إسلام ويب

شرح سنن أبي داود [087]للشيخ : عبد المحسن العباد

  •  التفريغ النصي الكامل
  • الصلاة أمرها عظيم، وشأنها جليل، فهي وقوف بين يدي العظيم الجليل، ومناجاة للرحمن الرحيم؛ لذلك فلا يليق فيها كثرة العبث والحركة، ولا السهو والغفلة، ولا غير ذلك مما ينافي الخشوع والذل والانكسار؛ ولذلك فقد وضع الشرع لها آداباً وسنّ لها سنناً، وأحاطها بأحكام تحفظ لها مكانتها، حتى ينتفع بها المصلي في دنياه وآخرته.

    1.   

    حكم الصلاة في شعر النساء

    شرح حديث عائشة: (كان رسول الله صلى الله عليه وسلم لا يصلي في شعرنا أو لحفنا)

    قال المصنف رحمه الله تعالى: [ باب الصلاة في شُعُر النساء.

    حدثنا عبيد الله بن معاذ حدثنا أبي حدثنا الأشعث عن محمد -يعني ابن سيرين - عن عبد الله بن شقيق عن شقيق عن عائشة رضي الله عنها أنها قالت: (كان رسول الله صلى الله عليه وسلم لا يصلي في شعرنا أو لحفنا).

    قال عبيد الله : شك أبي ].

    قوله: [ باب الصلاة في شُعُر النساء ].

    الشُعُر: جمع شعار، وهو ما يلي الجسد كالإزار ونحوه، وكذلك ما يوضع على الفراش، أو ما يلتحف به مما يكون له اتصال ومباشرة للجسد.

    وقد أورد أبو داودحديث عائشة قالت: (كان النبي صلى الله عليه وسلم كان لا يصلي في شعرنا أو لحفنا)، وهذا شكٌ من معاذ بن معاذ العنبري والد عبيد الله بن معاذ .

    وقد جاء ما يدل على جواز الصلاة فيها، ويكون الترك مبنياً على ما إذا كان فيها شيء من النجاسة، وجواز استعمالها فيما إذا تحقق من أنها ليس فيها شيء من النجاسة.

    إذاً: مدار الحكم على حصول النجاسة فيها من عدمه، فإن كان فيها نجاسة فلا يصلي فيها، وإن كانت خالية من النجاسة فإنه يصلي فيها.

    تراجم رجال إسناد حديث عائشة: (كان رسول الله صلى الله عليه وسلم لا يصلي في شعرنا أو لحفنا)

    قوله: [ حدثنا عبيد الله بن معاذ ].

    هو عبيد الله بن معاذ العنبري ، وهو ثقة، أخرج حديثه البخاري ومسلم وأبو داود والنسائي .

    [ حدثني أبي ].

    أبوه هو معاذ بن معاذ العنبري ، وهو ثقة، أخرج له أصحاب الكتب الستة.

    [ حدثنا الأشعث ].

    هو أشعث بن عبد الملك الحمراني ، وهو ثقة، أخرج حديثه البخاري تعليقاً ومسلم وأصحاب السنن.

    [عن محمد يعني ابن سيرين ].

    محمد بن سيرين ثقة، أخرج له أصحاب الكتب الستة.

    [ عن عبد الله بن شقيق ].

    هوعبد الله بن شقيق العقيلي، وهو ثقة، أخرج له البخاري في (الأدب المفرد)، ومسلم ، وأصحاب السنن.

    [ عن شقيق ].

    شقيق غير موجود في الموضع الأول، وعبد الله بن شقيق يروي عن عائشة ، ويروي عمن هو متقدم على عائشة ، فما أدري كيف جاء قوله: (عن شقيق )؟! وشقيق هو ابن سلمة ، وكنيته أبو وائل ، وهو مخضرم، ولا يوجد ذكر شقيق في (تحفة الأشراف)، فلفظة (شقيق) في السند زائدة.

    [ عن عائشة ].

    هي أم المؤمنين، الصديقة بنت الصديق، من أوعية السنة وحفظتها، وهي واحدة من سبعة أشخاص عرفوا بكثرة الحديث عن النبي صلى الله عليه وسلم.

    [ قال عبيد الله : شك أبي ].

    يعني: أن الشك الذي في الحديث: (شُعُرنا أو لحفنا ) حصل من معاذ بن معاذ العنبري كما ذكر ذلك ابنه عبيد الله .

    1.   

    الرجل يصلي عاقصاً شعره

    شرح حديث: (ذلك كفل الشيطان)

    قال المصنف رحمه الله تعالى: [ باب الرجل يصلي عاقصاً شعره.

    حدثنا الحسن بن علي ، حدثنا عبد الرزاق ، عن ابن جريج ، حدثني عمران بن موسى ، عن سعيد بن أبي سعيد المقبري يحدث عن أبيه أنه رأى أبا رافع مولى النبي صلى الله عليه وسلم ورضي الله عنه مر بـحسن بن علي رضي الله عنهما وهو يصلي قائماً، وقد غرز ضفره في قفاه، فحلها أبو رافع ، فالتفت الحسن إليه مغضباً، فقال أبو رافع : أقبل على صلاتك ولا تغضب، فإني سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: (ذلك كفل الشيطان) يعني: مقعد الشيطان، يعني: مغرز ضفره ].

    قوله: [ باب الرجل يصلي عاقصاً شعره ].

