إسلام ويب

شرح سنن أبي داود [088]للشيخ : عبد المحسن العباد

  •  التفريغ النصي الكامل
  • اهتم الشرع الحنيف بالصلاة، فأمر بالطهارة لها، وأمر بطهارة محلها، ونظافة مكانها، وطهارة اللباس لها، وقبل ذلك أمر بطهارة قلب صاحبها؛ فديننا دين الطهارة والنقاء ظاهراً وباطناً.

    1.   

    الصلاة على الخمرة

    شرح حديث ميمونة: (كان رسول الله يصلي وأنا حذاءه، وأنا حائض

    قال المصنف رحمه الله تعالى: [ باب الصلاة على الخُمرة.

    حدثنا عمرو بن عون أخبرنا خالد عن الشيباني عن عبد الله بن شداد حدثتني ميمونة بنت الحارث رضي الله عنها أنها قالت: (كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يصلي وأنا حذاءه، وأنا حائض، وربما أصابني ثوبه إذا سجد، وكان يصلي على الخُمرة) ].

    أورد أبو داود رحمه الله هذه الترجمة وهي: الصلاة على الخمرة.

    والخمرة فسرت بأنها: مصلى يتخذ من سعف النخل وخوصه، ومن خيوط تشد بها، وقيل: لا فرق بين الخمرة والحصير، وقيل: إن الخمرة أصغر من الحصير، بحيث يسجد عليها الإنسان بيديه ورأسه، وليست كالحصير الذي يكون شاملاً للإنسان كله، بحيث يقف عليه، ويسجد عليه.

    وأورد في ذلك حديث ميمونة بنت الحارث الهلالية رضي الله عنها، أنها كانت تكون بجوار رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو يصلي، وهي حائض وربما وقع ثوبه عليها.

    وهذا مثل الحديث الذي سبق أن مر في الترجمة السابقة في الرجل يصلي وبعض ثوبه على غيره، وعائشة رضي الله عنها أخبرت بأنها كانت تكون حائضاً، وتكون بجواره صلى الله عليه وسلم وهو يصلي في ثوب وطرفه عليها، تعني: أنه وقع عليها اتفاقاً، وهو دالٌ على أن الصلاة بجوار الحائض، وكذلك قراءة القرآن لا بأس بهما، ولا مانع منهما، ويدل أيضاً على أن اتصال أو وقوع بعض الثوب الذي يكون على المصلي على الحائض لا يؤثر؛ لأن المحذور في الحائض هو النجاسة الموجودة كالدم، وأما إذا كانت النجاسة غير موجودة فجسدها وثيابها الأصل فيها الطهارة.

    قالت: (وكان يصلي على الخمرة)، سميت خمرة لأنها تستر ما بين المصلي وبين الأرض، وتغطي وتستر ما تحتها، وأصل هذه المادة تدل على التغطية، فسمي الخمار خماراً لكونه يغطي الرأس، وسميت الخمر خمراً لكونها تغطي العقل، وكذلك الخمرة؛ لأنها تغطي الأرض، وكذلك تخمير الإناء، أي: تغطيته، وكذلك المحرم لا يخمر رأسه ووجهه، يعني: لا يغطيه، فهذه المادة تدل على التغطية.

    والمقصود بالخمرة ما يصلي عليها المصلي، وتكون حائلاً بينه وبين الأرض.

    وفي هذا الحديث دليل على جواز الصلاة على حائل بين المصلي وبين الأرض، سواء كان من الخوص، أو من القماش، أو ما إلى ذلك، فكل ذلك سائغ، ولا بأس به.

    تراجم رجال إسناد حديث ميمونة: (كان رسول الله يصلي وأنا حذاءه، وأنا حائض ...)

    قوله: [ حدثنا عمرو بن عون ].

    عمرو بن عون ثقة، أخرج له أصحاب الكتب الستة.

    [ حدثنا خالد ].

    هو ابن عبد الله الواسطي ، وهو ثقة، أخرج له أصحاب الكتب الستة.

    [ عن الشيباني ].

    هو أبو إسحاق سليمان بن أبي سليمان ، وهو ثقة، أخرج له أصحاب الكتب الستة.

    [ عن عبد الله بن شداد ].

    عبد الله بن شداد ولد على عهد النبي صلى الله عليه وسلم، وذكره العجلي من كبار التابعين، أخرج له أصحاب الكتب الستة.

    [ عن ميمونة بنت الحارث ]

    هي ميمونة بنت الحارث الهلالية أم المؤمنين رضي الله تعالى عنها وأرضاها، وحديثها أخرجه أصحاب الكتب الستة.

    1.   

    الصلاة على الحصير

    شرح حديث أنس في صلاة النبي على حصير

    قال المصنف رحمه الله تعالى: [ باب الصلاة على الحصير.

