير ذاك، هذا ثقة وذاك إما مجهول وإما مقبول، وحديثه لا يصح، والاثنان في طبقة التابعين.

    وهناك شخص يقال له أبو الأحوص وهو من طبقة شيوخ شيوخ أبي داود ، ويأتي ذكره كثيراً في الأسانيد، وهو سلام بن سليم الحنفي ، وهو ثقة.

    [ عن عبد الله بن مسعود ]

    عبد الله بن مسعود رضي الله عنه الصحابي الجليل، وحديثه أخرجه أصحاب الكتب الستة، وبعض العلماء يعده من العبادلة الأربعة من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم، ولكن الصحيح كما قاله بعض أهل العلم أن ابن مسعود ليس معهم، وإنما هم من صغار الصحابة وهم متقاربون في السن، وأدركهم من لم يدرك ابن مسعود ، وأما ابن مسعود فقد توفي قديماً سنة اثنتين وثلاثين، وأما وفاة هؤلاء فكانت بعد الستين، والعبادلة الأربعة من أصحاب الرسول صلى الله عليه وسلم هم: عبد الله بن عمرو وعبد الله بن عمر وعبد الله بن عباس وعبد الله بن الزبير رضي الله عنهم وعن الصحابة أجمعين.

    [ قال شريك : وحدثنا جامع -يعني ابن شداد - ]

    وهو ثقة أخرج له أصحاب الكتب الستة.

    [ عن أبي وائل ].

    وهو شقيق بن سلمة ، يأتي ذكره في بعض الروايات باسمه، ويأتي ذكره بكنيته كما هنا، وهو ثقة مخضرم أدرك الجاهلية والإسلام ولم يلق النبي صلى الله عليه وسلم، وحديثه أخرجه أصحاب الكتب الستة.

    [ عن عبد الله بمثله ].

    أي: مثل حديث ابن مسعود المتقدم؛ فالأول قال (نحوه)، والثاني قال (بمثله)، وكلمة (بمثله) تعني المماثلة في الألفاظ والمعاني، وكلمة (نحوه) تعني المماثلة في المعاني مع اختلاف في شيء من الألفاظ.

    [ قال: وكان يعلمنا كلمات ولم يكن يعلمناهن كما يعلمنا التشهد ].

    أي: أنه كان يعلمهم كلمات، لكن تعليمهم إياها كان دون تعليمهم التشهد في الاهتمام والعناية، ولذا جاء في بعض الروايات عن ابن مسعود في التشهد: أن كفه كانت بين كفي رسول الله صلى الله عليه وسلم، وهذا يدل على الاهتمام والعناية، وأيضاً كون ابن مسعود يخبر بهذا يدل على ضبطه لما سمعه من رسول الله صلى الله عليه وسلم؛ لأن من يتقن الهيئة التي كان عليها عند التحديث بالحديث فذلك يدل على أنه قد ضبط الحديث، ويقولون: إن الحديث إذا كان له قصة فذلك يدل على ضبط الراوي، وذلك مثل قول ابن عمر رضي الله عنه في الحديث الذي رواه البخاري في صحيحه: (أخذ رسول الله صلى الله عليه وسلم بمنكبي وقال: كن في الدنيا كأنك غريب) فكذلك ابن مسعود يقول: ( كانت كفي بين كفيه) يعني علمنا رسول الله صلى الله عليه وسلم التشهد وكفي بين كفيه، ثم ذكر هذا الدعاء، ومعناه واضح.

    و الألباني ضعف هذه الزيادة التي فيها الدعاء، وأما معناه فهو مستقيم، والإنسان يدعو بأي دعاء مستقيم، لكنه يختار الأدعية الثابتة عن رسول الله صلى الله عليه وسلم.

    رواية تشهد ابن مسعود المسلسلة بالأخذ باليد

    قال المصنف رحمه الله: [ حدثنا عبد الله بن محمد النفيلي حدثنا زهير حدثنا الحسن بن الحر عن القاسم بن مخيمرة قال: أخذ علقمة بيدي فحدثني أن عبد الله بن مسعود رضي الله عنه أخذ بيده وأن رسول الله صلى الله عليه وسلم أخذ بيد عبد الله فعلمه التشهد في الصلاة، فذكر مثل دعاء حديث الأعمش : إذا قلت هذا أو قضيت هذا فقد قضيت صلاتك، إن شئت أن تقوم فقم، وإن شئت أن تقعد فاقعد ]

    أورد أبو داود حديث ابن مسعود من طريق أخرى، ولم يذكر لفظها ولكن أحال على الطريق الأولى التي جاءت من طريق الأعمش ، وقال بعد ذلك: [ فإذا قلت هذا أو قضيت هذا فقد قضيت صلاتك، إن شئت أن تقوم فقم، وإن شئت أن تقعد فاقعد ].

    وهذا الكلام لا يعني أن الصلاة انتهت بالتشهد؛ لما جاء عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: (تحريمها التكبير، وتحليلها التسليم) فلا يتحلل الإنسان من الصلاة إلا بالتسليم الذي هو ركن من أركان الصلاة فقد قال عليه الصلاة والسلام: (مفتاح الصلاة الطهور، وتحريمها التكبير، وتحليلها التسليم) أي: بدايتها التكبير ونهايتها التسليم، ومعنى: (تحريمها التكبير) ، أي: أنه إذا قال: (الله أكبر) فقد حرم عليه كل ما كان حلالاً قبل ذلك من الأكل والشرب والكلام والذهاب والإياب والحركة وغير ذلك، ويستمر كذلك إلى أن يسلم، فإذا سلم حل له ما حرم عليه بسبب تكبيرة الإحرام، وهذا معنى (تحليلها التسليم) أي: إذا سلم فقد انتهت الصلاة، وحل له أن يأكل ويشرب ويتكلم ويلتفت؛ لأنه فرغ من صلاته.

    إذاً: قوله: [ (إذا قضيت ذلك فقد قضيت صلاتك، إن شئت أن تقوم فقم، وإن شئت أن تقعد فاقعد) ]، يعني: إذا قضيت معظم صلاتك؛ لأن الصلاة نهايتها بالتسليم، ولا يكون الانتهاء من الصلاة قبل ذلك، ولو أحدث قبل أن يسلم فإنه يتوضأ ويعيد الصلاة.