    أي: أنه قد فتله حتى صار ضفائر، وجعله وراءه، وهذا هو المقصود بعقص الشعر، أي: فتله وليّه وعدم تركه على هيئته منتشراً غير معقوص.

    وقد جاءت الأحاديث عن رسول الله صلى الله عليه وسلم بالمنع من ذلك، وأن الإنسان لا يفعل هذه الهيئة، قيل: إن السر في المنع هو أن شعر الإنسان يسجد معه، بحيث إذا ترك فإنه يصل إلى الأرض ما يصل منه، بخلاف ما إذا كان مفتولاً ملوياً مجتمعاً في قفاه فإنه لا يسجد مع الإنسان منه شيء، وقد جاء في الحديث: (أمرت أن أسجد على سبعة آراب، ولا أكف ثوباً ولا شعراً) .

    وقد أورد المصنف حديث أبي رافع مولى رسول الله صلى الله عليه وسلم: أن حسن بن علي رضي الله تعالى عنهما كان يصلي وقد غرز شعره في قفاه، أي: أنه فتله وجمعه في قفاه، فجاء أبو رافع وهو يصلي، وجعل يحله، أي: يفك هذا العقد، والحسن يصلي، فلما رأى الحسن رضي الله عنه هذا الذي يحرك رأسه، ويقوم بحل شعر رأسه، التفت مغضباً، فقال له أبو رافع : أقبل على صلاتك ولا تغضب، أي: استمر في صلاتك ولا تغضب، فإن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (ذلك كفل الشيطان) أي: مقعد الشيطان.

    وفي هذا دليل على منع مثل هذا العمل في الصلاة، وسواء فُعل ذلك في الصلاة، أو كان مفعولاً قبلها ثم جاءت الصلاة وهو على هذه الهيئة، وإضافته إلى الشيطان يدل على منعه، وعدم جوازه.

    وقد جاء في هذا الحديث: أنّ أبا رافع مولى النبي صلى الله عليه وسلم مر بـحسن بن علي ، وكُتب: (عليهما السلام)، وهذه العبارة (عليهما السلام) ذكرها الحافظ ابن كثير في تفسيره عند قول الله عز وجل: إِنَّ اللَّهَ وَمَلائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيِّ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا صَلُّوا عَلَيْهِ وَسَلِّمُوا تَسْلِيمًا [الأحزاب:56]، وقال: إن هذا من عمل نساخ الكتب، وليس من عمل المؤلفين والمصنفين.

    ومعنى ذلك: أن الناسخ عندما ينسخ الكتاب ويأتي ذكر علي يكتب: (عليه السلام)، فهو من عمل النساخ، وليس من عمل المصنفين.

    وقال رحمه الله تعالى أيضاً: إنّ الصحابة رضي الله عنهم وأرضاهم يعاملون معاملة واحدة، أي: أنهم يترضى عنهم جميعاً، ولا يخص أحد منهم بعبارة أو بدعاء خاص يميز به على غيره.

    وقال: ومثل ذلك: (كرم الله وجهه) أيضاً، أي: أن هذه العبارة تقال في حق علي رضي الله عنه، وهذا أيضاً من عمل النساخ.

    إذاً: العلماء يستعملون الترضي في حق الصحابة رضي الله عنهم، والترحم على من بعدهم، وهذا هو الغالب على استعمال سلف هذه الأمة، ويجوز العكس بأن يترضى عن غير الصحابة، ويترحم على الصحابة، لكن الذي غلب في الاستعمال هو أن يقال: (رضي الله عنهم) في حق الصحابة، مثلما يغلب على استعمال الناس (رحمه الله) على الميت، مع أنها تصح أن تقال للحي والميت، فالأصل هو الترضي عن الصحابة، والترحم على من بعدهم، ويجوز العكس.

    ثم قال ابن كثير -بعد ذكره أن العمل السابق من عمل النساخ-: ولا يخص أحد من الصحابة بشيء يتميز به، وإنما يعاملون معاملة واحدة في الترضي عنهم.

    قوله: (مر بـحسن بن علي رضي الله عنهما وهو يصلي قائماً وقد غرز ضفره في قفاه) ] ضفره: جمع ضفيرة، وقوله: في قفاه، يعني: في مؤخر رأسه.

    قوله: [ (فحلها أبو رافع) ]، أي: حلّ هذا الشيء الذي قد رُبط وجُمع، فحله أبو رافع والحسن يصلي، وعندما أحسّ الحسن هذا الذي يحرك رأسه من الخلف التفت وعليه الغضب، فقال له أبو رافع : أقبل على صلاتك ولا تغضب، فإن الرسول صلى الله عليه وسلم قال: (إن هذا كفل الشيطان) أي: هذه الهيئة، وفسرها بعض الرواة بأنها مقعد الشيطان، أي: مكان جلوس الشيطان.

    تراجم رجال إسناد حديث: (ذلك كفل الشيطان)

    قوله: [ حدثنا الحسن بن علي ].

    هو الحلواني، وهو ثقة، أخرج حديثه أصحاب الكتب الستة إلا النسائي .

    [ حدثنا عبد الرزاق ].

    هو عبد الرزاق بن همام الصنعاني اليماني ، وهو ثقة أخرج له أصحاب الكتب الستة .

    [ عن ابن جريج ].

    هو عبد الملك بن عبد العزيز بن جريج المكي ، وهو ثقة يدلس، وحديثه أخرجه أصحاب الكتب الستة.

    [ حدثني عمران بن موسى ].

    عمران بن موسى مقبول، أخرج حديثه أبو داود والترمذي .