    حدثنا عبيد الله بن معاذ حدثنا أبي حدثنا شعبة عن أنس بن سيرين عن أنس بن مالك رضي الله عنه قال: (قال رجل من الأنصار: يا رسول الله! إني رجل ضخم -وكان ضخماً- لا أستطيع أن أصلي معك، وصنع له طعاماً ودعاه إلى بيته، فصلَّ حتى أراك كيف تصلي فأقتدي بك، فنضحوا له طرف حصير كان لهم، فقام فصلى ركعتين. قال فلان بن الجارود لـأنس بن مالك: أكان يصلي الضحى؟ قال: لم أره صلى إلا يومئذٍ) ].

    أورد أبو داود رحمه الله باب الصلاة على الحصير.

    والحصير هو: ما يتخذ من خوص النخل، وكل فراش صُنع من خوص النخل يقال له: حصير، والصلاة عليه سائغة، وكل شيءٍ طاهر يجوز استعماله فإنه تجوز الصلاة عليه، سواء كان من خوص النخل، أو من القماش، أو من الصوف، أو من القطن، أو من أي شيء.

    وقد أورد أبو داود حديث أنس بن مالك رضي الله عنه: أن رجلاً من الأنصار قال: يا رسول الله! إني رجل ضخم، لا أستطيع أن أصلي معك، وجاء في جملة اعتراضية: وكان ضخماً، أي: أن أنس بن مالك رضي الله عنه عندما حكى قول الرجل أخبر أنه كان ضخماً كما قال، أي: أنه يشق عليه المشي والحركة والذهاب إلى المسجد للصلاة مع الرسول صلى الله عليه وسلم، فطلب منه أن يأتي ويطعم عنده طعاماً، ويصلي حتى يراه فيصلي مثل صلاته، فجاء إليه رسول الله صلى الله عليه وسلم، ووضعوا له طرف حصير ونضحوه، أي: رشوه بالماء، ولعل الرش ليلين، فربما كان قاسياً، فإذا أصابه الماء لان وخف، فصلى عليه رسول الله صلى الله عليه وسلم.

    وقال فلان بن الجارود : قلت لـأنس : (أكان رسول الله صلى الله عليه وسلم يصلي الضحى؟ قال: لم أره صلى إلا يومئذٍ) أي: أنه لم يره صلى الضحى إلا يومئذٍ، وهذا إخبار من أنس رضي الله عنه عن علمه، وعن مشاهدته، وهذا لا ينفي أنه كان يصلي الضحى، فهي غالباً تكون في البيوت، وتكون خفية، ولا يطلع عليها كل أحد، فأخبر أنس عما شاهده وعاينه، فلم يره يصلي الضحى إلّا هذه المرة فقط.

    وصلاة الضحى قد جاءت فيها أحاديث كثيرة ثابتة عن رسول الله صلى الله عليه وسلم في الصحيحين وغيرهما، ومنها: حديث أبي هريرة المتفق على صحته، قال: (أوصاني خليلي صلى الله عليه وسلم بثلاث: ركعتي الضحى، وصيام ثلاثة أيام من كل شهر، وأن أوتر قبل أن أنام).

    وكذلك حديث أبي الدرداء في (صحيح مسلم ) قال: (أوصاني حبيبي صلى الله عليه وسلم بثلاث: ركعتي الضحى، وصيام ثلاثة أيام من كل شهر، وأن أوتر قبل أن أرقد).

    وكذلك الحديث الذي جاء في الصحيح، والذي قال فيه الرسول صلى الله عليه وسلم: (كل سلامى من الناس عليه صدقة، كل يوم تطلع فيه الشمس فتعدل بين اثنين صدقة … وفي آخره قال: ويجزئ عن ذلك ركعتان من الضحى)، يعني: هذه الصدقات التي تكون على الإنسان يحصل أداؤها بصلاة ركعتي الضحى.

    وكذلك الحديث الآخر الذي في الصحيح لما سئل رسول الله عليه الصلاة والسلام عن صلاة الأوابين قال: (صلاة الأوابين حين ترمض الفصال) يعني: حين تشتد الرمضاء، وذلك في شدة حرارة الشمس في الضحى، ففي هذا الوقت حيث تتأثر أولاد البهائم من المشي عليها؛ لشدة حرارتها.

    فكل هذه الأحاديث تدلنا على سنية صلاة الضحى وثبوتها عن رسول الله صلى الله عليه وسلم، وتدل على فضيلتها.

    تراجم رجال إسناد حديث أنس في صلاة النبي على حصير

    قوله: [ حدثنا عبيد الله بن معاذ ].

    هو عبيد الله بن معاذ بن معاذ العنبري ، وهو ثقة، أخرج حديثه البخاري ومسلم وأبو داود والنسائي .

