إسلام ويب

شرح سنن أبي داود [108]للشيخ : عبد المحسن العباد

  •  التفريغ النصي الكامل
  • الصلاة عبادة عظيمة شرع لها الله تعالى من الأحكام ما يخصها ويرفع قدرها، ومن تلك الأحكام مشروعية التكبير فيها عند كل خفض ورفع، إلا في الرفع من الركوع، ومن أحكامها كذلك كيفية الهوي إلى السجود، وعلى أي عضو يعتمد المرء من يديه وركبتيه، وغير ذلك من الأحكام المتعلقة بها.

    1.   

    تمام التكبير

    شرح حديث (صليت أنا وعمران بن حصين خلف علي بن أبي طالب فكان إذا سجد كبر وإذا رفع كبر ...)

    قال المصنف رحمه الله تعالى: [ باب تمام التكبير.

    حدثنا سليمان بن حرب حدثنا حماد عن غيلان بن جرير عن مطرف أنه قال: (صليت أنا وعمران بن حصين خلف علي بن أبي طالب رضي الله عنه فكان إذا سجد كبر، وإذا ركع كبر، وإذا نهض من الركعتين كبر، فلما انصرفنا أخذ عمران بيدي وقال: لقد صلى هذا قبل -أو قال: لقد صلى بنا هذا قبل- صلاة محمد صلى الله عليه وسلم) ].

    أورد أبو داود رحمه الله هذه الترجمة، وهي: [باب تمام التكبير]، يعني أنه يؤتى بالتكبير في جميع الأحوال التي وردت عن رسول الله صلى الله عليه وسلم، وهي عند كل خفض ورفع في الصلاة، إلا عند القيام من الركوع فيقال: (سمع الله لمن حمده) وإلا عند التسليم فيقال: (السلام وعليكم ورحمة الله)، وما عدا ذلك فكله تكبير، فهناك تكبيرة الإحرام، والتكبير عند الركوع، وعند السجود، وعند القيام من السجدة الأولى، وعند السجدة الثانية، وعند القيام من السجدة الثانية، ففي كل ذلك تكبير، وهذا هو تمام التكبير، فيؤتى به في جميع الأحوال، ويؤتى به في كل الانتقالات من ركن إلى ركن، في الانتقال من القيام إلى الركوع، ومن القيام إلى السجود، ومن القيام من السجود، ومن السجود بعد الجلوس، ومن القيام بعد السجدة الثانية، فهذا المقصود بتمام التكبير، أي أنه يؤتى به في جميع المواضع التي ورد فيها، فيكون في الفجر إحدى عشرة تكبيرة؛ لأن كل ركعة فيها خمس، وتكبيرة الإحرام هي الحادية عشرة، وصلاة المغرب فيها سبع عشرة تكبيرة، فهي ثلاث ركعات، وكل ركعة فيها خمس تكبيرات، وتكبيرة الإحرام، وتكبيرة القيام من التشهد الأول، والصلوات الرباعيات كل صلاة فيها اثنتان وعشرون تكبيرة، فتكون تكبيرات الصلوات الخمس في اليوم والليلة أربعاً وتسعين تكبيرة، وصيغة التكبير: (الله أكبر)، فهذا هو تمام التكبير، فيؤتى به في جميع المواضع.

    وقد ذكر المصنف هنا تمام التكبير، وسيأتي أن هناك حذف التكبير في بعض المواضع، وأنه لا يؤتى به، لكن لعل ذاك محمول على أن فيه إخفاء التكبير، لا أن يحذف كله ولا يؤتى به.

    وأورد أبو داود رحمه الله حديث عمران بن حصين أن علياً رضي الله عنه صلى بهم صلاة فكان إذا سجد كبر، يعني: إذا هوى من القيام إلى السجود كبر.

    قوله: [وإذا ركع كبر] أي أنه يكبر عندما يكون قائماً، ويكبر بعدما يرفع من الركوع، ويكبر عند الهوي للسجود.

    قوله: [وإذا نهض من الركعتين كبر] يعني بذلك القيام من التشهد الأول.

    قوله: [ قال مطرف : فلما انصرفنا أخذ عمران بيدي وقال: لقد صلى هذا قبل -أو قال: لقد صلى بنا هذا قبلُ- صلاة محمد صلى الله عليه وسلم ].

    أي: لقد صلى بنا كما كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يصلي، أي أنها مشتملة على التكبير.

    تراجم رجال إسناد حديث (صليت أنا وعمران بن حصين خلف علي بن أبي طالب فكان إذا سجد كبر وإذا ركع كبر ...)

    قوله: [ حدثنا سليمان بن حرب ].

    سليمان بن حرب ثقة، أخرج له أصحاب الكتب الستة.

    [ حدثنا حماد ].

    حماد هو ابن زيد، ثقة، أخرج له أصحاب الكتب الستة.

    وإذا روى سليمان عن حماد وهو غير منسوب فالمراد به حماد بن زيد ، وهذا عكس موسى بن إسماعيل التبوذكي ، فإنه إذا روى عن حماد غير منسوب فهو حماد بن سلمة .

    [ عن غيلان بن جرير ].

    غيلان بن جرير، ثقة أخرج له أصحاب الكتب الستة.

    [ عن مطرف ].

    هو مطرف بن عبد الله بن الشخير، وهو ثقة، أخرج له أصحاب الكتب الستة.

    [ عن عمران بن حصين ].

    عمران بن حصين رضي الله عنه صاحب رسول الله صلى الله عليه وسلم، وحديثه أخرجه أصحاب الكتب الستة.

    وهذا الحديث من مسند عمران بن حصين؛ لأنه قال: إن صلاة علي هذه هي صلاة الرسول صلى الله عليه وسلم، أي أن صفة الصلاة هذه كصفة صلاة رسول الله، فالذي رفعه إلى رسول الله عليه الصلاة والسلام هو عمران بن حصين رضي الله عنه.

