إسلام ويب

شرح سنن أبي داود [104]للشيخ : عبد المحسن العباد

  •  التفريغ النصي الكامل
  • قراءة الفاتحة في الصلاة ركن من أركانها، ثم يقرأ المرء ما تيسر له بعدها، وقد ورد عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه كان يقرأ بعد الفاتحة في الأوليين والأخريين من صلاة الظهر والعصر، وكان يطيل أحياناً ويخفف أحياناً، ولكل من الفرضين مقدار من زمن القراءة.

    1.   

    ما جاء في القراءة في الظهر

    شرح حديث (في كل صلاة يقرأ)

    قال المصنف رحمه الله تعالى: [ باب ما جاء في القراءة في الظهر.

    حدثنا موسى بن إسماعيل حدثنا حماد عن قيس بن سعد وعمارة بن ميمون وحبيب عن عطاء بن أبي رباح أن أبا هريرة رضي الله عنه قال: (في كل صلاة يقرأ، فما أسمعنا رسول الله صلى الله عليه وسلم أسمعناكم، وما أخفى علينا أخفينا عليكم) ].

    أورد أبو داود رحمه الله القراءة في صلاة الظهر، والمقصود من هذه الترجمة أن صلاة الظهر فيها قراءة، ولكنها تكون سراً، ويأتي في هذه الترجمة عدة أحاديث فيها ما يدل على القراءة من رسول الله صلى الله عليه وسلم وأنه يقرأ فيها غير الفاتحة، ويستدل على ذلك بعدة أمور ستأتي في هذه الأحاديث التي أوردها أبو داود رحمه الله تحت هذه الترجمة.

    وقد أورد أولاً حديث أبي هريرة رضي الله عنه أنه قال: [ في كل صلاة يقرأ -يعني: فيها قراءة- فما أسمعنا رسول الله صلى الله عليه وسلم أسمعناكم، وما أخفى علينا أخفينا عليكم ].

    ومعناه: ما سمعناه يجهر به فنحن نسمعكم إياه ونخبركم به، وما أخفاه -يعني: أسره- فإننا نخفيه عليكم، يعني: نسر به.

    أي أن الصلاة يكون فيها جهر وفيها إسرار، ونحن نؤدي كما أخذنا من رسول الله صلى الله عليه وسلم، فما أسر به أسررنا به، وما جهر به جهرنا به، وعلى هذا فمحل الشاهد من إيراد الحديث قوله: [ (في كل صلاة يقرأ) ] يعني: فيها القراءة، ويدخل في ذلك صلاة الظهر، وكذلك في قوله: [ (وما أخفاه علينا أخفيناه عليكم) ] يعني الإسرار، ففيه قراءة ولكن قد أسر بها ولم يجهر بها، وصلاة النهار هي سرية، إلا الجمعة، فإنه يجهر فيها بالقراءة، فيسر في الظهر والعصر، وأما صلاة الليل فإنه يجهر بها.

    تراجم رجال إسناد حديث (في كل صلاة يقرأ)

    قوله: [ حدثنا موسى بن إسماعيل ].

    موسى بن إسماعيل مر ذكره.

    [ حدثنا حماد ].

    هو حماد بن سلمة بن دينار ، وهو ثقة، أخرج له البخاري تعليقاً ومسلم وأصحاب السنن الأربعة.

    و حماد هنا غير منسوب، فيحتمل أن يكون ابن زيد ويحتمل أن يكون ابن سلمة ، ولكن حيث جاء أن الراوي هو موسى بن إسماعيل فهو حماد بن سلمة ، وهو ثقة.

    [ عن قيس بن سعد ].

    هو ثقة، أخرج له البخاري تعليقاً، ومسلم وأبو داود والنسائي وابن ماجة .

    [ وعمارة بن ميمون ].

    عمارة بن ميمون مجهول، أخرج حديثه البخاري في (جزء القراءة) وأبو داود ، وهذا المجهول لا يؤثر؛ لأنه لم ينفرد، إذ قد توبع.

    [ وحبيب ].

    يحتمل أن يكون حبيب بن أبي ثابت ، ويحتمل أن يكون حبيباً المعلم ، وكما هو معلوم أن المجهول هنا لا يؤثر؛ لأنه لم ينفرد، فقد توبع.

    [ عن عطاء بن أبي رباح ].

    عطاء ثقة، أخرج له أصحاب الكتب الستة.

    [ أن أبا هريرة ].

    هو عبد الرحمن بن صخر الدوسي ، وقد مر ذكره.

    شرح حديث (كان رسول الله يصلي بنا فيقرأ في الظهر والعصر في الركعتين الأوليين بفاتحة الكتاب وسورتين ...)

    قال المصنف رحمه الله تعالى: [ حدثنا مسدد حدثنا يحيى ، عن هشام بن أبي عبد الله، ح: وحدثنا ابن المثنى ، حدثنا ابن أبي عدي ، عن الحجاج -وهذا لفظه- عن يحيى ، عن عبد الله بن أبي قتادة -قال ابن المثنى : وأبي سلمة ، ثم اتفقا- عن أبي قتادة رضي الله عنه أنه قال: (كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يصلي بنا فيقرأ في الظهر والعصر في الركعتين الأوليين بفاتحة الكتاب وسورتين، ويسمعنا الآية أحياناً، وكان يطول الركعة الأولى من الظهر ويقصر الثانية، وكذلك في الصبح).

    قال أبو داود : لم يذكر مسدد فاتحة الكتاب وسورة ].

    أورد أبو داود رحمه الله حديث أبي قتادة الأنصاري ، وهو الحارث بن ربعي رضي الله تعالى عنه قال: [ كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يصلي بنا، فيقرأ في الظهر والعصر في الركعتين الأوليين بفاتحة الكتاب وسورتين ويسمعنا الآية أحياناً ].

    فهذا يدل على قراءته، وذلك أنهم يستدلون على قراءته بكونه يسمعهم الآية أحياناً، ويظهر من هذا أنه كان يجهر ببعض الآية أو بطرف منها، لذلك كانوا يعرفون السورة التي يقرأ فيها، وهذا يدل -أيضاً- على أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يقرأ، وكانوا يستدلون على قراءته بأدلة منها أنه كان يسمعهم الآية أحياناً، وهذا لا يدل على أن الصلاة السرية يجهر بها، فكونه يسمع منه طرف الآية التي يعرف بها السورة التي يقرأ بها لا يوجب أن يقال: إنّ الصلاة صارت جهرية، بل هي سرية، وإنما يسمعهم أحياناً حتى يعرفوا السورة التي تقرأ في هذه الصلاة، وهذا كان يقع أحياناً وليس دائماً.

    قوله: [ (وكان يطول الركعة الأولى من الظهر، ويقصر الثانية) ] قد قيل في سبب تطويل الأولى تعليلان: أحدهما: ما جاء في الأحاديث أو الآثار كما سيأتي في هذا الباب، وهو انتظار من سيأتي، أي: الذين تأخر مجيئهم قبل الإقامة؛ حتى ليدركوا الركعة.

