إسلام ويب

شرح سنن أبي داود [106]للشيخ : عبد المحسن العباد

  •  التفريغ النصي الكامل
  • القراءة في الصلاة جزء كبير منها، والواجب منها قراءة سورة الفاتحة، فلا صلاة لمن لم يقرأ بها، وللعلماء في القراءة بها أقوال معلومة في شأن قراءتها حال الانفراد وقراءتها خلف الإمام، وغير ذلك مما يتعلق بها من أحكام.

    1.   

    من ترك القراءة بالفاتحة في الصلاة

    شرح حديث ( أمرنا أن نقرأ بفاتحة الكتاب وما تيسر)

    قال المصنف رحمة الله عليه: [ باب: من ترك القراءة في صلاته بفاتحة الكتاب.

    حدثنا أبو الوليد الطيالسي حدثنا همام عن قتادة عن أبي نضرة عن أبي سعيد رضي الله عنه قال: (أمرنا أن نقرأ بفاتحة الكتاب وما تيسر) ].

    أورد الإمام أبو داود السجستاني رحمه الله تعالى: [باب من ترك القراءة في صلاته بفاتحة الكتاب]، ثم أورد تحت هذه الترجمة الأحاديث التي جاء فيها الأمر بقراءة الفاتحة ولزومها وتعينها، وليس فيها ذكر تركها كما قد تشير إليه الترجمة، ولكن المراد بالترجمة -كما قال صاحب (عون المعبود)- حكم من ترك القراءة في صلاته بفاتحة الكتاب، ومعنى ذلك أن صلاته غير صحيحة، فقد جاءت الأحاديث عن رسول الله صلى الله عليه وسلم في تعيّن ولزوم قراءتها.

    إذا:ً يكون معنى الترجمة: (باب حكم من ترك القراءة في صلاته بفاتحة الكتاب) والحكم أن صلاته غير صحيحة؛ للأحاديث الكثيرة التي أوردها أبو داود رحمه الله تحت هذه الترجمة.

    ثم أورد أبو داود رحمه الله حديث أبي سعيد الخدري رضي الله تعالى عنه قال: [أمرنا] وقوله: [أمرنا] له حكم الرفع؛ لأن الصحابي لا يقول مثل ذلك إلا إذا كان الآمر هو رسول الله صلوات الله وسلامه وبركاته عليه، فهذه صورة لها حكم الرفع، أن يقول الصحابي: أمرنا بكذا أو نهينا عن كذا، أي أن الآمر والناهي هو رسول الله صلى الله عليه وسلم.

    وأما إذا قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: أمرت بكذا أو نهيت عن كذا فإن الآمر له هو الله سبحانه وتعالى.

    فقول أبي سعيد : [ أمرنا أن نقرأ بفاتحة الكتاب وما تيسر ] يدل على أن قراءة فاتحة الكتاب وما تيسر مأمور بها ومطلوبة، فجمهور العلماء على أن قراءة الفاتحة واجبة في حق الإمام والمنفرد، وقال بعض أهل العلم: إن قراءة الفاتحة ليست متعينة ولا لازمة، بل المطلوب هو قراءة شيء من القرآن، سواء الفاتحة أو غير الفاتحة، ويستدلون على ذلك بما جاء في بعض الأحاديث من الأمر بقراءة ما تيسر من القرآن، وقالوا: الذي تيسر من القرآن يشمل الفاتحة وغير الفاتحة، وعلى هذا فلا تلزم الفاتحة، لكن جمهور أهل العلم على لزوم قراءة الفاتحة في حق الإمام والمنفرد، وذلك لوجود الأحاديث الكثيرة فيها عن رسول الله صلى الله عليه وسلم الدالة على قراءتها.

    وأما بالنسبة للمأموم إذا صلى وراء الإمام فهل يلزمه قراءة الفاتحة أو لا يلزمه ففي ذلك ثلاثة أقوال لأهل العلم:

    فمنهم من قال: إنه يقرأ بها في الصلوات السرية والجهرية.

    والقول الثاني بعكس ذلك، وهو أن المأموم لا يلزمه القراءة وراء الإمام سواء في السرية أو الجهرية، ويستدلون على ذلك بحديث فيه ضعف وهو: (من كان له إمام فقراءة الإمام له قراءة )، ولو صح فإنه يكون محمولاً على غير الفاتحة، وأما الفاتحة فإن قراءتها لازمة وواجبة.

    والقول الثالث يقول: إن المأموم يقرأ الفاتحة في الصلاة السرية دون الصلاة الجهرية، والقول الذي تدل عليه الأحاديث هو القول بوجوب القراءة خلف الإمام، سواء أكان في صلاة جهرية أم في صلاة سرية، وإذا تمكن من أن يأتي بها في سكتة الإمام إذا سكت في قراءته دعاء الاستفتاح، وإلا فإنه يقرأ بها والإمام يقرأ السورة؛ لأن قراءة الفاتحة مطلوبة، وقد جاء عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه نهى عن القراءة إلا بفاتحة الكتاب.

    تراجم رجال إسناد حديث (أمرنا أن نقرأ بفاتحة الكتاب وما تيسر)

    قوله: [ حدثنا أبو الوليد الطيالسي ].

    أبو الوليد الطيالسي هو هشام بن عبد الملك، وهو ثقة، أخرج له أصحاب الكتب الستة.

    [ حدثنا همام ].

    هو همام بن يحيى، وهو ثقة، أخرج له أصحاب الكتب الستة.

    [ عن قتادة ].

    هو قتادة بن دعامة السدوسي البصري، ثقة، أخرج له أصحاب الكتب الستة.

    [ عن أبي نضرة ].

    هو المنذر بن مالك، وهو ثقة، أخرج له البخاري تعليقاً ومسلم وأصحاب السنن.

    [ عن أبي سعيد ].