    شرح حديث بيان صلاة أبي هريرة وتشبيهها بصلاة رسول الله صلى الله عليه وسلم

    قال المصنف رحمه الله تعالى: [ حدثنا عمرو بن عثمان حدثنا أَبي وبقية عن شعيب عن الزهري أنه قال: أخبرني أبو بكر بن عبد الرحمن وأبو سلمة : (أن أبا هريرة رضي الله عنه كان يكبر في كل صلاة من المكتوبة وغيرها، يكبر حين يقوم، ثم يكبر حين يركع، ثم يقول: سمع الله لمن حمده، ثم يقول: ربنا ولك الحمد قبل أن يسجد، ثم يقول: الله أكبر حين يهوي ساجداً، ثم يكبر حين يرفع رأسه، ثم يكبر حين يسجد، ثم يكبر حين يرفع رأسه، ثم يكبر حين يقوم من الجلوس في اثنتين، فيفعل ذلك في كل ركعة حتى يفرغ من الصلاة، ثم يقول حين ينصرف: والذي نفسي بيده إني لأقربكم شبهاً بصلاة رسول الله صلى الله عليه وسلم، إن كانت هذه لصلاته حتى فارق الدنيا).

    قال أبو داود : هذا الكلام الأخير يجعله مالك والزبيدي وغيرهما عن الزهري عن علي بن حسين ، ووافق عبد الأعلى عن معمر شعيب بن أبي حمزة عن الزهري ] .

    أورد أبو داود حديث أبي هريرة رضي الله عنه، وفيه أنه صلى بالناس وكان يكبر حين يقوم - أي: تكبيرة الإحرام -، ويكبر حين يركع، ويكبر حين يسجد، ويكبر حين يقوم من السجود، ويكبر حين يسجد، ويكبر حين يقوم، ثم عند القيام من الركعتين -أي: في الصلاة الثلاثية والرباعية-، ثم يقول: إني أشبهكم صلاة برسول الله صلى الله عليه وسلم. وهذا فيه تمام التكبير الذي أشار إليه المصنف، وهو الإتيان به في المواضع كلها.

    وقد اتفق العلماء على أن تكبيرة الإحرام لابد منها، بل إن الصلاة لا تنعقد بدونها، وقد قال فيها رسول الله صلى الله عليه وسلم: (تحريمها التكبير)، فالإنسان لا يكون داخلاً في الصلاة إلا إذا كبر، ولا يصح أن يدخل في الصلاة بدون تكبيرة الإحرام.

    وأما التكبيرات الأخرى -وهي تكبيرات الانتقال- فقد اختلف فيها العلماء، فمنهم من قال باستحبابها، ومنهم من قال بوجوبها، وأما التكبيرة الأولى وهي تكبيرة الإحرام فهي ركن لابد منه، فكان أبو هريرة رضي الله عنه يكبر في كل صلاة من المكتوبة وغيرها، أي: في الفرائض والنوافل.

    قوله: [يكبر حين يقوم] يعني تكبيرة الإحرام، والمراد: عندما يكون قائماً، وليس المقصود أنه عندما يقوم من السجود أو غيره؛ لأن هذا القيام في أول الصلاة فمن أين يقوم؟! والمقصود: حين يكون قائماً، فإذا أراد أن يدخل في الصلاة كبر.

    وقوله: [ثم يكبر حين يركع] أي: حين يوجد منه الهوي للركوع.

    وقوله: [ثم يقول: سمع الله لمن حمده] أي: عندما يقوم من الركوع، فليس هناك تكبير في هذا المقام، وإنما فيه التسميع.

    وقوله: [ثم يقول: ربنا ولك الحمد قبل أن يسجد] أي: في حال قيامه بعد الركوع وقبل السجود.

    وقوله: [ثم يقول: الله أكبر حين يهوي ساجداً] أي: يكبر حين يهوي، فلا يكبر وهو قائم ثم يسجد، ولا يكبر وهو ساجد على الأرض، وإنما يكون ذلك حين يهوي.

    وقوله: [ثم يكبر حين يرفع رأسه] أي: من السجود في السجدة الأولى.

    وقوله: [ثم يكبر حين يسجد] أي: السجدة الثانية.

    وقوله: (ثم يكبر حين يرفع رأسه) أي: من السجدة الثانية.

    وقوله: [ثم يكبر حين يقوم من الجلوس في اثنتين، فيفعل ذلك في كل ركعة حتى يفرغ من الصلاة] أي أن كل ركعة فيها خمس تكبيرات: تكبيرة عند الركوع، وتكبيرة عند السجود، وتكبيرة عند القيام من السجود، وتكبيرة عند القيام من السجود، وتكبيرة عند السجود الثاني، وتكبيرة عند الرفع من السجدة الثانية، ويضاف إلى ذلك تكبيرة الإحرام، وتكبيرة القيام من الركعتين بالنسبة للصلاة الثلاثية والرباعية.

    ثم قال أبو هريرة: [إني أقربكم شبهاً بصلاة رسول الله صلى الله عليه وسلم].

    ومقصود أبي هريرة رضي الله عنه من قسمه بأنه أشبههم صلاة برسول الله صلى الله عليه وسلم تنبيههم إلى أن يعرفوا أن هذه الهيئة في الصلاة التي صلاها هي هيئة صلاة رسول الله صلى الله عليه وسلم، فيكون بذلك حاثاً لهم على أن يتأملوا في أفعاله وفي صلاته؛ لأنه يصلي كصلاة رسول الله صلى الله عليه وسلم، وليس المقصود من ذلك التمدح والثناء، وإنما يقصد بذلك حثهم وإخبارهم بأن هذه الهيئة التي فعلها هي صفة صلاة رسول الله صلوات الله وسلامه وبركاته عليه.

    وقوله: [إن كانت هذه لصلاته حتى فارق الدنيا] يعني أنه استمر على ذلك، وبهذه الهيئة التي فيها هذه التكبيرات، وبهذه الكيفية التي صلاها بهم أبو هريرة رضي الله عنه صاحب رسول الله صلوات الله وسلامه وبركاته وعليه.

    تراجم رجال إسناد حديث صلاة أبي هريرة وتشبيهها بصلاة رسول الله صلى الله عليه وسلم

    قوله: [ حدثنا عمرو بن عثمان ].

    عمرو بن عثمان هو: عمرو بن عثمان بن سعيد بن كثير الحمصي، وهو صدوق، أخرج له أبو داود والنسائي وابن ماجة .

    [ حدثنا أبي ].

    هو عثمان بن سعيد بن كثير الحمصي، وهو ثقة، أخرج له أبو داود والنسائي وابن ماجة .

    [ وبقية ].

