إسلام ويب

شرح سنن أبي داود [096]للشيخ : عبد المحسن العباد

  •  التفريغ النصي الكامل
  • حرص الصحابة الكرام رضي الله تعالى عنهم على معرفة صلاة النبي صلى الله عليه وسلم حرصاً بالغاً، وروي عنهم عدة من الأحاديث في بيان صفتها، ومن جملة من حكى صلاة النبي صلى الله عليه وسلم أبو حميد الساعدي في حديث عظيم نقل فيه صفة صلاة النبي صلى الله عليه وسلم مبيناً كثيراً من أركانها وواجباتها وسننها.

    1.   

    افتتاح الصلاة

    شرح حديث ( أتيت النبي في الشتاء فرأيت أصحابه يرفعون أيديهم في ثيابهم في الصلاة )

    قال المصنف رحمه الله تعالى:

    [ باب افتتاح الصلاة.

    حدثنا محمد بن سليمان الأنباري حدثنا وكيع عن شريك عن عاصم بن كليب عن علقمة بن وائل عن وائل بن حجر رضي الله عنه أنه قال: (أتيت النبي صلى الله عليه وسلم في الشتاء فرأيت أصحابه يرفعون أيديهم في ثيابهم في الصلاة) ].

    يقول الإمام أبو داود السجستاني رحمه الله تعالى: [ باب افتتاح الصلاة ].

    والترجمة السابقة العامة هي [ تفريع أبواب استفتاح الصلاة ] والمقصود من ذلك هو بيان الأمور التي تتعلق بأول الصلاة، ولكن الأمر لا يقتصر على ذلك؛ لأنه يشمل ذلك ويشمل غيره، وسيأتي بعد هذه الترجمة تفريع أبواب الركوع والسجود، وقد اشتملت هذه التراجم التي أوردها أبو داود في تفريع أبواب استفتاح الصلاة على ما يتعلق بالركوع والسجود وغير ذلك، ولكن المقصود هو ما يكون في أول الصلاة، وقد يسوق الحديث وهو مشتمل على ذلك وعلى غيره، فلا يلزم أن يكون كل ما فيه مقصوراً على استفتاح الصلاة، لكن ما فيه مشتمل على استفتاح الصلاة، وقد يكون مع استفتاح الصلاة أشياء أخرى من أفعال الصلاة غير استفتاح الصلاة، فيكون تبعاً في هذه الترجمة.

    وقد أورد أبو داود رحمه الله تحت هذه الترجمة حديث وائل بن حجر رضي الله تعالى عنه أنه قال: ( أتيت النبي صلى الله عليه وسلم في الشتاء فرأيت أصحابه يرفعون أيديهم في ثيابهم في الصلاة).

    يعني أنهم عندما يكبرون تكبيرة الإحرام والركوع والرفع منه يحركون أيديهم ويرفعونها وهي داخل الثياب، والمقصود من ذلك أن الصلاة تفتتح بالتكبير ويكون التكبير على حسب الحال، سواء أكانت اليدان داخل الثياب أم خارج الثياب.

    تراجم رجال إسناد حديث ( أتيت النبي في الشتاء فرأيت أصحابه يرفعون أيديهم في ثيابهم)

    قوله: [ حدثنا محمد بن سليمان الأنباري ].

    محمد بن سليمان الأنباري ، صدوق، أخرج حديثه أبو داود وحده.

    [ حدثنا وكيع ].

    هو وكيع بن الجراح الرؤاسي الكوفي ، ثقة ، أخرج له أصحاب الكتب الستة.

    [ عن شريك ].

    هو شريك بن عبد الله النخعي الكوفي ، صدوق كثير الخطأ، أخرج حديثه البخاري تعليقاً ومسلم وأصحاب السنن.

    [ عن عاصم بن كليب ].

    هو عاصم بن كليب بن شهاب ، وهو صدوق، أخرج حديثه البخاري تعليقاً ومسلم وأصحاب السنن.

    [ عن علقمة بن وائل ].

    هو علقمة بن وائل بن حجر ، وهو صدوق، أخرج حديثه البخاري في رفع اليدين ومسلم وأصحاب السنن.

    [ عن وائل بن حجر ]

    هو وائل بن حجر صاحب رسول الله صلى الله عليه وسلم، وحديثه أخرجه البخاري في جزء القراءة، ومسلم وأصحاب السنن.

    شرح حديث ( كان رسول الله إذا قام إلى الصلاة يرفع يديه ... )

    قال المصنف رحمه الله تعالى: [ حدثنا أحمد بن حنبل حدثنا أبو عاصم الضحاك بن مخلد ، ح: وحدثنا مسدد حدثنا يحيى -وهذا حديث أحمد - قال: أخبرنا عبد الحميد -يعني ابن جعفر - أخبرني محمد بن عمرو بن عطاء قال: سمعت أبا حميد الساعدي رضي الله عنه في عشرة من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم منهم أبو قتادة رضي الله عنه، قال أبو حميد : أنا أعلمكم بصلاة رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم. قالوا: فلم؟! فوالله ما كنت بأكثرنا له تبعةً ولا أقدمنا له صحبة. قال: بلى، قالوا: فاعرض. قال: (كان رسول الله صلى الله عليه وآله سلم إذا قام إلى الصلاة يرفع يديه حتى يحاذي بهما منكبيه، ثم يكبر حتى يقر كل عظم في موضعه معتدلا، ثم يقرأ، ثم يكبر فيرفع يديه حتى يحاذي بهما منكبيه، ثم يركع ويضع راحتيه على ركبتيه، ثم يعتدل فلا يصب رأسه ولا يقنع، ثم يرفع رأسه فيقول: سمع الله لمن حمده. ثم يرفع يديه حتى يحاذي بهما منكبيه معتدلاً، ثم يقول: الله أكبر. ثم يهوي إلى الأرض فيجافي يديه عن جنبيه، ثم يرفع رأسه ويثني رجله اليسرى فيقعد عليها ويفتح أصابع رجليه إذا سجد، ويسجد ثم يقول: الله أكبر. ويرفع رأسه ويثني رجله اليسرى فيقعد عليها حتى يرجع كل عظم إلى موضعه، ثم يصنع في الأخرى مثل ذلك، ثم إذا قام من الركعتين كبر ورفع يديه حتى يحاذي بهما منكبيه كما كبر عند افتتاح الصلاة، ثم يصنع ذلك في بقية صلاته، حتى إذا كانت السجدة التي فيها التسليم أخر رجله اليسرى وقعد متوركاً على شقه الأيسر. قالوا: صدقت، هكذا كان يصلي صلى الله عليه وآله وسلم) ].