    [حدثنا أبي ].

    أبوه هو معاذ بن معاذ العنبري ، وهو ثقة، أخرج له أصحاب الكتب الستة.

    [ حدثنا شعبة ].

    هو ابن الحجاج الواسطي ثم البصري، وهو ثقة، وصف بأنه أمير المؤمنين في الحديث، وحديثه أخرجه أصحاب الكتب الستة.

    [ عن أنس بن سيرين ].

    أنس بن سيرين ثقة، أخرج له أصحاب الكتب الستة.

    [ عن أنس بن مالك ].

    أنس بن مالك رضي الله عنه خادم رسول الله صلى الله عليه وسلم، وقدم خدمه عشر سنين منذ أن قدم المدينة إلى أن توفاه الله، وهو واحد من سبعة أشخاص عرفوا بكثرة الحديث عن النبي صلى الله عليه وسلم، وهم: أبو هريرة ، وابن عمر ، وابن عباس ، وأبو سعيد ، وأنس ، وجابر ، وأم المؤمنين عائشة ، هم ستة رجال وامرأة واحدة رضي الله عنهم وعن الصحابة أجمعين.

    وفلان بن الجارود قيل: إنه عبد الحميد بن المنذر بن الجارود .

    شرح حديث: (أنه صلى الله عليه وسلم كان يزور أم سليم ...)

    قال المصنف رحمه الله تعالى: [ حدثنا مسلم بن إبراهيم حدثنا المثنى بن سعيد الذارع حدثنا قتادة عن أنس بن مالك : (أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يزور أم سليم رضي الله عنها، فتدركه الصلاة أحياناً فيصلي على بساط لنا، وهو حصير ننضحه بالماء) ].

    أورد المصنف حديث أنس بن مالك رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يزور أم سليم -وهي: أم أنس بن مالك رضي الله عنه-، فتدركه الصلاة، فيضعون له حصيراً لهم ينضحونه، أي: يرشونه بالماء؛ كي يلين ويسهل وتذهب شدته وقساوته، فيصلي عليه.

    وهذا الحديث دال على ما دلت عليه الأحاديث السابقة من صلاة الرسول صلى الله عليه وسلم على الحصير، وأنه لا بأس أن يصلي الإنسان على حائل يكون بينه وبين الأرض إذا كان هذا الحائل طاهراً، ومما يجوز استخدامه، بخلاف ما إذا كان الحائل غير طاهر، أو كان طاهراً إلّا أنه مما لا يسوغ استعماله كالحرير، فلا يجوز الصلاة عليه في هذه الحالة. ومثال ما يجوز استعماله حائلاً: بالصوف والقطن وعسب النخل ونحوها.

    تراجم رجال إسناد حديث: (أنه صلى الله عليه وسلم كان يزور أم سليم ...)

    قوله: [ حدثنا مسلم بن إبراهيم ].

    هو الفراهيدي ، وهو ثقة، أخرج له أصحاب الكتب الستة.

    [ حدثنا المثنى بن سعيد الذارع ].

    المثنى بن سعيد الذارع ثقة، أخرج له أصحاب الكتب الستة.

    [ حدثنا قتادة ].

    هو ابن دعامة السدوسي البصري ، وهو ثقة، أخرج له أصحاب الكتب الستة.

    [ عن أنس ].

    أنس قد مر ذكره.

    شرح حديث: (كان رسول الله يصلي على الحصير والفروة المدبوغة)

    قال المصنف رحمه الله تعالى: [ حدثنا عبيد الله بن عمر بن ميسرة وعثمان بن أبي شيبة بمعنى الإسناد والحديث قالا: حدثنا أبو أحمد الزبيري عن يونس بن الحارث عن أبي عون عن أبيه عن المغيرة بن شعبة رضي الله عنه قال: (كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يصلي على الحصير والفروة المدبوغة) ].

    أورد أبو داود رحمه الله حديث المغيرة بن شعبة رضي الله عنه (أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يصلي على الحصير والفروة المدبوغة).

    والحصير قد مرّ ذكره، وهو الذي يتخذ من خوص النخل.

    والفروة المدبوغة هي: الجلد الذي دُبغ.

    والصلاة على الجلد المدبوغ تجوز إذا كان الجلد مما يجوز ويسوغ استعماله، وذلك إذا كان جلداً للحيوان المأكول كالإبل والبقر والغنم، فإنه يطهر بالدباغ، ويصح استعماله، وقد جاء في الحديث: (أيما إيهاب دبغ فقد طهر) وأما جلود السباع وما إلى ذلك فقد جاء ما يدل على النهي عنها، وعن استعمالها.