    بقية هو بقية بن الوليد وهو صدوق كثير الرواية عن الضعفاء، وحديثه أخرجه البخاري تعليقاً ومسلم وأصحاب السنن.

    [ عن شعيب ].

    شعيب هو ابن أبي حمزة الحمصي، وهو ثقة، أخرج له أصحاب الكتب الستة.

    [ عن الزهري ].

    الزهري هو محمد بن مسلم بن عبيد الله بن شهاب الزهري، ثقة فقيه، أخرج له أصحاب الكتب الستة.

    [ أخبرني أبو بكر بن عبد الرحمن ].

    هو أبو بكر بن عبد الرحمن بن الحارث بن هشام، وهو ثقة فقيه، من فقهاء المدينة السبعة على أحد الأقوال الثلاثة في السابع منهم، والفقهاء السبعة كانوا في المدينة في عصر التابعين، ستة منهم متفق على عدهم في الفقهاء السبعة، والسابع فيه خلاف على أقوال ثلاثة، والستة المتفق على عدهم من الفقهاء السبعة هم: عبيد الله بن عبد الله بن عتبة بن مسعود ، وخارجة بن زيد بن ثابت ، وسعيد بن المسيب ، والقاسم بن محمد بن أبي بكر الصديق ، وسليمان بن يسار ، وعروة بن الزبير بن العوام ، فهؤلاء الستة متفق على عدهم في الفقهاء السبعة، وأما السابع ففيه ثلاثة أقوال: فقيل: هو أبو بكر بن عبد الرحمن بن الحارث بن هشام المذكور هنا، وقيل: هو أبو سلمة بن عبد الرحمن بن عوف وقد جاء هنا في نفس الإسناد مع أبي بكر بن عبد الرحمن ، والقول الثالث أنه سالم بن عبد الله بن عمر بن الخطاب ، وعلى هذا فـأبو بكر بن عبد الرحمن بن الحارث بن هشام أحد فقهاء المدينة السبعة الذين اشتهروا بهذا اللقب على اختلاف فيه، وليس متفقاً عليه، وهؤلاء الفقهاء السبعة يذكرون بهذا اللقب فيغني ذلك عن عدهم، كما يذكر ذلك في بعض المسائل الفقهية كمسألة زكاة عروض التجارة، فعندما يذكر العلماء الكلام عليها يقولون: وقد قال بها الأئمة الأربعة، والفقهاء السبعة. فالأئمة الأربعة هم أصحاب المذاهب الأربعة المشهورة : أبو حنيفة ومالك والشافعي وأحمد ، والفقهاء السبعة هم هؤلاء السبعة الذين مرّ ذكرهم.

    وقد اجتمع في هذا الإسناد اثنان من الذين اختلف في عدهم في الفقهاء السبعة، وهم أبو بكر بن عبد الرحمن بن الحارث بن هشام ، وأبو سلمة بن عبد الرحمن بن عوف ، وكل منهما ثقة، وحديثه أخرجه أصحاب الكتب الستة.

    [ عن أبي هريرة ].

    أبو هريرة هو عبد الرحمن بن صخر الدوسي صاحب رسول الله صلى الله عليه وسلم، وهو أحد السبعة المعروفين بكثرة الحديث عن النبي صلى الله عليه وسلم، وهم: أبو هريرة وابن عمر وابن عباس وأبو سعيد وأنس وجابر وأم المؤمنين عائشة رضي الله تعالى عنهم وعن الصحابة أجمعين، فهم ستة رجال وامرأة واحدة، وهؤلاء السبعة هم الذين رووا الأحاديث الكثيرة عن رسول الله صلوات الله وسلامه وبركاته عليه.

    قوله: [ قال أبو داود : هذا الكلام الأخير يجعله مالك والزبيدي وغيرهما عن الزهري عن علي بن الحسين ].

    يعني بذلك قوله: [إن كانت هذه لصلاته حتى فارق الدنيا] حيث يجعله مالك والزبيدي وغيرهما عن الزهري عن علي بن الحسين .

    و مالك بن أنس رحمة الله عليه هو أحد أصحاب المذاهب الأربعة المشهورة المعروفة من مذاهب أهل السنة، وحديثه أخرجه أصحاب الكتب الستة.

    و الزبيدي هو محمد بن الوليد الزبيدي الحمصي، وهو ثقة، أخرج له أصحاب الكتب الستة إلا الترمذي .

    [ عن الزهري عن علي بن الحسين ].

    الزهري مر ذكره.

    وعلي بن حسين هو علي بن الحسين بن علي بن أبي طالب زين العابدين، وهو ثقة، أخرج له أصحاب الكتب الستة.

    قوله: [ ووافق عبد الأعلى عن معمر شعيب بن أبي حمزة عن الزهري ].

    أي أن عبد الأعلى هو الذي وافق شعيب بن أبي حمزة في الرواية، فـعبد الأعلى عن معمر عن الزهري ، وشعيب عن الزهري ، فوافق عبدَ الأعلى عن معمر شعيباً عن الزهري وهذه الموافقة في كون الزهري يروي عن شيخين، وهما أبو بكر بن عبد الرحمن بن الحارث بن هشام وأبو سلمة بن عبد الرحمن بن عوف ، فهذا هو المقصود بالموافقة، فقد جاء عن الزهري أنه روى عن أبي بكر بن عبد الرحمن وحده، وجاء عنه -أيضاً- أنه روى عن أبي سلمة بن عبد الرحمن وحده، ولكن جاء عن عبد الأعلى عن معمر عن الزهري مثل ما جاء عن شعيب بن أبي حمزة عن الزهري في أن الزهري يروي عن شيخين وهما: أبو بكر بن عبد الرحمن بن الحارث بن هشام ، وأبو سلمة بن عبد الرحمن بن عوف .

    و عبد الأعلى هو ابن عبد الأعلى ، وهو ثقة، أخرج له أصحاب الكتب الستة.

    و معمر هو معمر بن راشد الأزدي البصري، ثم اليماني، وهو ثقة، أخرج له أصحاب الكتب الستة.

    وشعيب والزهري مر ذكرهما في الإسناد السابق.