    [ عن سعيد بن أبي سعيد المقبري ].

    سعيد بن أبي سعيد المقبري ثقة أخرج له أصحاب الكتب الستة.

    [ عن أبيه ].

    أبوه ثقة أخرج له أصحاب الكتب الستة.

    [ عن أبي رافع ].

    هو أبو رافع مولى رسول الله صلى الله عليه وسلم، وحديثه أخرجه أصحاب الكتب الستة.

    وهذا الحديث معناه كمعنى الحديث الذي بعده، فكل منهما يشهد للآخر.

    شرح حديث: (إنما مثل هذا مثل الذي يصلي وهو مكتوف)

    قال المصنف رحمه الله تعالى: [ حدثنا محمد بن سلمة حدثنا ابن وهب عن عمرو بن الحارث أن بكيراً حدثه أن كريباً مولى ابن عباس حدثه أن عبد الله بن عباس رضي الله عنهما رأى عبد الله بن الحارث يصلي ورأسه معكوف من ورائه، فقام وراءه فجعل يحله، وأقر له الآخر، فلما انصرف أقبل إلى ابن عباس فقال: (مالك ورأسي؟ قال: إني سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: (إنما مثل هذا مثل الذي يصلي وهو مكتوف) ].

    أورد أبو داود حديث ابن عباس رضي الله تعالى عنه أنه رأى عبد الله بن الحارث يصلي وقد عقص شعر رأسه فجاء إليه وجعل يحله وعبد الله يصلي، فلم يحرك ساكناً، ولم يردّه، بل تركه يحله، ولما فرغ من صلاته أقبل عليه وقال له: مالك ورأسي؟ قال: إني سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: (إنما مَثل هذا مَثل الذي يصلي وهو مكتوف) أي: كالذي جمعت يداه وراء ظهره وشدتا، فهذا حينما لم يترك شعره حتى يسجد معه صار كمثْل الذي قد أخذت يداه من وراء ظهره وشدتا فصار مكتوفاً. وهو الحديث يدل على منْع مثل هذا العمل، كما أن الحديث السابق يدل أيضاً على منع مثل هذا العمل.

    وسواء جعله ضفائر وجمعه وراءه أو جمعه وحزمه من ورائه.

    وبعض الناس قد يطيل الشعر ويضع الطاقية فتجمع الشعر إلى الخلف، فإذا سجد فإنه يسجد على الجبهة، ولا تسجد معه ناصيته؛ لأنه جمعها في الطاقية، فالذي يظهر من مقتضى الحديث أنه لا يجمعه؛ بل يرسله ويتركه، ولكن هذا يختلف عن ذاك الذي جمع شعره كله وراءه، فالشعر من ورائه منتثر.

    قوله: [ فقام وراءه فجعل يحله، وأقر له الآخر ] أي: أن عبد الله بن الحارث ترك ابن عباس يحله، ولم يذهب يدافعه، ولما فرغ وانتهى من الصلاة أقبل عليه وقال له: مالك ورأسي؟ بينما نجد أن الحسن في الحديث السابق كان مغضباً، وهذا تركه يحله واستمر في صلاته حتى فرغ منها ثم التفت وقال: مالك ورأسي؟

    تراجم رجال إسناد حديث: (إنما مثل هذا مثل الذي يصلي وهو مكتوف)

    قوله: [ حدثنا محمد بن سلمة ].

    هو محمد بن سلمة المرادي المصري، وهو ثقة أخرج حديثه مسلم وأبو داود والنسائي وابن ماجة .

    [ حدثنا ابن وهب ].

    هو عبد الله بن وهب المصري ، وهو ثقة أخرج له أصحاب الكتب الستة .

    [ عن عمرو بن الحارث ].

    عمرو بن الحارث المصري ، وهو ثقة أخرج له أصحاب الكتب الستة .

    [ عن بكير ].

    هو بكير بن عبد الله بن الأشج، وهو ثقة أخرج له أصحاب الكتب الستة .

    [ عن كريب ].

    هو كريب مولى ابن عباس ، وهو ثقة أخرج له أصحاب الكتب الستة.

    [ عن ابن عباس ].

    هو عبد الله بن عباس بن عبد المطلب ابن عم النبي صلى الله عليه وسلم، وأحد العبادلة الأربعة، وأحد السبعة المعروفين بكثرة الحديث عن النبي صلى الله عليه وسلم.

    1.   

    الصلاة في النعل

    شرح حديث: (رأيت النبي صلى الله عليه وسلم يوم الفتح ووضع نعليه عن يساره)

    قال المصنف رحمه الله تعالى: [ باب الصلاة في النعل.

    حدثنا مسدد حدثنا يحيى عن ابن جريج حدثني محمد بن عباد بن جعفر عن ابن سفيان عن عبد الله بن السائب رضي الله عنهما أنه قال: (رأيت النبي صلى الله عليه وسلم يصلي يوم الفتح ووضع نعليه عن يساره) ].

    حدثنا الحسن بن علي حدثنا عبد الرزاق وأبو عاصم قالا: أخبرنا ابن جريج قال سمعت محمد بن عباد بن جعفر يقول: أخبرني أبو سلمة بن سفيان وعبد الله بن المسيب العابدي وعبد الله بن عمرو عن عبد الله بن السائب رضي الله عنهما أنه قال: (صلى بنا رسول الله صلى الله عليه وسلم الصبح بمكة فاستفتح سورة المؤمنين، حتى إذا جاء ذكر موسى وهارون أو ذكر موسى وعيسى -ابن عباد يشك أو اختلفوا- أخذت رسول الله صلى الله عليه وسلم سعلة فحذف فركع، وعبد الله بن السائب حاضر لذلك) ].