    وهذا يدل أيضاً على جواز الصلاة على الأشياء الطاهرة التي يسوغ استعمالها.

    وهذا الحديث في إسناده رجلان متكلم فيهما: أما الأول فوصف بالضعف، وأما الثاني فوصف بالجهالة.

    تراجم رجال إسناد حديث: (كان رسول الله يصلي على الحصير والفروة المدبوغة)

    قوله: [ حدثنا عبيد الله بن عمر بن ميسرة ].

    وهو ثقة، أخرج له البخاري ومسلم وأبو داود والنسائي .

    [ وعثمان بن أبي شيبة ].

    عثمان بن أبي شيبة ثقة، أخرج له أصحاب الكتب الستة إلا الترمذي .

    [ بمعنى الإسناد والحديث ].

    هذا مثل كلمة أبي داود التي يقولها أحياناً: (بمعناه)، يعني: أن الشيخين اللذين روى عنهما معنى حديثيهما واحد، والألفاظ مختلفة، وقوله هنا: بمعنى الإسناد والمتن، أي: أن الإسناد واحد، والمتن واحد، إلا أن هناك فرقاً في صيغ الأداء، وكذلك في لفظ المتن.

    [ حدثنا أبو أحمد الزبيري ].

    هو محمد بن عبد الله بن الزبير ، وهو ثقة، أخرج له أصحاب الكتب الستة.

    [عن يونس بن الحارث ].

    يونس بن الحارث ضعيف، أخرج حديثه أبو داود والترمذي وابن ماجة .

    [ عن أبي عون ].

    هو محمد بن عبيد الله بن سعيد الثقفي ، وهو ثقة، أخرج له أصحاب الكتب الستة إلا ابن ماجة .

    [ عن أبيه ].

    أبوه هو عبيد الله بن سعيد الثقفي ، وهو مجهول، أخرج حديثه أبو داود .

    [ عن المغيرة بن شعبة ].

    لـمغيرة بن شعبة صاحب رسول الله صلى الله عليه وسلم، وحديثه أخرجه أصحاب الكتب الستة.

    بيان ما تجوز عليه الصلاة وما لا تجوز

    والحديث ضعيف من حيث الإسناد، لكن ذكْر الحصير وردت أحاديث بمعناه، كما تقدم، وكذلك الفروة المدبوغة، وهذه الأشياء طاهرة، وكل طاهر يصلى عليه، أما لو كان ممنوعاً منه كالحرير وغيره فلا يجوز الصلاة عليه.

    ولا يصلح استعمال شيء مع وجود فرش وسجاد يصلي عليه الناس، فكون الإنسان يأتي بشيء يختص به، أو شيء يعتقد فيه خصوصية، أو ميزة، لاسيما مثلما يحصل من بعض أهل البدع كالرافضة الذين يأتون بالحصر، ويصلون عليها، فإن هذا غير سائغ، وفعل الرافضة لهذا يعتبر من أخف ما عندهم وأسهله، وإلا فعندهم البلاء الكثير، والشر العريض.

    وقوله: (تدركه الصلاة) يحتمل أن يكون المقصود بها الفريضة، ويحتمل أن يكون المقصود سنة الضحى تدركه وهو في ذلك البيت الذي دُعي إليه.

    والخطابي يقول: فأما ما يتخذ من أصواف الحيوان وشعورها فإنه كان يكرهه.

    ولا يظهر لي وجه ذلك؛ لأن كل شيء طاهر يمكن أن يصلى عليه، سواء كان من حيوان، أو من شجر، أو غيرهما، فكل شيء غير ممنوع منه شرعاً فإنه تجوز الصلاة عليه.

    1.   

    ما جاء في الرجل يسجد على ثوبه

    كنا نصلى مع رسول الله في شدة الحر ...)

    قال المصنف رحمه الله تعالى: [باب الرجل يسجد على ثوبه.

    حدثنا أحمد بن حنبل حدثنا بشر -يعني ابن المفضل - حدثنا غالب القطان عن بكر بن عبد الله عن أنس بن مالك رضي الله عنه قال: (كنا نصلي مع رسول الله صلى الله عليه وسلم في شدة الحر، فإذا لم يستطع أحدنا أن يمكن وجهه من الأرض بسط ثوبه فسجد عليه) ].

    أورد أبو داود رحمه الله هذه الترجمة، وهي: باب الرجل يسجد على ثوبه، يعني: الذي يلبسه، وذلك عند الحاجة، وأما السجود على شيء منفصل كالسجاد وكالقماش فقد مرّ في الترجمتين السابقتين ما يدل على ذلك، لكن المقصود هنا ثوبه الذي هو عليه، وإلا لو أنه أتى بثوب وفرشه وصلى عليه فهو من جنس ما تقدم من ذكر الحصير والخمرة والفروة المدبوغة، وإنما المقصود هنا ثوبه الذي عليه.