    شرح حديث ابن أبزى أنه صلى مع رسول الله صلى الله عليه وسلم وكان لا يتم التكبير

    قال المصنف رحمه الله تعالى: [ حدثنا محمد بن بشار وابن المثنى قالا: حدثنا أبو داود حدثنا شعبة عن الحسن بن عمران -قال ابن بشار : الشامي ، وقال أبو داود : أبو عبد الله العسقلاني- عن ابن عبد الرحمن بن أبزى عن أبيه رضي الله عنه: (أنه صلى مع رسول الله صلى الله عليه وسلم وكان لا يتم التكبير) .

    قال أبو داود : معناه: إذا رفع رأسه من الركوع وأراد أن يسجد لم يكبر، وإذا قام من السجود لم يكبر ] .

    أورد أبو داود حديث عبد الرحمن بن أبزى [أنه صلى مع رسول الله صلى الله عليه وسلم وكان لا يتم التكبير]، وهذا يخالف ما تقدم عن أبي هريرة من إتمام التكبير، والإتيان بالتكبيرات عند كل خفض ورفع، وقد ترجم له أبو داود فقال: [باب تمام التكبير]، وهذا الحديث فيه عدم إتمام التكبير، أي: حذف شيء منه وعدم الإتيان به، فيحمل هذا الحديث -لو صح- على إخفائه، وأنه كان لا يظهره في هذين الموضعين الذين أشار إليهما أبو داود وهما: إذا سجد، وإذا قام من السجود، ففي هاتين الحالتين كان لا يتم التكبير، لكن الحديث غير صحيح؛ لأن في إسناده من هو ضعيف، وعلى هذا فلا يثبت، والمعتمد في ذلك ما جاء في حديث أبي هريرة ، وحديث علي الذي قبله رضي الله تعالى عنهما، وفي ذلك إتمام التكبير، والإتيان بالتكبيرات كلها، ولو صح حديث عبد الرحمن بن أبزى لأمكن حمله على إخفائه وعدم إظهاره كما ينبغي، وليس المقصود أن يتركه ولا يأتي به، وعلى كل فالحديث ضعيف من أجل أحد رواته، وهو الحسن بن عمران ، فهو لين الحديث.

    تراجم رجال إسناد حديث ابن أبزى أنه صلى مع رسول الله وكان لا يتم التكبير

    قوله: [ حدثنا محمد بن بشار ].

    محمد بن بشار هو الملقب بـبندار البصري ، وهو ثقة، أخرج له أصحاب الكتب الستة، بل هو شيخ لأصحاب الكتب الستة، فقد رووا عنه مباشرة بلا واسطة.

    ابن المثنى]

    هو محمد بن المثنى العنزي أبو موسى الملقب بـالزمن ، وهو ثقة، أخرج له أصحاب الكتب الستة، بل هو شيخ لأصحاب الكتب الستة.

    فهذان الشيخان هما من شيوخ أصحاب الكتب الستة، وهم: البخاري ومسلم وأبو داود والترمذي والنسائي وابن ماجة ، وهما من شيوخ البخاري الصغار، وقد ماتا في سنة واحدة، وذلك قبل وفاة البخاري بأربع سنوات، وقد كان ذلك في سنة اثنتين وخمسين ومائتين، وتوفي البخاري سنة ست وخمسين ومائتين.

    وممن كان من شيوخ أصحاب الكتب الستة ومات في السنة التي ماتا فيها: يعقوب بن إبراهيم الدورقي ، فهؤلاء الثلاثة من صغار شيوخ البخاري ، وهم شيوخ لأصحاب الكتب الستة كلهم، وقد مات الثلاثة قبل وفاة البخاري بأربع سنين.

    وقد قال الحافظ ابن حجر لما ذكر ترجمة محمد بن المثنى : وكان هو وبندار كفرسي رهان، وماتا في سنة واحدة. يعني أنهما متماثلان في أمور كثيرة: فهما متفقان في الشيوخ والتلاميذ، وهما من أهل البصرة، وماتا في سنة واحدة وهي سنة اثنتين وخمسين ومائتين.

    [حدثنا أبو داود ].

    أبو داود هو سليمان بن داود الطيالسي، وهو ثقة، أخرج له البخاري تعليقاً ومسلم وأصحاب السنن الأربعة.

    [ حدثنا شعبة ].

    شعبة هو ابن الحجاج الواسطي، ثم البصري، وهو ثقة، وصف بأنه أمير المؤمنين في الحديث، وحديثه أخرجه أصحاب الكتب الستة.

    [ عن الحسن بن عمران ].

    الحسن بن عمران لين الحديث، أخرج حديثه أبو داود وحده.

    قوله: [ قال ابن بشار : الشامي ، وقال أبو داود: أبو عبد الله العسقلاني ].

    أي أن ابن بشار شيخ أبي داود الأول من الشيخين أضاف في إسناده وفي ذكر هذا الشيخ الذي هو الحسن بن عمران فقال: [الشامي] أي أن محمد بن المثنى في إسناده قال: الحسن بن عمران الشامي. وأبو داود قال في إسناده: [العسقلاني].

    فذكر كنيته أبا عبد الله، وذكر نسبته وهي العسقلاني، وليس بينها وبين الشامي فرق؛ لأن عسقلان من بلاد الشام، فـالشامي نسبة عامة والعسقلاني نسبة خاصة، فقال ابن بشار : [الشامي]، وقال أبو داود: [أبو عبد الله العسقلاني]، لكن يشكل على هذا الكلام أن محمد بن بشار يروي هنا عن أبي داود، فهو شيخه، فلا أدري هل هذا الكلام صحيح، وعلى كل فهذه النسبة هي زيادة إيضاح لهذا الرجل وهو الحسن بن عمران ، ففي الأول ذكر نسبته إلى الشام، وفي الثاني ذكر نسبته إلى عسقلان، وذكر بكنيته وهي أبو عبد الله ، والحديث ضعيف بسبب الحسن بن عمران هذا.

    [ عن ابن عبد الرحمن بن أبزى ].

    ابن عبد الرحمن بن أبزى هو سعيد بن عبد الرحمن بن أبزى، وهو ثقة، أخرج له أصحاب الكتب الستة.

    [ عن أبيه ].

    أبوه هو عبد الرحمن بن أبزى رضي الله عنه، وهو صحابي، أخرج له أصحاب الكتب الستة.

    1.   

    كيف يضع ركبتيه قبل يديه

    شرح حديث (رأيت النبي إذا سجد وضع ركبتيه قبل يديه...)

    قال المصنف رحمه الله تعالى: [ باب كيف يضع ركبتيه قبل يديه.

