إسلام ويب

شرح سنن أبي داود [082]للشيخ : عبد المحسن العباد

  •  التفريغ النصي الكامل
  • على المأموم أن يتابع الإمام، وألا يسابقه أو يوافقه أو يتأخر عنه، وإذا كان المأموم واحداً فإنه يقف عن يمين الإمام مساوياً له لا متقدماً عليه ولا متأخراً عنه.

    1.   

    ما جاء في الإمام يصلي من قعود

    شرح حديث: (...إنما جعل الإمام ليؤتم به، فإذا صلى قائماً فصلوا قياماً ...)

    قال المصنف رحمه الله تعالى : [ باب الإمام يصلي من قعود.

    حدثنا القعنبي عن مالك عن ابن شهاب عن أنس بن مالك : (أن رسول الله صلى الله عليه وسلم ركب فرساً فصُرع عنه، فجحش شقه الأيمن، فصلى صلاة من الصلوات وهو قاعد، وصلينا وراءه قعوداً، فلما انصرف قال: إنما جُعل الإمام ليؤتم به، فإذا صلى قائماً فصلوا قياماً، وإذا ركع فاركعوا، وإذا رفع فارفعوا، وإذا قال: سمع الله لمن حمده، فقولوا: ربنا ولك الحمد، وإذا صلى جالساً فصلوا جلوساً أجمعون) ].

    قوله: [ باب الإمام يصلي من قعود ].

    يعني: الإمام إذا صلى قاعداً كيف يصلي وراءه المأمومون؟ هل يصلون قعوداً أو يصلون قياماً؟

    هذه المسألة اختلف فيها العلماء:

    فمنهم من قال: يصلون قعوداً أخذاً بحديث أنس هذا وغيره من الأحاديث التي فيها أن النبي صلى الله عليه وسلم صلى وصلى معه جماعة من أصحابه قعوداً، ثم قال عليه الصلاة والسلام: (إنما جعل الإمام ليؤتم به) وفي آخر الحديث قال: (وإذا صلى جالساً فصلوا جلوساً أجمعون).

    ومن أهل العلم من قال: إذا صلى قاعداً فإنهم يصلون قياماً ولا يصلون قعوداً، واستدلوا على ذلك بما جاء عن رسول الله صلى الله عليه وسلم في آخر صلاة صلاها بأصحابه، فإنه صلى بهم وهو جالس، وكان أبو بكر رضي الله عنه قد بدأ الصلاة، ثم دخل الرسول صلى الله عليه وسلم معه وهو في أولها، فصار رسول الله عليه الصلاة والسلام هو الإمام وهو جالس، وأبو بكر عن يمينه قائم، والناس قيام، فكان الرسول صلى الله عليه وسلم يكبر ويكبر أبو بكر بتكبيره، والناس يتّبعون تكبير أبي بكر رضي الله عنه.

    قالوا: فهذه آخر صلاة صلّاها رسول الله صلى الله عليه وسلم، وما جاء في الأحاديث الصحيحة كحديث أنس وغيره من أنه صلى قاعداً وصلى وراءه قوم قعوداً، يكون المتأخر من الأحاديث ناسخاً للمتقدم.

    ومعنى هذا أن الإمام إذا صلى قاعداً فالذين وراءه يصلون قياماً ولا يصلون قعوداً؛ استناداً إلى ما جاء عنه صلى الله عليه وسلم أنه في آخر صلاة صلّاها بأصحابه رضي الله تعالى عنهم وأرضاهم وهو جالس وصلوا وراءه قياماً.