    توجيه مدح أبي حميد الساعدي نفسه ودلالته

    أورد أبو داود حديث أبي حميد الساعدي رضي الله عنه أنه كان في جماعة من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم قدرهم عشرة أشخاص من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم، فقال أبو حميد : أنا أعلمكم بصلاة رسول الله صلى الله عليه وسلم. وهذا فيه جواز مدح الإنسان نفسه ليؤخذ عنه العلم وليحرص على أخذ ما عنده، هذا هو مقصود أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم من ذكر مثل هذا الكلام، وأنهم يريدون أن يؤخذ ما عندهم، وأن يهتم بأخذ ما عندهم حتى يعرف الآخذون عنهم سنة رسول الله صلى الله عليه وسلم فيعملون بها، وفي ذلك تحقيق وتطبيق لقول الرسول صلى الله عليه وسلم: (نضرَّ الله امرأً سمع مقالتي فوعاها وأداها كما سمعها، فرب مبلغ أوعى من سامع، ورب حامل فقه إلى من هو أفقه منه).

    فكان أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم ورضي الله عنهم وأرضاهم حريصين على الأخذ من رسول الله عليه الصلاة والسلام، وكانوا -أيضاً- حريصين على أن يؤخذ عنهم العلم وأن تتلقى عنهم السنن، ويأتون بالكلام الذي يرغب في ذلك ويحفز الهمم على تلقي الحديث عنهم، كما فعل أبو حميد رضي الله عنه حيث قال: [ أنا أعلمكم بصلاة رسول الله صلى الله عليه وسلم ]. يريد من ذلك أن يعتنى بأخذ ما عنده؛ لأنه يتحدث عن علم وعن بصيرة وعن معرفة تامة، حيث قال: [ أنا أعلمكم بصلاة رسول الله صلى الله عليه وسلم ] فلم يكن من الحاضرين إلا أن قالوا: ولم ذلك؟ لست أكثرنا له صحبة ولا أكثرنا له اتباعاً. ثم قالوا: اعرض علينا ما عندك. فعرض عليهم صفة صلاة رسول الله صلى الله عليه وسلم، فأقروا له بذلك، وقالوا: إن هذه هي كيفية صلاة رسول الله صلى الله عليه وسلم.

    شرح ألفاظ الحديث

    قوله: [ (كان رسول الله صلى الله عليه وآله سلم إذا قام إلى الصلاة يرفع يديه حتى يحاذي بهما منكبيه) ].

    يعني: عند التكبير حال الدخول في الصلاة.

    قوله: [ (ثم يكبر) ].

    يعني أنه عند هذه الهيئة يحصل منه التكبير وهو رافع يديه، وليس معنى ذلك أنه يرفع يديه ثم ينزلهما ثم يكبر، وإنما يكون التكبير مع رفع اليدين مصاحباً لهما، فيكبر تكبيرة الإحرام التي يكون بها تحريم الصلاة، كما قال عليه الصلاة والسلام: (تحريمها التكبير وتحليلها التسليم).

    قوله: (حتى يقر كل عظم في موضعه معتدلا، ثم يقرأ) ].

    يعني أنه يكبر وقد رفع يديه ثم يضعهما حتى يقر كل عظم في موضعه، ثم يبدأ بالقراءة، فعندما يرفع ثم يضع يديه ويكون قد استقر كل عظم على ما هو عليه عند ذلك يبدأ بالقراءة.

    قوله: [ (ثم يكبر فيرفع يديه حتى يحاذي بهما منكبيه) ].

    يعني أنه يقرأ الفاتحة وما تسير من القرآن، ثم بعد ذلك يرفع يديه ويكبر وهو يهوي إلى الركوع، فيكون معنى هذا أنه عند تكبيرة الإحرام يرفع يديه، وكذلك عند الركوع يرفع يديه.

    قوله: [ (ثم يركع ويضع راحتيه على ركبتيه) ].

    يعني: في حال ركوعه يضع راحتيه على ركبتيه.

    قوله: [ (ثم يعتدل فلا يصب رأسه ولا يقنع) ].

    معنى: [ (ثم يعتدل) ] أي: في ركوعه [ (فلا يصب رأسه) ] يعني: لا يخفضه [ (ولا يقنع) ] أي: لا يرفعه. وقيل: إن ذلك -أيضاً- يأتي بمعنى الخفض، فتقنيع الرأس يطلق على الرفع وعلى الخفض، وأما قوله: [ (يصب رأسه) ] أو (يصوب رأسه) -كما جاء في بعض الألفاظ- فإن المقصود به الخفض، ومعنى ذلك أن رأسه مع امتداد ظهره ليس نازلاً ولا مرتفعاً، وإنما هو مع امتداد ظهره صلى الله عليه وسلم.

    قوله: [ (ثم يرفع رأسه فيقول: سمع الله لمن حمده. ثم يرفع يديه حتى يحاذي بهما منكبيه معتدلا) ].

    أي أنه يرفع من الركوع ويقول: (سمع الله لمن حمده) ويرفع يديه مع ذلك عندما يقوم، فيكون بهذا جاء الرفع في ثلاثة مواضع: في تكبيرة الإحرام والركوع والرفع منه.

    قوله: [ (ثم يقول: الله أكبر. ثم يهوي إلى الأرض فيجافي يديه عن جنبيه) ].