    والثوب يستعمل غالباً في الشيء الذي لم يخط، أي: الذي ليس فيه خياطة، فالقطعة من القماش تسمى ثوباً، وهذا يأتي كثيراً، كما في قوله صلى الله عليه وسلم: (لا يصل أحدكم في الثوب الواحد ليس على عاتقه منه شيء)، يعني: قطعة من القماش، فهو يطلق على غير المخيط، وقد يطلق على المخيط، لكن إطلاقه على غير المخيط أكثر في الاستعمال.

    والمقصود من ذلك: أنه يسجد عليه للحاجة، كأن يأخذ طرفه ويضعه أمامه حتى يسجد عليه؛ من أجل السلامة من حرارة الشمس التي لا يتمكن الإنسان معها من الاطمئنان والارتياح في السجود، فلا بأس بذلك، ولا مانع منه.

    ولهذا أورد أبو داود رحمه الله هذا الحديث عن أنس (أنهم كانوا يصلون مع الرسول صلى الله عليه وسلم في شدة الحر، وإذا لم يستطع أحدهم أن يمكن وجهه من الأرض بسط ثوبه فسجد عليه) ].

    ومعنى ذلك: أنهم صلوا في الرمضاء، أو في الشمس، وليس في الظل؛ لأنهم لو صلوا في الظل فليس هناك إشكال، فإنهم يسجدون على شيء ليس فيه حرارة، وإنما الكلام في السجود في الرمضاء، أو في مكان مكشوف، تصل إليه الحرارة بحيث لو وضع الإنسان جبهته فإنها تتأثر.

    فكان الواحد منهم إذا لم يتمكن من السجود بدون حائل بسط ثوبه، وسجد عليه، وهذا لا يكون إلّا إذا كان الثوب واسعاً، كما جاء في الحديث: (إذا كان الثوب ضيقاً فاتزر به، وإذا كان واسعاً فالتحف به)، فإذا كان واسعاً فليلتحف به، وليخالف بين أطرافه، وقد ينزل طرف من الأطراف فيضعه تحت جبهته، ويسجد عليه؛ حتى يسلم من حرارة الشمس، وحتى يتمكن من السجود والاطمئنان عليه.

    وفي هذا دليل على أن العمل اليسير في الصلاة للحاجة لا بأس به، فإنّ أخذ الثوب ووضعه تحت الجبهة عمل، وهذا لا بأس به.

    تراجم رجال إسناد حديث: (كنا نصلي مع رسول الله في شدة الحر ...)

    قوله: [ حدثنا أحمد بن حنبل ].

    هو أحمد بن محمد بن حنبل الإمام المشهور، وهو إمام من أئمة المذاهب الأربعة المشهورة عند أهل السنة، وحديثه أخرجه أصحاب الكتب الستة.

    [ حدثنا بشر يعني ابن المفضل ].

    بشر بن المفضل ثقة، أخرج له أصحاب الكتب الستة.

    وكلمة: (يعني ابن المفضل) زادها أبو داود أو من دونه، وليست من قول أحمد ؛ لأن أحمد لا يحتاج إلى أن يقول هذه الكلمة، بل يذكر شيخه كما يريد، والإمام أحمد إنما ذكر شيخه بلفظ: بشر فقط دون أن ينسبه، ولكن أبا داود أو من دون أبي داود هو الذي زاد كلمة: (ابن المفضل) للتوضيح والتعريف، وكلمة (يعني) هذه فعل مضارع، وفاعلها ضمير مستتر يرجع إلى الإمام أحمد بن حنبل تلميذ بشر بن المفضل .

    وليس لمن دون التلميذ أن يضيف شيئاً أكثر مما قال التلميذ بدون أن يبين؛ لأنه لو أضافه بدون أن يأتي بكلمة (يعني) لظُّن هذا من كلام التلميذ، والتلميذ إنما قال: بشر فقط، ولم يقل: بشر بن المفضل ، فمن دونه هو الذي أتى بها، وأتى بكلمة (يعني) حتى يتبين بها أن هذا الكلام ليس من التلميذ، ولكنه ممن دون التلميذ أتى به توضيحاً وبياناً لهذا الشخص الذي ذكر مهملاً غير منسوب.

    [ حدثنا غالب القطان ].

    غالب القطان صدوق، أخرج له أصحاب الكتب الستة.

    [ عن بكر بن عبد الله ].

    هو المزني ، وهو ثقة، أخرج له أصحاب الكتب الستة.

    [ عن أنس ].

    هو أنس بن مالك رضي الله عنه، وقد مر ذكره.