    والأمر الثاني: أن أول الصلاة يكون فيها نشاط للمصلي، فإذا حصلت الإطالة في الأولى أكثر من الثانية فلا بأس بذلك، لنشاط المصلي في البداية.

    قوله: [ وكذلك في الصبح ] يعني: يطول في الأولى.

    تراجم رجال إسناد حديث (كان رسول الله يصلي بنا فيقرأ في الظهر والعصر في الركعتين الأوليين بفاتحة الكتاب وسورتين ...)

    قوله: [ حدثنا مسدد ].

    هو ابن مسرهد ، ثقة، أخرج له البخاري وأبو داود والترمذي والنسائي .

    [ حدثنا يحيى ].

    هو ابن سعيد القطان البصري ، ثقة، أخرج له أصحاب الكتب الستة.

    [ عن هشام بن أبي عبد الله ].

    هو الدستوائي ، وهو ثقة، أخرج له أصحاب الكتب الستة.

    قوله: [ ح ] وهو للتحول من إسناد إلى إسناد.

    [ حدثنا ابن المثنى ].

    هو محمد بن المثنى العنزي الملقب بـالزمن ، البصري، ثقة، أخرج له أصحاب الكتب الستة، بل هو شيخ لأصحاب الكتب الستة.

    [ حدثنا ابن أبي عدي ].

    هو محمد بن إبراهيم بن أبي عدي ، منسوب إلى جده، وهو ثقة، أخرج له أصحاب الكتب الستة.

    [ عن الحجاج ].

    هو الصواف ، وهو ثقة، أخرج له أصحاب الكتب الستة.

    [ وهذا لفظه ] يعني لفظ الطريق الثاني.

    [ عن يحيى ].

    هو ابن أبي كثير اليمامي ، وهو ثقة، أخرج له أصحاب الكتب الستة.

    [ عن عبد الله بن أبي قتادة ].

    هو ثقة، أخرج له أصحاب الكتب الستة.

    [ قال ابن المثنى : وأبي سلمة ].

    أي: في الطريق الثانية؛لأن الطريق الأولى ليس فيها إلا عن عبد الله بن أبي قتادة ، وهي طريق مسدد ، فـمسدد لم يروِ هذا الحديث إلا من طريق عبد الله بن أبي قتادة ، وأما الطريق الثانية -وهي طريق ابن المثنى- فإنه يرويها عن شيخين: عبد الله بن أبي قتادة وأبي سلمة بن عبد الرحمن .

    [ عن أبي قتادة ].

    هو الحارث بن ربعي صاحب رسول الله صلى الله عليه وسلم، وحديثه أخرجه أصحاب الكتب الستة.

    1.   

    شرح حديث أبي قتادة في صلاة الظهر: (... وكان يطول في الركعة الأولى ما لا يطول في الثانية ...)

    قال المصنف رحمه الله تعالى: [ باب: ما جاء في القراءة في الظهر.

    حدثنا الحسن بن علي ، حدثنا يزيد بن هارون ، أخبرنا همام وأبان بن يزيد العطار ، عن يحيى ، عن عبد الله بن أبي قتادة ، عن أبيه ببعض هذا، وزاد: (في الأخريين بفاتحة الكتاب)، وزاد عن همام قال: (وكان يطول في الركعة الأولى ما لا يطول في الثانية، وهكذا في صلاة العصر، وهكذا في صلاة الغداة) ]

    سبق أن مرت بعض الأحاديث التي تتعلّق بصلاة الظهر وصلاة العصر، وأورد هنا أبو داود رحمه الله حديث أبي قتادة الأنصاري رضي الله تعالى عنه قال: [ وكان -أي: رسول الله صلى الله عليه وسلم يطول في الركعة الأولى ما لا يطول في الثانية ]، وذلك لانتظار الداخل كما جاء في بعض الآثار كما سيذكره المصنف فيما بعد، وأيضاً لكون المصلي في أول صلاته يكون عنده من النشاط ما لا يكون عنده بعد ذلك، فكان يطيل في الركعة الأولى ما لا يطيله في الثانية، وكذلك يفعل في صلاة الغداة، وهي صلاة الفجر، فكان يطيل الركعة الأولى فيها، ويطيل القراءة فيها أيضاً، وتكون الثانية أقل منها، ولعل ذلك للسببين المشار إليهما آنفاً، وكان يقرأ في الركعتين الأخريين من الظهر والعصر بفاتحة الكتاب، وقد جاء في بعض الروايات التي ستأتي عند المصنف أنه كان يقرأ -أيضاً- في الركعتين الأخريين من صلاة الظهر والعصر غير الفاتحة، وذلك في الحديث الذي سيأتي من أنهم حزروا قراءته فكانت ثلاثين آية في الركعتين الأوليين، وفي الركعتين الأخريين على النصف من ذلك، وهذا في الظهر، وفي العصر في الركعتين الأوليين على النصف من الركعتين الأخريين في الظهر، أي: مقدار خمس عشرة آية، وفي الركعتين الأخريين على النصف من ذلك، وذلك يعني أنه يسوغ للإنسان أن يقرأ في الركعتين الأخريين من الظهر والعصر بغير فاتحة الكتاب أيضاً.

    تراجم رجال إسناد حديث أبي قتادة في قدر القراءة في صلاة الظهر

    قوله: [ حدثنا الحسن بن علي ].

    الحسن بن علي هو الحلواني ، ثقة، أخرج له أصحاب الكتب إلا النسائي .

    [ حدثنا يزيد بن هارون ].

    هو الواسطي ، وهو ثقة، أخرج له أصحاب الكتب الستة.

    [ أخبرنا همام ].

    هو ابن يحيى ، وهو ثقة، أخرج له أصحاب الستة.

    [ وأبان بن يزيد العطار ].

    هو ثقة، أخرج له أصحاب الكتب الستة إلّا ابن ماجة .

    [ عن يحيى ].

    هو ابن أبي كثير اليمامي ، وهو ثقة، أخرج له أصحاب الكتب الستة.

    [ عن عبد الله ].

    هو عبد الله بن أبي قتادة ، وهو ثقة، أخرج له أصحاب الكتب الستة.

    [عن أبيه ].

    هو أبو قتادة الأنصاري واسمه: الحارث بن ربعي رضي الله عنه، وحديثه أخرجه أصحاب الكتب الستة.

    طريق أخرى لحديث أبي قتادة في قدر القراءة في صلاة الظهر

    قال المصنف رحمه الله تعالى: [ حدثنا الحسن بن علي ، حدثنا عبد الرزاق ، أخبرنا معمر ، عن يحيى ، عن عبد الله بن أبي قتادة ، عن أبيه رضي الله عنه أنه قال: (فظننا أنه يريد بذلك أن يدرك الناس الركعة الأولى) ].