    ومن أهل العلم من ذهب إلى الجمع بين الأحاديث، بأنه إذا كان بدأ الصلاة قاعداً فإنهم يصلون وراءه قعوداً، وهذا هو الذي تدل عليه الأحاديث التي أوردها أبو داود في هذا الباب، كحديث أنس وعائشة وغيرهما (أن النبي صلى الله عليه وسلم صلى قاعداً وصلى وراءه قوم قعوداً)، وأما إذا كانوا قد دخلوا في الصلاة وهم قيام، وإمامهم صلى قاعداً، كما جاء في قصة صلاته صلى الله عليه وسلم حيث جاء الرسول صلى الله عليه وسلم، وكبّر وصار هو إمام الناس، فالقيام في الركعة الأولى حصل مع أبي بكر رضي الله عنه وهو إمامهم، ثم جاء رسول الله صلى الله عليه وسلم وجلس عن يسار أبي بكر ، وصار يكبّر، وأبو بكر يكبّر بتكبيره، والناس يكبرون بتكبير أبي بكر.

    وبهذا جمع بعض أهل العلم بين هذه الأحاديث.

    والذي ينبغي أن الإمام إذا كان لا يستطيع أن يصلي بالناس إلا وهو جالس، فإن الأولى في حقه أن يمكّن غيره من الصلاة ويصلي هو وراءه قاعداً، فيكون في هذا احتياط في الدين وخروج من الخلاف.

    أورد أبو داود حديث أنس بن مالك رضي الله عنه: (أن النبي عليه الصلاة والسلام ركب فرساً فصرع عنه فجُحِش شقه الأيمن) ].

    يعني: أنه حصل له خدش أو حك وتألم منه الرسول صلى الله عليه وسلم، فلم يستطع بسبب ذلك أن يصلي قائماً.

    وجاء في بعض الروايات: (أنه انفكت قدمه) كما سيأتي، ويمكن أن يكون الاثنان حصلا جميعاً، وأن تكون القصة واحدة، وإنما أحد الرواة ذَكَر بعض ما حصل، والآخر ذكر بعض ما حصل، فيكون كل ما جاء في الروايات قد حصل.

    ومنهم من قال: إنهما واقعتان، الأولى: التي فيها ذكر انفكاك القدم، والثانية: التي فيها أن شقه الأيمن قد جُحش، أي: خدش.

    قوله: [ (فصلى صلاة من الصلوات وهو قاعد، وصلينا وراءه قعوداً) ].

    يعني: أن الصحابة صلوا بصلاته صلى الله عليه وسلم وهو قاعد، وصلوا وراءه وهم قعود، وقد جاء في بعض الروايات أنه أشار إليهم أن يجلسوا، وقال: (إن كدتم أن تفعلوا فعل فارس والروم، يقومون على رءوس ملوكهم وهم جلوس).

    فالشاهد: أنه أشار إليهم أن يجلسوا فجلسوا، وكانوا يصلون بصلاته وهو قاعد وهم قعود.

    قوله: [ (فلما انصرف قال: إنما جعل الإمام ليؤتم به) ].

    أي: فلما فرغ من صلاته قال لهم: (إنما جُعل الإمام ليؤتّم به)يعني: أن المقصود من الإمام أنه يؤتم به ويقتدى به، ثم بيّن عليه الصلاة والسلام كيفية الاقتداء بالإمام فقال: (فإذا صلى قائماً فصلوا قياماً)، أي: إذا صلى الإمام قائماً، فصلّوا أنتم معه قياماً، وإذا صلى قاعداً فصلوا معه قعوداً.

    قوله: [ (وإذا ركع فاركعوا) ].

    أي: بعد أن يأخذ في الركوع فتابعوه، ولا تسبقوه ولا تتأخروا عنه، ولا توافقوه بأن يكون ركوعكم مع ركوعه في آن واحد، بل هو يتقدمكم، بحيث تركعون معه إذا أخذ في الركوع واستقر في الركوع، وليس المقصود أنه إذا فرغ من الركوع.

    فإذاً: على الإنسان إذا كان يرى الإمام قد استقر راكعاً فإنه يتابعه، وإذا كان لا يراه وسمع صوته قد انقطع بالتكبير، فإنه يهوي إلى الركوع.

    قوله: [ (وإذا رفع فارفعوا) ].

    أي: وإذا رفع من الركوع فارفعوا، وهو كالركوع، فلا تسابقوه ولا توافقوه ولا تتأخروا عنه؛ لأن أحوال المأمومين مع الإمام في الائتمام أربع حالات:

    مسابقة، وتأخر، وهذان متقابلان، وقد نُهي عنهما.