    أبو سعيد الخدري هو سعد بن مالك بن سنان الخدري صاحب رسول الله صلى الله عليه وسلم، مشهور بنسبته وكنيته، فنسبته: الخدري ، وكنيته: أبو سعيد ، وأبو سعيد الخدري رضي الله تعالى عنه واحد من سبعة أشخاص عرفوا بكثرة الحديث عن النبي صلى الله عليه وسلم، وهم: أبو هريرة وابن عمر وابن عباس وأبو سعيد وأنس وجابر وأم المؤمنين عائشة رضي الله تعالى عنهم وعن الصحابة أجمعين، فهم ستة رجال وامرأة واحدة.

    وقوله: [ وما تيسر ] يعني قراءة شيء زائد على الفاتحة، وجمهور أهل العلم على القول بعدم وجوبها، وإنما هي مستحبة، وقال بعض أهل العلم: إنه يجب أن يُقرأ شيء مع الفاتحة.

    شرح حديث (لا صلاة إلّا بقرآن، ولو بفاتحة الكتاب فما زاد)

    قال المصنف رحمه الله تعالى: [ حدثنا إبراهيم بن موسى الرازي أخبرنا عيسى عن جعفر بن ميمون البصري حدثنا أبو عثمان النهدي قال: حدثني أبو هريرة رضي الله عنه أنه قال: قال لي رسول الله صلى الله وعليه وآله وسلم: (اخرج فناد في المدينة: إنه لا صلاة إلا بقرآن ولو بفاتحة الكتاب فما زاد) ].

    أورد أبو داود رحمه الله حديث أبي هريرة أن النبي صلى الله عليه وسلم قال له: [ (اخرج فناد في المدينة: إنه لا صلاة إلا بقرآن ولو بفاتحة الكتاب فما زاد ) ] وهذا يدل على أن الصلاة لابد فيها من قراءة، وجاء في آخره قال: [ ( ولو بفاتحة الكتاب وما زاد ) ] وهذا احتج به بعض أهل العلم، فقالوا: إنّ قراءة الفاتحة لا تتعين وإنما الذي يتعين هو شيء من القرآن سواء الفاتحة أو غير الفاتحة، وقوله: [ ( ولو بفاتحة الكتاب فما زاد ) ] لا يدل على ذلك؛ لأن المقصود من ذلك أن فاتحة الكتاب هي التي يقرأ بها، وإن جاء شيء معها فإنه لابد منه، لكن لا يعني ذلك أنه يجوز له ألّا يقرأ بفاتحة الكتاب ويقرأ بغيرها، فإنه لابد من القرآن، وأقل شيء فيه أن يقرأ بفاتحة الكتاب وما زاد على ذلك، فليس فيه دلالة على أنه لا تجب قراءة الفاتحة، بل جاءت أحاديث كثيرة عن رسول الله صلى الله عليه وسلم دالة على وجوب قراءتها، وأما هذه الرواية ففي إسنادها من فيه كلام.

    تراجم رجال إسناد حديث ( لا صلاة إلّا بقرآن، ولو بفاتحة الكتاب فما زاد )

    قوله: [ حدثنا إبراهيم بن موسى الرازي ].

    إبراهيم بن موسى الرازي ثقة، أخرج له أصحاب الكتب الستة.

    [ أخبرنا عيسى ].

    عيسى هو ابن يونس بن أبي إسحاق، وهو ثقة، أخرج له أصحاب الكتب الستة.

    [ عن جعفر بن ميمون البصري ].

    جعفر بن ميمون البصري صدوق يخطئ، أخرج حديثه البخاري في (جزء القراءة) وأصحاب السنن.

    [ حدثنا أبو عثمان النهدي ].

    أبو عثمان النهدي هو عبد الرحمن بن مل بتثليث الميم، وهو ثقة، أخرج له أصحاب الكتب الستة.

    حدثني أبو هريرة عبد الرحمن بن صخر الدوسي صاحب رسول الله صلى الله عليه وسلم، وأكثر أصحابه حديثاً على الإطلاق رضي الله عنه وأرضاه.

    شرح حديث (... لا صلاة إلا بقراءة فاتحة الكتاب فما زاد) وتراجم رجال إسناده

    قال المصنف رحمه الله تعالى: [ حدثنا ابن بشار حدثنا يحيى حدثنا جعفر عن أبي عثمان عن أبي هريرة رضي الله عنه أنه قال: (أمرني رسول الله صلى الله عليه وسلم أن أنادي أنه: لا صلاة إلا بقراءة فاتحة الكتاب فما زاد) ].

    هذه رواية أخرى لحديث أبي هريرة ، وفيها بيان أن قراءة الفاتحة مأمور بها، وليس للمصلي أن يقرأ أي قرآن غيرها، بل يقرأ بفاتحة الكتاب وما زاد على ذلك، فهذه الرواية تدل على ما دل عليه حديث أبي سعيد، وتدل -أيضاً- على أن ما جاء في الرواية السابقة ليس المقصود منه أنه يقرأ الفاتحة أو غيرها، فإن الفاتحة لابد منها وغيرها يضاف إليها.

    قوله: [ حدثنا ابن بشار ].

    ابن بشار هو محمد بن بشار الملقب بندار، وهو ثقة، أخرج له أصحاب الكتب الستة، بل هو شيخ لأصحاب الكتب الستة رووا عنه مباشرة وبدون واسطة.

    [ حدثنا يحيى ].

    يحيى هو ابن سعيد القطان البصري، ثقة، أخرج له أصحاب الكتب الستة.

    [ عن جعفر عن أبي عثمان عن أبي هريرة].

    شرح حديث (من صلى صلاة لم يقرأ فيها بأم القرآن فهي خداج...)