    وذكر بعض أهل العلم: أن هذا مدرج من كلام ابن مسعود ، وليس من كلام الرسول صلى الله عليه وسلم.

    تراجم رجال إسناد رواية تشهد ابن مسعود المسلسلة بالأخذ باليد

    قوله: [ حدثنا عبد الله بن محمد النفيلي ].

    عبد الله بن محمد النفيلي ثقة أخرج له البخاري وأصحاب السنن.

    [ حدثنا زهير ].

    هو زهير بن معاوية ، وهو ثقة أخرج له أصحاب الكتب الستة.

    [ حدثنا الحسن بن الحر ].

    وهو ثقة، أخرج له أبو داود والنسائي .

    [ عن القاسم بن مخيمرة ].

    وهو ثقة أخرج له البخاري تعليقاً ومسلم وأصحاب السنن.

    [ قال: أخذ علقمة بيدي ].

    هو علقمة بن قيس النخعي الكوفي ، وهو ثقة أخرج له أصحاب الكتب الستة، وعلقمة والأسود من أصحاب ابن مسعود ، ومكثران من الرواية عنه.

    [ أن عبد الله بن مسعود ].

    وقد مره ذكره، وفيه: أن ابن مسعود حدثه الرسول صلى الله عليه وسلم وهو آخذ بيده، وابن مسعود حدث علقمة وهو آخذ بيده، وعلقمة حدث القاسم بن مخيمرة وهو آخذ بيده، وهذا يسمونه المسلسل، وهو هنا مسلسل بالأخذ باليد.

    شرح حديث تشهد ابن عمر

    قال المصنف رحمه الله: [ حدثنا نصر بن علي حدثني أبي حدثنا شعبة عن أبي بشر سمعت مجاهداً يحدث عن ابن عمر رضي الله عنهما عن رسول الله صلى الله عليه وسلم في التشهد: (التحيات لله، الصلوات الطيبات، السلام عليك أيها النبي ورحمة الله وبركاته) -قال: قال ابن عمر : زدت فيها: وبركاته- السلام علينا وعلى عباد الله الصالحين، أشهد أن لا إله إلا الله -قال ابن عمر : زدت فيها: وحده لا شريك له. وأشهد أن محمداً عبده ورسوله ].

    بعد أن فرغ من ذكر طرق تشهد ابن مسعود انتقل إلى التشهد الذي رواه ابن عمر عن رسول الله صلى الله عليه وسلم.

    وتشهد ابن عمر هو: (التحيات لله الصلوات الطيبات، السلام عليك أيها النبي ورحمة الله وبركاته، السلام علينا وعلى عباد الله الصالحين، أشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله).

    ففي أوله اختلاف عن تشهد ابن مسعود ، حيث يقول: (التحيات لله والصلوات والطيبات) ففيه عطف بواو العطف بين الصلوات والطيبات والتحيات، وأما تشهد ابن عمر فليس فيه واو عطف. وقد قيل: إن واو العطف محذوفة، وقيل: إن بعضها صفة لبعض، فالطيبات تكون صفة للصلوات.

    وواو العطف جاء حذفها في القرآن والسنة، ومما جاء في القرآن قول الله عز وجل: هَلْ أَتَاكَ حَدِيثُ الْغَاشِيَةِ * وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ خَاشِعَةٌ * عَامِلَةٌ نَاصِبَةٌ * تَصْلَى نَارًا حَامِيَةً * تُسْقَى مِنْ عَيْنٍ آنِيَةٍ * لَيْسَ لَهُمْ طَعَامٌ إِلَّا مِنْ ضَرِيعٍ * لا يُسْمِنُ وَلا يُغْنِي مِنْ جُوعٍ * وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ نَاعِمَةٌ [الغاشية:1-8] فقوله: (وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ نَاعِمَةٌ ) معطوفة على قوله: (وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ خَاشِعَةٌ ) ولكن حذفت واو العطف، ومما جاء في سنة الرسول صلى الله عليه وسلم حديث: (يخرج الإنسان من صلاته لم يكتب له إلا تسعها إلا ثمنها) يعني: إلا كذا وإلا كذا وإلا كذا، فحذفت واو العطف.

    وبعض أهل العلم اختار تشهد ابن مسعود لأن فيه عطف تلك الكلمات بعضها على بعض، بما يفيد أن معانيها مختلفة، بخلاف ما حذف منه واو العطف لاحتمال أن تكون صفات، ومن المعلوم أنها إذا كانت صفات قلت الكلمات وقلت المعاني، فيكون تشهد ابن مسعود أولى.

    قال: [ (السلام عليك أيها النبي ورحمة الله وبركاته، السلام علينا وعلى عباد الله الصالحين) ]، وهذا متفق عليه في جميع صيغ التشهد.

    وفي هذا الحديث: أن ابن عمر قال: [ زدت: وبركاته ]، أي: في السلام على النبي، والمقصود: أن الذي حفظه من رسول الله صلى الله عليه وسلم هو بدون [وبركاته] .

    ثم قال: [ (أشهد أن لا إله إلا الله قال ابن عمر : زدت: وحده لا شريك له) ] وهذه أيضاً زادها على ما حفظه من رسول الله صلى الله عليه وسلم، وهي تأكيد لـ: (لا إله إلا الله) ، فكلمة: (وحده) مؤكدة لـ (إلا الله)، وكلمة (لا شريك له) مؤكدة لـ(لا إله)، فقدم المؤكد الخاص على المؤكد العام، مثل قول الله عز وجل: وَلَقَدْ بَعَثْنَا فِي كُلِّ أُمَّةٍ رَسُولًا أَنِ اُعْبُدُوا اللَّهَ وَاجْتَنِبُوا الطَّاغُوتَ [النحل:36] فهي تعادل (لا إله إلا الله)؛ لأن (اجتنبوا الطاغوت) معناها: لا إله، و(اعبدوا الله) معناها: إلا الله، فكل رسول يدعو إلى كلمة الإخلاص والتوحيد، وإلى إفراد الله بالعبادة ونفي العبادة، عن كل من سوى الله.

    قوله: [ (وأشهد أن محمداً عبده ورسوله) ].