    حدثنا الحسن بن علي وحسين بن عيسى قالا: حدثنا يزيد بن هارون أخبرنا شريك عن عاصم بن كليب عن أبيه عن وائل بن حجر رضي الله عنه أنه قال: (رأيت النبي صلى الله عليه وسلم إذا سجد وضع ركبتيه قبل يديه، وإذا نهض رفع يديه قبل ركبتيه) ] .

    أورد أبو داود رحمه الله هذه الترجمة، وهي: [باب: كيف يضع ركبتيه قبل يديه] وعقد الترجمة لوضع الركبتين قبل اليدين، وصدر ذلك بقوله: [كيف] وأورد تحت هذه الترجمة حديثاً عن وائل بن حجر فيه تقديم الركبتين على اليدين، وأورد حديثاً عن أبي هريرة في تقديم اليدين على الركبتين، وقد اختلف العلماء في ذلك: فمن العلماء من قوى حديث وائل بن حجر فقال بتقديم الركبتين على اليدين، ومنهم من قوى حديث أبي هريرة رضي الله عنه -الذي سيأتي- فقال بتقديم اليدين على الركبتين، وكلا القولين مبني على تصحيح الحديث، فالذين قالوا بتقديم الركبتين على اليدين صححوا حديث وائل بن حجر، والذين قالوا بتقديم اليدين على الركبتين صححوا حديث أبي هريرة رضي الله عنه، وكلا الحديثين فيه كلام، فمن العلماء من قدح في هذا، ومنهم من قدح في هذا، ولكن ذكر بعض أهل العلم -كشيخ الإسلام ابن تيمية- أن الصلاة بكليهما جائزة باتفاق العلماء، وإنما اختلفوا في الأفضل.

    إذاً: فالاختلاف إنما هو في الأفضل، ويقول الشيخ ابن باز رحمه الله في فتاواه: والأمر في ذلك واسع، فله أن يقدم اليدين على الركبتين، وله أن يقدم الركبتين على اليدين. وهو يرجح القول بتقديم الركبتين على اليدين، وقال: إنه أصح قولي العلماء في ذلك، وعلى هذا فمن صح عنده حديث أبي هريرة، وأخذ بموجبه فقد أخذ بدليل، ومن صح عنده حديث وائل بن حجر فأخذ به فقد أخذ بدليل، وإن لم يترجح للإنسان ذلك وأخذ بأي واحد منهما فإن الكل جائز باتفاق العلماء كما حكى ذلك شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله، وكما ذكر ذلك الشيخ عبد العزيز بن باز رحمة الله عليه.

    ثم إن الترجمة التي أوردها أبو داود -وهي قوله: كيف يضع ركبتيه قبل يديه- قد يكون فيها إشارة إلى اختياره تقديم الركبتين على اليدين، فقد ذكر الحديث الذي فيه تقديم الركبتين على اليدين، والحديث الذي فيه تقديم اليدين على الركبتين، لكنه ترجم بتقديم الركبتين على اليدين وقال: [باب: كيف يضع ركبتيه قبل يديه؟] فيفهم منه أنه يقول بذلك، ثم هذا الاستفهام في الترجمة -وهو قوله: كيف يضع- لعله متجه إلى الهيئة التي يكون عليها تقديم الركبتين على اليدين، فتقديم الركبتين على اليدين قد يكون كما ينبغي، وذلك بأن يضع الركبتين قبل اليدين بهدوء ويسر وسهولة، وقد يكون فيه محذور، وذلك لو قدم الركبتين وهوى وضرب بهما على الأرض فإنه يصدر لهما صوت مثل الصوت الذي يصدر من البعير إذا نزل بركبتيه على الأرض، فإذا كان النزول بهذه الهيئة التي تشبه فعل البعير فإنه يكون ممنوعاً، وأما إذا كان النزول بيسر وسهولة بحيث تصل الركبتان إلى الأرض دون أن يصدر لهما صوت فهو جائز.

    ثم ذكر حديث وائل بن حجر قال: [(رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا سجد)] أي: إذا أراد أن يسجد [وضع ركبتيه قبل يديه] أي: تصل الركبتان إلى الأرض أولاً، ثم تصل اليدان، ثم يصل الوجه، وإذا قام رفع رأسه، ثم يديه، ثم ركبتيه، فيكون ذلك على عكس ما حصل في الأول، فهذا هو مقتضى حديث وائل بن حجر، وقد صححه جماعة من أهل العلم، وقال بمقتضاه أكثر أهل العلم، أي أن جمهور العلماء على تقديم الركبتين على اليدين.

    تراجم رجال إسناد حديث (رأيت النبي إذا سجد وضع ركبتيه قبل يديه...)

    قوله: [ حدثنا الحسن بن علي ].

    هو الحسن بن علي الحلواني، وهو ثقة، أخرج له أصحاب الكتب الستة إلا النسائي.

    [ وحسين بن عيسى ].

    حسين بن عيسى صدوق، أخرج له البخاري ومسلم وأبو داود والنسائي.

    [ حدثنا يزيد بن هارون ].

    هو يزيد بن هارون الواسطي، وهو ثقة، أخرج له أصحاب الكتب الستة.

    [ أخبرنا شريك ].

    هو شريك بن عبد الله النخعي الكوفي القاضي، وهو صدوق يخطئ كثيراً، وقد تغير حفظه لما ولي القضاء، وحديثه أخرجه البخاري تعليقاً ومسلم وأصحاب السنن الأربعة.

    [ عن عاصم بن كليب ].

    عاصم بن كليب صدوق، أخرج حديثه البخاري تعليقاً ومسلم وأصحاب السنن الأربعة.

    [ عن أبيه ].

    أبوه هو كليب بن شهاب، وهو صدوق أيضاً، أخرج حديثه البخاري في (جزء رفع اليدين) وأصحاب السنن الأربعة.

    [ عن وائل بن حجر ].

    هو وائل بن حجر رضي الله تعالى عنه صاحب رسول الله صلى الله عليه وسلم، وحديثه أخرجه البخاري في (جزء القراءة) ومسلم وأصحاب السنن الأربعة.