    قال المصنف رحمه الله تعالى: [ حدثنا القعنبي عن مالك عن العلاء بن عبد الرحمن أنه سمع أبا السائب مولى هشام بن زهرة يقول: سمعت أبا هريرة رضي الله عنه يقول: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (من صلى صلاة لم يقرأ فيها بأم القرآن فهي خداج، فهي خداج، فهي خداج غير تمام). قال: فقلت: يا أبا هريرة ! إني أكوني أحياناً وراء الإمام. قال: فغمز ذراعي وقال: اقرأ بها -يا فارسي- في نفسك؛ فإني سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: قال الله تعالى: (قسمت الصلاة بيني وبين عبدي نصفين: فنصفها لي ونصفها لعبدي، ولعبدي ما سأل، قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: اقرءوا، يقول العبد: الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ [الفاتحة:2]، يقول الله عز وجل: حمدني عبدي، يقول: الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ [الفاتحة:3]، يقول الله عز وجل: أثنى علي عبدي، يقول العبد: مَالِكِ يَوْمِ الدِّينِ [الفاتحة:4]، يقول الله عز وجل: مجدني عبدي، يقول العبد: إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ [الفاتحة:5]، يقول الله: هذه بيني وبين عبدي ولعبدي ما سأل، يقول العبد: اهْدِنَا الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ * صِرَاطَ الَّذِينَ أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ غَيْرِ الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ وَلا الضَّالِّينَ [الفاتحة:6-7]، يقول الله: فهؤلاء لعبدي ولعبدي ما سأل) ].

    أورد أبو داود رحمه الله حديث أبي هريرة رضي الله تعالى عنه عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال: [ ( من صلى صلاة لم يقرأ فيها بفاتحة الكتاب فهي خداج، فهي خداج، فهي خداج غير تمام ) ] والمقصود بالخداج أنها غير صحيحة، أو أنها ناقصة غير تامة، وأصل الخداج مأخوذ من قولهم: أخدجت الناقة: إذا ألقت ما في بطنها قطعة من الدم قبل أن تتخلق جنيناً، فذلك يكون شيئاً فاسداً لا فائدة منه، فكذلك الصلاة التي لا يُقرأ فيها بأم الكتاب لا فائدة من ورائها، أو أنها لا تصح، إذاً فلابد من قراءة الفاتحة.

    فقال له الراوي عنه -وهو أبو السائب مولى بني زهرة-: [ إني أكون وراء الإمام ] فقال: [ اقرأ بها في نفسك ]، أي: لا تترك القراءة وراء الإمام، بل اقرأ بها في نفسك سراً، وليس المقصود من ذلك أنه يقرأ بها في نفسه بدون تحريك الشفتين؛ لأن هذه ليست قراءة، وإنما المقصود بذلك أن يقرأ بها سراً في نفسه، وليس استذكاراً أو تأملاً في النفس دون أن يحرك شفتيه ولسانه، فإن القراءة إنما تكون بذلك، قال: [ اقرأ بها في نفسك ] أي: ولو كان الإمام يقرأ، لكن لا تجهر بها، ولا تنازعه في القراءة، ولا تشوش عليه ولكن اقرأ بها في نفسك، سواء أسر الإمام أو جهر، ولكنه إذا كانت الصلاة سرية فللمأموم أن يقرأ شيئاً غير الفاتحة، وأما في الجهرية فلا يقرأ إلا الفاتحة ثم يستمع.

    ثم قال أبو هريرة رضي الله عنه: [ ( فإني سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: قال الله تعالى: قسمت الصلاة بيني وبين عبدي نصفين، فنصفها لي ونصفها لعبدي ولعبدي ما سأل، قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: اقرءوا، يقول العبد: الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ [الفاتحة:2] يقول الله عز وجل: حمدني عبدي، يقول العبد: الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ [الفاتحة:3] يقول الله عز وجل: أثنى علي عبدي، يقول العبد: مَالِكِ يَوْمِ الدِّينِ [الفاتحة:4] يقول الله عز وجل: مجدني عبدي ) ] وهذه كلها لله عز وجل؛ لأنها ثناء عليه سبحانه وتعالى، فهذه ثلاث آيات من أول سورة الفاتحة كلها ثناء وتعظيم وتمجيد لله سبحانه وتعالى، [ ( يقول العبد: إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ [الفاتحة:5] يقول الله: هذه بيني وبين عبدي، ولعبدي ما سأل ) ] فقوله: (إياك نعبد) هذه لله؛ لأن العبادة لله عز وجل، وقوله: (وإياك نستعين) فيه طلب العون من الله عز وجل، وهذا سؤال، لذلك قال: [( ولعبدي ما سأل ) ] إذاً: فالآية الرابعة هي بين الله وبين عبده.

    ثم قال: [ ( يقول العبد: اهْدِنَا الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ * صِرَاطَ الَّذِينَ أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ غَيْرِ الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ وَلا الضَّالِّينَ [الفاتحة:6-7] يقول الله: هؤلاء لعبدي، ولعبدي ما سأل ) ].

    فهذا الحديث ذكره أبو هريرة رضي الله عنه مستدلاً به على أن الإنسان يقرأ الفاتحة في نفسه، وذلك أن الصلاة قُسمت بين العبد وبين الله تعالى قسمان .

    والمقصود بالصلاة في قوله سبحانه: [( قسمت الصلاة بيني وبين عبدي نصفين) ] المقصود بها القراءة، فقد فسرها بقوله: [ ( يقول العبد: الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ [الفاتحة:2] وليس المقصود بها الصلاة التي هي أقوال وأفعال مبتدأة بالتكبير ومنتهية بالتسليم، فإن ذلك لله وحده، وإنما الذي يكون لله وللعبد هو ما اشتملت عليه الفاتحة، فبعضها دعاء يرجع إلى العبد، وبعضها ثناء على الله عز وجل وتعظيم له، ولهذا فكون الإنسان يقرأ الفاتحة، أو يدعو بهذا الدعاء الذي في الفاتحة بعد أن سبقه الحمد لله والثناء عليه هو من أسباب قبول الدعاء.

    ثم ختمت السورة بطلب الهداية: اهْدِنَا الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ [الفاتحة:6]، وحاجة الناس إليه فوق كل حاجة، وضرورتهم إليه فوق كل ضرورة؛ لأن هدايتهم للصراط المستقيم فيه خروجهم من الظلمات إلى النور، وفيه سعادتهم في الدنيا والآخرة، فلا شك في أن هذا أهم المهمات، وأعظم المطالب، وأجل شيء يدعو به الإنسان ربه أن يعطيه إياه.