    أي: أنه يكبر عند السجود، وقوله: (فيجافي يديه عن جنبيه) يعني: لا يلصقهما بجنبه، وإنما يجافيهما بحيث يكون معتمداً عليهما، ولا يكون معتمداً على فخذه، وإنما يعتمد على يديه مجافياً لهما عن فخذيه وعن جنبه.

    قوله: [ (ثم يرفع رأسه ويرفع رأسه ويثني رجله اليسرى فيقعد عليها) ].

    هذا الذي يسمى الافتراش في الصلاة، يعني أنه يفترش رجله اليسرى، وافتراش الرجل اليسرى يكون بين السجدتين ويكون في التشهد الأول، أما التشهد الأخير ففيه تورك، وهو الجلوس على وركه وإخراج رجله اليسرى من تحت ساقه اليمنى، ونصب قدمه اليمنى مستقبلاً بأصابعها القبلة..

    قوله: [ (ويفتح أصابع رجليه إذا سجد) ].

    يعني أنه يلينها إذا سجد، بحيث تكون أطرافها إلى القبلة.

    قوله: [ (ويسجد ثم يقول: الله أكبر. ويرفع رأسه ويثني رجله اليسرى فيقعد عليها حتى يرجع كل عظم إلى موضعه) ].

    معناه أنه يطمئن في جلوسه، ويعتدل في جلوسه، لا أنه يجلس ثم يترك الجلوس بسرعة، وإنما لا بد من الاطمئنان، فيطمئن جالسا.

    قوله: [ (ثم يصنع في الأخرى مثل ذلك) ].

    يعني بذلك السجود، أي: سجد في الأخرى مثل ذلك.

    قوله: [ (ثم إذا قام من الركعتين كبر ورفع يديه حتى يحاذي بهما منكبيه كما كبر عند افتتاح الصلاة) ].

    هذا فيه الموضع الرابع من مواضع رفع اليدين في الصلاة، وهو عند القيام من التشهد الأول؛ لقوله: [ (ثم إذا قام من الركعتين) ] ومعناه: إذا قام التشهد الأول.

    قوله: [ (ثم يصنع ذلك في بقية صلاته) ].

    أي: مثلما عمل فيما مضى يعمل في بقية صلاته كذلك.

    قوله: [ (حتى إذا كانت السجدة التي فيها التسليم أخر رجله اليسرى وقعد متوركاً على شقه الأيسر) ].

    يعني بذلك الثلاثية أو الرباعية؛ لأنه ذكر أنه يقوم من الركعتين ويكبر.

    فالصلاة الثنائية كالفجر ليس فيها إلا الافتراش، وكذلك النوافل ليس فيها إلا الافتراش، ولكن الصلاة الرباعية أو الثلاثية التشهد الأول منها فيه افتراش والتشهد الأخير فيه تورك، فلهذا ذكر القيام من التشهد الأول، والقيام من الركعتين، وأنه يرفع يديه عندما يقوم، وأنه يفعل في صلاته مثلما فعل في الأول، ثم إذا قام من السجدة التي بعدها السلام في الثلاثية أو الرباعية فإنه يتورك، أي: يخرج رجله اليسرى من تحت ساقه اليمنى ويجعل وركه على الأرض، بخلاف ما مضى فإنه يفترش رجله ويجلس عليها، فلا يجلس على الأرض وإنما يجلس على رجله، أما التورك فهو الاعتماد بالورك على الأرض، والافتراش هو الجلوس على القدم مفترشاً لها، والتورك إنما يكون في الصلاة الثلاثية أو الرباعية في التشهد الأخير، كما جاء في حديث أبي حميد الساعدي هذا.

    قوله: [ (حتى إذا كانت السجدة التي فيها التسليم أخر رجله اليسرى وقعد متوركاً على شقه الأيسر) ].

    قوله: [ (أخر رجله اليسرى) ] معناه أنه قدمها، فبدلاً من أن يجلس عليها مثل التشهد الأول وما بين السجدتين أخرها إلى جهة اليسار بحيث تخرج من تحت ساقه، ويجلس على وركه معتمداً عليه.

    قوله: [ (قالوا: صدقت، هكذا كان يصلي صلى الله عليه وسلم) ].

    يعني: أقروا له بأن هذا الذي حكاه موافق للشيء الذي يعلمونه ويعرفونه من صلاة رسول الله صلى الله عليه وسلم، وعلى هذا فهذه الكيفية جاءت عن أبي حميد ، وكذلك أقره جماعة من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم على أن هذه الكيفية هي كيفية صلاته صلى الله عليه وسلم ورضي الله تعالى عن أصحابه الكرام.

    تراجم رجال إسناد حديث ( كان رسول الله إذا قام إلى الصلاة يرفع يديه ... )

    قوله: [ حدثنا أحمد بن حنبل ].

    هو أحمد بن محمد بن حنبل الإمام الفقيه المحدث المشهور، أحد أصحاب المذاهب الأربعة المشهورة من مذاهب أهل السنة، وحديثه أخرجه أصحاب الكتب الستة.

    [ حدثنا أبو عاصم الضحاك بن مخلد ].

    أبو عاصم الضحاك بن مخلد هو أبو عاصم النبيل ، ثقة، أخرج له أصحاب الكتب الستة، وهو من كبار شيوخ البخاري ، ويروي عنه البخاري جملة من الثلاثيات؛ لأنه من أتباع التابعين.

    [ ح: وحدثنا مسدد ].

    قوله: (ح) هو للتحول من إسناد إلى إسناد.

    ومسدد هو مسدد بن مسرهد البصري ، ثقة، أخرج له البخاري وأبو داود والترمذي والنسائي .

    [ حدثنا يحيى ].

    هو ابن سعيد القطان البصري ، ثقة، أخرج له أصحاب الكتب الستة.

    قوله: [ وهذا حديث أحمد ].

    يعني: هذا السياق حديث أحمد ، أي: في الإسناد الأول.

    قوله: [ قال: أخبرنا عبد الحميد -يعني ابن جعفر - ].

    عبد الحميد بن جعفر صدوق ربما وهم، أخرج له البخاري تعليقاً ومسلم وأصحاب السنن.

    [ أخبرني محمد بن عمرو بن عطاء ].