    ثم أورد أبو داود الأثر عن أبي قتادة رضي الله عنه في سبب تطويل الرسول صلى الله عليه وسلم للركعة الأولى أكثر من الثانية كما جاء في الأحاديث المتقدمة، وأنهم ظنوا أنه يريد بذلك أن يدرك الناس الركعة، يعني الذين يأتون وقد أقيمت الصلاة، فيدركون الركعة الأولى إذا أطيل في القراءة.

    وهناك تعليل آخر أشرت إليه سابقاً، وذكره بعض أهل العلم، وهو أنه يكون في الركعة الأولى من النشاط ما لا يكون بعد ذلك، فناسب ذلك أن يطال في القراءة في الركعة الأولى.

    تراجم رجال إسناد الطريق الأخرى لحديث أبي قتادة في قدر القرءاة في صلاة الظهر

    قوله: [ حدثنا الحسن بن علي حدثنا عبد الرزاق ].

    الحسن بن علي مر ذكره، وعبد الرزاق هو ابن همام الصنعاني اليماني ، ثقة، أخرج له أصحاب الكتب الستة.

    [ أخبرنا معمر ].

    هو معمر بن راشد الأزدي ، ثم اليماني، وهو ثقة، أخرج له أصحاب الكتب الستة.

    [ عن يحيى ، عن عبد الله بن أبي قتادة ، عن أبيه ].

    قد مر ذكرهم.

    شرح حديث سؤال خباب عن قراءة رسول الله صلى الله عليه وسلم في الظهر والعصر

    قال المصنف رحمه الله تعالى: [ حدثنا مسدد حدثنا عبد الواحد بن زياد عن الأعمش عن عمارة بن عمير عن أبي معمر أنه قال: قلنا لـخباب رضي الله عنه: (هل كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يقرأ في الظهر والعصر؟ قال: نعم. قلنا: بم كنتم تعرفون ذاك؟ قال: باضطراب لحيته) ].

    أورد أبو داود رحمه الله حديث خباب بن الأرت رضي الله عنه أنه سئل: هل كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يقرأ في الظهر والعصر؟ قال: نعم، قيل: بم كنتم تعرفون ذلك مع أنّ الصلاة سرّية؟ قال: باضطراب لحيته، وهذا دليل آخر يدل على القراءة في الصلاة السرية.

    إذاً: مرّ بنا دليلان على أنه صلى الله عليه وسلم كان يقرأ في الصلاة السرية، الدليل الأول: أنه كان يسمعهم الآية أحياناً؛ حتى يعرفوا السورة التي يقرأ فيها، وهذا كما مرّ سابقاً.

    والدليل الثاني هو هذا الحديث، وهو أنهم كانوا يستدلون على ذلك باضطراب لحيته، فهم يصلون وراءه صلى الله عليه وسلم الصلاة السرية كالظهر والعصر فيعلمون أنه يقرأ باضطراب لحيته، فبسبب تحريك شفتيه في القراءة تضطرب اللحية يميناً وشمالاً، فيظهر شعر لحيته ويبدو من الجانبين فيرونه يتحرك فيعلمون أنه يقرأ، وهذا يدلنا على ما كان عليه أصحاب الرسول الكريم -عليه الصلاة والسلام، ورضي الله عنهم وأرضاهم- من العناية والاهتمام بتتبع أحوال رسول الله صلى الله عليه وسلم، ومعرفة الأحكام الشرعية، ومعرفة السنن التي جاءت عن الرسول الكريم صلى الله عليه وسلم، وأنهم ينظرون إليه وهو يصلي بهم الصلاة السرية، فيفهمون من تحرك لحيته واضطرابها أنه يقرأ.

    فهذا فيه دليل على القراءة في الصلاة السرية، ويدلنا -أيضاً- على أن القراءة لا بد فيها من تحريك الشفتين، وأن الإنسان لا يكفي أن يقرأ وهو مطبق شفتيه؛ لأن الاستذكار في القلب لا يقال له قراءة، وإنما تكون القراءة بتحريك اللسان والشفتين، ولهذا قال الله عز وجل لنبيه صلى الله عليه وسلم: لا تُحَرِّكْ بِهِ لِسَانَكَ لِتَعْجَلَ بِهِ [القيامة:16] ، فعندما كان جبريل يتلو عليه القرآن، ويلقي عليه الوحي كان يحرك لسانه، ويقرأ مع قراءة جبريل، فنهي عن أن يحرك لسانه، ووعد بأن يحفظ له القرآن، وأن يمكن من حفظه، وأنه لا يفوته منه شيء، فقال تعالى: إِنَّ عَلَيْنَا جَمْعَهُ وَقُرْآنَهُ * (فَإِذَا قَرَأْنَاهُ [القيامة:18] أي: قرأه جبريل، (فَاتَّبِعْ قُرْآنَهُ [القيامة:18] أي: استمع، وبعد فراغه فإنه يكون محفوظاً في صدره صلى الله عليه وسلم، فاضطراب اللحية وتحريك الشفتين يدلنا على أن القراءة إنما تكون كذلك، ولا تكون مع إطباق الشفتين، وكون الإنسان يستذكر القرآن استذكاراً، ويتأمله تأملاً دون أن يقرأ لا يقال له قراءة.

    والحديث يدل -أيضاً- على أنه صلى الله عليه وسلم كان صاحب لحية، وأن لحيته كانت كثة، وذلك أنهم كانوا يرون الشعر من جوانبه وهم من ورائه.

    تراجم رجال إسناد حديث سؤال خباب عن قراءة رسول الله صلى الله عليه وسلم في الظهر والعصر

    قوله: [ حدثنا مسدد ].

    مسدد هو ابن مسرهد البصري، ثقة، أخرج له البخاري وأبو داود والترمذي والنسائي .

    [ حدثنا عبد الواحد بن زياد ].

    عبد الواحد بن زياد ثقة، أخرج له أصحاب الكتب الستة.

    [ عن الأعمش ].

    الأعمش هو سليمان بن مهران الكاهلي الكوفي، ثقة، أخرج له أصحاب الكتب الستة، والأعمش لقبه، واسمه سليمان ، ومن الأمور المهمة في علم المصطلح معرفة الألقاب، وفائدة معرفتها أن لا يظن الشخص الواحد شخصين، فإذا ذكر باسمه مرة ثم ذكر بلقبه مرة أخرى فالذي لا يعرفه يظن هذا شخصاً وهذا شخصاً، فإذا جاء في بعض الأسانيد سليمان بن مهران ، أو سليمان فقط، ثم جاء في إسناد آخر الأعمش ، فالذي لا يعرف أن الأعمش لقب لـسليمان بن مهران الكاهلي يظن أن الأعمش شخص، وأن سليمان شخص آخر، إذاً: ففائدة معرفة الألقاب أن لا يظن الشخص الواحد شخصين.

    [ عن عمارة بن عمير ].

    هو ثقة، أخرج له أصحاب الكتب الستة.

    [ عن أبي معمر ].