    ثم موافقة: وهي أن توافق حركة المأموم حركة الإمام، بحيث لا يسبق أحدهما الآخر، وهذه منهي عنها.

    الحالة الرابعة: المتابعة، وهي المشروعة التي بيّنها صلى الله عليه وسلم بقوله: (وإذا ركع فاركعوا).

    قوله: [ (وإذا قال: سمع الله لمن حمده فقولوا: ربنا ولك الحمد) ].

    يعني: أنهم يفعلون مثل ما يفعل الإمام، فيكبرون كما يكبر، ويركعون كما يركع، ويسجدون كما يسجد، ويقولون مثل ما يقول بالنسبة للتكبير، مثل: تكبيرة الإحرام وتكبيرات الانتقال؛ لأن كل أحوال الصلاة في الانتقال ليس هناك إلا التكبير، إلا عند الرفع من الركوع فإنه يقول فيه الإمام والمنفرد: سمع الله لمن حمده، وأما المأموم فيقول: ربنا ولك الحمد؛ لأنه عليه الصلاة والسلام قال: (وإذا قال: سمع الله لمن حمده، فقولوا: ربنا ولك الحمد) ومعناه: أنتم تقولون شيئاً، وهو يقول شيئاً آخر، فلا توافقوه فيما يقول في هذه الحالة، وهذا هو الذي يدل عليه هذا الحديث، والدلالة واضحة.

    وبعض أهل العلم قال: إن المأموم يقول: سمع الله لمن حمده، ثم يقول: ربنا ولك الحمد، ويستدل على ذلك بعموم قوله صلى الله عليه وسلم: (صلّوا كما رأيتموني أصلي)، وهو يقول: سمع الله لمن حمده، فمن وراءه يقول: سمع الله لمن حمده.

    فنقول: لكن الرسول صلى الله عليه وسلم قد بيّن في هذا الحديث أن المأموم لا يقول: سمع الله لمن حمده، حيث أنه ذكر ما يفعله الإمام وما يفعله المأموم، وما يقوله الإمام وما يقوله المأموم، ولم يذكر أن المأموم يقول كما يقول الإمام عند قول: سمع الله لمن حمده، وإنما يقول المأموم: ربنا ولك الحمد، وهذا الذي يقتضيه الحديث، وهو نصّ في المقصود والمطلوب.

    وأما حديث: (صلّوا كما رأيتموني أصلي)، وهو الذي استدل به بعض أهل العلم على أن المأموم يقول: سمع الله لمن حمده، فأخرج منه ذلك بهذا البيان، مثل قول الرسول صلى الله عليه وسلم: (إذا سمعتم النداء فقولوا مثل ما يقول المؤذن) لكن عند قوله: حي على الصلاة، حيّ على الفلاح جاء أنه لا يقول مثلما يقول المؤذن، وإنما يقول: لا حول ولا قوة إلا بالله، فهذا من جنس الأول، فهو مستثنى بقوله صلى الله عليه وسلم: (فإذا قال: سمع الله لمن حمده، فقولوا: ربنا ولك الحمد).

    قوله: [ (وإذا صلى جالساً فصلوا جلوساً أجمعون) ].

    وهذا سبقت الإشارة إليه وهو المقصود من الترجمة.

    تراجم رجال إسناد حديث: (... إنما جعل الإمام ليؤتم به، فإذا صلى قائماً فصلوا قياماً ... )

    قوله: [ حدثنا القعنبي ].

    هو عبد الله بن مسلمة بن قعنب القعنبي وهو ثقة، أخرج له أصحاب الكتب الستة إلا ابن ماجة .

    [ عن مالك ].

    هو مالك بن أنس إمام دار الهجرة المحدث الفقيه الإمام المشهور، وهو أحد أصحاب المذاهب الأربعة المشهورة من مذاهب أهل السنة، وحديثه أخرجه أصحاب الكتب الستة.

    [ عن ابن شهاب ].