    حكم السجود على الثوب

    وقد كان السجود على الثوب في هذا الحديث للحاجة، وهي شدة الحر، فإذا فُعل هذا الفعل أحياناً ولو بدون هذا العذر فلا بأس، كأن يقع الشماغ أو الثوب بسبب الهواء أو غيره على الأرض، أو الطاقية نفسها إن كان جعلها على جبهته، فكل هذا لا بأس به، ولا مانع من السجود على أي شيء طاهر يسوغ استعماله.

    والكلام هنا في المتصل؛ باعتبار أنه يحتاج إلى أنه يضعه، وإما ذاك المنفصل عنه فإنه يضعه من الأصل، ولا يحتاج إلى أنه يتحرك في الصلاة من أجله، مثل السجاد؛ فلو أتى إنسان بسجاده ووضعها أمام الصف وصلى عليها، فليس هناك حاجة إلى حركة.

    لكن إذا لم يكن هناك سجادة، ولا شيء يقي الإنسان من حرارة الشمس، فإنه عندما يصل إلى الأرض ويضع جبهته فإنه لا يطمئن في صلاته؛ بسبب الحرارة، فلا بأس أن يضع طرف ثوبه الذي عليه.

    1.   

    الأسئلة

    هل حكم القول بأن القرآن قديم

    السؤال: هل نقول: إن القرآن قديم؟

    الجواب: لا يقال عن القرآن بأنه قديم، ولكن يقال عن كلام الله بأن نوعه قديم، بمعنى: أن الله لم يكن غير متكلم ثم تكلم، بل هو متكلم بلا ابتداء، ويتكلم بلا انتهاء، فنوع كلامه قديم، وآحاده حادثة.

    فالكلام الذي كلم الله به موسى عليه السلام حصل في زمن موسى، وسمع موسى كلام الله من الله، فهذا من آحاد الكلام التي وجدت في زمن موسى، والكلام الذي سمعه رسول الله صلى الله عليه وسلم من الله ليلة المعراج حصل ليلة المعراج، وسمعه عندما تكلم اللله به في ليلة المعراج، لذلك عند أهل السنة: أن نوع الكلام قديم، وأن آحاده حادثة، وكلام الله القرآن من آحاد الكلام، لكن لا يوصف بإنه قديم.

    حكم من قال: إنه كافر بالسلفية

    السؤال: ما رأي فضيلتكم فيمن يقول: إنه كافر بالسلفية؟

    الجواب: هذا جهل وتطاول على الحق، وإذا كان يقصد أنّ استعمال هذه الكلمة لا ينبغي، وأنّه لا ينبغي للإنسان أن يقول: أنا سلفي، فالأمر في ذلك أسهل، وإن كان يقصد بذلك أنه كافر بمنهج السلف وبطريقتهم، وبالحق الذي كانوا عليه، فهذا كفر بالكتاب والسنة، وبما كان عليه سلف هذه الأمة.

    الفرق بين السراويل والبنطلون

    السؤال: هل السراويل المذكورة في الأحاديث التي مرت بنا هي ما نسميه اليوم بالبنطلون، أو بينهما فرق؟

    الجواب: البنطلون هو من جنس السراويل، إلّا أنّه ضيق يحجم الجسم، ويظهر الأجزاء ويبرزها.

    والسراويل -كما هو معروف فيها- أنها واسعة، ولا يصل الأمر فيها إلى أن تظهر أجزاء الجسم مثلما تظهر في البنطلونات الحديثة.

    حكم مؤاكلة شارب الخمر والدخان

    السؤال: هل يجوز أكل الطعام مع شارب الدخان، أو شارب الخمر؟

    الجواب: إذا كانت الخمر موجودة فلا يجوز؛ لأنه لا يجوز للإنسان أن يأكل على مائدة يدار فيها الخمر، أو يكون فيها الخمر، وأما أن يأكل الإنسان مع شخص من أصحاب المعاصي فلا بأس في ذلك، ولكن عليه أن يقوم بنصحهم، ويحذرهم من مغبة ما وقعوا فيه من المعاصي، ويبين لهم خطورة ذلك.

    المراد من قوله تعالى: ( فاسألوهن من وراء حجاب )

    السؤال: ما المراد بقوله تعالى: فَاسْأَلُوهُنَّ مِنْ وَرَاءِ حِجَابٍ [الأحزاب:53]، وما المراد بالحجاب؟

    الجواب: الحجاب كما هو معلوم هو ما يفصل الإنسان عن غيره، كأن يكون من وراء جدار، أو من وراء ساتر، وأيضاً يكون الحجاب بتغطية الوجوه، هذا هو الذي يقال له: حجاب، وهذه الآية هي التي استدل بها على اتخاذ الحجاب.