    هو عبد الله بن سخبرة ، وهو ثقة، أخرج له أصحاب الكتب الستة.

    [ عن خباب ].

    هو ابن الأرت رضي الله عنه، صاحب رسول الله صلى الله عليه وسلم، وحديثه أخرجه أصحاب الكتب الستة.

    شرح حديث (أن النبي كان يقوم في الركعة الأولى من صلاة الظهر حتى لا يسمع وقع قدم)

    قال المصنف رحمه الله تعالى: [ حدثنا عثمان بن أبي شيبة حدثنا عفان حدثنا همام حدثنا محمد بن جحادة عن رجل عن عبد الله بن أبي أوفى رضي الله عنه: (أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يقوم في الركعة الأولى من صلاة الظهر حتى لا يسمع وقع قدم) ].

    أورد أبو داود هذا الحديث عن عبد الله بن أبي أوفى رضي الله عنه [ (أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يقوم في الركعة الأولى حتى لا يسمع وقع قدم) ] ومعنى ذلك أنه كان يطيل الركعة الأولى فيدرك الداخلون والآتون بعد ذلك هذه الركعة حتى لا يبقى أحد آت إلى الصلاة، فقد تكاملوا، ووصلوا جميعهم، وهذا هو سبب الإطالة، كما جاء عن أبي قتادة آنفاً، حيث قال (فظننا أنه يريد بذلك أن يدرك الناس الركعة الأولى).

    وهذا الحديث نص في هذا المعنى، إلا أن الحديث فيه رجل مبهم، فهو غير ثابت عن رسول الله صلى الله عليه وسلم؛ لأن هذا المبهم غير مسمى، فلا يدرى من هو، والإبهام والجهالة يؤثران في غير الصحابة، وأما الإبهام والجهالة في الصحابة فلا يؤثران؛ لأن المجهول فيهم في حكم المعلوم، ويكفي أن يقال عن رجل: صحب النبي صلى الله عليه وسلم، ولا يحتاج إلى معرفة شخصه ولا حاله؛ لأن الصحابة كلهم عدول بتعديل الله ورسوله صلى الله عليه وسلم لهم، فهم لا يحتاجون بعد ثناء الله عز وجل وثناء رسوله عليه الصلاة والسلام عليهم إلى تعديل المعدلين، أو توثيق الموثقين، رضي الله تعالى عنهم أجمعين.

    وعلى هذا فهذا الحديث يدل على ذلك الذي ظنه الصحابة كما أشار إليه أبو قتادة في الأثر المتقدم، ولو صح لكان نصاً في ذلك، ولكن الحديث لم يصح لوجود هذا الرجل المبهم.

    تراجم رجال إسناد حديث (أنّ النبي كان يقوم في الركعة الأولى من صلاة الظهر حتى لا يسمع وقع قدم)

    قوله: [ حدثنا عثمان بن أبي شيبة ].

    هو ثقة، أخرج له أصحاب الكتب الستة إلا الترمذي .

    [ حدثنا عفان ].

    هو ابن مسلم الصفار ، وهو ثقة، أخرج له أصحاب الكتب الستة.

    [ حدثنا همام ، حدثنا محمد بن جحادة ].

    همام مر ذكره، ومحمد بن جحادة ثقة، أخرج له أصحاب الكتب الستة.

    [ عن رجل عن عبد الله بن أبي أوفى ].

    عبد الله بن أبي أوفى رضي الله عنه هو صاحب رسول الله صلى الله عليه وسلم، وحديثه أخرجه أصحاب الكتب الستة.

    1.   

    تخفيف الأخريين

    شرح حديث سعد بن أبي وقاص في شكوى أهل الكوفة منه

    قال المصنف رحمه الله تعالى: [ باب: تخفيف الأُخْرَيين.

    حدثنا حفص بن عمر ، حدثنا شعبة ، عن محمد بن عبيد الله أبي عون ، عن جابر بن سمرة رضي الله عنهما أنه قال: [ قال عمر لـسعد رضي الله عنهما: قد شكاك الناس في كل شيء حتى في الصلاة! قال: أما أنا فأمد في الأوليين، وأحذف في الأخريين، ولا آلو ما اقتديت به من صلاة رسول الله صلى الله عليه وسلم. قال: ذاك الظن بك ].

    أورد أبو داود رحمه الله [ باب تخفيف الأخريين ]، فكما أن الأوليين تطولان فإن الأخريين تخففان، والأخريان هما الركعتان الأخيرتان من الظهر والعصر والعشاء، ومثلهما الركعة الأخيرة من المغرب، فالتخفيف يكون في الأخريين في الصلاة الرباعية، وفي الثالثة في الصلاة الثلاثية كما في المغرب، وتخفف وتسر فيها القراءة بالنسبة للصلاة الجهرية، كالركعتين الأخيرتين من العشاء، والركعة الأخيرة بالنسبة للمغرب، فحكم هذه الركعات الإسرار والاختصار، أن يسر بها وأن تختصر وتخفف، ولا تطول كما تطول الركعتان الأوليان.

    وقد أورد أبو داود رحمه الله عدة أحاديث، منها حديث سعد بن أبي وقاص رضي الله تعالى عنه وأرضاه أنه لما أمره عمر على الكوفة مكث بها مدة، فحصل بينه وبين بعض أهلها شيء حتى تكلموا فيه، وقدحوا فيه وسبوه، حتى بلغ بهم الحد -والعياذ بالله- أنهم قالوا: (لا يحسن أن يصلي!!) وهذا الكلام قالوه في رجل يمشي على الأرض وهو من أهل الجنة، في رجل من العشرة المبشرين بالجنة، ومع ذلك لم يسلم من أذاهم.

    فلما بلغ عمر رضي الله عنه وأرضاه شكواهم، وأنهم قالوا عنه: (لا يحسن أن يصلي) كلم سعداً في ذلك، فأخبره سعد أنه كان يصلي بهم صلاة رسول الله صلى الله عليه وسلم، وأنه كان يمد القراءة في الأوليين ويطيلهما، ويحذف في الأخريين، أي: يقصر القراءة فيهما، وقال: إنه لا يألوا -أي: لا يقصر- فيما اتبع فيه رسول الله صلى الله عليه وسلم، وإن هذا الفعل الذي يفعله إنما هو اقتداء برسول الله عليه الصلاة والسلام، فقال له عمر رضي الله عنه: (هذا هو الظن بك يا أبا إسحاق) كما في صحيح البخاري، فكنية سعد أبو إسحاق ، فرضي الله عن سعد بن أبي وقاص وأرضاه.

    وبلغ بهم الحد إلى أن قال واحد منهم - لما أرسل عمر يسأل عما شكوه به-: (أما إنه لا يحكم في القضية، ولا يعدل بالسوية) فدعا عليه سعد -وكان مجاب الدعوة كما في صحيح البخاري- فقال: (اللهم إن كان كاذباً فيما يقول فأطل عمره، وأكثر فقره، وعرضه للفتن) فطال عمره، وكثر فقره، ونزل حاجباه على عينيه، وكان يلاحق النساء فتنة وابتلاء وامتحاناً، فأصابته دعوة سعد ، وقال عن نفسه: (أصابتني دعوة سعد) رضي الله عن سعد وعن الصحابة أجمعين.