    هو محمد بن مسلم بن عبيد الله بن شهاب الزهري وهو ثقة فقيه، أخرج له أصحاب الكتب الستة.

    [ عن أنس بن مالك ].

    أنس بن مالك رضي الله عنه صاحب رسول الله صلى الله عليه وسلم وخادمه، وأحد السبعة المعروفين بكثرة الحديث عن النبي صلى الله عليه وسلم.

    و ابن شهاب من صغار التابعين، وأنس رضي الله عنه من صغار الصحابة، ولذلك يوجد من صغار التابعين من يروي عن بعض صغار الصحابة؛ لأن صغار التابعين أدركوا صغار الصحابة الذين تأخرت وفاتهم.

    شرح حديث: (... إذا صلى الإمام جالساً فصلوا جلوساً وإذا صلى الإمام قائماً فصلوا قياماً ...)

    قال المصنف رحمه الله تعالى: [ حدثنا عثمان بن أبي شيبة حدثنا جرير ووكيع عن الأعمش عن أبي سفيان عن جابر قال: (ركب رسول الله صلى الله عليه وسلم فرساً بالمدينة فصرعه على جِذم نخلة، فانفكت قدمه فأتيناه نعوده، فوجدناه في مشربة لـعائشة يسبِّح جالساً، قال: فقمنا خلفه فسكت عنا، ثم أتيناه مرة أخرى نعوده فصلى المكتوبة جالساً، فقمنا خلفه فأشار إلينا فقعدنا، قال: فلما قضى الصلاة قال: إذا صلى الإمام جالساً فصلوا جلوساً، وإذا صلى الإمام قائماً فصلّوا قياماً، ولا تفعلوا كما يفعل أهل فارس بعظمائها) ].

    أورد أبو داود حديث جابر بن عبد الله رضي الله عنهما وفيه أن الرسول صلى الله عليه وسلم صرعه فرسه على جذم نخلة، يعني: على أصلها أي جذعها، فانفكت قدمه، وهذا فيه أن القدم انفكت، والحديث الأول فيه: أن شقه الأيمن جُحش، يعني: خُدش، وعرفنا أن كلاً من الراويين ذكر شيئاً مما حصل للرسول صلى الله عليه وسلم.

    ومن أهل العلم من قال: يحتمل أن تكون واقعتين مختلفتين.

    في هذا الحديث أنهم جاءوا ووجدوه يسبّح، يعني: يصلي نافلة؛ لأن النافلة يقال لها: سُبحة، ومنه الحديث الذي فيه: (ولم يسبّح بينهما)، يعني: أنه بين الصلاتين التي يُجمع بينهما كالظهر والعصر، أو المغرب والعشاء لم يكن يتنفل بينهما.

    قوله: [ (يسبح جالساً) ] يعني: يصلي جالساً.

    قوله: [ (فقمنا خلفه) ]، أي: يصلون.

    قوله: [ (فسكت) ]، يعني: لم ينههم عن ذلك.

    قوله: [ (ثم أتيناه مرة أخرى نعوده فصلى المكتوبة جالساً، فقمنا خلفه فأشار إلينا فقعدنا، فلما قضى الصلاة قال: إذا صلى الإمام جالساً فصلوا جلوساً، وإذا صلى الإمام قائماً فصلوا قياماً) ] يعني: تابعوا الإمام في جلوسه وفي قيامه.

    قوله: [ (ولا تفعلوا كما يفعل أهل فارس بعظمائها) ].

    يعني: أنهم يقومون على رءوسهم وهم جلوس، وقد جاء في صحيح مسلم : (إن كدتم آنفاً أن تفعلوا فعل فارس والروم يقومون على رءوس ملوكهم وهم قعود).

    وهذا فيه دليل على أن القيام على الرؤساء والملوك لا يجوز، إلا فيما إذا كان يحضره العدو من أجل يرى هيبة احتفائهم بالإمام واهتمامهم بالإمام؛ لأن هذا حصل في صلح الحديبية لما كان رسول الله صلى الله عليه وسلم جالساً والمغيرة بن شعبة قائم على رأسه.