    كيفية التعامل مع النساء في بلاد الكفر

    السؤال: ما هي النصيحة لمن يعيش في بلاد الكفار في التعامل مع النساء؟

    الجواب: التعامل مع النساء -كما هو معلوم- يكون بابتعاد الرجل عنهن، وعدم اختلاطه بهن، وعدم الاقتراب منهن، وإذا اضطر إلى مخاطبة الواحدة منهن كأن تكون موظفة في مطار، أو في شيء يمر به، فإنه يعاملها بحدود ما لابد له منه، ودون أن ينظر إليها، أو أن يسترسل معها في الكلام، وإنما يتكلم معها بحدود الشيء الذي هو بحاجة إليه، ولا يجوز للرجل إن يصافح النساء، ولا أن ينظر إليهن، وهذا في بلاد الكفار وبلاد المسلمين على السواء.

    حكم تَرْكُ الزوجة مدّة طويلة

    السؤال: ما الحكم في ترك الزوجة مدة تزيد على نصف سنة؟

    الجواب: إذا حصل اتفاق بين الرجل وزوجته على أن يغيب عنها مدة فهذا ليس فيه إشكال، وأما إذا كانت تمانع من ذلك ولا توافق عليه فإذا كان مضطراً لجلب الرزق وما إلى ذلك، فهذه ضرورة، ولكن لا يغيب عنها الغيبة الطويلة، وإذا لم تكن هناك ضرورة فليس للإنسان أن يغيب عن أهله من غير حاجة، ومن غير أمر يقتضي تلك المدة التي يحصل على أهله ضرر فيها.

    كيفية زكاة الدين

    السؤال: إذا استعار أحد مبلغاً من المال، وجعله رأس ماله في التجارة، فمن الواجب عليه الزكاة هل هو الدائن أو المدين؟ وكيف يكون إخراج الزكاة؟

    الجواب: هذا الفعل لا يسمى استعارة؛ فإن الاستعارة هي أخذ عين ينتفع بها ويرجعها، وذلك كأن يستعير قدحاً، أو يستعير إناءً، أو يستعير خيمة، أو يستعير فراشاً، فينتفع به، ثم يرجع عينه، فهذا استفاد من منفعتها وأرجعها، وأما النقود فلا تستعار؛ لأن عينها تتلف، فلا يعقل أن يستعيرها ثم يرجعها كما كانت، فما الفائدة من استعارتها إذن؟!

    وقد تكون الاستعارة من أجل أن يدلس، فيوهم أن عنده مالاً، وما هو إلّا مال عارية عنده، وأما استعمال المال، وحصول الاستفادة منه فإن ذلك لا يكون إلّا عن طريق القرض.

    فالإنسان إذا اقترض مالاً وجعله رأس ماله في التجارة فهو من عروض التجارة، فإنه يزكي ما عنده من نقود متوفرة عن سلع قد بيعت، وتقوّم السلع التي لم تبع، ويضم ما قوم إلى النقود المتوفرة، ويخرج ربع العشر، وذلك إذا حال عليها الحول من أول ما بدأ التجارة.

    وإما الدائن الذي وجبت عليه الزكاة، فإذا كان الشخص الذي اقترض منه مليئاً بحيث إنه إذا طلب منه حقه فإنه يعطيه إياه فإنه يزكيه وكأنه موجود عنده، وإذا كان المقترض ليس عنده قدرة على إعطائه حقه فإنه يزكيه إذا قبضه لعام واحد، وليس لكل السنوات التي مضت، فالمعسر إذا أنظر فلا يزكي الإنسان على ماله الذي عند ذلك المعسر؛ لأنه قد لا يأتي، ولكن المال الذي يزكى هو المال الذي عند الموسر، فهذا المال كأنه عنده، ولو طلبه لأعطي إياه.

    ولا يقال: إنّ هذا مال واحد زكي عليه مرتين، لأننا نقول: الكلام هنا على أن هذا مال لإنسان، وهذا مال لإنسان، فهذا يعتبر من ماله، وهذا يعتبر من ماله، فزكى كل واحد منهما عن ماله.

    كيفية معاملة أفراد جماعة التبليغ

    السؤال: إذا التقينا ببعض أفراد جماعة التبليغ في أثناء خروجهم فماذا نفعل؟ هل يجوز لنا أن نصافحهم ونقابلهم؟

    الجواب: نعم، صافحهم، وقابلهم، وانصحهم، وادعهم إلى أن يعتنوا بالتوحيد، وبالشيء الذي أرسل الله من أجله الرسل، وأنزل من أجله الكتب، وأن يحرصوا على تعلم العلم النافع، وأن يتكلموا بعلم، فلا مانع من مصافحتهم، ونصحهم، وتوجيههم، وإرشادهم.