    ولكن عمر رضي الله عنه وأرضاه رأى من المصلحة أن يعزل سعداً عن الكوفة ما دام أن الأمر قد وصل إلى هذا الحد خشية أن يحصل له شيء لا يحمد عقباه، ولم ينس أن ينبه على ذلك رضي الله عنه وأرضاه، فإنه لما اختار ستة -بعدما طعن- ليكونوا أهل الشورى فيختاروا خليفة منهم كان سعد واحداً من هؤلاء الستة، فخشي عمر أن يقول قائل: لقد نسي عمر ، فكيف يعزله من الكوفة وهي قرية ثم يرشحه للخلافة؟ فأراد أن يبين أنه لم ينس، وأنه ما زال ذاكراً للذي حصل منه من عزل سعد ، فقال رضي الله عنه وأرضاه: (إن أصابت الإمارة سعداً فذاك، هو أهل لها، وإن لم تصبه فليستعن به من أُمرَّ، فإنني لم أعزله من عجز ولا خيانة) فمسوغات العزل: العجز والخيانة، وإنما كان عزله لمصلحة، وهي: أن لا يعتدي عليه أحد، أو يحصل له ضرر لا تحمد عقباه من هؤلاء السفهاء الذين بلغ بهم الحد إلى أن قالوا فيه ما قالوا، فهو رجل يمشي على الأرض وهو من أهل الجنة رضي الله تعالى عنه وأرضاه.

    ومحل الشاهد من إيراد هذا الحديث هو قوله: [ وأحذف في الأخريين ] أي أنه يخفف القراءة في الركعتين الأخريين، فيقرأ في الركعتين الأخريين بفاتحة الكتاب وشيء من القرآن غير الفاتحة، وهو دون ما يقرأ به في الركعتين الأوليين، وقد جاءت بذلك السنة عن رسول الله صلى الله عليه وسلم.

    تراجم رجال إسناد حديث سعد بن أبي وقاص في شكوى أهل الكوفة منه

    قوله: [ حدثنا حفص بن عمر ].

    هو ثقة، أخرج له البخاري وأبو داود والنسائي .

    [ حدثنا شعبة ].

    هو شعبة بن حجاج الواسطي ، ثم البصري ، وهو ثقة، أخرج له أصحاب الكتب الستة.

    [ عن محمد بن عبيد الله أبي عون ].

    هو ثقة أخرج له أصحاب الكتب الستة إلا ابن ماجة .

    [ عن جابر بن سمرة ].

    جابر بن سمرة رضي الله تعالى عنهما صاحب رسول الله صلى الله عليه وسلم، وحديثه أخرجه أصحاب الكتب الستة.

    [ عن سعد ].

    هو سعد بن أبي وقاص رضي الله عنه، أحد العشرة المبشرين بالجنة رضي الله تعالى عنه وأرضاه، وحديثه أخرجه أصحاب الكتب الستة.

    شرح حديث (حزرنا قيام رسول الله صلى الله عليه وسلم في الظهر والعصر ...)

    قال المصنف رحمه الله تعالى: [ حدثنا عبد الله بن محمد -يعني النفيلي - حدثنا هشيم ، أخبرنا منصور ، عن الوليد بن مسلم الهجيمي ، عن أبي الصديق الناجي ، عن أبي سعيد الخدري رضي الله عنه أنه قال: (حزرنا قيام رسول الله صلى الله عليه وسلم في الظهر والعصر، فحزرنا قيامه في الركعتين الأوليين من الظهر قدر ثلاثين آية، قدر الم * تَنزِيلُ [السجدة:1-2] السجدة، وحزرنا قيامه في الأخريين على النصف من ذلك، وحزرنا قيامه في الأوليين من العصر على قدر الأخريين من الظهر، وحزرنا قيامه في الأخريين من العصر على النصف من ذلك) ].

    أورد أبو داود حديث أبي سعيد الخدري رضي الله تعالى عنه، وفيه دلالة على مقدار ما يقرأ به، أو الحزر الذي حزره الصحابة رضي الله عنهم وأرضاهم في صلاة رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقد حزروا صلاته صلى الله عليه وسلم في الأوليين من الظهر بمقدار ثلاثين آية في كل ركعة، كما جاء ذلك في بعض الروايات الصحيحة، وليس المقصود ثلاثين آية في الركعتين، وفي الأخريين على النصف من ذلك، أي: في كل ركعة من الركعتين الأخريين مقدار خمس عشرة آية، وهذا يدل على القراءة في الركعتين الأخريين غير الفاتحة، فكونه يقرأ في الركعتين الأوليين ثلاثين آية في كل ركعة، وفي الأخريين على النصف من ذلك لا يتأتى ذلك إلا إذا كان قرأ غير الفاتحة؛ لأن قراءة الفاتحة بالنسبة لثلاثين آية شيء يسير، ومعنى هذا أن هناك قراءة بغير الفاتحة، فتقرأ الفاتحة وغيرها، ويكون مجموع ذلك على النصف مما قرأ في الركعتين الأوليين، أي: خمس عشرة آية في كل ركعة.

    قوله: [ وحزرنا قيامه في في الأخريين من العصر فكانت على النصف من ذلك ] أي: على النصف من صلاة الظهر، فإذا كان يقرأ في الأخريين من الظهر خمس عشرة آية، فسيقرأ في الأوليين من العصر على النصف من ذلك، أي: سبع آيات، فهذا يدل على تخفيف الركعتين الأخريين، وعلى أنه يقرأ فيهما بغير الفاتحة، أي: في كل من الأخريين من الظهر ومن العصر، كما جاء في هذا الحديث عن أبي سعيد الخدري رضي الله تعالى عنه وأرضاه.

    وهذا -أيضاً- يبين ما كان عليه أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم من العناية بسنته، ومعرفة أحكام الشريعة والسنن التي تأتي عن رسول الله عليه الصلاة والسلام، فإنهم كانوا يقدرون القراءة في الصلاة السرية يقدرون ذلك بمقدار طول القيام الذي فيه تلك القراءة، فيقدرونه بثلاثين آية في كل ركعة من الأوليين في الظهر، ومعناه أن الرسول صلى الله عليه وسلم كان يقرأ ولكن مقدار قراءته في الركعتين الأوليين ثلاثون آية في كل ركعة وفي الركعتين الأخريين خمسة عشرة آية في كل ركعة، والعصر على النصف من ذلك، فالأوليان منها تساويان الأخيرتين من الظهر، والأخيرتان على النصف من ذلك، أي أنها ستكون القراءة سبع آيات في الركعتين الأخيرتين بعد الفاتحة.

    تراجم رجال إسناد حديث (حزرنا قيام رسول الله في الظهر والعصر ...)