    وقوله: اهْدِنَا الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ [الفاتحة:6] هذا الدعاء يشتمل على أمرين: التثبيت على الهداية الحاصلة، وطلب المزيد من الهداية، فالهداية منها ما هو موجود فيطلب الإنسان التثبيت عليه، أو يطلب المزيد، كما قال تعالى: وَالَّذِينَ اهْتَدَوْا زَادَهُمْ هُدًى وَآتَاهُمْ تَقْواهُمْ [محمد:17]، فهو يطلب بقوله: اهْدِنَا الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ [الفاتحة:6] أن يثبته الله على ما حصل له من الهداية، وأن يوفقه لتحصيل زيادة في الهداية.

    فقول الله عز وجل: [ ( قسمت الصلاة بيني وبين عبدي نصفين ) ] المقصود به القراءة وليس المقصود به الصلاة، وأطلق على الفاتحة أنها صلاة لأنها لازمة ومتعينة على كل مصلٍ، حيث تجب قراءتها في الصلاة، ثم كون الإنسان يقرأ بها يحصل هذه المطالب التي في آخرها التي تتعلق بالعبد، وقد قال الله عز وجل: [ ( هذه لعبدي ولعبدي ما سأل ) ].

    ثم إن هذا الحديث يدل على أن البسملة ليست آية من الفاتحة؛ لأنه لما قال: [ (قسمت الصلاة بيني وبين عبدي نصفين ) ]، وذكر هذه السورة التي تقرأ في الصلاة وهي الفاتحة قال: [ ( يقول العبد: الحمد لله رب العالمين ) ] ولم يقل: فإذا قال: بسم الله الرحمن الرحيم. قال بعض أهل العلم: فدل هذا على أن البسملة ليست من الفاتحة، فهي آية من القرآن تأتي قبل كل سورة، ولكنها ليست من الفاتحة ولا من غير الفاتحة، إلا بسم الله الرحمن التي في وسط سورة النمل، فهي بعض آية من سورة النمل، وإنما الكلام في الآيات التي تكون في أوائل السور، فهي آية من القرآن ولكنها ليست من السور، ولم يرو عن الصحابة رضي الله عنهم وأرضاهم في المصحف إلا ما هو قرآن، ولو كانت غير قرآن لما وضعوها في وسط المصحف، ولميزوها عن غيرها، ولبينوا أنها ليست قرآناً، فما دام أنهم ذكروها في المصحف ولا يكون في المصحف إلا القرآن فهي قرآن، ولكنها ليست من الفاتحة، وعلى هذا فمن يقول: إنها من الفاتحة والفاتحة سبع آيات فتكون البسملة هي الآية الأولى، وتكون الآية الأخيرة هي: صِرَاطَ الَّذِينَ أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ غَيْرِ الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ وَلا الضَّالِّينَ [الفاتحة:7]، وأما على ما دل عليه حديث أبي هريرة هذا من أن البسملة ليست من الفاتحة فإن ما بعد: اهْدِنَا الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ [الفاتحة:6] ثلاث آيات، وتكون: إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ [الفاتحة:5] هي الآية المتوسطة، فهي متوسطة بين الثلاث الآيات الخاصة بالعبد، والثلاث الآيات الخاصة بالله، وهذه الآية المتوسطة نصفها الأول لله ونصفها الآخر للعبد، ونصفها الأول هو قوله: إِيَّاكَ نَعْبُدُ ، وهذا لله، فتكون تابعة للثلاث الآيات التي قبلها، وتكون جملة: وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ -وهي من مطالب العبد- تابعة لما بعدها وهو: اهْدِنَا الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ [الفاتحة:6]، فتكون: صِرَاطَ الَّذِينَ أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ آية، ويكون قوله: غَيْرِ الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ وَلا الضَّالِّينَ آية، والقول الصحيح -كما سبق إن أشرت إلى ذلك من قبل- أن البسملة في أوائل السور آية من القرآن، ولكنها ليست من السورة التي جاءت في أولها، وإنما هي آية من القرآن، فقد مر بنا الحديث الذي فيه: أنه نزل على النبي صلى الله عليه وسلم (بسم الله الرحيم: إِنَّا أَعْطَيْنَاكَ الْكَوْثَرَ [الكوثر:1]) فذكر أن البسملة من جملة ما نزل، لكن جاء في هذا الحديث أن البسملة ليست آية من الفاتحة، وجعل أول الفاتحة هو قوله: الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ [الفاتحة:2]، وهذا الحديث من الأحاديث القدسية التي تكلم بها الله عز وجل، والضمائر فيه ترجع إلى الله عز وجل، فهو من كلام الله عز وجل، وهو ليس من القرآن، وإنما هو من سنة الرسول صلى الله عليه وسلم، فليس له حكمه حكم القرآن من حيث التعبد بالتلاوة، ولكن حكمه حكم القرآن من حيث العمل به؛ لأن السنة يعمل بها كما يعمل بالقرآن.

    وقول أبي هريرة: [ اقرأ بها يا فارسي! ] لعله كان من فارس، فهو مولى.

    ومن لم يقرأ بفاتحة الكتاب جهلاً أو نسياناً فالذي يبدو أن صلاته تصح.

    تراجم رجال إسناد حديث (من صلى صلاة لم يقرأ فيها بأم القرآن فهي خداج ...)

    قوله: [ حدثنا القعنبي ].

    القعنبي هو عبد الله بن مسلمة بن قعنب القعنبي، ثقة، أخرج له أصحاب الكتب الستة إلا ابن ماجة .

    [ عن مالك ].

    هو مالك بن أنس إمام دار الهجرة، الإمام المشهور أحد أصحاب المذاهب الأربعة المشهورة من مذاهب أهل السنة، وحديثه أخرجه أصحاب الكتب الستة.

    [ عن العلاء بن عبد الرحمن ].

    العلاء بن عبد الرحمن صدوق ربما وهم، أخرج حديثه البخاري في (جزء القراءة) ومسلم وأصحاب السنن.

