إسلام ويب

شرح سنن أبي داود [117]للشيخ : عبد المحسن العباد

  •  التفريغ النصي الكامل
  • يباح للمرء في صلاته عمل بعض الأمور الخارجة عنها لضرورة ألمت به أو حاجة دعته لذلك تقدر بقدرها، وبزوال السبب يزول الفعل، مثل الالتفات في الصلاة، أو حمل الصبيان، أو قتل الحية والعقرب، أو رد السلام بالإشارة، وله أن يرده بعد الصلاة.

    1.   

    ما جاء في الرخصة في الالتفات والنظر في الصلاة

    شرح حديث: (ثوب بالصلاة فجعل رسول الله يصلي وهو يلتفت إلى الشعب...)

    قال المصنف رحمه الله تعالى: [ باب الرخصة في ذلك:

    حدثنا الربيع بن نافع حدثنا معاوية - يعني: ابن سلام - عن زيد أنه سمع أبا سلام قال: حدثني السلولي هو أبو كبشة عن سهل بن الحنظلية قال: (ثوب بالصلاة -يعني: صلاة الصبح- فجعل رسول الله صلى الله عليه وسلم يصلي وهو يلتفت إلى الشعب.

    قال أبو داود : وكان أرسل فارساً إلى الشعب من الليل يحرس) ].

    أورد أبو داود هذه الترجمة: [ الرخصة في ذلك ].

    والإشارة بـ(ذلك) أقرب ما تعود على النظر والالتفات في الصلاة، لكن هل الإشارة في: [ذلك] ترجع إلى النظر، أو إلى الالتفات، بعض أهل العلم قال: الأقرب أنها ترجع إلى الالتفات، لكن يبدو -والله أعلم- أن الحديث فيه الجمع بين الأمرين؛ لأن فيه التفاتاً ونظراً؛ لأنه التفت إلى جهة الشعب ونظر تلك الجهة التي أرسل إليها فارساً يحرس.

    إذاً: فيمكن أن يقال: إنه يرجع إلى الاثنين؛ لأن فيه النظر وفيه الالتفات، لكن المطلوب في الصلاة هو ألا يلتفت فيها، وإنما يكون نظره إلى موضع سجوده إلا لحاجة ضرورية.

    أورد أبو داود حديث سهل بن الحنظلية رضي الله عنه (أنه ثوب بالصلاة) يعني: أقيمت الصلاة، والتثويب في الصلاة هو الإقامة، وذلك أن الأذان للصلاة تكبير ونداء، وإذا رجع إليه مرة أخرى فقد ثوب، ومنه: ثاب اللبن في الضرع، يعني: عاد اللبن في الضرع، وفي الحديث: (إن الشيطان إذا سمع الأذان ولى وله ضراط ثم يرجع، فإذا ثوب بالصلاة ولى) يعني: أقيمت الصلاة.

    قوله: [ (فجعل رسول الله صلى الله عليه وسلم يصلي وهو يلتفت إلى الشعب، وكان أرسل فارساً إلى الشعب من الليل يحرس) ].

    هذا يدل على أن الالتفات للحاجة وللضرورة لا بأس به، وأن الأصل هو عدم الالتفات، ولكن حيث دعت الحاجة إليه جاز، كما فعل المصطفى صلوات الله وسلامه وبركاته عليه.

    قوله: [ (وكان أرسل فارساًً إلى الشعب من الليل يحرس) ].

    أي: أنه كان ينظر إلى تلك الجهة؛ لأنها قد تكون جهة مخوفة، فيخشى أن يأتي من تلك الجهة شيء.

    تراجم رجال إسناد حديث: (ثوب بالصلاة فجعل رسول الله يصلي وهو يلتفت إلى الشعب...)

    قوله: [ حدثنا الربيع بن نافع ].

    هو الربيع بن نافع أبو توبة الحلبي ثقة، أخرج له أصحاب الكتب الستة إلا الترمذي .

    [ حدثنا معاوية -يعني ابن سلام - ].

    معاوية بن سلام ثقة، أخرج له أصحاب الكتب الستة.

    [ عن زيد ].

    هو أخو معاوية بن سلام وهو ثقة، أخرج له البخاري في الأدب المفرد، ومسلم وأصحاب السنن.

    [ أنه سمع أبا سلام ].

    هو ممطور الأسود الحبشي وهو ثقة، أخرج له البخاري في الأدب المفرد، ومسلم وأصحاب السنن.

    [ حدثني السلولي هو أبو كبشة ].

    السلولي أبو كبشة ثقة، أخرج له البخاري وأبو داود والترمذي والنسائي .

    [ عن سهل بن الحنظلية ].

    سهل بن الحنظلية رضي الله عنه صحابي، أخرج له البخاري في الأدب المفرد، وأبو داود والنسائي .

    بيان القاعدة الإملائية في همزة (ابن)

    و الحنظلية ، قيل: هي أمه، وقيل: جدته، ويأتي أحياناً نسبة الشخص إلى المرأة لاشتهاره بها، وهناك عدد من الصحابة ومن غيرهم اشتهروا بذلك منهم: عبد الله بن مالك ابن بحينة ، ومنهم: إسماعيل بن إبراهيم ابن علية ، ومنهم: عبد الله ابن أم مكتوم ، ومنهم عدد من الرواة ينسبون إلى أمهاتهم أو لجداتهم؛ لأنهم اشتهروا بذلك.

    والطريقة في الإملاء والكتابة أن (ابن) إذا جاءت بين علمين متناسلين لا يكون معها ألف، وإنما تكون بدون ألف مثل قتيبة بن سعيد .

    و(ابن) همزتها همزة وصل مثل: ابن وامرئ وامرأة واسم، هذه كلها همزة وصل، لكن إذا جاء الرجل منسوباً إلى أمه أو جدته، أو جاء منسوباً إلى أبيه ثم إلى أمه؛ فإنها تثبت الألف في (ابن)؛ لأنه لم يكن علماً بين متناسلين؛ ولأن العلم بين المتناسلين هو الرجل وأبوه، أما إذا جاءت أمه بعد ذلك فتثبت الألف في الرسم والخط؛ لأنها تكون وصفاً له. وقد نبه على هذه الفائدة الإمام النووي رحمه الله في شرح صحيح مسلم ، حيث ذكر أن عدداً من الرواة يأتون منسوبين إلى أمهاتهم، وأن ذلك يكون وصفاً للراوي، وأن الألف تثبت، وأما إذا كانت بين علمين متناسلين فإنها لا تثبت وإنما تحذف.