    قوله: [ حدثنا عبد الله بن محمد -يعني النفيلي- ].

    عبد الله بن محمد النفيلي هو عبد الله بن محمد بن نفيل النفيلي ، وكلمة (يعني) قالها من دون أبي داود ؛ لأن أبا داود لا يحتاج إلى أن يقول: (يعني النفيلي)، وإذا أراد أن ينسبه فسيقول (حدثنا عبد الله بن محمد النفيلي)، فهو لم يأت إلا باسمه واسم أبيه، وأضاف من دون أبي داود هذه النسبة (النفيلي) وأتى بكلمة (يعني) حتى يعرف بأنها ليست من أبي داود ، وإنما هي مِنْ تصرّف مَنْ دونه على سبيل توضيح ذلك الرجل الذي لم يذكر أبو داود نسبته، وإنما ذكر اسمه واسم أبيه، والنفيلي هذا ثقة، أخرج له البخاري وأصحاب السنن.

    [ حدثنا هشيم ].

    هو هشيم بن بشير الواسطي ، وهو ثقة، أخرج له أصحاب الكتب الستة.

    [ أخبرنا منصور ].

    هو ابن معتمر الكوفي ، وهو ثقة، أخرج له أصحاب الكتب الستة.

    [ عن الوليد بن مسلم الهجيمي ].

    هو ثقة، أخرج له البخاري في (جزء القراءة)، ومسلم وأبو داود والنسائي .

    [ عن أبي الصديق الناجي ].

    اسمه بكر بن عمرو الناجي، وهو ثقة، أخرج له أصحاب الكتب الستة، وهو مشهور بكنيته ونسبته.

    [ عن أبي سعيد الخدري ].

    هو سعد بن مالك بن سنان ، مشهور بكنيته ونسبته، فكنيته: أبو سعيد ، ونسبته: الخدري ، واسمه: سعد بن مالك بن سنان ، وهو صحابي جليل، وهو أحد السبعة المعروفين بكثرة الحديث عن النبي صلى الله عليه وسلم.

    1.   

    قدر القراءة في صلاة الظهر والعصر

    شرح حديث (أن رسول الله كان يقرأ في الظهر والعصر بـ (السماء والطارق) ...)

    قال المصنف رحمه الله تعالى: [ باب قدر القراءة في صلاة الظهر والعصر.

    حدثنا موسى بن إسماعيل ، حدثنا حماد ، عن سماك بن حرب ، عن جابر بن سمرة (أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان يقرأ في الظهر والعصر بـ (والسماء والطاق) (والسماء ذات البروج) ونحوهما من السور) ].

    أورد أبو داود رحمه الله هذه الترجمة، وهي [ قدر القراءة في صلاة الظهر والعصر، وقد جاء عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه كان يخفف القراءة أحياناً في هاتين الصلاتين، وكان يطيلها أحياناً، والذي جاء في هذا الحديث هو التخفيف لهما، أي: للصلاتين، حيث كان يقرأ (والسماء والطارق) (والسماء ذات البروج)، وهذا من التخفيف، وجاء عنه أنه كان يدخل في الصلاة فيذهب الذاهب إلى البقيع فيقضي حاجته، ويرجع إلى منزله، ويتوضأ ثم يأتي ويدرك الركعة الأولى مع رسول الله صلى الله عليه وسلم، وهذا لا يتأتى إلا بإطالة الركعة الأولى، فيؤخذ من هذا أنه كان أحياناً يطيل هذه الصلاة، وأحياناً يخفف صلوات الله وسلامه وبركاته عليه، فقد جاء في حديث جابر بن سمرة رضي الله عنه: [ أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان يقرأ في الظهر والعصر بـ (والسماء والطارق) (والسماء وذات البروج) ونحوهما من السور ] ، أي: ونحوهما من السور التي هي بهذا القدر، وسبق أن مر بنا حديث أبي سعيد الذي قال فيه: (فحزرنا قيامه في الركعتين الأوليين من الظهر قد ثلاثين آية)، والحديث الذي أشرت إليه هو أن الذاهب يذهب إلى البقيع ويقضي حاجته فيرجع ويتوضأ ويأتي ويدرك الركعة، ومعنى ذلك أن صلاته كانت أحياناً أطول من ذلك بكثير.

    إذاً: فكل ذلك جاء عن رسول الله صلوات الله وسلامه وبركاته عليه.

    تراجم رجال إسناد حديث (أن رسول الله كان يقرأ في الظهر والعصر بـ( السماء والطارق) ...)

    قوله: [ حدثنا موسى بن إسماعيل ].

    وهو التبوذكي البصري ، ثقة، أخرج له أصحاب الكتب الستة.

    [ حدثنا حماد ].

    وهو ابن سلمة بن دينار البصري ، ثقة، أخرج له البخاري تعليقاً، ومسلم ، وأصحاب السنن.

    وإذا جاء ذكر حماد يروي عنه موسى بن إسماعيل ، وهو غير منسوب، فالمراد به حماد بن سلمة ، وليس حماد بن زيد .

    [ عن سماك بن حرب ].

    وهو صدوق، أخرج له البخاري تعليقاً، ومسلم ، وأصحاب السنن.

    [ عن جابر بن سمرة ].

    جابر بن سمرة رضي الله عنه قد مر ذكره.

    وهذا الحديث من الرباعيات، وهي أعلى ما يكون عند أبي داود رحمه الله، فـموسى بن إسماعيل يروي عن حماد بن سلمة ، وحماد يروي عن سماك بن حرب ، وسماك بن حرب يروي عن جابر بن سمرة ، فهو رباعي.

    شرح حديث (كان رسول الله إذا دحضت الشمس صلى الظهر وقرأ بنحو من (والليل إذا يغشى)...)

    قال المصنف رحمه الله تعالى: [ حدثنا عبيد الله بن معاذ حدثنا أبي حدثنا شعبة عن سماك أنه سمع جابر بن سمرة رضي الله عنهما أنه قال: (كان رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا دحضت الشمس صلى الظهر، وقرأ بنحو من: وَاللَّيْلِ إِذَا يَغْشَى [الليل:1]، والعصر كذلك، والصلوات كذلك إلا الصبح، فإنه كان يطيلها) ].

    أورد أبو داود رحمه الله حديث جابر بن سمرة رضي الله عنه: [ (أن النبي صلى الله عليه وسلم كان إذا دحضت الشمس) ] أي: زالت ومالت إلى جهة المغرب بعد أن كانت في كبد السماء، فالشمس تتجه إلى المغرب، والظل يتجه إلى المشرق، وهو الذي يسمى بالفيء، فيصلي بالناس الظهر في ذلك الوقت، وكان يقرأ بنحو: (والليل إذا يغشى) أي: مثل هذه السورة القصيرة، وهذا في بعض الأحيان كما هو معلوم، وكذلك في بقية الصلوات يقرأ مثل هذه السورة، إلا الفجر فإنه كان يطيل فيها القراءة أكثر من غيرها.