    فهذا يدل على أنه إذا حصل مثل ذلك لا بأس به، ولكن كونه يتخذ ذلك ديدناً وطريقة فالرسول صلى الله عليه وسلم أنكر هذا.

    وهو يدل على أن الإمام إذا صلى قاعداً فالناس يصلون وراءه قعوداً، وجاء أنه في المكتوبة، أما بالنسبة للنافلة فقد جاء أن الرسول صلى الله عليه وسلم سكت عنهم، فجاء أنهم صلوا بعده الصلاة جلوساً في المكتوبة، والمكتوبة أهم من النافلة، مع أن النافلة يجوز أن تصلى عن قعود ولو كان الإنسان قادراً، وقد جاء عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: (صلاة الجالس على النصف من صلاة القائم) يعني: إذا جلس وهو يقدر على القيام.

    إذاً: فكون الرسول صلى الله عليه وسلم صلى بهم جالساً في المكتوبة وهي أهم من النافلة دل ذلك على صحة ذلك، وفيه الكلام الذي ذكرته فيما مضى من أن بعض أهل العلم ذهب إلى أنهم يصلون جلوساً وبعضهم قال: يصلون قياماً، وبعضهم يقول: يفصل بين بدئهم الصلاة قياماً وبدئهم الصلاة جلوساً، فإذا بدءوا الصلاة جلوساً يستمرون جلوساً، وإذا بدءوا الصلاة قياماً يتمون الصلاة قياماً تبعاً للإمام.

    تراجم رجال إسناد حديث: (... إذا صلى الإمام جالساً فصلوا جلوساً وإذا صلى الإمام قائماً فصلوا قياماً...)

    قوله: [ حدثنا عثمان بن أبي شيبة ].

    عثمان بن أبي شيبة ثقة، أخرج له أصحاب الكتب الستة إلا الترمذي .

    [ حدثنا جرير ].

    هو جرير بن عبد الحميد الضبي الكوفي وهو ثقة، أخرج له أصحاب الكتب الستة.

    [ ووكيع ].

    هو وكيع بن الجراح الرؤاسي الكوفي وهو ثقة، أخرج له أصحاب الكتب الستة.

    [ عن الأعمش ].

    هو سليمان بن مهران الكاهلي الكوفي وهو ثقة، أخرج له أصحاب الكتب الستة.

    [ عن أبي سفيان ].

    هو طلحة بن نافع وهو صدوق، أخرج له أصحاب الكتب الستة.

    [ عن جابر ].

    هو جابر بن عبد الله الأنصاري رضي الله عنهما صاحب رسول الله صلى الله عليه وسلم، صحابي ابن صحابي، وهو أحد السبعة المعروفين بكثرة الحديث عن النبي صلى الله عليه وسلم.

    شرح حديث: (... وإذا صلى قائماً فصلوا قياماً وإذا صلى قاعداً فصلوا قعوداً أجمعون)

    قال المصنف رحمه الله تعالى: [ حدثنا سليمان بن حرب ومسلم بن إبراهيم المعنى عن وهيب عن مصعب بن محمد عن أبي صالح عن أبي هريرة قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (إنما جُعل الإمام ليؤتم به، فإذا كبّر فكبروا، ولا تكبّروا حتى يكبّر، وإذا ركع فاركعوا ولا تركعوا حتى يركع، وإذا قال: سمع الله لمن حمده، فقولوا: اللهم ربنا لك الحمد، قال مسلم : ولك الحمد، وإذا سجد فاسجدوا ولا تسجدوا حتى يسجد، وإذا صلى قائماً فصلوا قياماً، وإذا صلى قاعداً فصلوا قعوداً أجمعون).

    قال أبو داود : اللهم ربنا لك الحمد، أفهَمَني بعض أصحابنا عن سليمان ].

    أورد أبو داود رحمه الله حديث أبي هريرة رضي الله تعالى عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (إنما جعل الإمام ليؤتم به) وهذه قضية عامة ما بعدها كله تفسير لها.