    محمد بن عمرو بن عطاء ثقة، أخرج له أصحاب الكتب الستة.

    [ قال: سمعت أبا حميد الساعدي

    هو عبد الرحمن بن سعد بن المنذر رضي الله تعالى عنه، وقد اختلف في اسمه, أخرج حديثه أصحاب الكتب الستة.

    شرح حديث ( ... فإذا ركع أمكن كفيه من ركبتيه وفرج بين أصابعه... )

    قال المصنف رحمه الله تعالى: [ حدثنا قتيبة بن سعيد حدثنا ابن لهيعة عن يزيد -يعني ابن أبي حبيب - عن محمد بن عمرو بن حلحلة عن محمد بن عمرو العامري أنه قال: كنت في مجلس من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وآله سلم فتذاكروا صلاة رسول الله صلى الله عليه وآله سلم، فقال: أبو حميد رضي الله عنه... فذكر بعض هذا الحديث وقال (فإذا ركع أمكن كفيه من ركبتيه وفرج بين أصابعه، ثم هصر ظهره غير مقنع رأسه ولا صافح بخده، وقال: فإذا قعد في الركعتين قعد على بطن قدمه اليسرى ونصب اليمنى، فإذا كان في الرابعة أفضى بوركه اليسرى إلى الأرض وأخرج قدميه من ناحية واحدة) ].

    أورد أبو داود رحمه الله حديث أبي حميد من طريق أخرى، وهو مثل الذي قبله، إلا أنه أخصر مما تقدم.

    قوله: [ (فإذا ركع أمكن كفيه من ركبتيه) ] يعني أنَّه وضع كفيه على ركبتيه وفرج بين أصابعه.

    قوله: [ (ثم هصر ظهره) ].

    يعني أنه خفضه حتى يكون مساوياً لرأسه.

    قوله: [ (غير مقنع رأسه) ] يعني: غير رافع له، ولفظ (مقنع) يصلح للرفع وللخفض؛ لأنه من المشترك المتضاد.

    [ (ولا صافح بخده) ] معناه أنه غير مبين لصفحته، والمراد أن رأسه مستقيم ليس مائلاً بحيث تكون صفحة منه نازلة وصفحة مرتفعة.

    قوله: [ وقال: (فإذا قعد في الركعتين قعد على بطن قدمه اليسرى ونصب اليمنى) ].

    يعني: في التشهد الأول، أي: جلس مفترشاً.

    قوله: [ (فإذا كان في الرابعة أفضى بوركه اليسرى إلى الأرض وأخرج قدميه من ناحية واحدة) ]. يعني الركعة الرابعة، فإنه يفضي بقدمه اليسرى إلى جهة يمينه ويعتمد على وركه، وتصير الرجلان كلتاهما من جهة اليمين، فاليمنى هي في الأصل من جهة اليمين، واليسرى -أيضاً- صارت من جهة اليمين؛ لأنها خرجت من تحت الساق اليمنى؛ لأنه إذا كان جالساً عليها صارت تحته، ولكن إذا جلس على وركه أخرها إلى جهة اليمين حتى تخرج من تحت الساق اليمنى.

    تراجم رجال إسناد حديث ( ... فإذا ركع أمكن كفيه من ركبتيه وفرج بين أصابعيه ... )

    قوله: [ حدثنا قتيبة بن سعيد ].

    هو قتيبة بن سعيد بن جميل بن طريف البغلاني ، ثقة، أخرج له أصحاب الكتب الستة.

    [ حدثنا ابن لهيعة ]

    هو ابن لهيعة عبد الله بن لهيعة المصري ، وهو صدوق اختلط لما احترقت كتبه ، وحديثه أخرجه مسلم وأبو داود والترمذي وابن ماجة.

    أما النسائي فما كان يحدث عنه.

    وقد روى عنه قتيبة بن سعيد ، وقتيبة كان من المعمرين فأدركه إدراكاً بيناً، وذكر الشيخ الألباني في السلسلة أن قتيبة روى عن ابن لهيعة قبل الاختلاط.

    فعلى هذا تكون رواية ابن لهيعة هنا ليس فيها شيء.

    [ عن يزيد -يعني ابن أبي حبيب - ].

    يزيد بن أبي حبيب ثقة يرسل ويدلس، وحديث أخرجه أصحاب الكتب الستة.

    [ عن محمد بن عمرو بن حلحلة ].

    محمد بن عمرو بن حلحلة ثقة، أخرج حديثه البخاري ومسلم وأبو داود والنسائي .

    [ عن محمد بن عمرو العامري ].

    محمد بن عمرو العامري هو محمد بن عمرو بن عطاء الذي مر في الإسناد الذي قبل هذا عن أبي حميد .

    شرح حديث ( ... فإذا سجد وضع يديه غير مفترش ولا قابضهما .... )

    قال المصنف رحمه الله تعالى: [ حدثنا عيسى بن إبراهيم المصري حدثنا ابن وهب عن الليث بن سعد عن يزيد بن محمد القرشي ويزيد بن أبي حبيب عن محمد بن عمرو بن حلحلة عن محمد بن عمرو بن عطاء نحو هذا، قال: (فإذا سجد وضع يديه غير مفترش ولا قابضهما، واستقبل بأطراف أصابعه القبلة) ].

    أورد هنا حديث أبي حميد من طريق أخرى، وهو مثل ما تقدم إلا أنه ذكره مختصراً.

    قوله: [ (إذا سجد وضع يديه غير مفترش) ].

    يعني: (وضع يديه) على الأرض معتمداً عليهما غير مفترش لهما، بمعنى أنه لا يفرشهما على الأرض مثل افتراش الكلب الذي جاء النهي عنه، فالمصلي لا يفترش يديه، وإنما يضعهما على الأرض معتمداً عليهما مع مجافاتهما عن جنبيه بحيث يكون معتمداً عليهما.

    قوله: [ (ولا قابضهما) ].

    يعني: ليس مفترشاً ولا قابضاً لهما، ويمكن أن يكون المراد بالقبض أنَّه يقبض يديه بدلاً من أن يبسطهما، أو أنه يقبضهما إلى جنبه.