    تراجم رجال إسناد حديث (كان رسول الله إذا دحضت الشمس صلى الظهر، وقرأ بنحو من (والليل إذا يغشى) ...)

    قوله: [ حدثنا عبيد الله بن معاذ ].

    هو عبيد الله بن معاذ بن معاذ العنبري ، ثقة، أخرج حديثه البخاري ومسلم وأبو داود والنسائي .

    [ حدثنا أبي ].

    هو معاذ بن معاذ العنبري ، وهو ثقة، أخرج له أصحاب الكتب الستة.

    [ حدثنا شعبة ].

    شعبة هو ابن الحجاج الواسطي ، ثم البصري وهو ثقة، أخرج له أصحاب الكتب الستة.

    [ عن سماك ، عن جابر ].

    قد مر ذكرهما.

    شرح حديث (أن النبي سجد في صلاة الظهر، ثم قام فركع، فرأينا أنه قرأ (تنزيل السجدة) ..)

    قال المصنف رحمه الله تعالى: [ حدثنا محمد بن عيسى ، حدثنا معتمر بن سليمان ويزيد بن هارون وهشيم ، عن سليمان التيمي ، عن أمية ، عن أبي مجلز عن ابن عمر رضي الله عنهما (أن النبي صلى الله عليه وسلم سجد في صلاة الظهر، ثم قام فركع، فرأينا أنه قرأ تَنزِيلُ [السجدة:2] السجدة) .

    قال ابن عيسى : لم يذكر أمية أحدٌ إلا معتمر ].

    أورد أبو داود حديث ابن عمر رضي الله تعالى عنهما: أن النبي صلى الله عليه وسلم صلى بهم الظهر فسجد، ثم قام وركع، فظنوا أنه قرأ (الم) السجدة، وهذا فيه إشارة إلى مقدار القراءة، وقد مر حديث أبي سعيد أنهم حزروا قراءته في الظهر فكانت ثلاثين آية على قدر (الم) السجدة، وهذا الحديث فيه: أنه قرأ في الظهر وأنه سجد سجود التلاوة، وقام، ثم ركع بعد قيامه صلى الله عليه وسلم، والإتيان بالحديث من أجل مقدار القراءة.

    لكن هذا الحديث فيه كلام من حيث ثبوته، وهو دال على أنه يقرأ في السرية سجدة ويسجد بها، والحديث -كما قلنا- متكلم فيه، وقد تكلم فيه الألباني بأنه منقطع، وأنه غير صحيح، ثم كونه يسجد في الصلاة السرية قد يشوش على الناس من جهة أنهم يظنون أنه ناسٍ، وأنه بدلاً من أن يركع سجد، فيقولون: سبحان الله، سبحان الله. فالسجود إنما يكون في الصلاة الجهرية، وأما الصلاة السرية فالسجود فيها يترتب عليه تشويش على المصلين، ولو ثبت ذلك عن رسول الله صلى الله عليه وسلم لكان حجة، ولكن حيث إنه لم يثبت فإن عدم سجود التلاوة في الصلاة السرية هو الذي ينبغي؛ لما يترتب على السجود من التشويش.

    تراجم رجال إسناد حديث (أن النبي سجد في صلاة الظهر، ثم قام فركع، فرأينا أنه قرأ (تنزيل السجدة) ..)

    قوله: [ حدثنا محمد بن عيسى ].

    هو: محمد بن عيسى الطباع ، وهو ثقة أخرج له البخاري تعليقاً، وأبو داود والترمذي في (الشمائل)، والنسائي ، وابن ماجة .

    [ عن أبي مجلز ].

    هو لاحق بن حميد، وهو ثقة، أخرج له أصحاب الكتب الستة.

    [ حدثنا معتمر بن سليمان ].

    هو: معتمر بن سليمان التيمي ، وهو ثقة، أخرج له أصحاب الكتب الستة.

    [ ويزيد بن هارون ].

    هو: يزيد بن هارون الواسطي ، ثقة، أخرج له أصحاب الكتب الستة.

    [ وهشيم ].

    هو: ابن بشير الواسطي أيضاً، وهو ثقة، أخرج له أصحاب الكتب الستة.

    [ عن سليمان التيمي ].

    هو: سليمان بن طرخان التيمي ، ثقة، أخرج له أصحاب الكتب الستة.

    [ عن أمية ].

    هو مجهول، أخرج له أبو داود وحده.

    [ عن أبي مجلز ].

    هو لاحق بن حميد ، ثقة، أخرج له أصحاب الكتب.

    [ عن ابن عمر ].

    هو عبد الله بن عمر بن الخطاب رضي الله تعالى عنهما، أحد العبادلة الأربعة من أصحاب النبي عليه الصلاة والسلام، وأحد السبعة المعروفين بكثرة الحديث عن النبي صلى الله عليه وسلم.

    قوله: [ قال ابن عيسى : لم يذكر أمية أحد إلا معتمر ].

    أي: قال ابن عيسى -وهو شيخ أبي داود- : لم يذكر أمية إلا معتمر ، أي: من شيوخه الثلاثة؛ لأن محمد بن عيسى في هذا الحديث له ثلاثة شيوخ: الأول: معتمر بن سليمان والثاني: يزيد بن هارون ، والثالث: هشيم بن بشير ، والذي ذكر أمية هو شيخه الأول، وأما الآخران فإنما ذكرا رواية سليمان التيمي عن أبي مجلز ، وليس هناك واسطة.

    شرح حديث ابن عباس وقد سئل (أكان رسول الله يقرأ في الظهر والعصر؟ فقال لا ...)

    قال المصنف رحمه الله تعالى: [ حدثنا مسدد حدثنا عبد الوارث عن موسى بن سالم حدثنا عبد الله بن عبيد الله قال: (دخلت على ابن عباس في شباب من بني هاشم، فقلنا لشاب منا: سل ابن عباس: أكان رسول الله صلى الله عليه وسلم يقرأ في الظهر والعصر؟ فقال: لا لا، فقيل له: فلعله كان يقرأ في نفسه، فقال: خمشاً! هذه شر من الأولى، كان عبداً مأموراً بلغ ما أرسل به، وما اختصنا دون الناس بشيء إلا بثلاث خصال: أمرنا أن نسبغ الوضوء، وأن لا نأكل الصدقة، وأن لا ننزي الحمار على الفرس) ].