    ثم إن متابعة الإمام والائتمام إنما يكون في التقدم والتأخر والركوع والسجود، وكذلك في الجلوس والقيام، وأما الأمور الأخرى التي هي سنن ومستحبات فالإنسان يفعل السنة، وسواء فعلها الإمام أو لم يفعلها، فإذا كان بعض الأئمة لا يرفع يديه عند التكبير عند الركوع والرفع منه والقيام من التشهد الأول فالمأموم له أن يرفع يديه؛ لأن هذه سنة سنها رسول الله صلى الله عليه وسلم، والإمام لا ينبغي له أن يتركها، فمثل هذه الأمور لا يقال: إن الإنسان يتابع إمامه؛ لأن هذا يلزم منه أنه يعرف طريقة إمامه قبل أن يصلي وراءه، وهل يفعلها أو لا يفعلها.

    فإذاً: المتابعة إنما تكون بالقيام والقعود والركوع والسجود وما إلى ذلك.

    قوله: [ (فإذا كبر فكبروا) ] يعني: إذا كبر الإمام للإحرام أو كبر للانتقال عند كل خفض ورفع فإنه يكبر بتكبيره المأموم، إلا عند الرفع من الركوع فإن الإمام يقول: سمع الله لمن حمده، والمأموم يقول: ربنا ولك الحمد، وكذلك أيضاً الإمام يقول: ربنا ولك الحمد.

    فإذاً: المفهوم من قوله: (إذا كبر فكبروا) يعني: أنهم لا يسبقونه وأنهم يكبرون وراءه، فأكد ذلك بقوله: (ولا تكبروا حتى يكبر) وهو لو لم يأت بهذه الجملة لكان قوله: (إذا كبر فكبروا) كافياً، لكن هذا زيادة تأكيد، ولهذا بعض الأحاديث التي مرت: (إذا ركع فاركعوا) وليس فيها: (ولا تركعوا حتى يركع) وكذلك: (وإذا سجدوا فاسجدوا) وليس فيها: (ولا تسجدوا حتى يسجد) يعني: أن هذا من باب التأكيد.

    قوله: [ (وإذا ركع فاركعوا ولا تركعوا حتى يركع) ].

    نعم مثله.

    قوله: [ (وإذا قال: سمع الله لمن حمده فقولوا: اللهم ربنا لك الحمد، قال مسلم : ولك الحمد) ].

    أي: أن قوله: (وإذا قال: سمع الله لمن حمده فقولوا: اللهم ربنا لك الحمد) من طريق سليمان بن حرب شيخه الأول، وقوله: (اللهم ربنا ولك الحمد) من طريق مسلم بن إبراهيم .

    قوله: [ (وإذا سجد فاسجدوا ولا تسجدوا حتى يسجد، وإذا صلى قائماً فصلوا قياماً، وإذا صلى قاعداً فصلوا قعوداً أجمعون) ].

    هذه الجملة الأخيرة هي محل الشاهد للترجمة.

    [ قال أبو داود : (اللهم ربنا لك الحمد، أفهمني بعض أصحابنا عن سليمان) ].

    يعني: لما ذكر أبو داود الحديث من طريق شيخيه: سليمان بن حرب ومسلم بن إبراهيم ، وكان قد أخذ عن شيخيه لفظ الحديث كاملاً، إلا أنه في روايته عن سليمان بن حرب شيخه الأول لم يضبط لفظ: (اللهم ربنا لك الحمد) ، إما أن يكون ما سمعها، أو أنه سمع منه ولكنه لم يفهمه فأفهمه بعض أصحابه الذين كانوا يتلقون معه من شيخهم سليمان بن حرب ، وقال: إنه قال كذا، وهذا من الاحتياط والتوقي والإتقان والعناية من أبي داود رحمه الله.

    تراجم رجال إسناد حديث: (... وإذا صلى قائماً فصلوا قياماً وإذا صلى قاعداً فصلوا قعوداً أجمعون)

    قوله: [ حدثنا سليمان بن حرب ].

    سليمان بن حرب ثقة، أخرج له أصحاب الكتب الستة.