    قوله: [ باب الصلاة في النعل ]، الصلاة في النعل سائغة، وقد جاءت فيها سنة عن رسول الله صلى الله عليه وسلم، لكن ذلك حيث لا يترتب عليه مضرة وأذى، كأن تكون الأماكن التي يصلى فيها مفروشة ونظيفة، فإن المشي عليها بالنعل يؤثر فيها، وتظهر آثار النعل على الفراش، فيكون في ذلك مضرة، وأما إذا كان المكان الذي يصلي فيه ترابياً، أو كان الإنسان في سفر؛ فله أن يصلي في النعال، وقد جاءت بذلك السنة عن رسول الله صلى الله عليه وسلم، لكن لا يبالغ في ذلك بحيث إنه يمشي بها على الفرش النظيفة وفي الأماكن النظيفة، أو يصلي فيها بالنعال فيكون في ذلك تأثير على تلك الأماكن، ومن المعلوم أن الناس في منازلهم وفي أماكن أخرى لا يدخلون بنعالهم في مجالسهم المفروشة، ولا يجلسون عليها بنعالهم، بل يخلعون النعال قبل الدخول، فكذلك بالنسبة للمساجد المفروشة لا تستعمل فيها النعال؛ حتى لا تؤثر فيها فيظهر عليها أثر المشي بالنعال، ويكون في ذلك توسيخ لها.

    وقد صلى الرسول صلى الله عليه وسلم بالنعال، وصلى بدون النعال، أي: صلى حافياً ومنتعلاً صلى الله عليه وسلم، فالحاصل أن السنة جاءت بالصلاة بالنعال، لكن لا يقال: إنه يصلى فيها على كل حال، ولا يقال: إنها تترك في كل حال، وإنما يصلى بها حيث لا يترتب على ذلك ضرر، ولا يصلى بها إذا ترتب على ذلك ضرر.

    وقد أورد أبو داود رحمه الله حديث عبد الله بن السائب رضي الله تعالى عنه: (أن النبي صلى الله عليه وسلم صلى بهم يوم الفتح ووضع نعليه عن يساره)، وهذا ليس فيه دلالة على وضع النعال عن اليسار في الصلاة، ولكن فيه ذكر وضع النعال عن اليسار، وذلك حيث لا يكون في اليسار أحد، وأما إذا كان الإنسان في الصف، وكان عن يمينه وعن يساره آخرون فلا يجعل نعاله عن يساره، وإنما يجعلها بين رجليه، كما سيأتي في الحديث عن رسول الله صلى الله عليه وسلم، فيجعلها عن يساره حيث لا يكون عن يساره أحد.

    فالحديث ليس فيه نص على الصلاة بالنعال، ولكن فيه دليل على الدخول بالنعال إلى المكان الذي يصلى فيه، وأن الرسول صلى الله عليه وسلم جعل النعال عن يساره، ففيه بيان موضع النعل، وأنه يكون على اليسار، لكن هذا حيث يكون اليسار خالياً، وأما إن كان مشغولاً بالناس فإنه لا يجعلها عن يساره؛ لأنه سوف يؤذي بها جاره، ولكن يجعلها بين رجليه كما جاء بذلك الحديث عن رسول الله صلى الله عليه وسلم، وسيأتي في الباب الذي بعد هذا.

    والحديث الذي بعده ليس فيه ذكر النعال، وهما حديث واحد إلا أن أحدهما مختصر والآخر مطول، وفيه: (أن النبي صلى الله عليه وسلم صلى بهم الصبح بمكة فاستفتح سورة المؤمنين) أي: سورة: قَدْ أَفْلَحَ الْمُؤْمِنُونَ فلما وصل إلى قول الله عز وجل في قصة موسى وهارون: ثُمَّ أَرْسَلْنَا مُوسَى وَأَخَاهُ هَارُونَ [المؤمنون:45] ، أو موسى وعيسى وقد ذكرت قصة عيسى بعد موسى بقليل، قال تعالى: وَلَقَدْ آتَيْنَا مُوسَى الْكِتَابَ لَعَلَّهُمْ يَهْتَدُونَ * وَجَعَلْنَا ابْنَ مَرْيَمَ وَأُمَّهُ آيَةً [المؤمنون:49-50]، فإما أنه وصل إلى ذكر موسى وهارون، أو إلى ذكر موسى وعيسى، والآيات متصل بعضها ببعض، فلما وصل إليها أصابته سعلة فترك المواصلة وركع، أي: أنه كان يريد أن يواصل، ولكن لما جاء السعال قطع المواصلة وحذف، أي: ترك الاستمرار في القراءة وركع صلى الله عليه وسلم.

    قوله: (و عبد الله بن السائب حاضر لذلك) أي: في هذه الصلاة التي صلاها رسول الله صلى الله عليه وسلم فحصل فيها ما ذُكر.

    وهذا فيه دليل على أن الإنسان إذا كان يقرأ في الصلاة ثم عرض له عارض يقتضي التخفيف أو الاقتصار على ما قد تمّ فإنه يقف ولا يواصل، وقد جاء في الحديث: (أن النبي صلى الله عليه وسلم ربما كان يريد التطويل في الصلاة فيسمع بكاء الصبي فيخفف؛ شفقة على أمه)، ومثل ذلك أيضاً ما إذا كان الإنسان يقرأ ولم يتقن القراءة، ولم يستطع أن يواصل فهنا يقف إذا التبس عليه القرآن، وليس عنده من يفتح عليه.