    فعلى الساجد أن يجافي بينهما وبين جنبيه، بحيث يكون معتمداً عليهما، أي: معتمداً على الكفين لا على الكفين والذراعين، وهي هيئة افتراش الكلب.

    قوله: [ (واستقبل بأطراف أصابعه القبلة) ].

    يعني أصابع اليدين، فعند سجوده تكون أطرافهما مستقبلة القبلة.

    تراجم رجال إسناد حديث ( ... فإذا سجد وضع يديه غير مفترش ولا قابضهما ... )

    قوله: [ حدثنا عيسى بن إبراهيم المصري ].

    عيسى بن إبراهيم المصري ثقة، أخرج له أبو داود والنسائي.

    [ حدثنا ابن وهب ].

    هو عبد الله بن وهب المصري ، ثقة فقيه، أخرج له أصحاب الكتب الستة.

    [ عن الليث بن سعد ].

    هو الليث بن سعد المصري ، ثقة فقيه ، أخرج له أصحاب الكتب الستة.

    [ عن يزيد بن محمد القرشي ].

    يزيد بن محمد القرشي ثقة، أخرج له البخاري وأبو داود والنسائي.

    [ ويزيد بن أبي حبيب عن محمد بن عمرو بن حلحلة عن محمد بن عمرو بن عطاء ].

    قد مر ذكرهم جميعاً.

    شرح حديث ( ثم رفع رأسه .... فقال سمع الله لمن حمده )

    قال المصنف رحمه الله تعالى: [ حدثنا علي بن الحسين بن إبراهيم حدثنا أبو بدر حدثني زهير أبو خيثمة حدثنا الحسن بن الحر حدثني عيسى بن عبد الله بن مالك عن محمد بن عمرو بن عطاء أحد بني مالك عن عباس -أو عياش بن سهل الساعدي - أنه كان في مجلس فيه أبوه -وكان من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم- وفي المجلس أبو هريرة وأبو حميد الساعدي وأبو أسيد بهذا الخبر يزيد أو ينقص، قال فيه: (ثم رفع رأسه -يعني: من الركوع- فقال: سمع الله لمن حمده، اللهم ربنا لك الحمد. ورفع يديه ثم قال: الله أكبر. فسجد فانتصب على كفيه وركبتيه وصدور قدميه وهو ساجد، ثم كبر فجلس فتورك ونصب قدمه الأخرى، ثم كبر فسجد، ثم كبر فقام ولم يتورك) ثم ساق الحديث، قال: (ثم جلس بعد الركعتين، حتى إذا هو أراد أن ينهض للقيام قام بتكبيرة، ثم ركع الركعتين الأخريين) ولم يذكر التورك في التشهد ].

    قوله: [ بهذا الخبر ] يعني: عن أبي حميد .

    قوله: [ عن محمد بن عمرو بن عطاء أحد بني مالك عن عباس أو عياش بن سهل الساعدي ].

    يعني أن محمد بن عمرو بن عطاء بينه وبين أبي حميد في هذا الإسناد واسطة، وأما في الأحاديث التي مرت فكان يروي عن أبي حميد ، بل إنه صرح بالسماع منه فقال: سمعت أبا حميد الساعدي يحدث. وعلى هذا فهذه الواسطة التي ذكرت هنا إما أن تكون من المزيد في متصل الأسانيد، وإما أن يكون محمد بن عمرو بن عطاء رواه بواسطة وبغير واسطة.

    ويمكن أن يكون حصله أولاً نازلاً ثم ظفر به عالياً، وهذا إذا لم يكن من المزيد في متصل الأسانيد، وأما إذا كان من المزيد في متصل الأسانيد فمعناه أن محمد بن عمرو بن عطاء يروي عن أبي حميد مباشرة، وتكون تلك الزيادة وهماً، وهي التي هي يسمونها (المزيد في متصل الأسانيد) فيحتمل هذا ويحتمل هذا، يحتمل أن يكون من المزيد ويحتمل أن يكون مما حصله نازلاً أولاً ثم ظفر به عالياً.

    [ (ثم رفع رأسه -يعني من الركوع- وقال: سمع الله لمن حمده، اللهم ربنا لك الحمد) ] المراد بذلك التسميع والتحميد.

    قوله: [ (ورفع يديه ثم قال الله أكبر. فسجد فانتصب على كفيه وركبتيه وصدور قدميه وهو ساجد) ].

    أي أنَّه اعتمد على ستة أعضاء، ومع ذلك العضو السابع الذي هو الجبهة والأنف.

    قوله: [ ( ثم كبر فجلس وتورك ) ] معناه أنه بين السجدتين تورك، وهذا يخالف الروايات السابقة التي فيها الافتراش، وليس التورك، وأن التورك إنما يكون في التشهد الأخير كما مر في الرواية السابقة حيث قال: (فلما كان من السجدة الرابعة أخر رجله اليسرى وجلس على وركه) فهذا مخالف لما تقدم من الروايات التي فيها أنه بين السجدتين يفترش ولا يتورك.

    قوله: [ (ثم كبر فسجد) ].

    أي: السجدة الثانية.

    وقوله: [ (ثم كبر وقام ولم يتورك) ] معناه أنه ما جلس، لكن جاء في بعض الأحاديث الجلسة التي يسمونها جلسة الاستراحة، وهي بعد الوتر في الصلاة، بعد السجدة الثانية من الركعة الأولى أو الثالثة، فقوله: [ (ولم يتورك) ] يعني جلسة الاستراحة بعد السجود، يعني أنه قام ولم يتورك إذا كان يقصد الاستراحة؛ لأنه لا يزال في الركعة الأولى، ومن المعلوم أنه ليس هناك في الأولى إلا جلسة الاستراحة، والتشهد لم يذكر بعد.

    قوله: [ (ثم جلس بعد الركعتين) ] يعني التشهد الأول.

    قوله: [ (حتى إذا هو أراد أن ينهض إلى القيام قام بتكبيرة) ] يعني أنه يقوم من التشهد الأول مكبراً، ويرفع يديه كما سبق أن مر بنا.