    هذا مطابق لما تقدم في حديث ابن مسعود المتقدم، ومعناه أن الاختلاف الذي بين تشهد ابن عمر وتشهد ابن مسعود كائن في الكلمات الأولى وذلك بإثبات وحذف واو العطف، ويختلف عنه أيضاً في زيادة: (وحده لا شريك له) بعد قوله: (أشهد أن لا إله إلا الله).

    تراجم رجال إسناد حديث تشهد ابن عمر

    قوله: [ حدثنا نصر بن علي ].

    هو نصر بن علي بن نصر بن علي الجهضمي ، اسمه واسم أبيه مطابق لاسم جده وجد أبيه وهو ثقة أخرج له أصحاب الكتب الستة.

    [ حدثني أبي ].

    هو علي بن نصر بن علي ، وهو ثقة أخرج له أصحاب الكتب الستة.

    [ حدثنا شعبة ].

    هو شعبة بن الحجاج الواسطي ثم البصري، وهو ثقة وصف بأنه أمير المؤمنين في الحديث، وحديثه أخرجه أصحاب الكتب الستة.

    [ عن أبي بشر ].

    هو جعفر بن إياس بن أبي وحشية ، يقال له: ابن أبي وحشية وهو مشهور بكنيته: أبو بشر ، وأيضاً مشهور بنسبته: ابن أبي وحشية ، وهو ثقة أخرج له أصحاب الكتب الستة.

    [ سمعت مجاهداً ].

    هو مجاهد بن جبر المكي ، وهو ثقة أخرج له أصحاب الكتب الستة.

    [ عن ابن عمر ].

    هو عبد الله بن عمر بن الخطاب رضي الله عنهما الصحابي الجليل، أحد العبادلة الأربعة من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم، وأحد السبعة المعروفين بكثرة الحديث عن النبي صلى الله عليه وسلم.

    شرح حديث تشهد أبي موسى

    قال المصنف رحمه الله: [ حدثنا عمرو بن عون أخبرنا أبو عوانة عن قتادة ح وحدثنا أحمد بن حنبل حدثنا يحيى بن سعيد حدثنا هشام عن قتادة عن يونس بن جبير عن حطان بن عبد الله الرقاشي قال: (صلى بنا أبو موسى الأشعري رضي الله عنه، فلما جلس في آخر صلاته قال رجل من القوم: أقرت الصلاة بالبر والزكاة، فلما انفتل أبو موسى أقبل على القوم فقال: أيكم القائل كلمة كذا وكذا؟ قال: فأرم القوم، فقال: أيكم القائل كلمة كذا وكذا؟ فأرم القوم، قال: فلعلك يا حطان أنت قلتها؟ قال: ما قلتها، ولقد رهبت أن تبكعني بها، قال: فقال رجل من القوم: أنا قلتها، وما أردت بها إلا الخير، فقال أبو موسى : أما تعلمون كيف تقولون في صلاتكم؟! إن رسول الله صلى الله عليه وسلم خطبنا فعلمنا وبين لنا سنتنا وعلمنا صلاتنا، فقال: (إذا صليتم فأقيموا صفوفكم، ثم ليؤمكم أحدكم، فإذا كبر فكبروا، وإذا قرأ: غَيْرِ الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ وَلا الضَّالِّينَ [الفاتحة:7] فقولوا: آمين، يجبكم الله، وإذا كبر وركع فكبروا واركعوا، فإن الإمام يركع قبلكم ويرفع قبلكم، قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: فتلك بتلك، وإذا قال: سمع الله لمن حمده، فقولوا: اللهم ربنا لك الحمد، يسمع الله لكم، فإن الله تعالى قال على لسان نبيه صلى الله عليه وسلم: سمع الله لمن حمده، وإذا كبر وسجد فكبروا واسجدوا، فإن الإمام يسجد قبلكم ويرفع قبلكم، قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: فتلك بتلك، فإذا كان عند القعدة فليكن من أول قول أحدكم أن يقول: التحيات الطيبات الصلوات لله، السلام عليك أيها النبي ورحمة الله وبركاته، السلام علينا وعلى عباد الله الصالحين، أشهد أن لا إله إلا الله وأشهد أن محمداً عبده ورسوله) لم يقل أحمد : وبركاته، ولا قال: وأشهد، قال: وأن محمداً ].

    أورد أبو داود تشهد أبي موسى الأشعري ، لأن أبا داود ذكر تشهد ابن مسعود أولاً، ثم ذكر تشهد ابن عمر ، ثم ثلث بتشهد أبي موسى الأشعري رضي الله عنه، ويرويه حطان بن عبد الله الرقاشي .

    قوله: [ فأرم القوم ] أي: سكتوا وما تكلم أحد.

    قول حطان : [ ولقد رهبت أن تبكعني بها ] أي: خفت أن تلصقها بي وتضيفها إلي.

    قول أبي موسى : [ أما تعلمون ما تقولون في صلاتكم؟! ] أي: عليكم أن تتعلموا الأمور المطلوبة منكم في الصلاة، ثم إن أبا موسى رضي الله عنه قال: إن رسول الله صلى الله عليه وسلم خطبنا فعلمنا وبين لنا سنتنا وعلمنا صلاتنا.

    قوله: [ وبين لنا سنتنا وعلمنا صلاتنا ] يدل على أن الرسول صلى الله عليه وسلم كان يبين الأحكام في الخطب، وهذا من كمال البيان، ويدلنا على الاهتمام بتعليم أمور الدين، وأن ذلك يكون في الخطب كما يكون في غير الخطب.

    قوله: [ (إذا صليتم فأقيموا صفوفكم.) ]

    كان مما حدث به عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال: (إذا صليتم فأقيموا صفوفكم) أي: سووا صفوفكم حتى لا يكون فيها فرج، وتسوية الصفوف يكون بملء الصف الأول أولاً، ولا ينشأ الصف الثاني إلا إذا امتلأ الصف الأول، ولا ينشأ الصف الثالث إلا إذا امتلأ الثاني، وهكذا، وإقامة الصفوف إنما يكون بتسويتها والتراص فيها، وألا يكون فيها فرج، وتكون التسوية إلى جهة الإمام، فإذا كان الإمام من جهة اليسار وكانوا عن يمينه تراصوا إلى اليمين، وإذا كانوا عن يساره تراصوا إلى جهة الإمام ولا يذهبون إلى طرف الصف، والصف إنما يبدأ من وراء الإمام، لا من طرف الصف. هذه صفة إقامة الصفوف.