    قوله: [ ابن عباد يشك أو اختلفوا ] أي: شك ابن عباد في كونه ذكر موسى وهارون، أو موسى وعيسى عليهم السلام.

    تراجم رجال إسناد حديث: (رأيت النبي صلى الله عليه وسلم يوم الفتح ووضع نعليه عن يساره)

    قوله: [ حدثنا مسدد ].

    هو مسدد بن مسرهد، وهو ثقة أخرج حديثه البخاري وأبو داود والترمذي والنسائي .

    [حدثنا يحيى ].

    هو يحيى بن سعيد القطان، وهو ثقة أخرج له أصحاب الكتب الستة.

    [ عن ابن جريج حدثني محمد بن عباد بن جعفر ].

    ابن جريج مر ذكره، وهو محمد بن عباد بن جعفر ثقة أخرج له أصحاب الكتب الستة.

    [ عن ابن سفيان ].

    هو أبو سلمة بن سفيان؛ وهو ثقة أخرج له مسلم وأبو داود والنسائي وابن ماجة .

    [ عن عبد الله بن السائب ].

    عبد الله بن السائب صاحب رسول الله صلى الله عليه وسلم، أخرج حديثه البخاري تعليقاً ومسلم وأصحاب السنن.

    [ حدثنا الحسن بن علي ].

    هو الحسن بن علي الحلواني، وقد مر ذكره.

    [ عن عبد الرزاق وأبي عاصم ].

    عبد الرزاق مر ذكره، وأبو عاصم هو الضحاك بن مخلد ، وهو ثقة أخرج له أصحاب الكتب الستة.

    [ وعبد الله بن المسيب العابدي ].

    عبد الله بن المسيب العابدي صدوق، أخرج له مسلم وأبو داود .

    [ وعبد الله بن عمرو ].

    عبد الله بن عمرو القاري، وليس عبد الله بن عمرو بن العاص ، وهو مقبول، أخرج حديثه مسلم وأبو داود .

    [ عن عبد الله بن السائب ].

    عبد الله بن السائب مر ذكره .

    شرح حديث: (إذا جاء أحدكم إلى المسجد فلينظر فإن رأى في نعليه قذراً أو أذى فليمسحه...)

    قال المصنف رحمه الله تعالى: [ حدثنا موسى بن إسماعيل حدثنا حماد بن زيد عن أبي نعامة السعدي عن أبي نضرة عن أبي سعيد الخدري رضي الله عنه أنه قال: (بينما رسول الله صلى الله عليه وسلم يصلي بأصحابه إذ خلع نعليه فوضعهما عن يساره، فلما رأى ذلك القوم ألقوا نعالهم، فلما قضى رسول الله صلى الله عليه وسلم صلاته قال: ما حملكم على إلقاء نعالكم؟ قالوا: رأيناك ألقيت نعليك فألقينا نعالنا. فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: إن جبريل صلى الله عليه وسلم أتاني فأخبرني أن فيهما قذراً -أو قال: أذى- وقال: إذا جاء أحدكم إلى المسجد فلينظر، فإن رأى في نعليه قذراً أو أذى فليمسحه، وليصلِّ فيهما) ].

    أورد أبو داود رحمه الله حديث أبي سعيد الخدري رضي الله عنه قال: (بينما رسول الله صلى الله عليه وسلم يصلي بالناس وعليه نعلاه إذ خلعهما وجعلهما عن يساره، فخلع الصحابة نعالهم اقتداء برسول الله صلى الله عليه وسلم، فلما فرغ من صلاته قال: ما حملكم على إلقاء نعالكم؟ قالوا: رأيناك ألقيت نعلك ففعلنا كما فعلت، فقال: إن جبريل أتاني وقال لي: إن فيهما قذراً أو أذى فخلعتهما)، فقد بين صلى الله عليه وسلم السبب في خلعهما أثناء الصلاة.

    والحديث واضح الدلالة على الترجمة من جهة أنه صلى فيهما، ولأن فيهما قذراً وأذى جاء الوحي إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم يخبره بذلك وهو في الصلاة فخلعهما.

    وفي هذا الحديث دليل على أن الإنسان إذا صلى وفي ثوبه نجاسة، وعلم بها في أثناء الصلاة؛ فإن تمكن من التخلص من ذلك الثوب الذي فيه النجاسة بدون أن تظهر عورته، وبدون أن يتكشف؛ فإنه يخلعه ويواصل الصلاة، وإن كان ذلك لا يتأتى إلا بأن يقطع الصلاة، كأن يكون ذلك اللباس لا يمكن خلعه وهو في الصلاة، أو أنه يترتب على ذلك انكشاف العورة؛ فإنه يقطع الصلاة.

    وفي هذا الحديث دليل على أن الإنسان إذا صلى وعليه نجاسة ولم يعلم بها إلا بعد فراغ الصلاة فإن صلاته صحيحة؛ لأن النبي صلى الله عليه وسلم لم يستأنف الصلاة لما أُخبر بأن نعليه فيهما أذى؛ بل واصل، فهذا الذي كان قبل الإخبار اعتبر ولم يلغ، فدل هذا على أن الإنسان إذا صلى وفي ثوبه نجاسة ولم يعلم إلا بعد فراغ الصلاة فإن الصلاة صحيحة، فإذا صح بعضها ولم تُعد فكذلك لو لم يعلم إلا بعد انتهائها فإنها تكون صحيحة.