    [ ومسلم بن إبراهيم ].

    مسلم بن إبراهيم ثقة، أخرج له أصحاب الكتب الستة.

    [ المعنى ].

    يعني: المعنى واحد، والألفاظ مختلفة.

    [ عن وهيب ].

    هو وهيب بن خالد وهو ثقة، أخرج له أصحاب الكتب الستة.

    [ عن مصعب بن محمد ].

    مصعب بن محمد لا بأس به، أخرج له أبو داود والنسائي وابن ماجة .

    [ عن أبي صالح ].

    هو أبو صالح ذكوان السمان وهو ثقة، أخرج له أصحاب الكتب الستة.

    [ عن أبي هريرة ].

    هو عبد الرحمن بن صخر الدوسي ، صاحب رسول الله صلى الله عليه وسلم، وهو أحد السبعة المعروفين بكثرة الحديث عن النبي صلى الله عليه وسلم.

    وهذه الأحاديث الثلاثة التي مرّت عن أنس ، وعن جابر ، وعن أبي هريرة ، هؤلاء الثلاثة كلّهم من السبعة المعروفين بكثرة الحديث عن النبي صلى الله عليه وسلم.

    شرح حديث (... وإذا صلى قائماً فصلوا قياماً وإذا صلى قاعداً فصلوا قعوداً أجمعون) من طريق أخرى

    قال المصنف رحمه الله تعالى: [ حدثنا محمد بن آدم المصيصي حدثنا أبو خالد عن ابن عجلان عن زيد بن أسلم عن أبي صالح عن أبي هريرة عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (إنما جعل الإمام ليؤتم به، بهذا الخبر، زاد (وإذا قرأ فأنصتوا).

    قال أبو داود : وهذه الزيادة: (إذا قرأ فأنصتوا) ليست بمحفوظة، الوهم عندنا من أبي خالد ].

    أورد أبو داود حديث أبي هريرة من طريق أخرى وهو مثل ما تقدم، إلا أن فيها زيادة: (وإذا قرأ فأنصتوا) قال أبو داود : وهذه الزيادة غير محفوظة والوهم فيها عندنا من أبي خالد الذي هو أبو خالد الأحمر سليمان بن حيان شيخ شيخه، ولكن المنذري تعقب هذا وقال: إن هذا فيه نظر؛ لأن أبا خالد الأحمر قد توبع على ذلك، وقد جاء من حديث آخر غير هذا الحديث وفيه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (وإذا قرأ فأنصتوا)، وقد جاء عن مسلم رحمه الله أنه سئل عن حديث سليمان بن طرخان التيمي الذي فيه: (وإذا قرأ فأنصتوا) أليس هذا بصحيح؟ فقال: نعم صحيح، قالوا: لماذا لم تضعه في الصحيح، قال: ليس كل حديث صحيح وضعته، فهو حكم بصحته وأشار إلى ذلك في صحيحه عندما سئل عنه، وكما هو معلوم أن البخاري ومسلماً لم يلتزما أن يخرجا كل حديث صحيح، وما أكثر الأحاديث الصحيحة التي لم يخرجها الشيخان.

    وعلى هذا فالحديث من حديث أبي هريرة وغيره، وجاء أيضاً من حديث أبي خالد ، وقد توبع جاء من طريق سليمان بن طرخان التيمي الذي حكم مسلم بصحته، وقال: إنه صحيح، ثم أيضاً هو المطابق للفظ القرآن: وَإِذَا قُرِئَ الْقُرْآنُ فَاسْتَمِعُوا لَهُ وَأَنصِتُوا لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ [الأعراف:204] فالإنصات مطلوب، من الإنسان عندما يقرأ الإمام في الصلاة، ولكن يستثنى من ذلك قراءة الفاتحة فإن الصحيح أن المأموم يقرأ الفاتحة، والإمام يقرأ السورة، وهذه مستثناة؛ لأن النبي صلى الله عليه وسلم أشار إلى ذلك لما قال : (ما لي أنازع القراءة لا تفعلوا إلا بفاتحة الكتاب) يعني: لا تقرءوا والإمام يقرأ إلا بفاتحة الكتاب، فهذا يدل على أن فاتحة الكتاب مستثناة، وأما غير فاتحة الكتاب فعلى المأموم أن ينصت ولا يقرأ شيئاً.