    قوله: [ (فإذا كبر فكبروا) ] معناه: تابعوه كما قال: (إنما جعل الإمام ليؤتم به، فإذا كبر فكبروا ) أي: ليكن تكبيركم بعد تكبيره، لا قبله ولا معه ولا بعده بوقت طويل؛ لأن أحوال الائتمام أربع حالات: إما التقدم والمسابقة، وإما الموافقة له بحيث يكون الإمام والمأموم على حد سواء، فلا يسبق هذا هذا ولا يتأخر هذا عن هذا، وإما المتابعة فإذا فرغ الإمام تبعه المأموم، وإما التخلف عنه مدة، هذه أحوال أربعة المشروع منها هو المتابعة التي يدل عليها قوله صلى الله عليه وسلم (فإذا كبر فكبروا) أي: فيكون تكبيركم بعد تكبيره مباشرة، لا تسبقونه ولا توافقونه ولا تتأخروا عنه، فلا موافقة ولا تأخر ولا مسابقة.

    وإذا دخل الإنسان دخل في الصلاة قبل إمامه فإنه لا يعتبر مؤتماً بالإمام وصلاته باطلة؛ لأن تكبيرة الإحرام هي تحريم الصلاة، فلو كبر قبل الإمام أو معه لم تصح صلاته؛ لأنه ما دخل مع الإمام بالمتابعة وإنما بالمسابقة والموافقة، والدخول في الصلاة يجب أن يكون وراء الإمام. ثم جميع الأفعال يجب أن تكون وراء الإمام، كما قال: (إذا كبر فكبروا)؛ لأن كلمة (فكبروا) تفيد المتابعة مع عدم الموافقة وعدم التأخر.

    قوله: [ (وإذا قال : غَيْرِ الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ وَلا الضَّالِّينَ [الفاتحة:7] فقولوا: آمين يجيكم الله) ]

    لأن آمين معناها: اللهم استجب، فالمعنى: ادعوا بكلمة آمين التي معناها اللهم استجب، يجبكم الله.

    الملقي: (وإذا كبر وركع فكبروا واركعوا، فإن الإمام يركع قبلكم ويرفع قبلكم، قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: فتلك بتلك) ]

    قوله: [ (وإذا كبر وركع فكبروا واركعوا) ] أي كبروا بالركوع واركعوا وراءه ولا تتأخروا عنه، ولا تسابقوه أو تلاحقوه أو تكونوا موافقين له لئلا يكون هو أزيد منكم في وقت الركوع، لأنه يسبقكم في الركوع والقيام، وأنتم تتأخرون عنه في الركوع والقيام فيكون مقدار ركوعكم مثل مقدار ركوعه؛ لأن اللحظة التي سبقكم بها عندما ركع أنتم أخذتموها عندما رفع، لأنكم تأخرتم بعده. ولهذا قال صلى الله عليه وسلم: [ (فتلك بتلك) ].

    قوله: [ (وإذا قال: سمع الله لمن حمده فقولوا: اللهم ربنا لك الحمد يسمع الله لكم، فإن الله تعالى قال على لسان نبيه صلى الله عليه وسلم: سمع الله لمن حمده)]

    لأن سمع الله لمن حمده معناها: استجاب الله لمن حمده، ولهذا جاء بعدها: ربنا ولك الحمد، ومن الكلمات الطيبة الحسنة التي قالها بعض السلف في حق أمير المؤمنين معاوية بن أبي سفيان رضي الله عنه: أنه لما قيل له: ماذا تقول في معاوية ؟ فقال: ماذا أقول في رجل صلى خلف النبي صلى الله عليه وسلم، فقال النبي صلى الله عليه وسلم في الصلاة: سمع الله لمن حمده، فقال معاوية وراءه: ربنا ولك الحمد! يعني: هذه فضيلة وميزة يتميز بها الصحابة؛ لأنهم صلوا خلف رسول الله صلى الله عليه وسلم وأمنوا على دعائه.

    قوله: [ (يسمع الله لكم) ] معناه: يجبكم، وليس معنى ذلك صفة السمع، لأن السمع يتعدى بالفعل، كما في قوله: قَدْ سَمِعَ اللَّهُ قَوْلَ الَّتِي تُجَادِلُكَ فِي زَوْجِهَا [المجادلة:1] المقصود به سمع الكلام، وإنما هنا ( يسمع الله لكم ) يعني: يجبكم.

    قوله: [ (فإن الله تعالى قال على لسان نبيه: سمع الله لمن حمده) ]

    وهذا يدلنا على أن التعبير بمثل: قال الله على لسان كذا، أنه تعبير صحيح، وأن ذلك جاءت به السنة عن رسول الله صلى الله عليه وسلم، ويستعمله العلماء في كلامهم لا سيما عندما يذكرون بعض القصص فيقولون: قال الله على لسان فلان كذا كذا.

    قوله: [ (وإذا كبر وسجد فكبروا واسجدوا، فإن الإمام يسجد قبلكم ويرفع قبلكم، قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: فتلك بتلك) ]

    وهذا مثلما مر في الركوع، يعني: مقدار سجودكم هو مقدار سجوده، فإذا كبر وسجد فإنكم تكبرون وتسجدون، وعندما يقوم من السجود أنتم تبقون، يعني حتى يفرغ من قول الله أكبر، فاللحظة التي سبقكم بها عند السجود عوضتموها عند قيامه من السجود، ولهذا قال صلى الله عليه وسلم: (فتلك بتلك)، أي: هذه اللحظة بهذه اللحظة.

    قوله: [ (فإذا كان عند القعدة فليكن من أول قول أحدكم أن يقول: التحيات الطيبات الصلوات لله) ]

    يعني: قعدة التشهد. وهذا التشهد الذي ذكره مثل تشهد ابن عمر إلا أن فيه تقديم الصلوات على الطيبات، وهنا قال: التحيات الطيبات الصلوات لله، وهناك قدم لله بعد التحيات، قال: التحيات لله الصلوات الطيبات.

    قوله: [ (السلام عليك أيها النبي ورحمة الله وبركاته، السلام علينا وعلى عباد الله الصالحين، أشهد أن لا إله إلا الله وأشهد أن محمداً عبده ورسوله) ] هذا متفق مع تشهد ابن مسعود .