    وكنت ذكرت هذه الفائدة ضمن الفوائد المنتقاة من فتح الباري وكتب أخرى ورقمها (613) من ذلك الكتاب، وفيه الإحالة إلى كتاب النووي في شرح مسلم .

    والأشخاص الذين جاءوا منسوبين إلى أمهاتهم منهم من ذكرت ومنهم من لم أذكر.

    1.   

    ما جاء في العمل في الصلاة

    شرح حديث: (أن رسول الله كان يصلي وهو حامل أمامة ...)

    قال المصنف رحمه الله تعالى: [ باب العمل في الصلاة:

    حدثنا القعنبي حدثنا مالك عن عامر بن عبد الله بن الزبير عن عمرو بن سليم عن أبي قتادة رضي الله عنه: (أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان يصلي وهو حامل أمامة بنت زينب بنت رسول الله صلى الله عليه وسلم، فإذا سجد وضعها وإذا قام حملها ) ].

    أورد أبو داود هذه الترجمة: [ باب العمل في الصلاة ].

    الأصل: أن الإنسان في الصلاة لا يأتي بأعمال أخرى فيها غير أفعالها إلا ما دعت إليه الحاجة، والصلاة تحريمها التكبير وتحليلها التسليم، فما كان حلالاً قبل الدخول في الصلاة يصبح حراماً بعد التكبير.

    وهناك أعمال تعمل في الصلاة وهي من غير أفعال الصلاة جاءت السنة ببيان جوازها في الصلاة عند الحاجة.

    أورد أبو داود رحمه الله حديث أبي قتادة الأنصاري رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم، صلى بهم وهو حامل أمامة بنة أبي العاص بن الربيع، التي هي ابنة ابنته زينب.

    فكان صلى الله عليه وسلم يضعها على عاتقه ويصلي بهم وهو كذلك، فإذا أراد أن يركع أو يسجد وضعها على الأرض فيركع ويسجد، وإذا قام أعادها إلى مكانها وحملها وصلى بهم.

    فدل هذا على أن مثل هذا العمل جائز للحاجة، كأن تكون البنت أو الصبي متعلقاً بأبيه أو بأمه، ويكون هناك مشقة فيما لو تركه، بأن يصيح أو يحصل له ضرر ما أو ما إلى ذلك، فيجوز له أن يفعل مثل هذا؛ لأن الرسول صلى الله عليه وسلم فعله، وفعله يدل على جوازه عند الحاجة له، فالنبي صلى الله عليه وسلم هو القدوة والأسوة لأمته، فمثل هذه الأعمال في الصلاة جاءت السنة ببيان أن فعلها سائغ للحاجة.

    تراجم رجال إسناد حديث: (أن رسول الله كان يصلي وهو حامل أمامة ...)

    قوله: [ حدثنا القعنبي ].

    هو عبد لله بن مسلمة القعنبي ثقة، أخرج حديثه أصحاب الكتب الستة إلا ابن ماجة .

    [ حدثنا مالك ].

    هو مالك بن أنس إمام دار الهجرة الإمام المشهور، أحد أصحاب المذاهب الأربعة المشهورة من مذاهب أهل السنة، وحديث أخرجه أصحاب الكتب الستة.

    [ عن عامر بن عبد الله بن الزبير ].

    عامر بن عبد الله بن الزبير ثقة، أخرج له أصحاب الكتب الستة.

    [ عن عمرو بن سليم ].

    هو عمرو بن سليم الزرقي وهو ثقة، أخرج له أصحاب الكتب الستة.

    [ عن أبي قتادة ].

    هو أبو قتادة الحارث بن ربعي الأنصاري رضي الله تعالى عنه صاحب رسول الله صلى الله عليه وسلم، وحديثه أخرجه أصحاب الكتب الستة.

    شرح حديث حمل أمامة في الصلاة من طريق ثانية وتراجم رجال إسناده

    قال المصنف رحمه الله تعالى: [ حدثنا قتيبة -يعني ابن سعيد - حدثنا الليث عن سعيد بن أبي سعيد عن عمرو بن سليم الزرقي أنه سمع أبا قتادة رضي الله عنه يقول: (بينا نحن في المسجد جلوس خرج علينا رسول الله صلى الله عليه وسلم يحمل أمامة بنت أبي العاص بن الربيع وأمها زينب بنت رسول الله صلى الله عليه وسلم، وهي صبية يحملها على عاتقه، فصلى رسول الله صلى الله عليه وسلم وهي على عاتقه، يضعها إذا ركع ويعيدها إذا قام، حتى قضى صلاته يفعل ذلك بها) ].

    أورد أبو داود رحمه الله حديث أبي قتادة الأنصاري من طريق أخرى، وهو مثل الذي قبله.

    قوله: [ حدثنا قتيبة -يعني ابن سعيد - ].

    هو قتيبة بن سعيد بن جميل بن طريف البغلاني ثقة، أخرج له أصحاب الكتب الستة.

    وكلمة: [ يعني ابن سعيد ] هذه قالها من دون أبي داود ؛ لأن أبا داود لا يحتاج إلى أن يقول: يعني، وإنما أبو داود عبر بـقتيبة فقط، وهذا في الحقيقة زيادة إيضاح، وإلا فإن قتيبة هو الوحيد في الكتب الستة الذي يسمى قتيبة بن سعيد .

    [ حدثنا الليث ].

    هو الليث بن سعد المصري وهو ثقة فقيه، أخرج له أصحاب الكتب الستة.

    [ عن سعيد بن أبي سعيد ].

    هو سعيد بن أبي سعيد المقبري وهو ثقة، أخرج له أصحاب الكتب الستة.

    [ عن عمرو بن سليم الزرقي أنه سمع أبا قتادة ].

    عمرو بن سليم الزرقي وأبو قتادة قد مر ذكرهما.

    الذي يبدو أنه صلى الله عليه وسلم حمل أمامة في صلاة الفريضة؛ لأنهم كانوا جلوساً ينتظرون الرسول صلى الله عليه وسلم للصلاة، وفي بعض الروايات: أن بلالاً آذنه، والرسول صلى الله عليه وسلم فعل ذلك للحاجة، وليس فعل ذلك مطلقاً من السنة، بحيث يتعمد الإنسان حمل الطفل في الصلاة دون حاجة أو ضرورة.