    قوله: [ (ثم ركع الركعتين الأخريين) ولم يذكر التورك في التشهد ].

    لعله يعني التشهد الأخير، وكذلك في التشهد الأول ما ذكر شيئاً فيما مضى، ولكن التورك ثابت في التشهد الأخير، والافتراش في التشهد الأول وبين السجدتين.

    تراجم رجال إسناد حديث ( ثم رفع رأسه ... فقال سمع الله لمن حمده )

    قوله: [ حدثنا علي بن الحسين بن إبراهيم ].

    علي بن الحسين بن إبراهيم صدوق، أخرج له أبو داود وابن ماجة .

    : [ حدثنا أبو بدر ].

    هو شجاع بن الوليد السكوني ، صدوق له أوهام، أخرج له أصحاب الكتب الستة.

    [ حدثني زهير أبي خيثمة ].

    هو زهير بن معاوية أبو خيثمة ، ثقة، أخرج له أصحاب الكتب الستة.

    [ حدثنا الحسن بن الحر ].

    الحسن بن الحر ثقة، أخرج له أبو داود والنسائي .

    [ حدثني عيسى بن عبد الله بن مالك ].

    عيسى بن عبد الله بن مالك مقبول، أخرج حديثه أبو داود والنسائي وابن ماجة .

    [ عن محمد بن عمرو بن عطاء أحد بني مالك ].

    امحمد بن عمرو بن عطاء مر ذكره.

    [ عن عباس أو عياش بن سهل الساعدي ].

    هو ثقة، أخرج له أصحاب الكتب الستة إلا النسائي .

    والحديث فيه عيسى بن عبد الله ، وهو مقبول، ففي حديثه ما وافق الروايات السابقة وله شواهد، وما كان مخالفاً لها لا يعول عليه، مثل ذكر التورك بين السجدتين.

    شرح حديث ( ... ثم ركع فوضع يديه على ركبتيه كأنه قابض عليهما ... )

    قال المصنف رحمه الله تعالى: [ حدثنا أحمد بن حنبل حدثنا عبد الملك بن عمرو أخبرني فليح حدثني عباس بن سهل قال: اجتمع أبو حميد وأبو أسيد وسهل بن سعد ومحمد بن مسلمة فذكروا صلاة رسول الله صلى الله عليه وآله سلم، فقال أبو حميد : أنا أعلمكم بصلاة رسول الله صلى الله عليه وآله سلم. فذكر بعض هذا، قال: (ثم ركع فوضع يديه على ركبتيه كأنه قابض عليهما، ووتر يديه فتجافى عن جنبيه. قال: ثم سجد فأمكن أنفه وجبهته ونحى يديه عن جنبيه ووضع كفيه حذو منكبيه، ثم رفع رأسه حتى رجع كل عظم في موضعه، حتى فرغ، ثم جلس فافترش رجله اليسرى وأقبل بصدر اليمنى على قبلته، ووضع كفه اليمنى على ركبته اليمنى وكفه اليسرى على ركبته اليسرى وأشار بأصبعه).

    قال أبو داود : روى هذا الحديث عتبة بن أبي حكيم عن عبد الله بن عيسى عن العباس بن سهل لم يذكر التورك، وذكر نحو حديث فليح ، وذكر الحسن بن الحر نحو جلسة حديث فليح وعتبة ].

    قوله: [ (وضع يديه على ركبتيه كأنه قابض عليهما) ] يعني: كأنه ممسك بهما.

    قوله: [ (ووتر يديه فتجافى عن جنبي)].

    يعني: جعلهما كالوتر فيه ميلان، أي: لم يكن ملصقاً إياهما على بطنه أو على فخذيه، وإنما كان مجافياً لهما عن ذلك.

    قوله: [ (ثم سجد فأمكن أنفه وجبهته ونحى يديه عن جنبيه) ].

    يعني: اعتمد على يديه وجافى بين يديه وجنبيه فلم يعتمد على فخذيه، وإنما اعتمد على يديه مجافياً لهما عن جنبيه.

    قوله: [ (ووضع كفيه حذو منكبيه) ].

    يعني: في السجود.

    قوله: [ (ثم رفع رأسه حتى رجع كل عظم في موضعه) ].

    يعني أنه رفع رأسه من السجود وجلس بين السجدتين حتى استقر واعتدل واطمأن.

    قوله: [ (حتى فرغ ثم جلس فافترش رجله اليسرى) ].

    يعني: حتى فرغ من الركعتين أو من الصلاة إذا كانت ثنائية كالفجر وكالسنن.

    قوله: [ (ثم جلس فافترش رجله اليسرى وأقبل بصدر اليمنى على قبلته ووضع كفه اليمنى على ركبته اليمنى) ].

    يعني أنه جعل صدر رجله اليمنى إلى القبلة بحيث جعل أصابعها إلى القبلة.

    قوله: [ (وكفه اليسرى على ركبته اليسرى وأشار بأصبعه) ].

    أي: وضع اليد اليسرى على الفخذ اليسرى، واليمنى على الفخذ اليمنى، وأشار بأصبعه، يعني: في التشهد.

    تراجم رجال إسناد حديث ( ... ثم ركع فوضع يديه على ركبتيه كأنه قابض عليهما ... )

    قوله: [ حدثنا أحمد بن حنبل ].

    أحمد بن حنبل مر ذكره .

    [ حدثنا عبد الملك بن عمرو ].

    هو أبو عامر العقدي ، وهو ثقة، أخرج له أصحاب الكتب الستة.

    [ أخبرني فليح ]

    هو فليح بن سليمان ، وهو صدوق كثير الخطأ، أخرج له أصحاب الكتب الستة.

    [ حدثني عباس بن سهل ].

    عباس بن سهل قد مر ذكره.

    الرواة المخالفون لمن روى التورك في الجلوس بين السجدتين وتراجمهم

    [ قال أبو داود : روى هذا الحديث عتبة بن أبي حكيم عن عبد الله بن عيسى عن العباس بن سهل لم يذكر التورك ، وذكر نحو حديث فليح ، وذكر الحسن بن الحر نحو جلسة حديث فليح وعتبة ].