    وقد تكلم بعضهم في حديث وائل بن حجر من أجل شريك بن عبد الله النخعي الكوفي، فهو صدوق يخطئ كثيراً، وقد تغير لما ولي القضاء، إلا أن يزيد بن هارون الواسطي الذي روى عنه هنا إنما روى عنه قديماً قبل أن يلي القضاء، فإذا كان الأمر كذلك فإن هذا التعليل يزول، ويقوى ما قاله بعض أهل العلم من تصحيح الحديث، والاعتماد على رواية شريك، على أنه قد جاء له بعض المتابعات والشواهد، وسيأتي عند أبي داود رحمه الله ذكر إسنادٍ آخر إلى وائل بن حجر ، وفيه انقطاع بين ابنه عبد الجبار وبينه، ولكنه يقوي تلك الطريق التي فيها شريك بن عبد الله النخعي الكوفي.

    شرح حديث (... فلما سجد وقعتا ركبتاه إلى الأرض قبل أن تقع كفاه)

    قال المصنف رحمه الله تعالى: [ حدثنا محمد بن معمر حدثنا حجاج بن منهال حدثنا همام حدثنا محمد بن جحادة عن عبد الجبار بن وائل عن أبيه رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم ... فذكر حديث الصلاة، قال: (فلما سجد وقعتا ركبتاه إلى الأرض قبل أن تقع كفاه).

    قال همام: وحدثني شقيق حدثني عاصم بن كليب عن أبيه عن النبي صلى الله عليه وسلم بمثل هذا، وفي حديث أحدهما -وأكبر علمي أنه في حديث محمد بن جحادة -: (وإذا نهض نهض على ركبتيه، واعتمد على فخذيه) ].

    أورد أبو داود حديث وائل بن حجر رضي الله عنه من طريق أخرى، وهي مثل التي قبلها.

    وقوله: [(فلما سجد وقعتا ركبتاه)] فيه جمع بين الضمير والاسم الظاهر، وهذه اللغة تسمى: ( لغة أكلوني البراغيث )، وقد جاءت في القرآن وفي السنة، فمما جاء في القرآن قول الله عز وجل: وَأَسَرُّوا النَّجْوَى الَّذِينَ ظَلَمُوا [الأنبياء:3]، ففيه الجمع بين الاسم الظاهر والضمير.

    وفي الحديث: (يتعاقبون فيكم ملائكة)، فجمع بين الضمير والاسم الظاهر. واللغة المشهورة هي عدم الجمع بين الضمير والاسم الظاهر، فيقال: وقعت ركبتاه.

    قوله: [ حدثنا محمد بن معمر ].

    محمد بن معمر هو البحراني، وهو صدوق، أخرج له أصحاب الكتب الستة، بل هو شيخ لأصحاب الكتب الستة، فقد رووا عنه مباشرة وبدون واسطة.

    [ حدثنا حجاج بن منهال ].

    حجاج بن منهال ثقة، أخرج له أصحاب الكتب الستة.

    [ حدثنا همام ].

    هو همام بن يحيى، وهو ثقة، أخرج له أصحاب الكتب الستة.

    [ حدثنا محمد بن جحادة ].

    محمد بن جحادة ثقة، أخرج له أصحاب الكتب الستة.

    [ عن عبد الجبار بن وائل ].

    عبد الجبار بن وائل ثقة، أرسل عن أبيه، أي أنه لم يسمع من أبيه، فروايته عنه مرسلة.

    و وائل بن حجر مر ذكره.

    وهذا الإسناد ليس فيه إلا إرسال عبد الجبار عن أبيه، ولكن هذه الطريق التي فيها الإرسال تقوي تلك الطريقة السابقة التي فيها شريك بن عبد الله النخعي الكوفي.

    قوله: [ قال همام: وحدثني شقيق حدثني عاصم بن كليب عن أبيه عن النبي صلى الله عليه وسلم بمثل هذا ].

    ذكر أبو داود هنا طريقاً أخرى ولكنها مرسلة، أي: ليس فيها ذكر وائل بن حجر، وإنما يرويها همام عن شقيق عن عاصم بن كليب عن أبيه عن النبي صلى الله عليه وسلم، فهو مرسل؛ لأن كليب بن شهاب -وهو والد عاصم - من التابعين وليس من الصحابة.

    قوله: [ قال همام ].

    همام مر ذكره.

    [ وحدثني شقيق ].

    شقيق هو أبو الليث، وهو مجهول، أخرج له أبو داود وحده.

    [ عن عاصم بن كليب عن أبيه ].

    عاصم بن كليب وأبوه مر ذكرهما.

    قوله: [ وفي حديث أحدهما -وأكبر علمي أنه في حديث محمد بن جحادة (وإذا نهض نهض على ركبتيه، واعتمد على فخذه) ] أي: رفع يديه قبل ركبتيه، فيكون مطابقاً لحديث وائل بن حجر المتقدم من طريق شريك، ففيه أنه يرفع اليدين قبل الركبتين، وهنا قال: [(نهض على ركبتيه، واعتمد على فخذه)] أي أنه رفع يديه قبل ركبتيه، ثم اعتمد على ركبتيه بعد أن رفع يديه.

    يقول أبو داود: إنه في أحد الطريقين: إما الطريق المرسلة، وإما الطريق التي فيها انقطاع بين عبد الجبار وأبيه، وأغلب ظني أنه في الطريقين الأولى التي فيها محمد بن حجادة.

    تراجم رجال إسناد حديث (... فلما سجد وقعتا ركبتاه إلى الأرض قبل أن تقع كفاه)

    قوله: [ حدثنا محمد بن معمر ].

    محمد بن معمر هو البحراني وهو صدوق أخرج له أصحاب الكتب الستة بل هو شيخ لأصحاب الكتب الستة، فقد رووا عنه مباشرة وبدون واسطة.

    [ حدثنا حجاج بن منهال ].

    حجاج بن منهال ثقة أخرج له أصحاب الكتب الستة.

    [ حدثنا همام ].

    همام بن يحيى وهو ثقة أخرج له أصحاب الكتب الستة.

    [ حدثنا محمد بن جحادة ].

    محمد بن جحادة ثقة أخرج له أصحاب الكتب الستة.

    [ عن عبد الجبار بن وائل ].

    عبد الجبار بن وائل وهو ثقة، أرسل عن أبيه، أي: أنه لم يسمع من أبيه، فروايته عنه مرسلة.

    و وائل بن حجر مر ذكره.