    شرح حديث حمل أمامة في الصلاة من طريق ثالثة وتراجم رجال إسناده

    قال المصنف رحمه الله تعالى: [ حدثنا محمد بن سلمة المرادي حدثنا ابن وهب عن مخرمة عن أبيه عن عمرو بن سليم الزرقي قال: سمعت أبا قتادة الأنصاري رضي الله عنه يقول: (رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم يصلي للناس وأمامة بنت أبي العاص على عنقه، فإذا سجد وضعها).

    قال أبو داود : ولم يسمع مخرمة من أبيه إلا حديثاً واحداً ].

    أورد أبو داود حديث أبي قتادة من طريق أخرى، وهو مثل الذي قبله.

    قوله: [ حدثنا محمد بن سلمة المرادي ].

    هو محمد بن سلمة المرادي المصري ثقة، أخرج حديثه مسلم وأبو داود والنسائي وابن ماجة .

    [ حدثنا ابن وهب ].

    هو عبد الله بن وهب المصري ثقة فقيه، أخرج له أصحاب الكتب الستة.

    [ عن مخرمة ].

    هو مخرمة بن بكير بن عبد الله بن الأشج المصري وهو صدوق، أخرج له البخاري في الأدب المفرد، ومسلم وأبو داود والنسائي .

    [ عن أبيه ].

    هو بكير بن عبد الله بن الأشج المصري وهو ثقة، أخرج له أصحاب الكتب الستة.

    [ عن عمرو بن سليم الزرقي قال: سمعت أبا قتادة الأنصاري ].

    عمرو بن سليم الزرقي وأبو قتادة الأنصاري قد مر ذكرهما.

    حكم حمل الأطفال أثناء الصلاة أو الطواف

    قال الإمام الخطابي : (فيه دليل على أن ثياب الأطفال وأبدانهم على الطهارة ما لم يعلم النجاسة).

    وهذا هو الأصح؛ لأن الأصل الطهارة إلا إذا علمت النجاسة فإذا كان الولد أو الجارية التي يحملها الشخص في الصلاة عليها حفاظة، وفيها شيء من النجاسة، فإن كانت النجاسة ظاهرة، ويمكن أن تؤثر، فلا يجوز له أن يحملها، وأما إذا كان هناك نجاسة ولكنها ليست ظاهرة ولا تصل إليه فليس هناك بأس.

    والطواف بالأطفال من جنسه، فإذا دعت الحاجة إلى حمل الأطفال فالأصل هو طهارة ثيابهم وأبدانهم، إلا إذا وجدت النجاسة وظهرت، وغالباً أن النجاسات إذا وجدت في الحفائظ من الداخل فإنها تتشربها؛ لأن فيها مانعاً يمنعها من أن تظهر، فما دام أن النجاسة لم تظهر وأمنت ناحية تنجيسها لما حولها فلا بأس.

    أما عن طواف هذا الصغير، فكما هو معلوم أن شرط الطواف الطهارة، فهو مثل الذي به سلس البول، يكون معذوراً.

    [ قال أبو داود : لم يسمع مخرمة من أبيه إلا حديثاً واحداً ].

    وكونه لم يسمع إلا حديثاً واحداً من أبيه لا يؤثر؛ لأن هذا الحديث جاء من طرق كثيرة كلها صحيحة عن أبي قتادة .

    شرح حديث حمل أمامة في الصلاة من طريق رابعة وتراجم رجال إسناده

    قال المصنف رحمه الله تعالى: [حدثنا يحيى بن خلف حدثنا عبد الأعلى حدثنا محمد -يعني ابن إسحاق - عن سعيد بن أبي سعيد المقبري عن عمرو بن سليم الزرقي عن أبي قتادة صاحب رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: (بينما نحن ننتظر رسول الله صلى الله عليه وسلم للصلاة في الظهر أو العصر، وقد دعاه بلال للصلاة، إذ خرج إلينا وأمامة بنت أبي العاص بنت ابنته على عنقه، فقام رسول الله صلى الله عليه وسلم في مصلاه وقمنا خلفه، وهي في مكانها الذي هي فيه، قال: فكبر فكبرنا، قال: حتى إذا أراد رسول الله صلى الله عليه وسلم أن يركع أخذها فوضعها، ثم ركع وسجد، حتى إذا فرغ من سجوده ثم قام أخذها فردها في مكانها، فما زال رسول الله صلى الله عليه وسلم يصنع بها ذلك في كل ركعة حتى فرغ من صلاته صلى الله عليه وسلم) ].

    وهذه طريق أخرى لحديث أبي قتادة الأنصاري رضي الله عنه في قصة حمل النبي صلى الله عليه وسلم لـأمامة ابنة زينب وهي ابنة أبي العاص بن الربيع ، وفيه بيان أن الصلاة كانت فريضة، وأن بلالاً آذنه للصلاة.

    شرح حديث: (اقتلوا الأسودين في الصلاة )

    قال المصنف رحمه الله تعالى: [ حدثنا مسلم بن إبراهيم حدثنا علي بن المبارك عن يحيى بن أبي كثير عن ضمضم بن جوس عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (اقتلوا الأسودين في الصلاة: الحية والعقرب) ].

    أورد أبو داود رحمه الله حديث أبي هريرة أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (اقتلوا الأسودين في الصلاة: الحية والعقرب)، وهذا العمل في الصلاة يدل على أن مثله سائغ، يعني: كون الإنسان يقتل الحية والعقرب وهو في الصلاة سائغ؛ لأن في قتلهما دفعاً لضررهما، وقطعاً لتشويشهما في الصلاة، فجاءت السنة عن رسول الله صلى الله عليه وسلم في جواز مثل هذا العمل وإن تكرر، كأن يضربها ضربة أو ضربتين أو ثلاثاً فلا بأس. أما ما اشتهر عند العوام أن أكثر من ثلاث حركات تبطل الصلاة، فهذا لا نعلم له أساساً.

    تراجم رجال إسناد حديث: (اقتلوا الأسودين في الصلاة )

    قوله: [ حدثنا مسلم بن إبراهيم ].