    [ أنه سمع أبا السائب مولى هشام بن زهرة ].

    أبو السائب مولى هشام بن زهرة ثقة، أخرج له البخاري في (جزء القراءة) ومسلم وأصحاب السنن .

    [ سمعت أبا هريرة ].

    أبو هريرة رضي الله عنه مر ذكره.

    شرح حديث (لا صلاة لمن لم يقرأ بفاتحة الكتاب فصاعداً)

    قال المصنف رحمه الله تعالى: [ حدثنا قتيبة بن سعيد وابن السرح قالا: حدثنا سفيان عن الزهري عن محمود بن الربيع عن عبادة بن الصامت رضي الله عنهما يبلغ به النبي صلى الله عليه وسلم: (لا صلاة لمن لم يقرأ بفاتحة الكتاب فصاعداً) قال سفيان : لمن يصلي وحده ].

    أورد أبو داود حديث عبادة بن الصامت رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: [ ( لا صلاة لمن لم يقرأ بفاتحة الكتاب فصاعداً )]، وهذا مثل ما تقدم في حديث أبي سعيد وحديث أبي هريرة

    [ ( لا صلاة لمن لم يقرأ بفاتحة الكتاب فصاعداً ) ] أي: فما زاد على ذلك.

    ثم قال أبو داود: [ قال سفيان : لمن صلى وحده ] أي أنها تكون في حق المنفرد ولا تكون في حق المأموم، والأصل هو العموم والشمول، وتقييده أو إخراج شيء من أفراده غير صحيح، بل الأصل هو بقاء النص على عمومه، وأنه لا صلاة لمن لم يقرأ بفاتحة الكتاب، وقد سبق أن مر حديث أبي هريرة عندما قال له أبو السائب : إني أكون وراء الإمام قال: اقرأ بها في نفسك، أي أن قراءة الفاتحة لا يتركها المأموم، فالقول بأن المقصود من الحديث من صلى وحده دون من كان مأموماً غير صحيح .

    تراجم رجال إسناد حديث (لا صلاة لمن لم يقرأ بفاتحة الكتاب فصاعداً)

    قوله: [ حدثنا قتيبة بن سعيد ].

    هو قتيبة بن سعيد بن جميل بن طريف، ثقة، أخرج له أصحاب الكتب الستة.

    [ وابن السرح ].

    ابن السرح هو أحمد بن عمرو بن السرح المصري، وهو ثقة، أخرج له مسلم وأبو داود والنسائي وابن ماجة .

    [ حدثنا سفيان ].

    سفيان هو ابن عيينة المكي، ثقة، أخرج له أصحاب الكتب الستة.

    [ عن الزهري ].

    الزهري هو محمد بن مسلم بن عبيد الله بن عبد الله الزهري، ثقة فقيه، أخرج له أصحاب الكتب الستة.

    [ عن محمود بن الربيع ].

    محمود بن الربيع صحابي صغير، أخرج له أصحاب الكتب الستة.

    [ عن عبادة بن الصامت ].

    عبادة بن الصامت رضي الله عنه صاحب رسول الله صلى الله عليه وسلم، وحديثه أخرجه أصحاب الكتب الستة.

    [ يبلغ به النبي صلى الله عليه وسلم ].

    هذا بمعنى: (قال رسول الله صلى الله عليه وسلم) فهناك عبارات هي بمعنى: (قال)، أو (سمعت)، منها: (يبلغ به)، (يرفعه)، (ينميه)، فهذه كلها صيغ بمعنى (قال رسول الله صلى الله عليه وسلم)، أي أن ذلك مرفوع إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم، وليس موقوفاً على الصحابي.

    شرح حديث (لعلكم تقرءون خلف إمامكم ...)

    قال المصنف رحمه الله تعالى: [ حدثنا عبد الله بن محمد النفيلي حدثنا محمد بن سلمة عن محمد بن إسحاق عن مكحول عن محمود بن الربيع عن عبادة بن الصامت رضي الله عنهما أنه قال: (كنا خلف رسول الله صلى الله عليه وسلم في صلاة الفجر فقرأ رسول الله صلى الله عليه وسلم فثقلت عليه القراءة، فلما فرغ قال: لعلكم تقرءون خلف إمامكم؟! قلنا: نعم هذّاً يا رسول الله!. قال: لا تفعلوا إلا بفاتحة الكتاب، فإنه لا صلاة لمن لم يقرأ بها) ].

    أورد أبو داود رحمه الله حديث عبادة بن الصامت رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم صلى بهم صلاة الفجر فثقلت عليه القراءة فقال: [ ( لعلكم تقرءون خلف إمامكم؟ ) ] قالوا: نعم نصنع ذلك هذاً.

    أي أنهم يسرعون بالقراءة، فقال: [ ( لا تفعلوا إلا بفاتحة الكتاب، فإنه لا صلاة لمن لم يقرأ بها ) ] وهذا يدل على أن المأموم لا يقرأ خلف إمامه شيئاً من القرآن إلا الفاتحة؛ لأن الفاتحة مستثناة، وقد جاءت نصوص تدل على قراءتها، وأما في غير الفاتحة فإن المأموم يستمع ولا يقرأ شيئاً إلا في الصلاة السرية، فإنه يقرأ الفاتحة وغير الفاتحة، وليس في هذا شيء إلا إذا كان هناك رفع للصوت، فهذا يؤثر ويشوش على الإمام، وقد جاء في بعض الأحاديث: (وإذا قرأ فأنصتوا)، فلا يقرءون وهو يقرأ إلا بفاتحة الكتاب، فإنها مستثناة.

    تراجم رجال إسناد حديث (لعلكم تقرءون خلف إمامكم ...)

    قوله: [ حدثنا عبد الله بن محمد النفيلي ].

    عبد الله بن محمد النفيلي ثقة، أخرج له البخاري وأصحاب السنن.

    [ عن محمد بن سلمة ].

    هو محمد بن سلمة الباهلي، وهو ثقة، أخرج حديثه البخاري في (جزء القراءة) ومسلم وأصحاب السنن.