    وهذا الإسناد ليس فيه إلا إرسال عبد الجبار عن أبيه، ولكن هذه الطريق التي فيها الإرسال تقوي تلك الطريقة السابقة التي فيها شريك بن عبد الله النخعي الكوفي.

    [ قال همام: وحدثني شقيق حدثني عاصم بن كليب عن أبيه عن النبي صلى الله عليه وسلم بمثل هذا ].

    ثم ذكر أبو داود طريقاً أخرى ولكنها مرسلة، أي: ليس فيها ذكر وائل بن حجر، وإنما يرويها همام عن شقيق عن عاصم بن كليب عن أبيه عن النبي صلى الله عليه وسلم، فهو مرسل؛ لأن كليب بن شهاب -وهو والد عاصم - من التابعين وليس من الصحابة.

    قوله: [ قال همام ].

    همام مر ذكره.

    [ وحدثني شقيق ].

    شقيق هو أبو الليث وهو مجهول أخرج له أبو داود وحده.

    [ عن عاصم بن كليب عن أبيه ].

    عاصم بن كليب وأبوه مر ذكرهما.

    [ وفي حديث أحدهما، وأكبر علمي أنه في حديث محمد بن جحادة: (وإذا نهض نهض على ركبتيه، واعتمد على فخذه) ] أي: رفع يديه قبل ركبتيه، فيكون مطابقاً لحديث وائل بن حجر المتقدم من طريق شريك، ففيه: أنه يرفع اليدين قبل الركبتين، وهنا قال: (نهض على ركبتيه، واعتمد على فخذه) أي: أنه رفع يديه قبل ركبتيه، ثم اعتمد على ركبتيه بعد أن رفع يديه. يقول أبو داود: إن في أحد الطريقين: إما الطريق المرسلة، أو الطريق التي فيها انقطاع بين عبد الجبار وأبيه، وأغلب ظني أنه في الطريقة الأولى التي فيها محمد بن حجادة.

    شرح حديث (إذا سجد أحدكم فلا يبرك كما يبرك البعير...)

    قال المصنف رحمه الله تعالى: [ حدثنا سعيد بن منصور حدثنا عبد العزيز بن محمد حدثني محمد بن عبد الله بن الحسن عن أبي الزناد عن الأعرج عن أبي هريرة رضي الله عنه أنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (إذا سجد أحدكم فلا يبرك كما يبرك البعير، وليضع يديه قبل ركبتيه) ].

    أورد أبو داود حديث أبي هريرة رضي الله تعالى عنه، وهو يعارض حديث وائل بن حجر المتقدم، وفيه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: [(إذا سجد أحدكم فلا يبرك كما يبرك البعير، وليضع يديه قبل ركبتيه)]، وهذا الحديث اعتمد عليه بعض أهل العلم في قولهم بتقديم اليدين على الركبتين.

    وقوله: [(فلا يبرك كما يبرك البعير)] فيه نهي عن مشابهة الحيوانات، فلا يبرك الإنسان كما يبرك البعير، وهنا سؤال، وهو: كيف يبرك البعير؟

    في هذا الحديث أنه قال: [(وليضع يديه قبل ركبتيه)]، وجاء في بعض الأحاديث النهي عن البروك كما يبرك البعير، وليس فيها ذكر: (وليضع بيديه قبل ركبتيه)، فمن العلماء من قال: إن هذه الجملة الأخيرة فيها انقلاب، وبذلك يطابق حديث وائل بن حجر؛ لأنه لا يبرك كما يبرك البعير، فإذا قدم ركبتيه فإنه يتصور أن يبرك كما يبرك البعير، وذلك بالهيئة التي أشرت إليها آنفاً بأنه ينزل بقوة ويظهر صوت لركبتيه أثناء نزوله على الأرض، حيث ينزل بجسمه كله عليهما، فهذا فيه مشابهة حتى ولو قدم الركبتين، فالإنسان إذا فعل ذلك وأنزل ركبتيه بقوة وكان لهما صوت فإنه يصير مشابهاً للبعير، فقالوا: إن الحديث فيه انقلاب، ومعناه: وليضع ركبتيه قبل يديه، وبذلك يكون موافقاً لحديث وائل بن حجر.

    وقال بعض أهل العلم: إنه لا قلب في ذلك، وإن المقصود أنه يضع يديه قبل ركبتيه حتى لا يكون مشابهاً للبعير؛ لأن ركبتي البعير في يديه، فهو يضع ركبتيه التي في يديه على الأرض، لكن إذا نظرنا إلى البعير عندما يبرك فإنه يقدم اليدين على الرجلين، فقال أصحاب هذا المذهب: إن هذا الحديث ليس فيه قلب، وإنه فيه مخالفة لهيئة البعير؛ لأن البعير يقدم ركبتيه اللتين في يديه، وقد جاء في حديث سراقة في قصة الهجرة أنه قال: (ساخت يدا فرسي بالأرض حتى بلغت الركبتين) فمعناه أن الركبتين في اليدين بالنسبة للحيوان، فقالوا: إن البعير يقدم ركبتيه، فإذا قدم المصلي يديه لم يشابه البعير، والقائلون بمقتضى حديث وائل بن حجر يقولون: إن البعير يقدم يديه قبل رجليه، والرجلان فيهما الركبتان، وإن كانت اليدان فيهما ركبتان إلا أن حديث وائل بن حجر يدل على تقديم الركبتين قبل اليدين، وفي ذلك مخالفة لفعل البعير الذي يقدم يديه قبل ركبتيه، أي: الركبتين اللتين في يديه قبل الركبتين اللتين في رجليه، وعلى هذا إما أن يكون حديث أبي هريرة قد وقع فيه القلب، والصواب: (وليضع ركبتيه قبل يديه)، ويكون بذلك مطابقاً لحديث وائل بن حجر، أو أنه لم يقع فيه شيء، فبعض الذين صححوا حديث وائل ضعفوا هذا الحديث من جهة عبد العزيز بن محمد الدراوردي أحد رجاله.

    تراجم رجال إسناد حديث (إذا سجد أحدكم فلا يبرك كما يبرك البعير...)

    قوله: [ حدثنا سعيد بن منصور ].

    سعيد بن منصور ثقة، أخرج له أصحاب الكتب الستة.

    [ حدثنا عبد العزيز بن محمد ].