    هو مسلم بن إبراهيم الفراهيدي ثقة، أخرج له أصحاب الكتب الستة.

    [ حدثنا علي بن المبارك ].

    علي بن المبارك ثقة، أخرج له أصحاب الكتب الستة.

    [ عن يحيى بن أبي كثير ].

    هو يحيى بن أبي كثير اليمامي وهو ثقة، أخرج له أصحاب الكتب الستة.

    [ عن ضمضم بن جوس ].

    ضمضم بن جوس ثقة، أخرج له أصحاب السنن.

    [ عن أبي هريرة ].

    هو أبو هريرة عبد الرحمن بن صخر الدوسي صاحب رسول الله صلى الله عليه وسلم، وأكثر الصحابة حديثاً على الإطلاق رضي الله عنه وأرضاه.

    شرح حديث: (كان رسول الله يصلي والباب عليه مغلق...)

    قال المصنف رحمه الله تعالى: [ حدثنا أحمد بن حنبل ومسدد وهذا لفظه، قال: حدثنا بشر -يعني ابن المفضل - حدثنا برد عن الزهري عن عروة بن الزبير عن عائشة رضي الله عنها قالت: (كان رسول الله صلى الله عليه وسلم، قال أحمد : يصلي والباب عليه مغلق، فجئت فاستفتحت، قال أحمد : فمشى ففتح لي ثم رجع إلى مصلاه، وذكر أن الباب كان في القبلة) ].

    أورد أبو داود حديث عائشة رضي الله عنها: أن النبي صلى الله عليه وسلم كان في الحجرة، وقد أغلق عليه الباب، فجاءت وطرقت الباب، فتقدم وفتح الباب، وكان في جهة الأمام، فدل فعله هذا من المشي وفتح الباب وهو في الصلاة على أن مثل ذلك العمل في الصلاة سائغ؛ لأن النبي صلى الله عليه وسلم لما طُرق عليه الباب تقدم وفتح الباب، فدل على أنه سائغ للحاجة، لأنه لو لم يفتح الباب لتكرر الطرق، فيكون هناك شيء من التشويش.

    ثم أيضاً لا يقال: إن عائشة تعلم أنه يصلي؛ لأنها لو علمت بذلك لصبرت وانتظرت حتى يفرغ، لكن الواقع أنها لما طرقت كان يصلي ففتح لها الباب، واستمر في صلاته صلى الله عليه وسلم.

    فدل على أن مثل هذا العمل لا بأس به في الصلاة؛ لأن رسول الله صلى الله عليه وسلم فعله وهو القدوة والأسوة صلوات الله وسلامه وبركاته عليه.

    تراجم رجال إسناد حديث: (كان رسول الله يصلي والباب عليه مغلق...)

    قوله: [ حدثنا أحمد بن حنبل ].

    هو أحمد بن محمد بن حنبل الشيباني الإمام المشهور، أحد أصحاب المذاهب الأربعة المشهورة من مذاهب أهل السنة، وحديثه أخرجه أصحاب الكتب الستة.

    [ ومسدد ].

    هو مسدد بن مسرهد البصري ثقة، أخرج حديثه البخاري وأبو داود والترمذي والنسائي .

    [ وهذا لفظه ].

    أي: لفظ الشيخ الثاني.

    [ حدثنا بشر يعني ابن المفضل ].

    بشر بن المفضل ثقة، أخرج له أصحاب الكتب الستة.

    [ حدثنا برد ].

    هو برد بن سنان ، وهو صدوق، أخرج له البخاري في الأدب المفرد، وأصحاب السنن.

    [ عن الزهري ].

    هو محمد بن مسلم بن عبيد الله بن شهاب الزهري ثقة فقيه، أخرج له أصحاب الكتب الستة.

    [ عن عروة بن الزبير ].

    هو عروة بن الزبير بن العوام ثقة فقيه، أحد فقهاء المدينة السبعة في عصر التابعين، وحديثه أخرجه أصحاب الكتب الستة.

    [ عن عائشة ].

    عائشة أم المؤمنين رضي الله تعالى عنها وأرضاها، الصديقة بنت الصديق ، وهي واحدة من سبعة أشخاص عرفوا بكثرة الحديث عن النبي صلى الله عليه وسلم.

    بيان مكان باب حجرة النبي وفتحه له وهو في الصلاة

    باب حجرة النبي صلى الله عليه وسلم الذي جاء ذكره هنا يمكن أن يكون إلى جهة الغرب؛ لأن المسجد في الجهة الغربية، فاستفتحت عائشة رضي الله عنها وهو يصلي، فتقدم إلى جهة القبلة وفتح، يعني: أنه كان يصلي وهو في مؤخرة الحجرة، والباب في الزاوية الجنوبية الغربية؛ لأن الجهة الأمامية خارجة عن المسجد، وإنما الذي هو من المسجد ما كان من الحجرة من جهة الغرب، وأما ما كان من جهة الجنوب فهذه من الزيادات التي زيدت في المسجد، والحجرة لها باب إلى داخل المسجد، وآخر إلى خارج المسجد، فإن كان الباب في الجهة القبلية فهو الباب الخارجي، وأما الباب الداخلي فهو في الجهة الجنوبية الغربية، ولكن يمكن أن يكون في الزاوية أو في آخر الحجرة من جهة الجنوب في اتجاه الغرب.

    وبيوت النبي صلى الله عليه وسلم لها بابان: باب على المسجد، وباب على خارج المسجد، ولهذا الرسول صلى الله عليه وسلم أمر أن تغلق الأبواب التي على المسجد في آخر حياته ولا يبقى إلا باب أبي بكر ، وهذا فيه إشارة إلى خلافته؛ لأنه سيحتاج إلى الدخول والخروج منه، كما كان النبي صلى الله عليه وسلم يدخل ويخرج.

    1.   

    ما جاء في رد السلام في الصلاة

    شرح حديث: (كنا نسلم على رسول الله وهو في الصلاة فيرد علينا ...)

    قال المصنف رحمه الله تعالى: [ باب رد السلام في الصلاة:

    حدثنا محمد بن عبد الله بن نمير حدثنا ابن فضيل عن الأعمش عن إبراهيم عن علقمة عن عبد الله رضي الله عنه قال: (كنا نسلم على رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو في الصلاة فيرد علينا، فلما رجعنا من عند النجاشي سلمنا عليه فلم يرد علينا، وقال: إن في الصلاة لشغلاً) ].