    قوله: [ روى هذا الحديث عتبة بن أبي حكيم ] .

    عتبة بن أبي حكيم صدوق يخطئ كثيراً، أخرج له البخاري في (خلق أفعال العباد) وأصحاب السنن.

    [ عن عبد الله بن عيسى ].

    هو ذاك الأول عيسى بن عبد الله بن مالك ، قال ابن حجر في ترجمته: عيسى بن عبد الله وقيل فيه: عبد الله بن عيسى ، ففي اسمه تقديم وتأخير.

    [ عن العباس بن سهل ] .

    مر ذكره.

    قوله: [ لم يذكر التورك ].

    التورك -كما هو معلوم- هو في التشهد الأخير، لكن في الرواية السابقة التي فيها ذلك المقبول ذكر التورك بين السجدتين، لكن هنا ما ذكر التورك، بل ذكر الافتراش.

    قوله: [ وذكر نحو حديث فليح ].

    وهو الحديث الذي بين أيدينا الذي فيه ذكر الافتراش.

    قوله: [ وذكر الحسن بن الحر نحو جلسة حديث فليح وعتبة ].

    الحسن بن الحر مر ذكره.

    وقوله: [ نحو جلسة حديث فليح وعتبة ].

    عتبة بن أبي حكيم صدوق يخطئ كثيراً.

    شرح حديث ( ... وإذا سجد فرج بين فخذيه ... )

    قال المصنف رحمه الله تعالى: [ حدثنا عمرو بن عثمان حدثنا بقية حدثني عتبة حدثني عبد الله بن عيسى عن العباس بن سهل الساعدي عن أبي حميد رضي الله عنه بهذا الحديث قال: (وإذا سجد فرج بين فخذيه غير حامل بطنه على شيء من فخذيه) ].

    قوله: [ (غير حامل بطنه على شيء من فخذيه) ].

    معناه أنه يجافي بطنه عن فخذيه، بحيث لا يكون معتمداً ببطنه على فخذيه، وإنما يكون معتمداً ساجداً على ركبتيه ومجافياً بطنه عن فخذيه، بحيث يكون الاعتماد على الركبتين واليدين، ولا تكون اليدان ملصقتين بالفخذين، ولا يكون البطن -أيضاً- معتمداً على الفخذين.

    تراجم رجال إسناد حديث ( .... وإذا سجد فرج بين فخذيه .... )

    قوله: [ حدثنا عمرو بن عثمان ].

    هو عمرو بن عثمان الحمصي ، وهو صدوق، أخرج له أبو داود والنسائي وابن ماجة.

    [ حدثنا بقية ]

    هو بقية بن الوليد الحمصي ، وهو صدوق كثير التدليس عن الضعفاء، أخرج حديثه البخاري تعليقاً ومسلم وأصحاب السنن.

    [ حدثني عتبة حدثني عبد الله بن عيسى عن العباس بن سهل الساعدي عن أبي حميد ].

    هؤلاء جميعاً قد مر ذكرهم.

    [ قال أبو داود : رواه ابن المبارك : حدثنا فليح سمعت عباس بن سهل يحدث فلم أحفظه، فحدثنيه -أراه ذكر عيسى بن عبد الله - أنه سمعه من عباس بن سهل قال: حضرت أبا حميد الساعدي ... بهذا الحديث.

    قوله: [ رواه ابن المبارك ].

    هو عبد الله بن المبارك المروزي ، ثقة، أخرج له أصحاب الكتب الستة.

    [ حدثنا فليح سمعت عباس بن سهل ].

    مر ذكرهما.

    [ فحدثنيه -أراه ذكر عيسى بن عبد الله - ].

    عيسى بن عبد الله مر ذكره كذلك.

    [ أنه سمعه من عباس بن سهل قال: حضرت أبا حميد ].

    قد مر ذكرهما.

    1.   

    الأسئلة

    اتخاذ المصلي المسبوق السترة بعد سلام الإمام

    السؤال: هل على المصلي المسبوق بعد سلام الإمام أن يقرب إلى الجدار أو شيء غيره سترةً له؟

    الجواب: نعم له ذلك، فإذا كان المكان قريباً وقرب فلا بأس بذلك.

    حكم الاستتار في الصلاة بالجالس

    السؤال: هل يجوز لأحد أن يجعل الشخص الجالس أمامه سترة له؟

    الجواب: يمكن؛ لأن الصف الثاني سترتهم الصف الأول، وإذا ذهب الجالس يبقى بدون سترة.

    النيابة في الحج عمن ليس عنده قدرة مالية

    السؤال: والديّ ليس عندهما قدرة مالية على الحج والعمرة، فهل يجوز لي أن أعتمر عنهما أو أحج؟

    الجواب: الحي لا يحج عنه إلا في إحدى حالتين: أن يكون هرماً كبيراً لا يستطيع السفر والركوب، الثانية: أن يكون مريضاً مرضاً لا يرجى برؤه. فهذان هما اللذان يحج عنهما ويعتمر، وإذا كانا غير قادرين وأنت غير قادر فلا يكلف الله نفساً إلا وسعها، وإذا يسر الله لهما القدرة المالية فعليهما أن يؤديا ما فرضه الله تعالى عليهما.

    معنى الظلم في قوله تعالى (وقد خاب من حمل ظلماً)

    السؤال: ما المقصود بالظلم في قول الله جل وعلا: وَقَدْ خَابَ مَنْ حَمَلَ ظُلْمًا [طه:111] هل هو الشرك أم الظلم عامة؟

    الجواب: الشرك لا شك في أنه أبلغ الظلم وأبطل الباطل، وكذلك الظلم خطير، أعني ظلم الناس، فيبدو -والله أعلم- أنه يشمل الظلم الأكبر، ولكن الخيبة العظيمة التي ليس وراءها سلامة هي دخول النار والخلود فيها، وهذا لا يكون إلا للكفار، وأما غيرهم فإنهم إذا عوقبوا على ظلمهم وعلى ما حصل منهم فإنهم لا بد من أن يخرجوا ويدخلوا الجنة.