    وأيضاً فيه دليل على أنه إذا تذكر في أثناء الصلاة أن في ثوبه نجاسة وأمكن إزالة ذلك الثوب كأن تكون في الغترة، أو في المشلح، أو السراويل وعليه قميص، وأمكن أن يتخلص من ذلك الذي فيه نجاسة وعورته مستورة فعل، وهذا يختلف عما لو صلى الإنسان وهو على غير وضوء، فإذا صلى وهو على غير وضوء ثم تذكر بعد ذلك فإنه يجب عليه أن يتوضأ، وأن يعيد الصلاة؛ لأن الرسول صلى الله عليه وسلم قال: (لا يقبل الله صلاة أحدكم إذا أحدث حتى يتوضأ) .

    وفيه دليل أيضاً على أن النبي صلى الله عليه وسلم لا يعلم الغيب؛ لأنه لو كان يعلم الغيب لم يَخْفَ عليه ما في نعليه حتى يحتاج إلى أن ينبهه الوحي بذلك، فالرسول صلى الله عليه وسلم أطلعه الله على بعض الغيب، ولم يُطلعه على كل غيب، والذي يعلم كل غيب هو الله سبحانه وتعالى قُلْ لا يَعْلَمُ مَنْ فِي السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ الْغَيْبَ إِلَّا اللَّهُ [النمل:65]، فهذا الحديث مما يستدل به على أن علم الغيب من خصائص الله سبحانه وتعالى.

    وقد جاءت أحاديث كثيرة تدل على ما دل عليه هذ الحديث من أن النبي صلى الله عليه وسلم لم يكن يعلم الغيب، ومن ذلك حديث: (إنك لا تدري ما أحدثوا بعدك)، أي: بعد موته صلى الله عليه وسلم، وكذلك في قصة الإفك وما حصل لـعائشة ، فقد بقي النبي صلى الله عليه وسلم أياماً كثيرة وهو متألم متأثر، وكان يأتي إليها ويقول لها: (يا عائشة ! إن كنت قد ألممت بذنب فتوبي إلى الله واستغفريه)، ثم أنزل الله براءتها بعد ذلك في آيات تتلى من كتاب الله عز وجل، وكذلك في قصة ضياع عقد عائشة ، فقد كانوا في سفر، وجلسوا يبحثون عنه حتى جاء وقت الصلاة وقد نفد عليهم ماؤهم، فنزلت آية التيمم، فتيمموا وصلوا، فلما أرادوا الارتحال بعدما يئسوا من العقد أثاروا الجمل الذي كانت تركب عليه عائشة فإذا العقد تحته، ولو كان النبي صلى الله عليه وسلم يعلم الغيب لدلهم على مكانه، ولما مكثوا يبحثون عنه حتى نفد عليهم الماء، والأحاديث في ذلك كثيرة.

    قوله: (فإن رأى في نعليه قذراً أو أذىً فليمسحه) أي: في الأرض، (وليصل فيهما) ، وليس معنى هذا أن الإنسان لابد أن يصلي فيهما، فقد يصلي فيها وقد لا يصلي، ولكن إذا أراد أن يصلي بهما فليصل بهما وهو يعلم أنهما نظيفتان.

    تراجم رجال إسناد حديث: (إذا جاء أحدكم إلى المسجد فلينظر فإن رأى في نعليه قذراً أو أذى فليمسحه...)

    قوله: [ حدثنا موسى بن إسماعيل ].

    هو موسى بن إسماعيل التبوذكي البصري ، وهو ثقة أخرج له أصحاب الكتب الستة.

    [ حدثنا حماد بن زيد ].

    هو حماد بن زيد بن درهم ، وهو ثقة أخرج له أصحاب الكتب الستة.

    [ عن أبي نعامة السعدي ].

    هو عبد الله بن عبد ربه ، وقيل: عمرو ، وهو ثقة أخرج له مسلم وأبو داود والترمذي والنسائي .

    [ عن أبي نضرة ].

    هو المنذر بن مالك وهو ثقة، أخرج له البخاري تعليقاً ومسلم وأصحاب السنن.

    [ عن أبي سعيد الخدري ].

    هو سعد بن مالك بن سنان رضي الله تعالى عنه، وهو أحد السبعة المعروفين بكثرة الحديث عن النبي صلى الله عليه وسلم.

    شرح حديث: (إذا أتى أحدكم المسجد فلينظر ...) من طريق ثانية وتراجم رجاله

    قال المصنف رحمه الله تعالى: [ حدثنا موسى يعني ابن إسماعيل حدثنا أبان حدثنا قتادة حدثني بكر بن عبد الله عن النبي صلى الله عليه وسلم بهذا، قال: (فيهما خبث) قال في الموضعين: خبث ].

    يعني: أنه بهذا الإسناد إلا أن هذا مرسل، وفيه أنه قال: (فيهما خبث) بدل الأذى والقذر، وذلك في النعلين.

    قوله: [ حدثنا موسى بن إسماعيل حدثنا أبان ].

    هو أبان بن يزيد العطار ، وهو ثقة أخرج له أصحاب الكتب الستة إلا ابن ماجة .

    [ حدثنا قتادة ].