    تراجم رجال إسناد حديث تشهد أبي موسى

    قوله: [ حدثنا عمرو بن عون ]

    عمرو بن عون ثقة أخرج له أصحاب الكتب الستة.

    [ أخبرنا أبو عوانة ]

    هو الوضاح بن عبد الله اليشكري ، وهو ثقة أخرج له أصحاب الكتب الستة.

    [ عن قتادة ]

    هو قتادة بن دعامة السدوسي البصري ، وهو ثقة أخرج له أصحاب الكتب الستة.

    [ ح وحدثنا أحمد بن حنبل ]

    (ح) هي للتحول من إسناد إلى إسناد وأحمد بن حنبل هو أحمد بن محمد بن حنبل الشيباني ، الإمام المشهور المعروف أحد أصحاب المذاهب الأربعة من مذاهب أهل السنة، وحديثه أخرجه أصحاب الكتب الستة.

    [ حدثنا يحيى بن سعيد ]

    هو يحيى بن سعيد القطان ، الذي يروي عنه الإمام أحمد وهو متأخر عن يحيى بن سعيد الأنصاري ، ويحيى بن سعيد القطان البصري ثقة أخرج له أصحاب الكتب الستة.

    [ حدثنا هشام ]

    هو هشام بن عبد الله الدستوائي ، وهو ثقة أخرج له أصحاب الكتب الستة.

    [ عن قتادة ]

    وقد مر ذكره.

    [ عن يونس بن جبير ]

    وهو ثقة أخرج له أصحاب الكتب الستة.

    [ عن حطان بن عبد الله الرقاشي ]

    وهو ثقة أخرج له مسلم وأصحاب السنن.

    [ عن أبي موسى الأشعري ]

    وهو عبد الله بن قيس الأشعري رضي الله عنه، مشهور بكنيته ونسبته، واسمه عبد الله واسم أبيه قيس ، وهو من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم، وحديثه أخرجه أصحاب الكتب الستة.

    شرح حديث تشهد أبي موسى من طريق ثانية

    قال المصنف رحمه الله تعالى: [ حدثنا عاصم بن النضر حدثنا المعتمر قال: سمعت أبي حدثنا قتادة عن أبي غلاب يحدثه عن حطان بن عبد الله الرقاشي بهذا الحديث زاد: (فإذا قرأ فأنصتوا) وقال في التشهد بعد أشهد أن لا إله إلا الله زاد: وحده لا شريك له.

    قال أبو داود وقوله: فأنصتوا، ليس بمحفوظ، لم يجىء به إلا سليمان التيمي في هذا الحديث ].

    أورد أبو داود حديث تشهد أبي موسى الأشعري من طريق أخرى، وهو مثل الذي قبله إلا أنه قال في وصفه للصلاة: [ (وإذا قرأ فأنصتوا) ] وفيه بعد قوله: أشهد أن لا إله إلا الله (وحده لا شريك له)؛ وهذه الطريق هي طريق سليمان التيمي عن قتادة فالتشهد فيها جاء فيه لفظ : (وحده لا شريك له)، كما في تشهد ابن عمر وهي ثابتة.

    ثم قال أبو داود : [ قوله: فأنصتوا، ليس بمحفوظ، زادها سليمان التيمي عن قتادة بهذا الحديث ]، ولكن مسلم رحمه الله لما سئل عنها قال: إنها صحيحة، فقال: لماذا لم تضعها في كتابك؟ قال: ليس كل صحيح عندي وضعته هاهنا، لأنه لم يشترط أن يخرج كل الصحيح، وإنما ذكر جملة كبيرة من الأحاديث الصحيحة ولم يستوعبها، ولهذا يقول ابن الصلاح في علوم الحديث عن صاحبي الصحيح: لم يستوعبا الصحيح ولم يشترطا ذلك، حتى يقال: إنه فاتهما شيء، ولهذا فالكلام الذي يأتي عند الحاكم : (صحيح على شرط الشيخين ولم يخرجاه) ليس بلازم لهما؛ لأنهما لم يلتزما الإخراج لكل حديث صحيح، فكم من حديث صحيح لا وجود له في الصحيحين، وكم من ثقة لا وجود له في رجال الصحيحين.

    وإذاً: هذه الزيادة التي جاءت في حديث أبي موسى هي مما اعتبره مسلم من قبيل الصحيح، ولكنه لم يدخله في صحيحه لكونه لم يلتزم أن يخرج كل حديث صحيح.

    ثم أيضاً هذه الزيادة من ثقة فتكون مقبولة؛ لأنها بمثابة الحديث المستقل، وهي قوله: (وإذا قرأ فأنصتوا) ومن المعلوم أنه قد جاء ما يدل عليها من كتاب الله: وَإِذَا قُرِئَ الْقُرْآنُ فَاسْتَمِعُوا لَهُ وَأَنصِتُوا لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ [الأعراف:204] ومن سنة رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال: (لا تقرءوا إلا بفاتحة الكتاب) يعني: أنهم عندما يسمعون القراءة ولا يقرأوا إلا فاتحة الكتاب.

    إذاً: هاتان الزيادتان ثابتتان ولا محذور فيهما، وقول أبي داود : إنها غير محفوظة، لأنه يرى أن أصحاب قتادة لم يذكروها وإنما ذكرها سليمان التيمي ، وسليمان التيمي لا يؤثر تفرده؛ لأنها زيادة من ثقة، فتكون مقبولة، ولهذا اعتبرها مسلم رحمه الله صحيحة.

    تراجم رجال إسناد تشهد أبي موسى من طريق ثانية

    قوله: [ حدثنا عاصم بن النضر ].

    صدوق، أخرج له مسلم وأبو داود والنسائي .

    [ حدثنا المعتمر ].

    هو المعتمر بن سليمان بن طرخان التيمي ، وهو ثقة، أخرج له أصحاب الكتب الستة.

    [ سمعت أبي ].

    هو سليمان بن طرخان التيمي ، وهو ثقة أخرج له أصحاب الكتب الستة.

    [ حدثنا قتادة عن أبي غلاب ].