    وهذا غير محمد بن سلمة المرادي المصري فإن المرادي المصري من شيوخ أبي داود .

    [ عن محمد بن إسحاق ].

    هو محمد بن إسحاق المدني، صدوق، أخرج حديثه البخاري تعليقاً ومسلم وأصحاب السنن.

    [ عن مكحول ].

    مكحول هو الشامي ، وهو ثقة فقيه، أخرج له البخاري في (جزء القراءة) ومسلم وأصحاب السنن.

    [ عن محمود بن الربيع عن عبادة بن الصامت ].

    محمود بن الربيع وعبادة بن الصامت مر ذكرهما.

    شرح حديث ( لا تقرءوا بشيء من القرآن إذا جهرتُ إلّا بأم القرآن)

    قال المصنف رحمه الله تعالى: [ حدثنا الربيع بن سليمان الأزدي حدثنا عبد الله بن يوسف حدثنا الهيثم بن حميد أخبرني زيد بن واقد عن مكحول عن نافع بن محمود بن الربيع الأنصاري قال نافع : (أبطأ عبادة بن الصامت رضي الله عنه عن صلاة الصبح، فأقام أبو نعيم المؤذن للصلاة فصلى أبو نعيم بالناس، وأقبل عبادة وأنا معه حتى صففنا خلف أبي نعيم ، وأبو نعيم يجهر بالقراءة، فجعل عبادة يقرأ بأم القرآن، فلما انصرف قلت لـعبادة : سمعتك تقرأ بأم القرآن وأبو نعيم يجهر! قال: أجل، صلى بنا رسول الله صلى الله عليه وسلم بعض الصلوات التي يجهر فيها بالقراءة، قال: فالتبست عليه القراءة، فلما انصرف أقبل علينا بوجهه وقال: هل تقرءون إذا جهرت بالقراءة؟ فقال بعضنا: إنا نصنع ذلك، قال: فلا، وأنا أقول: ما لي ينازعني القرآن؟! فلا تقرءوا بشيء من القرآن إذا جهرت إلا بأم القرآن) ].

    أورد أبو داود رحمه الله حديث عبادة بن الصامت من طريق أخرى، وهو كالذي قبله، وفيه ذكر المناسبة التي حدّث فيها عبادة بن الصامت بهذا الحديث، وهي أن عبادة أبطأ على الناس، فتقدم المؤذن أبو نعيم فصلى بالناس وجهر بالقراءة لأن الصلاة كانت جهرية، وكان نافع بن محمود مع عبادة بن الصامت فصلى بجانبه، فسمع عبادة بن الصامت وهو يقرأ بالفاتحة في الوقت الذي كان فيه أبو نعيم يجهر بالقراءة، فسأله بعد أن سلم، فذكر الحديث عن رسول الله صلى الله عليه وسلم في ذلك، وهو مثل ما تقدم.

    والمنازعة هي المخالجة والمداخلة.

    تراجم رجال إسناد حديث (لا تقرءوا بشيء من القرآن إذا جهرتُ إلّا بأم القرآن)

    قوله: [ حدثنا الربيع بن سليمان الأزدي ].

    الربيع بن سليمان الأزدي، ثقة، أخرج له أبو داود والنسائي .

    [ حدثنا عبد الله بن يوسف ].

    هو عبد الله بن يوسف التنيسي، وهو ثقة، أخرج له البخاري وأبو داود والترمذي والنسائي .

    [ حدثنا الهيثم بن حميد ].

    الهيثم بن حميد صدوق، أخرج له أصحاب السنن.

    [ أخبرني زيد بن واقد ].

    زيد بن واقد ثقة، أخرج له البخاري وأبو داود والنسائي وابن ماجة .

    [ عن مكحول عن نافع بن محمود بن الربيع ].

    مكحول مر ذكره، ونافع بن محمود بن الربيع مستور، أخرج له البخاري في جزء القراءة وأبو داود والنسائي .

    [ عن عبادة ].

    عبادة مر ذكره.

    وكون هذه الطريق فيها مستور لا يضر؛ فقد سبقت طرق أخرى من غير هذا المستور.

    شرح حديث (لا تقرءوا بشيء من القرآن إذا جهرت إلا بأم القرآن) من طريق أخرى وتراجم رجال إسناده

    قال المصنف رحمه الله تعالى: [ حدثنا علي بن سهل الرملي حدثنا الوليد عن ابن جابر وسعيد بن عبد العزيز وعبد الله بن العلاء عن مكحول عن عبادة رضي الله عنه نحو حديث الربيع بن سليمان ، قالوا: فكان مكحول يقرأ في المغرب والعشاء والصبح بفاتحة الكتاب في كل ركعة سراً، قال مكحول : اقرأ بها فيما جهر به الإمام إذا قرأ بفاتحة الكتاب وسكت سراً، فإن لم يسكت اقرأ بها قبله ومعه وبعده، لا تتركها على كل حال ].

    أورد أبو داود حديث عبادة بن الصامت من طريق أخرى، نحو حديث الربيع بن سليمان وفيه أن مكحولاً قال: [ اقرأ بها فيما جهر به الإمام إذا قرأ بفاتحة الكتاب وسكت سراً ].

    أي: لا تترك قراءة الفاتحة وراء الإمام، فإذا جهر الإمام فإن كان له سكتات اقرأ في السكتات، وإن لم يكن له سكتات فإنه يقرأ والإمام يقرأ، سواء أكان ذلك قبله أم معه أم بعده، فالمهم أن لا يتركها في حال من الأحوال، وله أن يقرأ قبله وقت أن يقرأ الإمام دعاء الاستفتاح، وليس في هذا مسابقة له؛ لأن القراءة مطلوبة، وكونه يقرأ في حال سكوت الإمام ثم يستمع للإمام أفضل.

    قوله: [ حدثنا علي بن سهل الرملي ].

    علي بن سهل الرملي صدوق، أخرج له أبو داود والنسائي في (عمل اليوم والليلة ).

    [ حدثنا الوليد ].

    الوليد هو ابن مسلم، وهو ثقة، أخرج له أصحاب الكتب الستة.