    حكم تسمية علم التوحيد بعلم الكلام وإنكار الخلاف العقدي بين أهل السنة والشيعة

    السؤال: وجدت في كتاب (الفقه الإسلامي وأدلته) للدكتور وهبة الزحيلي ، في المجلد الأول: أنه يسمي علم التوحيد بعلم الكلام، ويقول: إن اختلاف الشيعة الإمامية مع أهل السنة لا يرجع إلى العقيدة أو الفقه، وإنما يرجع إلى ناحية الحكومة والإمامة، فهل هذا الكلام من كلام أهل السنة؟

    الجواب: ليس هذا الكلام من كلام أهل السنة والجماعة، وأصحاب العقائد المنحرفة يسمون علم التوحيد بعلم الكلام.

    وأما قضية الخلاف مع الشيعة، وأنه ليس اختلافاً في العقائد، فهذا الكلام غير صحيح، فأهل السنة والجماعة يختلفون مع الشيعة في كثير من العقائد، وفي أمور مختلفة، فالشيعة عندهم أنّ الحق هو ما جاء من عند الأئمة، ويقولون: إن كل شيء لم يأتِ به الأئمة فهو باطل، فأهل السنة في وادٍ، وهم في وادٍ آخر، فكيف يقال هذا الكلام؟!

    حكم ترك صلاة الجماعة بسبب ضخامة الجسم

    السؤال: هل ضخامة الجسم من الأمور التي يعذر بها الشخص عن صلاة الجماعة؟

    الجواب: إذا كان الإنسان يتضرر من المشي لضخامة جسمه فإنه يعذر، وأما إذا كان لا يتضرر من ذلك فلا يعذر، بل يصلي جماعة مع الناس.

    حكم الصلاة بجوار الحائض

    السؤال: إذا صلى الرجل بجوار حائض والدم ينزل منها، لكنها متحفظة، فهل في ملامستها محذور؟

    الجواب: ليس هناك محذور؛ لأن المحذور هو ملامسة النجاسة، وأما إذا لمس جسدها أو ثيابها فلا يؤثر.

    معنى حديث أنس في نفي علمه بصلاة الضحى

    السؤال: قول أنس رضي الله عنه: (لم أره صلى إلا يومئذٍ) يعني: الضحى، هل يدل على النقل المطلق، وأنه غير مقيد بعدد، أم يدل أن النقل مقيد بدليل هذا الحديث وأنه ما صلى إلا لأجل أن يقتدي به الأنصاري؟

    الجواب: قول أنس : (ما رأيته صلى إلا يومئذ)، يعني: أنه ما رآه صلى الضحى إلا يومئذ، هذا هو معنى الكلام، وهذا النفي هو بناء على علمه ومشاهدته، وهو لا ينفي ما ثبت في الأحاديث الأخرى التي فيها حثه وترغيبه على صلاة الضحى.

    ونفي أنس عام، ولم يقيده، فهذا يدل على أنه ينفي علمه بذلك مطلقاً.

    حكم طرد الذي يترك الصلاة من البيت

    السؤال: هل من حق الوالد أن يخرج ولده من بيته لكونه تاركاً للصلاة؟

    الجواب: نعم، من حقه أن يخرجه، لكن ينبغي عليه أن يجتهد في نصحه، وفي إنقاذه، وفي صلاحه وسلامته؛ لعل الله أن يهديه، وإلا فمن حقه أن يخرجه.

    حكم الأكل والشرب قائماً أو ماشياً

    السؤال: ما حكم الشرب أو الأكل قائماً أو ماشياً؟

    الجواب: الأصل في الأكل والشرب أن يكون جالساً، ويجوز قائماً، فقد جاء عن النبي صلى الله عليه وسلم ما يدل على ذلك، وفعل ذلك علي رضي الله عنه؛ ليبين أن ذلك سائغ، وأنه جاء عن رسول الله صلى الله عليه وسلم، لكن المعروف من هديه ومن عادته صلى الله عليه وسلم أنه كان يشرب جالساً، ولكنه فعل ذلك قائماً في بعض الأحيان، فدل على جوازه، وأما ما جاء من النهي عن الشرب قائماً فيحمل على التنزيه لا على التحريم.

    حكم لبس النعال المصنوعة من جلود الحيوانات غير مأكولة اللحم

    السؤال: هل يجوز لبس النعال المصنوعة من جلد الحيوان غير مأكول اللحم؟

    الجواب: الحديث الذي ورد في عدم استعمال جلود السباع يدل على أنها لا تستعمل، وإنما تستعمل إذا كانت مصنوعة من جلد الحيوان مأكول اللحم، وما كان يطهره الدباغ، وهو الذي مات بدون تذكية، وأما الحيوان الذي لا يؤكل فالتذكية وجودها مثل عدمها، وذبيحته ميتة.

    والله تعالى أعلم.