    هو قتادة بن دعامة السدوسي البصري ، وهو ثقة أخرج له أصحاب الكتب الستة.

    [ حدثني بكر بن عبد الله ].

    هو المزني، وهو ثقة أخرج له أصحاب الكتب الستة.

    شرح حديث: (خالفوا اليهود فإنهم لا يصلون في نعالهم ولا خفافهم)

    قال المصنف رحمه الله تعالى: [ حدثنا قتيبة بن سعيد حدثنا مروان بن معاوية الفزاري عن هلال بن ميمون الرملي عن يعلى بن شداد بن أوس عن أبيه رضي الله عنه أنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (خالفوا اليهود فإنهم لا يصلون في نعالهم ولا خفافهم) ].

    أورد أبو داود رحمه الله حديث شداد بن أوس رضي الله عنه، أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (خالفوا اليهود فإنهم لا يصلون في نعالهم ولا في خفافهم) أي: بأن تصلوا في نعالكم وخفافكم، وليس ذلك على سبيل الدوام، ولكن في بعض الأحيان، فالمهم أن يوجد ذلك فإن فيه مخالفة لليهود.

    وقد ذكرنا أن ذلك حيث تكون الأماكن التي يصلى فيها لا تؤثر فيها الصلاة بالنعال كأن تكون ترابية، وأما إذا كانت مفروشة فقد ذكرنا أن الإنسان لا يعمل على تقذيرها، ولا على إظهارها بالمظهر الذي لا يليق، فيمكن أن يفعل ما أرشد إليه الرسول صلى الله عليه وسلم حيث يتيسر له ذلك، وبدون أن يترتب على ذلك أذى.

    تراجم رجال إسناد حديث: (خالفوا اليهود فإنهم لا يصلون في نعالهم ولا خفافهم)

    قوله: [ حدثنا قتيبة بن سعيد ].

    هو قتيبة بن سعيد بن جميل بن طريف البغلاني ، وهو ثقة أخرج له أصحاب الكتب الستة.

    [ حدثنا مروان بن معاوية الفزاري ].

    مروان بن معاوية الفزاري ثقة يدلس تدليس الشيوخ، والتدليس منه ما هو في الإسناد، وهو رواية الراوي عمن سمع منه مالم يسمعه منه موهماً أنه سمعه منه، وأما تدليس الشيوخ فهو أن يسمي شيخه، أو يصفه، أو يكنيه، أو ينسبه بما لا يعرف ولا يشتهر به، فهذا يسمى تدليس الشيوخ، وهو ثقة أخرج حديثه أصحاب الكتب الستة.

    [ عن هلال بن ميمون الرملي ].

    هلال بن ميمون الرملي صدوق أخرج له أبو داود وابن ماجة .

    [ عن يعلى بن شداد بن أوس ].

    يعلى بن شداد بن أوس صدوق أخرج حديثه أبو داود وابن ماجة .

    [ عن أبيه ].

    أبوه صاحب رسول الله صلى الله عليه وسلم وحديثه أخرجه أصحاب الكتب الستة.

    شرح حديث: (رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم يصلي حافياً ومنتعلاً) وتراجم رجاله

    قال المصنف رحمه الله تعالى: [ حدثنا مسلم بن إبراهيم حدثنا علي بن المبارك عن حسين المعلم عن عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده رضي الله عنه أنه قال: (رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم يصلي حافياً ومنتعلاً) ].

    أورد أبو داود حديث عبد الله بن عمرو بن العاص رضي الله عنهما (أنه رأى النبي صلى الله عليه وسلم يصلي حافياً ومنتعلاً) أي: أنه كان يصلي أحياناً هكذا وأحياناً هكذا.

    قوله: [ حدثنا مسلم بن إبراهيم ].

    هو مسلم بن إبراهيم الفراهيدي ، وهو ثقة أخرج له أصحاب الكتب الستة.

    [ حدثنا علي بن المبارك ].

    علي بن المبارك ثقة أخرج له أصحاب الكتب الستة.

    [ عن حسين المعلم ].

    هو حسين بن ذكوان المعلم، وهو ثقة أخرج له أصحاب الكتب الستة.

    [ عن عمرو بن شعيب ].

    عمرو بن شعيب صدوق أخرج حديثه البخاري في (جزء القراءة) وأصحاب السنن.

    [ عن أبيه ].

    أبوه هو شعيب بن محمد وهو صدوق أيضاً، أخرج حديثه البخاري في (الأدب المفرد) و(جزء القراءة) وأصحاب السنن، ويروي شعيب بن محمد هنا عن جده عبد الله بن عمرو بن العاص ، عبد الله بن عمرو بن العاص رضي الله عنه صحابي ابن صحابي، وهو أحد العبادلة الأربعة من أصحاب النبي عليه الصلاة والسلام، وهم: عبد الله بن عمرو ، وعبد الله بن عمر ، وعبد الله بن الزبير ، وعبد الله بن عباس .

    1.   

    إذا خلع المصلي نعليه فأين يضعهما؟

    شرح حديث: (إذا صلى أحدكم فلا يضع نعليه عن يمينه ولا عن يساره)

    قال المصنف رحمه الله تعالى: [ باب المصلي إذا خلع نعليه أين يضعهما؟

    حدثنا الحسن بن علي حدثنا عثمان بن عمر حدثنا صالح بن رستم أبو عامر عن عبد الرحمن بن قيس عن يوسف بن ماهك عن أبي هريرة رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: (إذا صلى أحدكم فلا يضع نعليه عن يمينه ولا عن يساره فتكون عن يمين غيره، إلا ألاّ يكون عن يساره أحد، وليضعهما بين رجليه) ].