    هو عبد العزيز بن محمد الدراوردي، وهو صدوق، كان يحدث من كتب غيره، فيخطئ، وروايته عن عبيد الله منكرة.

    [ حدثني محمد بن عبد الله بن حسن ].

    محمد بن عبد الله بن حسن ثقة، أخرج له أبو داود والترمذي والنسائي.

    [ عن أبي الزناد ].

    أبو الزناد هو عبد الله بن ذكوان المدني، ثقة، أخرج له أصحاب الكتب الستة، وأبو الزناد لقب، وقد اشتهر بهذا اللقب، وهو لقب على صيغة الكنية، وكنيته أبو عبد الرحمن، وهو مدني ثقة، أخرج له أصحاب الكتب الستة.

    [ عن الأعرج ].

    الأعرج هو عبد الرحمن بن هرمز المدني ثقة، أخرج له أصحاب الكتب الستة، والأعرج لقب له، وهو مشهور بهذا اللقب، ومعرفة ألقاب المحدثين مهمة، وفائدتها أن لا يظن الشخص الواحد شخصين، فإذا ذكر باسمه مرة وبلقبه أخرى فقد يظن من لا يعرف أن هذا اللقب لصاحب هذا الاسم أنه رجل آخر.

    [ عن أبي هريرة ].

    قد مر ذكره.

    شرح حديث (يعمد أحدكم في صلاته فيبرك كما يبرك الجمل)

    قال المصنف رحمه الله تعالى: [ حدثنا قتيبة بن سعيد حدثنا عبد الله بن نافع عن محمد بن عبد الله بن حسن عن أبي الزناد عن الأعرج عن أبي هريرة رضي الله عنه أنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (يعمد أحدكم في صلاته فيبرك كما يبرك الجمل!) ].

    أورد حديث أبي هريرة [(يعمد أحدكم في صلاته فيبرك كما يبرك الجمل)] وهذا استفهام إنكاري، وهمزة الاستفهام محذوفة أي (أيعمد أحدكم) وهذا إنكار، أي: لا يفعل ذلك، وهذا فيه النهي عن مشابهة الجمل في البروك، وإذا قدم ركبتيه فإنه يتصور أن يبرك كما يبرك الجمل كما أشرت إلى ذلك سابقاً، وإذا قدم يديه أيضاً فإنه يتصور أنه يبرك كما يبرك الجمل، وذلك إما بالهيئة كأن ينزل بقوة، أو لأن البعير يقدم يديه على ركبتيه، أي: الركبتين اللتين في الرجلين.

    تراجم رجال إسناد حديث (يعمد أحدكم في صلاته فيبرك كما يبرك الجمل)

    قوله: [ حدثنا قتيبة بن سعيد ].

    هو قتيبة بن سعيد بن جميل بن طريف البغلاني، ثقة، أخرج له أصحاب الكتب الستة.

    [ حدثنا عبد الله بن نافع ].

    عبد الله بن نافع هو الصائغ، وهو ثقة صحيح الكتاب في حفظه لين، أخرج له البخاري في (الأدب المفرد) ومسلم وأصحاب السنن.

    [ عن محمد بن عبد الله بن حسن عن أبي الزناد عن الأعرج عن أبي هريرة ].

    محمد بن عبد الله بن حسن وأبو الزناد والأعرج وأبو هريرة مر ذكرهم.

    وهذا الحديث لا يقال إنه شاهد لحديث أبي هريرة المتقدم؛ لأن هذا الحديث فيه النهي عن مشابهة بروك البعير، والذين يقولون بتقديم الركبتين على اليدين يقولون بالنهي عن البروك كما يبرك البعير، ولكنه يصلح شاهداً لو جاء فيه: (وليضع يديه قبل ركبتيه) لكنه لما جاء خالياً من ذكر كيفية البروك بقي محتملاً، فلا يعارض ما جاء في حديث وائل بن حجر؛ لأنه ليس فيه إلا النهي عن مشابهة بروك البعير، والقائلون بحديث وائل يقولون: إن ذلك مخالف لبروك البعير؛ لأن البعير يقدم الركبتين اللتين في اليدين على الركبتين اللتين في الرجلين.

    1.   

    الأسئلة

    اكتفاء المصلي بقوله في سجوده (سبحان ربي الأعلى)

    السؤال: هل يكتفي المصلي في حال السجود بقوله: سبحان ربي الأعلى، أم أنه يقول: سبحان ربي الأعلى وبحمده؟

    الجواب: يكفيه أن يقول: سبحان ربي الأعلى، فهذا هو الذي لابد منه، ويأتي بذلك مرة واحدة، وهذا هو المعروف في الأحاديث.

    حكم اعتبار غسل اليدين ثلاثاً بعد النوم من الوضوء

    السؤال: قال صلى الله عليه وسلم: (إذا استيقظ أحدكم من نومه فلا يغمس يده في الإناء حتى يغسلها ثلاثاً)، فهل هذه الثلاث الغسلات من الوضوء، أي أنه يتمضمض بعدها مباشرة، أم أنها مستقلة؟

    الجواب: هي مستقلة وليست من الوضوء، فإذا كان القيام من النوم فإنه يجب أن يغسلها، وإذا كان من غير ذلك فيستحب أن يغسلها، كما جاء بذلك الحديث عن رسول الله صلى الله عليه وسلم، وليس هذا من فروض الوضوء، وإنما هو من الأمور التي تسبق الوضوء، لكنه يجب عليه عند القيام من نوم الليل.

    حكم جلوس المرأة مع أقارب زوجها وهي محتجبة

    السؤال: هل يجوز للمرأة أن تجلس في مجلس فيه أقارب زوجها وهم ليسوا من محارمها، مع العلم أنها ساترة لوجهها؟

    الجواب: يجوز ذلك، ولكن الأولى أن تكون المرأة حريصة على الابتعاد عن الرجال ولو كانت متسترة، فابتعاد النساء عن الرجال، وحرصهن على ألا يظهرن أمام الرجال هو الذي ينبغي، وأما من حيث الجواز فيجوز.

    حكم ستر وجه المرأة في الصلاة

    السؤال: ما حكم ستر وجه المرأة في الصلاة؟

    الجواب: بالنسبة للصلاة فإنها تترك وجهها مكشوفاً، وذلك حيث لا يراها أحد، والله تعالى أعلم.