    أورد أبو داود هذه الترجمة: [ رد السلام في الصلاة ] يعني: رد السلام على المسلِّم من المصلي وهو في صلاته، وقد جاءت السنة عن رسول الله صلى الله عليه وسلم بأنه يرد السلام بالإشارة، وجاء عنه أيضاً صلى الله عليه وسلم أنه رد السلام بعد أن فرغ من الصلاة.

    أورد أبو داود حديث عبد الله بن مسعود رضي الله عنه: أنهم كانوا يسلمون على النبي صلى الله عليه وسلم فيرد عليهم السلام، فلما هاجروا إلى الحبشة ورجعوا، سلموا عليه فلم يرد عليهم وقال: (إن في الصلاة لشغلاً) ولكن جاء عن ابن مسعود رضي الله عنه أنه رد بعد السلام، وجاء عن غيره أنه رد وهو في الصلاة بالإشارة.

    فدل هذا على أنه لا يرد بالكلام وإنما يرد بالإشارة فقط.

    وحديث ابن مسعود فيه أنه كان يرد عليهم وبعد ذلك لم يرد، وقال: (إن في الصلاة لشغلاً) فيحتمل أن يكون الرسول صلى الله عليه وسلم رد عليهم السلام بعد الفراغ من الصلاة، ويحتمل أن يكون غيره، وهذا الحديث ليس فيه ذكر الرد وإنما فيه ذكر الاشتغال بالصلاة عن أي شيء حتى رد السلام.

    وقد جاءت السنة عن رسول الله صلى الله عليه وسلم عن ابن مسعود في الرد بعد السلام، وجاء عن غيره الرد في الصلاة بالإشارة، وهو ثابت عنه صلى الله عليه وسلم.

    تراجم رجال إسناد حديث: (كنا نسلم على رسول الله وهو في الصلاة فيرد علينا ...)

    قوله: [ حدثنا محمد بن عبد الله بن نمير ].

    محمد بن عبد الله بن نمير ثقة، أخرج له أصحاب الكتب الستة.

    [ حدثنا ابن فضيل ].

    هو محمد بن فضيل بن غزوان وهو صدوق، أخرج له أصحاب الكتب الستة.

    [ عن الأعمش ].

    هو سليمان بن مهران الكاهلي ثقة، أخرج له أصحاب الكتب الستة.

    [ عن إبراهيم ].

    هو إبراهيم بن يزيد بن قيس النخعي الكوفي ثقة، أخرج له أصحاب الكتب الستة.

    [ عن علقمة ].

    هو علقمة بن قيس النخعي وهو ثقة، أخرج له أصحاب الكتب الستة.

    [ عن عبد الله ].

    هو عبد الله بن مسعود الهذلي صاحب رسول الله صلى الله عليه وسلم، وأحد فقهاء الصحابة، وحديثه أخرجه أصحاب الكتب الستة.

    شرح حديث: (كنا نسلم في الصلاة ونأمر بحاجتنا ...)

    قال المصنف رحمه الله تعالى: [ حدثنا موسى بن إسماعيل حدثنا أبان حدثنا عاصم عن أبي وائل عن عبد الله رضي الله عنه قال: (كنا نسلم في الصلاة ونأمر بحاجتنا، فقدمت على رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو يصلي فسلمت عليه فلم يرد علي السلام، فأخذني ما قدم وما حدث، فلما قضى رسول الله صلى الله عليه وسلم الصلاة قال: إن الله يحدث من أمره ما يشاء، وإن الله جل وعز قد أحدث من أمره ألا تكلموا في الصلاة، فرد علي السلام) ].

    أورد أبو داود حديث ابن مسعود رضي الله عنه، وفيه أنهم كانوا يسلمون على النبي صلى الله عليه وسلم في الصلاة، وكانوا يأمرون من حولهم بما لهم من حاجة وهم في الصلاة، فقدم عبد الله بن مسعود رضي الله عنه فسلم على الرسول صلى الله عليه وسلم على العادة التي كان يعرفها من قبل في رد السلام فلم يرد عليه، فحصل عنده حزن وتفكير وتشويش وهم وغم؛ لأن الرسول صلى الله عليه وسلم لم يرد عليه السلام، ثم بعد ذلك قال عليه الصلاة والسلام: (إن الله يحدث من أمره ما يشاء) يعني: أنه يحدث من أمره ما يشاء؛ فينسخ ما يشاء، ويثبت ما يشاء.

    قوله: [ (وإن الله قد أحدث ألا تكلموا في الصلاة) ] يعني: أنهم كانوا يتكلمون في الصلاة، وبعد ذلك جاء النهي عنه، فكان هذا الذي حصل ناسخاً لما كان موجوداً من قبل من الكلام في الصلاة.

    قوله: [ (فرد عليه السلام) ] يعني: سلَّم عبد الله بن مسعود عليه في الصلاة ورد عليه رسول الله صلى الله عليه وسلم بعد أن فرغ من الصلاة.

    تراجم رجال إسناد حديث: (كنا نسلم في الصلاة ونأمر بحاجتنا ...)

    قوله: [ حدثنا موسى بن إسماعيل ].

    هو موسى بن إسماعيل التبوذكي البصري ثقة، أخرج له أصحاب الكتب الستة.

    [ حدثنا أبان ].

    هو أبان بن يزيد العطار وهو ثقة، أخرج له أصحاب الكتب الستة إلا ابن ماجة .

    من عناية المحدثين بالأسانيد أنهم عندما يكون الجرح في الشخص ليس بثابت، أو لا حاجة لقائله فإنهم لا يعولون عليه، فالحافظ ابن حجر في مقدمة الفتح ذكر الرجال الذين تكلم فيهم من رجال البخاري ومنهم: أبان بن يزيد العطار ، فقد جرحه بعضهم بدون حجة، وأجاب الحافظ ابن حجر بأن هذا الجرح لا يثبت؛ لأن الإسناد الذي نقل خبر الجرح فيه من لا يثبت بخبره حجة، فصار هذا الخبر الذي قيل عنه أو الذي نسب إليه غير ثابت بالإسناد إلى من قاله، بل جاء من طريق غير صحيح إلى ذلك الشخص الذي قاله أو جرحه أو تكلم فيه، وهذا يدل على كمال العناية في التوثيق والتجريح، فهم يروونها بالأسانيد.