    قتادة مر ذكره، وأبو غلاب هو يونس بن جبير المتقدم، ذكر في الطريق الأولى باسمه وفي هذا الطريق بكنيته، وقد ذكرت مراراً وتكراراً في جملة من الأسانيد الماضية أن الرجل يأتي أحياناً باسمه وأحياناً بكنيته، وأن معرفة كنى المحدثين مهمة، وأنها نوع من أنواع علوم الحديث، وفائدة ذلك ألا يظن الشخص الواحد شخصين؛ لأن من لا يدري إذا رأى في الطريق السابقة يونس بن جبير يروي عن حطان بن عبد الله الرقاشي ، وفي هذه الطريق أبا غلاب يروي عن حطان بن عبد الله الرقاشي ، يظن أن أبا غلاب شخص غير يونس بن جبير .

    [ عن حطان عن أبي موسى ].

    وقد مر ذكرهما.

    شرح حديث تشهد ابن عباس

    قال المصنف رحمه الله تعالى: [ حدثنا قتيبة بن سعيد حدثنا الليث عن أبي الزبير عن سعيد بن جبير وطاوس عن ابن عباس رضي الله عنهما أنه قال: (كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يعلمنا التشهد كما يعلمنا القرآن، وكان يقول: التحيات المباركات الصلوات الطيبات لله، السلام عليك أيها النبي ورحمة الله وبركاته، السلام علينا وعلى عباد الله الصالحين، أشهد أن لا إله إلا الله، وأشهد أن محمداً رسول الله) ].

    أورد أبو داود التشهد الرابع، وهو تشهد ابن عباس ، وقد مر تشهد ابن مسعود ثم تشهد ابن عمر ثم تشهد أبي موسى الأشعري ، وهذا التشهد الرابع الذي هو تشهد ابن عباس ، وقد ذكر ابن عباس رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يعلمهم التشهد كما يعلمهم السورة من القرآن؛ وذلك للاهتمام به، وكونه يريد منهم أن يحفظوه ويعوه، فكان يعلمهم ألفاظه كما يعلمهم السورة من القرآن.

    وما ذكره هنا من التشهد متفق مع ما تقدم إلا أنه هنا قال: [ (وأشهد أن محمداً رسول الله) ] ولم يقل: عبده ورسوله، وأيضاً أتى فيه بـ(المباركات) وصفاً للتحيات، فقال: [ (التحيات المباركات الصلوات الطيبات لله) ] وعلى هذا فهذا نوع من أنواع التشهد التي ثبتت عن رسول الله صلى الله عليه وسلم.

    تراجم رجال إسناد حديث تشهد ابن عباس

    قوله: [ حدثنا قتيبة بن سعيد ].

    هو قتيبة بن سعيد بن جميل بن طريف البغلاني ، ثقة أخرج له أصحاب الكتب الستة.

    [ حدثنا الليث ].

    هو الليث بن سعد المصري ، ثقة فقيه أخرج له أصحاب الكتب الستة.

    [ عن أبي الزبير ]

    هو محمد بن مسلم بن تدرس ، صدوق أخرج له أصحاب الكتب الستة.

    [ عن سعيد بن جبير ]

    وهو ثقة أخرج له أصحاب الكتب الستة.

    [ وطاوس ]

    هو طاوس بن كيسان ، وهو ثقة أيضاً أخرج له أصحاب الكتب الستة.

    [ عن ابن عباس ]

    هو عبد الله بن عباس بن عبد المطلب ابن عم النبي صلى الله عليه وسلم، وأحد العبادلة الأربعة من الصحابة، وأحد السبعة المعروفين بكثرة الحديث عن النبي صلى الله عليه وسلم من أصحابه الكرام رضي الله تعالى عنهم وأرضاهم.

    قوله هنا: [ المباركات ] هو بمعنى الزاكيات، والزاكيات هذه جاءت في تشهد عمر رضي الله عنه، والزكاة والبركة والنماء كلها متماثلة في المعنى.

    شرح حديث تشهد سمرة بن جندب

    قال المصنف رحمه الله تعالى: [ حدثنا محمد بن داود بن سفيان حدثنا يحيى بن حسان حدثنا سليمان بن موسى أبو داود ، قال: حدثنا جعفر بن سعد بن سمرة بن جندب حدثني خبيب بن سليمان بن سمرة عن أبيه سليمان بن سمرة عن سمرة بن جندب : (أما بعد؛ أمرنا رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا كان في وسط الصلاة أو حين انقضائها فابدءوا قبل التسليم فقولوا: التحيات الطيبات والصلوات والملك لله، ثم سلموا على اليمين، ثم سلموا على قارئكم وعلى أنفسكم).

    قال أبو داود : سليمان بن موسى كوفي الأصل كان بدمشق.

    قال أبو داود : دلت هذه الصحيفة على أن الحسن سمع من سمرة ].

    أورد أبو داود هذا الحديث عن سمرة بن جندب رضي الله عنه، وهو مشتمل على التشهد بصيغة مختصرة، ولكن هذا التشهد غير ثابت عن رسول الله صلى الله عليه وسلم، والحديث غير صحيح عن رسول الله صلى الله عليه وسلم، وإنما الذي ثبت هي الأربعة المتقدمة وهي متقاربة، وأكملها تشهد ابن مسعود رضي الله تعالى عن الجميع.

    تشهد عمر بن الخطاب

    هناك تشهد آخر لـعمر رضي الله عنه كان يعلمه الناس من على المنبر وهو يخطب ويقول: قولوا: التحيات الزاكيات الصلوات الطيبات لله، السلام عليك أيها النبي ورحمة الله وبركاته، السلام علينا وعلى عباد الله الصالحين، أشهد أن لا إله إلا الله وأشهد أن محمداً عبده ورسوله. وفيه كلمة (الزاكيات) كما أن في تشهد ابن عباس (المباركات) .

    وفيه أنه كان يعلمه ويقول: (السلام عليك أيها النبي ورحمة الله وبركاته)، وهذا يدلنا على أن صيغ التشهد كلها متفقة على الخطاب في قول المصلي: السلام عليك أيها النبي ورحمة الله وبركاته، وأن النبي صلى الله عليه وسلم علمهم هذه الصيغة، وهي بلفظ الخطاب، وجاء عن بعض الصحابة أنهم بعد وفاة النبي صلى الله عليه وسلم عدلوا إلى صيغة الغيبة: السلام عليك أيها النبي ورحمة الله وبركاته، وكانوا يقولون: السلام على النبي ورحمة الله وبركاته، لكن جاء في خطبة عمر رضي الله عنه أنه كان يعلم الناس هذه الصيغة التي جاءت عن النبي صلى الله عليه وسلم، وذلك في زمن خلافته رضي الله عنه، فما قال قولوا: السلام على النبي ورحمة الله وبركاته، وهو الذي يخاطبهم بهذا الكلام ولا يضيف ذلك إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم، ولكن له حكم الرفع؛ لأن مثل هذا لا يقال من قبل الرأي.