    [ عن ابن جابر ].

    هو عبد الرحمن بن يزيد بن جابر، وهو ثقة، أخرج له أصحاب الكتب الستة.

    [ وسعيد بن عبد العزيز ].

    هو سعيد بن عبد العزيز الدمشقي، وهو ثقة، أخرج له البخاري في (الأدب المفرد) ومسلم وأصحاب السنن.

    [ وعبد الله بن العلاء ].

    عبد الله بن العلاء ثقة، أخرج له البخاري وأصحاب السنن.

    [ عن مكحول عن عبادة ].

    مكحول وعبادة مر ذكرهما، ومكحول لم يدرك عبادة ، ففيه انقطاع، لكن الروايات السابقة فيها ذكر الواسطة.

    1.   

    كراهة القراءة بفاتحة الكتاب إذا جهر الإمام

    شرح حديث (... هل قرأ معي أحد منكم آنفاً ...)

    قال المصنف رحمه الله تعالى: [ باب: من كره القراءة بفاتحة الكتاب إذا جهر الإمام.

    حدثنا القعنبي عن مالك عن ابن شهاب عن ابن أكيمة الليثي عن أبي هريرة رضي الله عنه: (أن رسول الله صلى الله عليه وسلم انصرف من صلاة جهر فيها بالقراءة فقال: هل قرأ معي أحد منكم آنفاً؟ فقال رجل: نعم يا رسول الله! قال: إني أقول: ما لي أنازع القرآن؟! قال: فانتهى الناس عن القراءة مع رسول الله صلى الله عليه وسلم فيما جهر فيه النبي صلى الله عليه وسلم بالقراءة من الصلوات حين سمعوا ذلك من رسول الله صلى الله عليه وسلم) .

    قال أبو داود : روى حديث ابن أكيمة هذا معمر ويونس وأسامة بن زيد عن الزهري على معنى مالك ] .

    أورد أبو داود رحمه الله هذه الترجمة: [ باب: من كره القراءة بفاتحة الكتاب إذا جهر الإمام ]، والمقصود من هذا الإشارة إلى أن من العلماء من قال بأن المأموم لا يقرأ بفاتحة الكتاب في حال الجهر، وقد سبق أن ذكرت أن هناك ثلاثة أقوال:

    القول الأول: أنه يقرأ بفاتحة الكتاب في جميع الأحوال.

    والقول الثاني: إنه لا يقرأ بها في جميع الأحوال، ولا يلزمه ذلك.

    والقول الثالث: أنه يقرأ في السرية دون الجهرية، وهذه الترجمة هنا تدل على هذا القول.

    وأورد أبو داود حديث أبي هريرة رضي الله عنه: [ ( أن رسول الله صلى الله عليه وسلم انصرف من صلاة جهر فيها بالقراءة فقال: هل قرأ معي أحداً منكم آنفا؟ فقال رجل: نعم يا رسول الله! ) ].

    وهو مثل ما تقدم عن أبي هريرة، إلا إنه فيما مضى قال: (فلا تقرءوا إلا بفاتحة الكتاب) وهنا قال: [ ( إني أقول: ما لي أنازع القرآن؟ ) ] فانتهى الناس حين سمعوا ذلك من رسول الله صلى الله عليه وسلم.

    لكن يمكن أن يحمل ما جاء هنا من الإطلاق على ما جاء عنه فيما تقدم من التقييد، فيكون المقصود من ذلك أن الانتهاء والامتناع إنما يكون في غير الفاتحة، وأما الفاتحة فإنه يقرأ بها، فهنا عندما قال: [ ( ما لي أنازع ) ] قال بعد ذلك: (لا تفعلوا إلا بفاتحة الكتاب)، فعلى هذا لا يكون في هذا الحديث دليل على أن الفاتحة لا تقرأ؛ لأنه قد ورد في الأحاديث ما يدل على استثناء الفاتحة، وأن المنع إنما هو فيما إذا كان المأموم يقرأ غير الفاتحة، فليس له أن يقرأ في ذلك؛ لقوله صلى الله عليه وسلم: (وإذا قرأ فأنصتوا) .

    تراجم رجال إسناد حديث (... هل قرأ معي أحد منكم آنفاً ...)

    قوله: [ حدثنا القعنبي عن مالك عن ابن شهاب عن ابن أكيمة الليثي ].

    قد مر ذكر الجميع إلا ابن أكيمة الليثي، وهو عمارة، وهو ثقة، أخرج له البخاري في (جزء القراءة) وأصحاب السنن.

    [ عن أبي هريرة ].

    أبو هريرة مر ذكره.

    قوله: [ قال أبو داود : روى حديث ابن أكيمة هذا معمر ويونس وأسامة .. ].

    معمر بن راشد الأزدي ثقة، أخرج له أصحاب الكتب الستة، ويونس بن يزيد ثقة، أخرج له أصحاب الكتب الستة.

    [ وأسامة بن زيد ].

    هو أسامة بن زيد الليثي، وهو صدوق يهم، أخرج له البخاري تعليقاً ومسلم وأصحاب السنن.

    [ عن الزهري على معنى مالك ].

    أي أن ما جاء عن الزهري هو بمعنى ما جاء في حديث مالك الذي تقدم في الإسناد السابق.

    شرح حديث (هل قرأ معي أحد منكم آنفاً) من طريق أخرى

    قال المصنف رحمه الله تعالى: [ حدثنا مسدد وأحمد بن محمد المروزي ومحمد بن أحمد بن أبي خلف وعبد الله بن محمد الزهري وابن السرح قالوا: حدثنا سفيان عن الزهري قال: سمعت ابن أكيمة يحدث عن سعيد بن المسيب أنه قال: سمعت أبا هريرة رضي الله عنه يقول: (صلى بنا رسول الله صلى الله عليه وسلم صلاة نظن أنها الصبح. بمعناه إلى قوله: ما لي أنازع القرآن؟) .