    قوله: [ باب المصلي إذا خلع نعليه أين يضعهما؟ ] أي: إذا لم يصل فيهما فأين يضعهما؟ وقد جاءت الأحاديث بأنه إذا لم يكن عن يساره أحد فإنه يضعهما عن يساره ولا يضعهما عن يمينه، وإن كان يساره مشغولاً بأن كان بجواره أحد فإنه لا يجعلهما عن يساره، بل يجعلهما بين قدميه؛ لأنه لو جعلهما عن يساره صارتا عن يمين غيره، فآذى بهما غيره.

    وإذا كان هناك أماكن مخصصة للأحذية فتوضع فيها، وكذلك بين السواري إذا كان المسجد فيه سواري؛ لأن بين السواري ليس محلاً للصلاة إلا عند الضرورة حيث يمتلئ المسجد فإنه يصلى بين السواري.

    تراجم رجال إسناد حديث: (إذا صلى أحدكم فلا يضع نعليه عن يمينه ولا عن يساره)

    قوله : [ حدثنا الحسن بن علي ].

    هو الحلواني ، وقد مرّ ذكره.

    [ حدثنا عثمان بن عمر ].

    عثمان بن عمر ثقة أخرج له أصحاب الكتب الستة .

    [حدثنا صالح بن رستم أبو عامر ].

    صالح بن رستم أبو عامر صدوق كثير الخطأ، أخرج له البخاري تعليقاً ومسلم وأصحاب السنن.

    [ عن عبد الرحمن بن قيس ].

    هو عبد الرحمن بن قيس العتكي ، وهو مقبول، أخرج له أبو داود .

    [ عن يوسف بن ماهك ].

    يوسف بن ماهك ثقة أخرج له أصحاب الكتب الستة.

    [ عن أبي هريرة ]

    هو أبي هريرة عبد الرحمن بن صخر الدوسي، وقد مر ذكره.

    شرح حديث: (إذا صلى أحدكم فخلع نعليه فلا يؤذ بهما أحداً)

    قال المصنف رحمه الله تعالى : [ حدثنا عبد الوهاب بن نجدة حدثنا بقية وشعيب بن إسحاق عن الأوزاعي حدثني محمد بن الوليد عن سعيد بن أبي سعيد عن أبيه عن أبي هريرة رضي الله عنه عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال: (إذا صلى أحدكم فخلع نعليه فلا يؤذ بهما أحداً، ليجعلهما بين رجليه، أو ليصل فيهما) ].

    ذكرنا أنه إذا كان ليس معه أحد، أو لم يكن عن يساره أحد فإنه يجعل نعليه عن يساره، كما جاء ذلك عن رسول الله صلى الله عليه وسلم، وإذا كان عن يساره أحد فإنه لا يجعلها عن يساره؛ لأنه لو جعلها عن يساره فستكون على يمين غيره، فسيؤذي بهما غيره، لذلك فليجعلهما بين رجليه، أو ليصل فيهما، وإذا كان في المسجد أماكن مخصصة للأحذية كالأحواض الموجودة في هذا المسجد فليجعلها فيها، أو تجعل بين السواري إذا كان هناك سوارٍ ليس بينها صفوف، فالمهم أن الإنسان لا يؤذي بهما أحداً كما جاء في حديث أبي هريرة رضي الله عنه في هذا الباب.

    وقوله هنا: (أو ليصل فيهما)، وقوله في الحديث السابق: (كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يصلي حافياً ومنتعلاً)، يبين أن الأمر في ذلك واسع.

    تراجم رجال إسناد حديث: (إذا صلى أحدكم فخلع نعليه فلا يؤذ بهما أحداً)

    قوله: [ حدثنا عبد الوهاب بن نجدة ].

    عبد الوهاب بن نجدة ثقة أخرج له أبو داود والنسائي .

    [ حدثنا بقية ].

    هو بقية بن الوليد، وهو صدوق كثير التدليس عن الضعفاء، وحديثه أخرجه البخاري تعليقاً ومسلم وأصحاب السنن.

    [ وشعيب بن إسحاق ].

    شعيب بن إسحاق ثقة أخرج له أصحاب الكتب الستة إلا الترمذي .

    [ عن الأوزاعي ].

    هو أبو عمرو عبد الرحمن بن عمرو الأوزاعي فقيه الشام ومحدثها، وحديثه أخرجه أصحاب الكتب الستة.

    [ حدثني محمد بن الوليد ].

    هو محمد بن الوليد الزبيدي ، وهو ثقة، أخرج له أصحاب الكتب الستة إلا الترمذي .

    [ عن سعيد بن أبي سعيد ].

    هو المقبري ، وهو ثقة، أخرج له أصحاب الكتب الستة.

    [ عن أبيه ].

    أبوه ثقة أيضاً، أخرج له أصحاب الكتب الستة.

    [ عن أبي هريرة ].

    هو عبد الرحمن بن صخر الدوسي ، صاحب رسول الله صلى الله عليه وسلم، وأكثر أصحابه حديثاً على الإطلاق، رضي الله تعالى عنه وأرضاه، وهو واحد من سبعة أشخاص عرفوا بكثرة الحديث عن النبي صلى الله عليه وسلم، وهو أكثرهم حديثاً، وهم ستة رجال، وامرأة واحدة.