    أورد أبو داود حديث ابن عباس أنه سئل عن الرسول صلى الله عليه وسلم هل كان يقرأ في الظهر والعصر؟ فقال: لا، قيل: فلعله كان يقرأ في نفسه، فقال: [ خمشاً ]، وهي كلمة دعاء على السائل، ثم قال [ هذه شر من الأولى ]، يعني: شرّ من السؤال الأول، [ كان رسول الله عبداً مأموراً بلغ ما أرسل به ]، أي أن ابن عباس ما علم أنه كان يقرأ، وقد مر في الحديث: (ما أسمعناه أسمعناكم إياه، وما أخفاه علينا أخفينا عليكم) ، وهذا فيه أن ابن عباس ينفي أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يقرأ، وسيأتي في الرواية التي بعدها أنه كان يشك هل كان يقرأ أو لا يقرأ، ولكن الإثبات قد جاء عن غيره من الصحابة، وجاء عنه -أيضاً- ما يوافق رواية الجماعة، وهي رواية الإثبات، وعلى هذا فإن القراءة في صلاة الظهر والعصر ثابتة عن رسول الله صلى الله عليه وسلم، وقد عرفنا أن من الأدلة على ذلك أنه كان يسمعهم الآية أحياناً، وأنهم كانوا يستدلون على ذلك باضطراب لحيته، وكذلك -أيضاً- حديث أبي سعيد أنهم حزروا قراءته صلى الله عليه وسلم في الظهر بثلاثين آية، أي: في كل ركعة من ركعات الصلاة.

    يقول عبد الله بن عبيد الله، وهو ابن عبيد الله بن عباس [ دخلت على ابن عباس في شباب من بني هاشم ] أي: مجموعة من شباب بني هاشم، وهو واحد منهم.

    قوله: [ فقلنا لشاب منا ] أي: لواحد من هؤلاء الشباب [ سل ابن عباس: أكان رسول الله صلى الله عليه وسلم يقرأ في صلاة الظهر والعصر؟ فقال: لا، فقيل له: فلعله كان يقرأ في نفسه، فقال: خمشاً ] أي: دعا عليه بأن يخمش وجهه، ويحصل له شيء من هذا السوء، وهذا يقال في حالة الإنكار، وهو مثل بعض العبارات التي تذكر ولا يراد ظاهرها، مثل: (عقرى حلقى)، و(تربت يداك)، و(ثكلتك أمك)، وما إلى ذلك من الألفاظ.

    قوله: [ وما اختصنا ] أي: بني هاشم [ دون الناس بشيء ] أي: نتميز به.

    [ إلا بثلاث خصال: أمرنا أن نسبغ الوضوء ].

    قوله: [ أمرنا بأن نسبغ الوضوء ] إسباغ الوضوء يكون بإبلاغه إلى ثلاث غسلات، ويكون بالدلك، ويكون -أيضاً- بالمبالغة في إيصال الماء إلى العضد، فهذا كله يدخل تحت الإسباغ، لكنّ ذلك لا يختص ببني هاشم، فقد جاء عن الرسول صلى الله عليه وسلم أنه قال: (أسبغ الوضوء، وبالغ في الاستنشاق إلا أن تكون صائماً)، وهذا حكم عام.

    وأما الخصلة الثانية فهي قوله: [ وأن لا نأكل الصدقة ] وهذا خاص ببني هاشم.

    والخصلة الثالثة قوله: [ وأن لا ننزي الحمار على الفرس ] وهذا لا يختص ببني هاشم، بل هذا لهم ولغيرهم، والمقصود من ذلك أن لا ينقطع نسل الخيل التي هي عدة الجهاد في سبيل الله؛ لأنه إذا أنزي الحمار على الفرس يخرج منهما البغل، وليس فيه ما في الفرس من القدرة على الكر والفر الذي يكون في وقت القتال في سبيل الله تعالى، وقد قال عليه الصلاة والسلام: (الخيل معقود في نواصيها الخير إلى يوم القيامة) فإنزاء الحمار على الفرس يكون فيه تولد البغل بينهما، فيؤدي ذلك إلى عدم كثرة نسل الخيل التي هي العدة في الجهاد، والتي فيها الكر والفر أثناء الجهاد في سبيل الله، والحاصل أن هذه الثلاث الخصال واحدة منها مختصة ببني هاشم، والاثنتان الباقيتان ليستا مختصتين بهم.

    وقال بعض أهل العلم: لعل المقصود أن هذه تجب على بني هاشم، فيجب عليهم إسباغ الوضوء، وغيرهم لا يجب عليه ذلك، ويمكن أن يقال: إن هذا هو الذي بلغهم عن رسول الله صلى الله عليه وسلم، وذلك مثلما جاء عن علي رضي الله عنه أنه قال: ما اختصنا بشيء دون الناس إلا فهماً يعطيه الله رجلاً في كتاب الله، وما في هذه الصحيفة. يعني أن ما في هذه الصحيفة ليس خاصاً بهم.

    تراجم رجال إسناد حديث ابن عباس وقد سئل (أكان رسول الله يقرأ في الظهر والعصر؟ فقال لا...)

    قوله: [ حدثنا مسدد حدثنا عبد الوارث ].

    مسدد مر ذكره، وعبد الوارث هو ابن سعيد العنبري، ثقة، أخرج له أصحاب الكتب الستة.

    [ عن موسى بن سالم ].

    موسى بن سالم صدوق، أخرج له أصحاب السنن.

    [ عن عبد الله بن عبيد الله ].

    هو عبد الله بن عبيد الله بن عباس، وهو ثقة، أخرج له أصحاب السنن.

    [ عن ابن عباس ].

    هو عبد الله بن عباس بن عبد المطلب، ابن عم النبي صلى الله عليه وسلم، وأحد العبادلة الأربعة من الصحابة، وأحد السبعة المعروفين بكثرة الحديث عن النبي صلى الله عليه وسلم.

    شرح حديث ابن عباس (لا أدري أكان رسول الله يقرأ في الظهر والعصر أم لا)

    قال المصنف رحمه الله تعالى: [ حدثنا زياد بن أيوب حدثنا هشيم أخبرنا حصين عن عكرمة عن ابن عباس رضي الله عنهما أنه قال: لا أدري أكان رسول الله صلى الله عليه وسلم يقرأ في الظهر والعصر أم لا. ].

    أورد أبو داود هذا الحديث عن ابن عباس ، وقد شك في كون النبي صلى الله عليه وسلم يقرأ في الظهر والعصر، فقال: [ لا أدري أكان رسول الله صلى الله عليه وسلم يقرأ في الظهر والعصر أم لا ]، فهنا شك في ذلك، وأما في الحديث السابق فإنه جزم بأنه ما كان يقرأ.

    تراجم رجال إسناد حديث ابن عباس (لا أدري أكان رسول الله يقرأ في الظهر والعصر أم لا)

    قوله: [ حدثنا زياد بن أيوب ].

    زياد بن أيوب ثقة، أخرج له البخاري وأبو داود والترمذي والنسائي .

    [ حدثنا هشيم ، أخبرنا حصين ].

    هشم هو هشيم بن بشير ، وحصين بن عبد الرحمن ثقة، أخرج له أصحاب الكتب الستة.

    [ عن عكرمة ].

    وعكرمة مولى ابن عباس، وهو ثقة، أخرج له أصحاب الكتب الستة.

    [ عن ابن عباس ].

    قد مر ذكره.

    والله تعالى أعلم.