    وكونه يقول لهم: السلام عليك أيها النبي ورحمة الله وبركاته، دل على أن العدول عن الخطاب ليس بلازم ولا متعين، وأن ما حصل من بعض الصحابة إنما هو اجتهاد منهم، وعمر رضي الله عنه كان يعلم الناس وفيهم من الصحابة كثير، وما جاء ما يدل على الاعتراض عليه في ذلك، فدل هذا على أن مثل هذه الصيغة والاستمرار عليها لا بأس به.

    ثم أيضاً النبي صلى الله عليه وسلم في حياته صلى الله عليه وسلم كان الناس في المشارق والمغارب، والنبي صلى الله عليه وسلم غائب عنهم، وكانوا يقولون: السلام عليك أيها النبي ورحمة الله وبركاته، فدل ذلك على أن العدول من صيغة الخطاب إلى صيغة الغيبة أنه باجتهاد منهم.

    إذاً: لابد من المحافظة على اللفظ الذي جاء عن النبي صلى الله عليه وسلم في صيغ التشهد الخمس الثابتة عن رسول الله صلى الله عليه وسلم: تشهد ابن مسعود ، وتشهد ابن عمر ، وتشهد أبي موسى ، وتشهد ابن عباس ، وتشهد عمر بن الخطاب ، لا بأس به ولا محذور فيه، وفيه محافظة وإبقاء على الأصل الذي جاء عن رسول الله صلوات الله وسلامه وبركاته عليه.

    تراجم رجال إسناد حديث تشهد سمرة بن جندب

    قوله: [ حدثنا محمد بن داود بن سفيان ].

    محمد بن داود بن سفيان مقبول، أخرج حديثه أبو داود وحده.

    [ حدثنا يحيى بن حسان ].

    وهو ثقة، أخرج له أصحاب الكتب إلا ابن ماجة .

    [ حدثنا سليمان بن موسى أبو داود ].

    سليمان بن موسى أبو داود فيه لين، أخرج حديثه أبو داود .

    [ حدثنا جعفر بن سعد بن سمرة بن جندب ].

    ليس بالقوي أخرج حديثه أبو داود .

    [ عن خبيب بن سليمان بن سمرة ].

    وهو مجهول أخرج حديثه أبو داود .

    [ عن أبيه سليمان بن سمرة ].

    وهو مقبول أخرج حديثه أبو داود .

    [ عن سمرة بن جندب ].

    سمرة بن جندب رضي الله عنه صاحب رسول الله صلى الله عليه وسلم، وحديثه أخرجه أصحاب الكتب الستة.

    وهذا الحديث كما نرى فيه مجهول، وفيه عدد ممن هو مقبول لا يحتج بحديثهم إلا عند المتابعة، ثم أيضاً هو ليس من رواية الحسن ، بل من رواية سليمان بن سمرة عن سمرة ، إذاً: فالحديث غير ثابت وهو مخالف للصيغ الأخرى، وهو مختصر، وفيه بعض ما في الذي قبله، وفيه زيادة [ والملك لله ] وهو غير ثابت عن رسول الله صلى الله عليه وسلم.

    [ قال أبو داود : سليمان بن موسى كوفي الأصل كان بدمشق ].

    ذكرنا أن فيه ليناً، وأخرج له أبو داود .

    [ قال أبو داود : دلت هذه الصحيفة على أن الحسن سمع من سمرة ].

    هذا الكلام الذي قاله أبو داود رحمه الله قيل في معناه: أن سليمان بن سمرة في طبقة الحسن ، وإذا كان من طبقة الحسن فهو مثل الحسن ، والمعنى: أن الحسن سمع من سمرة ، والواقع أن الحسن سمع من سمرة في الجملة، وقد سمع منه حديث العقيقة، كما جاء ذلك في صحيح البخاري ، وقد أدركه ولقيه وسمع منه، لكن الشأن في السماع مطلقاً، فليس كل ما جاء عن الحسن عن سمرة سمعه من سمرة ؛ لأن الحسن مدلس، والمدلس يحذف من بينه وبين المروي عنه، فإذا روى بالعنعنة أو قال؛ فإنه يحتمل الانقطاع.

    وهذا الحديث يدل على مجرد السماع لكون هذا عاصر هذا، وهذا سماعه ثابت بدون هذه المقارنة أو هذه المقايسة، وذلك موجود في صحيح البخاري في حديث العقيقة، فأصل السماع ثابت، وإنما الخلاف في السماع المطلق، لأنه مدلس، والمدلس يحتاج إلى التصريح بالسماع، والذي جاء مصرحاً فيه بالسماع هو حديث العقيقة.

    والحافظ نقل عنه أنه قال: لم يتبين لي وجه الدلالة، يعني الدلالة على كون الحسن سمع من سمرة في هذا الحديث، وكما قلت بعض العلماء ذكروا أن هذا في الطبقة الثالثة وهذا في الطبقة الثالثة وكل منهم أدرك سمرة ، لكن ليس القضية قضية إدراك؛ لأن الإدراك ثابت من غير هذا الحديث.

    فائدة: وقع في بعض النسخ الخطية لـأبي داود كما نقلها محمد العوام ، يقول: في التعليق لشيخنا مولانا محمد زكريا الكاندهلوي رحمه الله على كتاب شيخه بذل المجهود، نقلاً عن الشيخ حسن عرب اليمني البهبالي أنه وقع في بعض النسخ الخطية لـأبي داود : وحدثنا جعفر بن سعد بن سمرة بن جندب حدثني الحسن سمعت سمرة بن جندب يقول في خطبته: أما بعد.... الحديث.

    لكننا لا ندري أين هذه النسخ؟ ثم أيضاً لم يعرف أنه صرح بالسماع إلا في حديث العقيقة، وأيضاً لو ثبت من هذه الطريق فالحديث نفسه فيه الأشخاص المتكلم فيهم في إسناده.