    [ حدثنا عاصم ].

    هو عاصم بن أبي النجود وهو عاصم بن بهدلة وهو صدوق له أوهام، أخرج حديثه أصحاب الكتب الستة، وروايته في الصحيحين مقرونة مع غيره، ولكن الذي جرى عليه الاصطلاح في الرموز أن الراوي إذا كانت له رواية في أصل الصحيح -حتى لو كانت مقرونة- فإنهم يرمزون له برمز البخاري ومسلم .

    [ عن أبي وائل ].

    هو شقيق بن سلمة وهو مخضرم ثقة، أخرج له أصحاب الكتب الستة.

    [ عن عبد الله ].

    هو عبد الله بن مسعود وقد مر ذكره.

    شرح حديث: (مررت برسول الله وهو يصلي فسلمت عليه فرد إشارة...)

    قال المصنف رحمه الله تعالى: [ حدثنا يزيد بن خالد بن موهب وقتيبة بن سعيد أن الليث حدثهم عن بكير عن نابل صاحب العباء عن ابن عمر عن صهيب رضي الله عنهم قال: (مررت برسول الله صلى الله عليه وسلم وهو يصلي فسلمت عليه، فرد إشارة) ، وقال: ولا أعلمه إلا قال: إشارة بأصبعه وهذا لفظ حديث قتيبة ].

    أورد أبو داود حديث صهيب بن سنان الرومي رضي الله تعالى عنه وأرضاه، أنه مر برسول الله صلى الله عليه وسلم وهو يصلي فسلم عليه، فرد إشارة، قال الراوي: [ولا أعلمه إلا قال: إشارة بأصبعه] يعني: رد إشارة بالأصبع، فدل هذا على أن الإنسان عندما يُسلَّم عليه في صلاته أنه يرد بيده ويكون أيضاً الرد بالأصبع، وقد جاء في بعض الروايات المطلقة أنه أشار بيده، وكل ذلك صحيح.

    تراجم رجال إسناد حديث: (مررت برسول الله وهو يصلي فسلمت عليه فرد إشارة...)

    قوله: [ حدثنا يزيد بن خالد بن موهب ].

    يزيد بن خالد بن موهب وهو ثقة، أخرج له أبو داود والنسائي وابن ماجة .

    [ وقتيبة بن سعيد ].

    قتيبة مر ذكره.

    [ أن الليث حدثهم عن بكير ].

    الليث وبكير بن عبد الله بن الأشج قد مر ذكرهما.

    [ عن نابل صاحب العباء ].

    نابل صاحب العباء، أو صاحب الأكسية، يعني: أنه كان يبيع العباء والأكسية فنسب إليها، وهو مقبول، أخرج له أبو داود والترمذي والنسائي .

    [ عن ابن عمر عن صهيب ].

    ابن عمر مر ذكره، وصهيب هو ابن سنان الرومي صاحب رسول الله صلى الله عليه وسلم، وحديثه أخرجه أصحاب الكتب الستة.

    وكان صهيب بن سنان الرومي رضي الله تعالى عنه وأرضاه ورحمه أقرن الحاجبين، يعني: ما بين الحاجبين فيه شعر متصل بالحاجبين.

    [ وهذا لفظ حديث قتيبة ].

    يعني: أن هذا لفظ حديث قتيبة وليس لـابن موهب ، وأبو داود رحمه الله أحياناً يقول: وهذا لفظه بعد الشيخين مباشرة، وأحياناً يقول ذلك بعد أن ينتهي الحديث كله كما هنا.

    شرح حديث: (...فأتيته وهو يصلي على بعيره فكلمته فقال لي بيده هكذا...)

    قال المصنف رحمه الله تعالى: [ حدثنا عبد الله بن محمد النفيلي حدثنا زهير حدثنا أبو الزبير عن جابر رضي الله عنه قال: (أرسلني نبي الله صلى الله عليه وسلم إلى بني المصطلق، فأتيته وهو يصلي على بعيره فكلمته، فقال لي بيده هكذا، ثم كلمته فقال لي بيده هكذا، وأنا أسمعه يقرأ ويومىء برأسه، فلما فرغ قال: ما فعلت في الذي أرسلتك؟ فإنه لم يمنعني أن أكلمك إلا أني كنت أصلي) ].

    في حديث جابر رضي الله عنه الإجابة من المصلي بالإشارة، وليس فيه شيء يتعلق بالكلام.

    قوله: [ (أرسلني نبي الله صلى الله عليه وسلم إلى بني المصطلق، فأتيته وهو يصلي على بعيره فكلمته، فقال لي بيده هكذا، ثم كلمته فقال لي بيده هكذا، وأنا أسمعه يقرأ ويومئ برأسه، فلما فرغ قال: ما فعلت في الذي أرسلتك؟ فإنه لم يمنعني أن أكلمك إلا أني كنت أصلي) ].

    هذا ليس فيه تنصيص على التسليم، ولكن فيه تكليم المصلي والرد بالإشارة، فهو كلمه في أمر قد أرسله به، فأشار إليه، وهذه إشارة إما أن تكون إجابة على الشيء الذي كلمه من أجله، أو أنه أشار إليه يريد أنه يعرض عنه وينتظر حتى يفرغ من الصلاة ثم يكلمه، ولعل جابراً رضي الله عنه إنما كلمه لأنه راكب على البعير، والراكب يكون غير مصل، فهو لم يعلم أنه في صلاة، أو أنه علم أنه في صلاة لكنه كلمه في أمر يحتاج إلى أن يعرف جوابه، أو أنه فهم أن هذا سائغ، ولكن الرسول صلى الله عليه وسلم أراد أن يصرفه عن مخاطبته وهو في الصلاة، ولما فرغ سأله عن الذي أرسله إليه، وقال: ( لم يمنعني أن أكلمك إلا أني كنت أصلي).

    تراجم رجال إسناد حديث: (...فأتيته وهو يصلي على بعيره فكلمته فقال لي بيده هكذا...)

    قوله: [ حدثنا عبد الله بن محمد النفيلي ].

    عبد الله بن محمد النفيلي ثقة، أخرج له البخاري وأصحاب السنن.

    [ حدثنا زهير ].