    قال أبو داود : قال مسدد في حديثه: قال معمر : فانتهى الناس عن القراءة فيما جهر به رسول الله صلى الله عليه وسلم، وقال ابن السرح في حديثه: قال معمر عن الزهري : قال أبو هريرة : فانتهى الناس، وقال عبد الله بن محمد الزهري من بينهم: قال سفيان : وتكلم الزهري بكلمة لم أسمعها، فقال معمر : إنه قال: فانتهى الناس.

    قال أبو داود : ورواه عبد الرحمن بن إسحاق عن الزهري وانتهى حديثه إلى قوله: (ما لي أنازع القرآن؟) ، ورواه الأوزاعي عن الزهري قال فيه: قال الزهري : فاتعظ المسلمون بذلك، فلم يكونوا يقرءون معه فيما يجهر به صلى الله عليه وسلم.

    قال أبو داود : سمعت محمد بن يحيى بن فارس قال: قوله: (فانتهى الناس) من كلام الزهري ] .

    أورد أبو داود رحمه الله حديث أبي هريرة رضي الله عنه قال: [ ( صلى بنا رسول الله صلى الله عليه وسلم صلاة نظن أنها الصبح. بمعناه إلى قوله: ما لي أنازع القرآن؟ ) ] أي: بمعنى الحديث المتقدم، ثم ذكر روايات متعددة في بيان أن قوله: [ فانتهى الناس ] من كلام الزهري ، أو من كلام معمر ، وبعضهم قال: إنه من كلام أبي هريرة ، لكن قد سبق عن أبي هريرة رضي الله عنه أنه غمز ذلك الرجل بيده وقال له: (اقرأ بها في نفسك يا فارسي) فيدل هذا على أن أبا هريرة رضي الله عنه يقول بالقراءة، ويستدل -أيضاً- على ذلك بما جاء في حديث الرسول صلى الله عليه وسلم في قسمة الصلاة بين الله تعالى وبين عبده نصفين، وعلى هذا فسواء أكان ذلك من قول أبي هريرة، أم من قول الزهري، أم من قول معمر فإنه يحمل على غير الفاتحة، وأما بالنسبة للفاتحة فقد تقدمت الأحاديث عن أبي هريرة وفيها التنصيص على استثناء الفاتحة.

    تراجم رجال إسناد حديث (هل قرأ معي أحد منكم آنفاً) من طريق آخرى

    قوله: [ حدثنا مسدد ].

    مسدد بن مسرهد البصري ثقة، أخرج له البخاري وأبو داود والترمذي والنسائي .

    [ وأحمد بن محمد المروزي ].

    أحمد بن محمد المروزي ثقة، أخرج له أبو داود .

    [ ومحمد بن أحمد بن أبي خلف ].

    محمد بن أحمد بن أبي خلف ثقة، أخرج له مسلم وأبو داود .

    [ وعبد الله بن محمد الزهري ].

    عبد الله بن محمد الزهري صدوق، أخرج له مسلم وأصحاب السنن.

    [ وابن السرح ].

    ابن السرح مر ذكره.

    [ حدثنا سفيان ].

    سفيان هو ابن عيينة ، وقد مر ذكره.

    [ عن الزهري سمعت ابن أكيمة عن سعيد بن المسيب ].

    سعيد بن المسيب أحد الثقاة التابعين، وهو أحد الفقهاء السبعة الذي كانوا في عصر التابعين، وهو ثقة، أخرج له الكتاب الستة.

    قوله: [ قال ابن السرح في حديثه: قال معمر : عن الزهري قال أبو هريرة : فانتهى الناس، وقال عبد الله بن محمد الزهري من بينهم: قال سفيان: وتكلم الزهري بكلمة لم أسمعها، فقال معمر : إنه قال: فانتهى الناس ].

    أي أنه اختلف على معمر هل هذا الكلام من كلام الزهري أو من كلام أبي هريرة، وسواء أكان من كلام أبي هريرة أم من كلام الزهري أم من كلام معمر نفسه فإن ذلك الانتهاء يحمل على غير الفاتحة.

    قوله: [ قال أبو داود : ورواه عبد الرحمن بن إسحاق عن الزهري ].

    عبد الرحمن بن إسحاق صدوق، أخرج له البخاري في (الأدب المفرد) ومسلم وأصحاب السنن .

    قوله: [ وانتهى حديثه إلى قوله: [ ( ما لي أنازع القرآن؟ ) ] ورواه الأوزاعي عن الزهري ].

    الأوزاعي هو عبد الرحمن بن عمرو الأوزاعي، ثقة، أخرج له أصحاب الكتب الستة.

    قوله: [ قال فيه: قال الزهري : فاتعظ المسلمون بذلك فلم يكونوا يقرءون معه فيما يجهر به صلى الله عليه وسلم ] أي أنه من كلام الزهري .

    قوله: [ قال أبو داود : سمعت محمد بن يحيى بن فارس قال: قوله: (فانتهى الناس) من كلام الزهري ] .

    أورد هذا الكلام عن شيخه محمد بن يحيى بن فارس أن قوله: [ فانتهى الناس ] من كلام الزهري، وهو دائر بين أن يكون من كلام أبي هريرة أو من كلام الزهري، أو من كلام الاثنين.

    ومحمد بن يحيى بن فارس هو الذهلي، ثقة، أخرج له البخاري وأصحاب السنن.

    وأما بالنسبة لسكتات الإمام فقد سبق أن مر بنا بعض الأحاديث في سكتات الإمام، وهي من رواية الحسن عن سمرة ، ورواية الحسن عن سمرة -كما هو معلوم- منقطعة، إلّا حديث العقيقة فهو متصل، وأما غيره فلا يصح، فإذا لم تثبت تلك الأحاديث فلا يسكت؛ لعدم وجود شيء ثابت يدل على أن الإمام يسكت ليقرأ الناس الفاتحة، ولكنه إذا سكت ليتأمل ما يريد أن يقرأ به، أو يريد أن يختار شيئاً يقرأ به فلا بأس بذلك، وأما أن يسكت من أجل أن يقرأ الناس الفاتحة فما نعلم شيئاً يدل على ذلك.