    1.   

    الأسئلة

    حكم الزواج بالكتابيات الموجودات اليوم

    السؤال: هل الزواج بالكتابية الموجودة الآن في بلاد الكفر جائز على الإطلاق، أم يوجد تفصيل في هذه المسألة؟

    الجواب: الزواج بالكتابيات جاء به القرآن، فهو حكم ثابت في كتاب الله عز وجل، لكن الزواج بالمسلمات أولى من الزواج بهن، وكل ذلك حلال وسائغ ومشروع، لكن كون الإنسان يختار مسلمة أولى من كونه يختار كتابية، والكتابيات الموجودات في هذا الزمان فيهن من الشرك ما هو موجود في هذا الزمان وفي زمن الرسول صلى الله عليه وسلم؛ لأن الله عز وجل أخبر بأنهم كفار: لَقَدْ كَفَرَ الَّذِينَ قَالُوا إِنَّ اللَّهَ هُوَ الْمَسِيحُ ابْنُ مَرْيَمَ [المائدة:17]، لَقَدْ كَفَرَ الَّذِينَ قَالُوا إِنَّ اللَّهَ ثَالِثُ ثَلاثَةٍ [المائدة:73]، وقال: تَعَالَى اللَّهُ عَمَّا يُشْرِكُونَ [النمل:63] فهم كفار ومشركون فانتماؤهم إلى دين عيسى أو موسى يجعلهم من أهل كتاب، وسواء كانوا في هذا الزمان أو قبل هذا الزمان فالحكم واحد، فما لأنهم ما داموا ينتمون إلى هذا الدين فهم أهل كتاب، ولا فرق بين المتقدمين والمتأخرين.

    بدعة الوصية المنشورة باسم حامل مفاتيح الحرم النبوي

    السؤال: هذا منشور فيه الوصية من المدينة المنورة من الشيخ أحمد حامل مفاتيح حرم الرسول صلى الله عليه وسلم إلى المسلمين في مشارق الأرض ومغاربها...، توزع الآن حديثاً، فما قولكم بارك الله فيكم؟

    الجواب: هذه بدعة قديمة، لكن نشرها جديد، والشيخ عبد العزيز بن باز رحمة الله عليه قد كتب فيها رسالة مستقلة وطبعت مع جملة من البدع والأمور المنكرة تحت اسم: التحذير من البدع، فهي كذب ومفتراة، وما فيها من كلام غير صحيح، ولا يعول في الدين على رؤى ولا على غير ذلك، وإنما التعويل على كتاب الله عز وجل وسنة نبيه صلى الله عليه وسلم، والرسول صلى الله عليه وسلم لم يقبضه الله عز وجل إلا وقد أكمل له الدين، ولم يخرج من هذه الدنيا إلا وقد بلغ البلاغ المبين صلوات الله وسلامه وبركاته عليه، وأنزل الله عليه: الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الإِسْلامَ دِينًا [المائدة:3]، فليس هناك إضافات ولا إلحاقات تلحق بدينه، لا عن رؤى ولا عن غير رؤى، وما يحصل من ذلك فإنما هو من محدثات الأمور التي حذر منها رسول الله صلى الله عليه وسلم.

    حكم الأعياد المحدثة باسم يوم المعلم ونحو ذلك

    السؤال: ما رأي فضيلتكم في ذكرى يوم المعلم العالمي ونحوه من الأيام والأسابيع؟

    الجواب: الذكريات التي تتعلق بمناسبات وما إلى ذلك لم يأت دليل يدل عليها من كتاب الله ولا من سنة رسوله صلى الله عليه وسلم، فمثل ذلك من الأمور المحدثة التي أحدثها الناس.

    حكم الكلام فيما شجر بين الصحابة

    السؤال: ما رأي فضيلتكم فيمن يتعرض لذكر الفتن التي وقعت بين الصحابة، ويذكر ما فيها من طعن في الصحابة بحجة أنها ذكرت في تاريخ الطبري وغيره؟

    الجواب: علماء السلف الذين ألفوا في العقيدة حتى الكتب المختصرة، يذكرون فيها: ويجب الكف عما شجر بينهم، أي: من عقيدة أهل السنة والجماعة الكف عما شجر بينهم، وأنهم لا يذكرون إلا بالجميل.

    ويقول شيخ الإسلام ابن تيمية رحمة الله عليه في العقيدة الواسطية: ومن أصول أهل السنة والجماعة: سلامة قلوبهم وألسنتهم لأصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم، فلا يذكرون إلا بأحسن الذكر، ولا يصلح أن تذكر الأخبار التي فيها شيء من اللوم لهم أو العتب عليهم؛ لأن الأمر كما قال شيخ الإسلام في نفس الرسالة: إن الأخبار التي ذكرت ذلك منها ما هو صحيح، ومنها ما هو ضعيف، ومنها ما هو كذب، وما صح منها هم فيه مجتهدون إما مصيبون لهم أجران، وإما مخطئون لهم أجر واحد.

    هذا هو الواجب في حق الصحابة، أن تكون القلوب والألسنة سليمة في حقهم.

    وقد ذكر الله في سورة الحشر ثلاثة أصناف لا رابع لها: المهاجرون والأنصار، ثم قال: وَالَّذِينَ جَاءُوا مِنْ بَعْدِهِمْ يَقُولُونَ رَبَّنَا اغْفِرْ لَنَا وَلِإِخْوَانِنَا الَّذِينَ سَبَقُونَا بِالإِيمَانِ وَلا تَجْعَلْ فِي قُلُوبِنَا غِلًّا لِلَّذِينَ آمَنُوا رَبَّنَا إِنَّكَ رَءُوفٌ رَحِيمٌ [الحشر:10] فسلامة ألسنتهم بأن يقولوا: ربنا اغفر لنا ولإخواننا الذين سبقونا بالإيمان، ويسألون الله ألا يجعل في قلوبهم شيئاً من الحقد: وَلا تَجْعَلْ فِي قُلُوبِنَا غِلًّا لِلَّذِينَ آمَنُوا فالصحابة هم خير الناس وأفضلهم وهم الذين شرفهم الله عز وجل بصحبة نبيه صلى الله عليه وسلم، وهذا شرف ما حصل لأحد سواهم.