    هو زهير بن معاوية وهو ثقة، أخرج له أصحاب الكتب الستة.

    [ حدثنا أبو الزبير ].

    هو محمد بن مسلم بن تدرس وهو صدوق، أخرج له أصحاب الكتب الستة.

    [ عن جابر ].

    هو جابر بن عبد الله الأنصاري رضي الله عنهما، صحابي ابن صحابي، وحديثه أخرجه أصحاب الكتب الستة.

    وهذا الإسناد رباعي، وهو من أعلى الأسانيد عند أبي داود .

    وجه عدم رد الرسول على جابر حين كلمه وهو يصلي على بعيره

    لما جاء جابر رضي الله عنه يكلم النبي صلى الله عليه وسلم فلا يظن به أنه سيكلمه مباشرة دون أن يبدأه بالسلام؛ لأن الأصل أن التكليم يكون بعد السلام، ولكن هنا فيه تكرار الكلام كلمته ثم كلمته، والمشهور عند الناس: السلام قبل الكلام، وسنة الرسول صلى الله عليه وسلم أن الإنسان يسلم ثم يتكلم، وكلام الناس هذا مطابق للحق، أما أن نقول: لعله لم يرد عليه؛ لأنه كلمه ولم يسلم، فأنا لا أعرف شيئاً في هذا، لكن لا شك أن الكلام لا يأتي إلا بعد السلام.

    شرح حديث: (...فجاءته الأنصار فسلموا عليه وهو يصلي)

    قال المصنف رحمه الله تعالى: [ حدثنا الحسين بن عيسى الخراساني الدامغاني حدثنا جعفر بن عون حدثنا هشام بن سعد حدثنا نافع قال: سمعت عبد الله بن عمر رضي الله عنهما يقول: (خرج رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى قباء يصلي فيه، قال: فجاءته الأنصار فسلموا عليه وهو يصلي، قال: فقلت لـبلال : كيف رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم يرد عليهم حين كانوا يسلمون عليه وهو يصلي؟ قال: يقول هكذا. وبسط كفه)، وبسط جعفر بن عون كفه، وجعل بطنه أسفل وجعل ظهره إلى فوق ].

    أورد أبو داود حديث عبد الله بن عمر بن الخطاب رضي الله تعالى عنهما، وفيه: أن النبي صلى الله عليه وسلم خرج إلى قباء يصلي فيه، فجاءت الأنصار تسلم عليه وهو في الصلاة، فقال الراوي للصحابي الذي كان معه: كيف رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم يرد عليهم، قال: هكذا، وأشار بيده وجعل بطنها إلى الأرض، وظهرها إلى فوق.

    أي: أنه يرد عليهم السلام بالإشارة على هذه الهيئة، وسبق أن مر بنا الحديث الذي فيه: أنه كان يومئ بأصبعه، وسبق أن مر بنا أيضاً حديث عبد الله بن مسعود ، الذي فيه: أنه رد عليه بعد السلام، وعلى هذا فإن المصلي إذا سُلِّم عليه وهو في الصلاة؛ فله أن يرد بالإشارة، أو بعد الصلاة كما جاءت السنة عن رسول الله صلى الله عليه وسلم بهذا.

    تراجم رجال إسناد حديث: (...فجاءته الأنصار فسلموا عليه وهو يصلي)

    قوله: [ حدثنا الحسين بن عيسى الخراساني الدامغاني ].

    الحسين بن عيسى الخراساني الدامغاني صدوق، أخرج له البخاري ومسلم وأبو داود والنسائي .

    [ حدثنا جعفر بن عون ].

    جعفر بن عون صدوق، أخرج له أصحاب الكتب الستة.

    [ حدثنا هشام بن سعد ].

    هشام بن سعد صدوق له أوهام، أخرج حديثه البخاري تعليقاً، ومسلم وأصحاب السنن.

    [ حدثنا نافع ].

    هو نافع مولى ابن عمر وهو ثقة، أخرج له أصحاب الكتب الستة.

    [ قال: سمعت عبد الله بن عمر ].

    هو عبد الله بن عمر بن الخطاب رضي الله تعالى عنهما الصحابي الجليل، وهو أحد العبادلة الأربعة من الصحابة، وأحد السبعة المعروفين بكثرة الحديث عن النبي صلى الله عليه وسلم.

    شرح حديث: (لا غرار في صلاة ولا تسليم)

    قال المصنف رحمه الله تعالى: [ حدثنا أحمد بن حنبل حدثنا عبد الرحمن بن مهدي عن سفيان عن أبي مالك الأشجعي عن أبي حازم عن أبي هريرة رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (لا غرار في صلاة ولا تسليم).

    قال أحمد : يعني: -فيما أرى- ألا تسلم ولا يسلم عليك، ولا يغرر الرجل بصلاته فينصرف وهو فيها شاك ].

    أورد أبو داود رحمه الله حديث أبي هريرة رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (لا غرار في صلاة ولا تسليم) ثم ذكر عن الإمام أحمد رحمة الله عليه تفسير الغرار في الصلاة وفي التسليم حيث قال: إن المصلي في الصلاة لا يسلم على أحد ولا يسلم عليه أحد.

    قوله: [ ويغرر الرجل بصلاته فينصرف وهو فيها شاك ].

    من أمثلة ذلك: أنه إذا شك هل صلى ثلاثاً أو أربعاً واعتبرها أربعاً ولم يعتبرها ثلاثاً فإنه في هذه الحالة يكون الشك باقياً معه، أما إذا اعتبرها ثلاثاً وصلى الرابعة، فإن كانت الرابعة زيادة فإنها لا تؤثر، وإن كانت الرابعة باقية على أصلها فهي مكملة لغيرها، هذا هو معنى كونه يغر في صلاته فينصرف منها وهو منها شاك، أما لو أنه شك هل صلى ثلاثاً أو أربعاً واعتبرها ثلاثاً ثم أتى بالركعة الرابعة، فهذا لا يبقى عنده شك.

    وهذا يفيد أن الأولى للمصلي ألا يسلم على أحد ولا يسلم عليه، لكن إن وجد السلام فإنه يرد بالإشارة أو بعد التسليم كما جاءت بذلك السنة عن رسول الله صلى الله عليه وسلم.

    قوله: [ (لا غرار في صلاة ولا تسليم) ].