    حكم تقبيل يد الوالد ووضعها على الجبين

    السؤال: جرت العادة في بعض البلاد الإسلامية بأن يقبل الابن يد أبيه أو أمه ثم يضعها على جبينه، فما الحكم؟

    الجواب: تقبيل اليد ووضعها على الجبين لا نعلم له أصلاً، فلا يفعل.

    ضابط الحكم باستحلال المعصية

    السؤال: الاستحلال الذي يعد به العاصي مستحلاً للمعصية هل هو بمجرد الدعوة إليها أو بالمجاهرة بها؟

    الجواب: المجاهرة ليس فيها استحلال، فإذا كان الإنسان يجاهر بالمعصية فلا يقال: إنه مستحل لها. ولكن الاستحلال هو كونه يقول: إنها حلال ليس فيها مانع. أما مجرد كونه يفعل الشيء وهو لم يصدر منه أو يسمع منه ما يدل على استحلاله فلا يعتبر مستحلاً؛ لأن المجاهرة ليست استحلالاً، ولكن المجاهرة زيادة في المعصية، وزيادة في قلة الحياء وقلة المبالاة.

    وكذلك لو دعا إلى هذه المعصية وهو غير مستحل لها، وإنما أعجبه ذلك الأمر المحرم ودعا غيره إليه، فلا يقال: إن هذا استحلال. وإنما هو ذنب، اللهم إلا إذا قال: هذا حلال ليس به بأس، فافعلوه فإنه لا بأس به. فهذا هو الاستحلال.

    حكم قول طالب العلم (الله أعلم) مع علمه بالمسألة

    السؤال: إذا سئل طالب العلم عن مسألة وكان عنده علم بها فكتمها وقال: (الله أعلم) مع علمه أن المسألة المسئول عنها غير متعينة عليه، وذلك لوجود من هو أعلم منه، أو أن السائل إنما يسأل من باب زيادة المعلومات، فهل يدخل في الوعيد على من كتم العلم؟

    الجواب: كون طالب العلم يحيل إلى غيره لا بأس به، وإذا كان قد احتيج إليه والأمر متعين عليه فلا يجوز له ذلك، وأما إذا كان يوجد من يقوم بالفتوى وأراد طالب العلم أن يكون في عافية فلا بأس بذلك، ما دام أن هناك من يتحمل عنه ومن يقوم بذلك عنه، أما إذا تعين عليه فليس له أن لا يجيب.

    فإذا كان عنده علم وقال: (الله أعلم) فقد قال كلمة صحيحة، لكن كلمة (لا أدري) هي التي لا تكون مستقيمة إذا كان يدري، ولكن قوله: (الله أعلم) هو جواب صحيح؛ لأنه وإن كان عنده علم فالله أعلم، ولكن كونه يقول لغيره: اذهب إلى فلان واسأله حين يتعين عليه لا يجوز له.

    معنى تشدد أئمة الحديث في أحاديث الأحكام وتساهلهم في أحاديث الترغيب والترهيب

    السؤال: ما معنى قول بعض الأئمة المتقدمين من علماء الحديث: إذا تكلمنا في الحلال والحرام شددنا في الأسانيد، فإذا كان الترغيب والترهيب تساهلنا. ومعلوم أنه يحتج بالحسن لغيره في الأحكام، فهل يعني هذا أنهم يذكرون في الترغيب والترهيب ما دون مرتبة الحسن لغيره من الأحاديث الضعيفة؟

    الجواب: الذي يبدو ويظهر أن الأحاديث الضعيفة لا يعول عليها في ترغيب ولا في غيره؛ لأن التعويل عليها معناه إقرار بإضافة الشيء إلى الرسول صلى الله عليه وسلم وهو لم يثبت، والإمام مسلم رحمه الله في المقدمة ذكر أن الأحاديث الضعيفة لا يعول عليها في الترغيب ولا في الترهيب ولا في غير ذلك، وإنما يعول على ما يصح وما يثبت في جميع هذه الأشياء، ومن ذلك الترغيب والترهيب، فالعمل بها على اعتبار أن هذه سنة جاءت عن رسول الله صلى الله عليه وسلم لا يجوز، أما إذا كان الحكم ثابتاً بنص آخر وجاء الحديث الضعيف شاهداً أو موافقاً لشيء قد صح فالعبرة بما صح، ويكون الحديث الضعيف قد وافق ما هو صحيح، فيكون له أصل، لكن ليس التعويل عليه.

    مثل صلاة الجماعة، فالأحاديث التي دلت على وجوبها كثيرة وصحيحة، وجاءت أحاديث ضعيفة تدل على وجوب الجماعة، فهناك أصل لهذا الضعيف والمعول على الحديث الصحيح، أما إذا كان الحديث ما وجد إلا من طريق ضعيف، مثل صلاة الرغائب أو تخصيص أول جمعة من رجب ببعض الأفعال التعبدية، فإنها ما جاءت إلا من طريق ضعيف، فهذه لا يعمل بها ولا يجوز العمل بها لأن إضافة ذلك إلى الرسول صلى الله عليه وسلم معناها إضافة شيء غير ثابت إلى الرسول صلى الله عليه وسلم، ويعمل به على أنه جاء عن رسول الله عليه الصلاة والسلام وهو لم يثبت عنه.

    ولعل المقصود بالجملة المنقولة عن السلف أن مسألة الحرام والحلال كانوا يعتنون بها؛ لأنه يترتب عليها تحليل فروج وتحريم فروج، وإحلال شيء وتحريم شيء وما إلى ذلك، بخلاف أحاديث الترغيب والترهيب، فإنهم لا يولونها من العناية مثلما يولون تلك التي يترتب عليها تحليل وتحريم، لكن لا يعني ذلك أنهم يستجيزون العمل بحديث ضعيف لم يأت موضوعه الذي دل عليه الحديث إلا من ذلك الطريق الضعيف.