    الذي يبدو أن الغرار يكون في الصلاة؛ لأن الغرار فيه شك، أما التسليم فليس فيه شك.

    تراجم رجال إسناد حديث: (لا غرار في صلاة ولا تسليم)

    قوله: [ حدثنا أحمد بن حنبل ].

    هو أحمد بن محمد بن حنبل الإمام المشهور، أحد أصحاب المذاهب الأربعة المشهورة من مذاهب أهل السنة، وحديثه أخرجه أصحاب الكتب الستة.

    [ حدثنا عبد الرحمن بن مهدي ].

    عبد الرحمن بن مهدي ثقة، أخرج له أصحاب الكتب الستة.

    [ عن سفيان ].

    هو سفيان بن سعيد بن مسروق الثوري ثقة فقيه، وصف بأنه أمير المؤمنين في الحديث، وحديثه أخرجه أصحاب الكتب الستة.

    [ عن أبي مالك الأشجعي ].

    هو سعد بن طارق أبو مالك الأشجعي وهو ثقة، أخرج له البخاري تعليقاً، ومسلم أصحاب السنن.

    [ عن أبي حازم ].

    هو سلمان الأغر وهو ثقة، أخرج له أصحاب الكتب الستة.

    وكذلك أيضاً أبو حازم سلمة بن دينار ثقة، أخرج له أصحاب الكتب الستة.

    [ عن أبي هريرة ].

    هو أبو هريرة عبد الرحمن بن صخر الدوسي صاحب رسول الله صلى الله عليه وسلم، وأكثر أصحابه حديثاً على الإطلاق.

    شرح حديث: (لا غرار في تسليم ولا صلاة)

    قال المصنف رحمه الله تعالى: [ حدثنا محمد بن العلاء أخبرنا معاوية بن هشام عن سفيان عن أبي مالك عن أبي حازم عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: أراه رفعه، قال: (لا غرار في تسليم ولا صلاة) ].

    قوله: [ (لا غرار في تسليم ولا في صلاة) ] الحديث السابق يفيد بأن الغرار يكون في هذا وفي هذا، لكن على تفسير الإمام أحمد أنه لا يسلم ولا يسلم عليه، وأن الصلاة يغر فيها بأن يخرج منها وهو شاك فيها؛ لكونه أخذ بغير اليقين.

    ولا أدري ما وجه الشك أو الغرار في التسليم، إلا أن يكون الأمر كما قال الإمام أحمد : إنه لا يسلم ولا يسلم عليه في الصلاة، إلا إذا كان المقصود أنه يغر ويحصل له شيء من التشويش، أو ما إلى ذلك بسبب التسليم، فيمكن أن يكون له وجه.

    لكن السنة جاءت في أنه يسلم عليه، وأنه إذا سلم عليه رد عليه السلام، وإن كان الأولى أنه لا يسلم عليه حتى لا يحصل له تشويش، ويحمل قوله هنا: (لا غرر في تسليم ولا صلاة) على أن الأولى عدم السلام في الصلاة، ولا يقال: من السنة السلام على الناس وهم يصلون، لكن الشأن في الرد؛ لأن الرد واجب والسلام سنة، وفي الصلاة بكونه يرد بالإشارة أو بعد الصلاة.

    تراجم رجال إسناد حديث: (لا غرار في تسليم ولا صلاة)

    قوله: [ حدثنا محمد بن العلاء ].

    هو محمد بن العلاء بن كريب أبو كريب ثقة، أخرج له أصحاب الكتب الستة.

    [ أخبرنا معاوية بن هشام ].

    معاوية بن هشام صدوق له أوهام، أخرج له البخاري في الأدب المفرد، ومسلم وأصحاب السنن

    [ عن سفيان ].

    هو سفيان الثوري مر ذكره.

    [ عن أبي مالك عن أبي حازم عن أبي هريرة ].

    وقد مر ذكرهم في الإسناد الذي قبل هذا.

    [ قال: أراه رفعه ].

    يعني: أن أبا هريرة رفعه، وعلى هذا يكون الرفع مشكوكاً فيه.

    وهذا كما هو معلوم مما يدخل في الاجتهاد، ومن المعلوم أن الشيء الذي لا يقبل الاجتهاد ولا يدخل في الاجتهاد أن حكمه حكم الرفع، أما الذي يدخله اجتهاد فلا يقال: إن له حكم الرفع، وهذا يمكن أن يكون رفعه من طريق عبد الرحمن بن مهدي ؛ لأن عبد الرحمن بن مهدي يروي عن سفيان رفعه، وهنا يشك بأنه رفعه.

    [ قال أبو داود : ورواه ابن فضيل على لفظ ابن مهدي ولم يرفعه ].

    يعني: رواه عن سفيان ولم يرفعه.

    شرح كلام الخطابي في معنى حديث (لا غرار في تسليم ولا صلاة)

    قوله: [ (لا غرار في تسليم ولا صلاة) ].

    قال الخطابي رحمه الله معناه أن ترد كما يسلم عليك وافياً لا نقص فيه.

    هذا إذا كان في غير الصلاة، كما في قوله تعالى: وَإِذَا حُيِّيتُمْ بِتَحِيَّةٍ فَحَيُّوا بِأَحْسَنَ مِنْهَا أَوْ رُدُّوهَا [النساء:86].

    ثم قال: (لا غرار) أي: لا نقصان في التسليم.

    يعني: بأن الإنسان إذا قيل له: السلام عليكم ورحمة الله، فلا يقول: وعليكم، وإنما يرد كما قيل له أو يزيد؛ وذلك لقوله عز وجل: وَإِذَا حُيِّيتُمْ بِتَحِيَّةٍ فَحَيُّوا بِأَحْسَنَ مِنْهَا أَوْ رُدُّوهَا [النساء:86] يعني: ردوها بمثل ما ألقيت عليكم أو زيدوا عليها، وهذا كما قلنا إذا كان خارج الصلاة، لكن إذا كان داخل الصلاة؛ فالمعنى هو ما قاله الإمام أحمد : إنه لا يسلم ولا يسلم عليه ولا يرد السلام في الصلاة؛ لأن فيه شيئاً من المشقة على الإنسان المسلم عليه، لكن كما هو معلوم أن السنة قد جاءت بأنه يرد بالإشارة أو بعد الصلاة.