    تراجم رجال إسناد حديث (... وإذا صلى قائماً فصلوا قياماً وإذا صلى قاعداً فصلوا قعوداً أجمعون) من طريق أخرى

    قوله: [ حدثنا محمد بن آدم المصيصي ].

    هو محمد بن آدم المصيصي الجهني وهو صدوق، أخرج حديثه أبو داود والنسائي .

    [ حدثنا أبو خالد ].

    هو أبو خالد الأحمر واسمه سليمان بن حيان وهو صدوق يخطئ، أخرج حديثه أصحاب الكتب الستة.

    [ عن ابن عجلان ].

    هو محمد بن عجلان المدني وهو صدوق، أخرج حديثه البخاري تعليقاً ومسلم وأصحاب السنن.

    [ عن زيد بن أسلم ].

    زيد بن أسلم ثقة، أخرج له أصحاب الكتب الستة.

    [ عن أبي صالح عن أبي هريرة ].

    أبو صالح وأبو هريرة قد مر ذكرهما.

    شرح حديث (... إنما جعل الإمام ليؤتم به فإذا ركع فاركعوا وإذا رفع فارفعوا وإذا صلى جالساً فصلوا جلوساً)

    قال المصنف رحمه الله تعالى: [ حدثنا القعنبي عن مالك عن هشام بن عروة عن أبيه عن عائشة زوج النبي صلى الله عليه وسلم قالت: (صلى رسول الله صلى الله عليه وسلم في بيته وهو جالس، فصلى وراءه قوم قياماً، فأشار إليهم أن اجلسوا، فلما انصرف قال: إنما جُعل الإمام ليؤتّم به، فإذا ركع فاركعوا، وإذا رفع فارفعوا، وإذا صلى جالساً فصلّوا جلوساً) ].

    أورد أبو داود حديث عائشة وهو مثل ما تقدم من الأحاديث في ائتمام المأمومين بالإمام ومتابعتهم له وعدم مسابقتهم له، وأنه إذا صلى جالساً يصلون جلوساً.

    و عائشة من السبعة المعروفين بكثرة الحديث عن النبي صلى الله عليه وسلم.

    فإذاً: مر بنا أربعة رواة في هذا الباب كلهم من السبعة المعروفين بكثرة الحديث عن النبي صلى الله عليه وسلم.

    تراجم رجال إسناد حديث (... إنما جعل الإمام ليؤتم به فإذا ركع فاركعوا وإذا رفع فارفعوا وإذا صلى جالساً فصلوا جلوساً)

    قوله: [ حدثنا القعنبي ].

    القعنبي مر ذكره.

    [ عن مالك ].

    مالك مر ذكره.

    [ عن هشام بن عروة ].

    هشام بن عروة ثقة، أخرج له أصحاب الكتب الستة.

    [ عن أبيه ].

    هو عروة بن الزبير بن العوام وهو ثقة فقيه من فقهاء المدينة السبعة في عصر التابعين، أخرج له أصحاب الكتب الستة.

    [ عن عائشة ].

    هي عائشة أم المؤمنين رضي الله عنها وأرضاها الصديقة بنت الصديق، وهي من أوعية السنة وحفظتها.

    قوله: [ (صلى رسول الله صلى الله عليه وسلم في بيته) ].

    الذي يبدو أنها المشربة التي في بيتها؛ لأن المشربة هي الحجرة والغرفة.

    شرح حديث: (اشتكى النبي فصلينا وراءه وهو قاعد...)

    قال المصنف رحمه الله تعالى: [ حدثنا قتيبة بن سعيد ويزيد بن خالد بن موهب المعنى أن الليث حدثهم عن أبي الزبير عن جابر قال: (اشتكى النبي صلى الله عليه وسلم، فصلينا وراءه وهو قاعد، وأبو بكر يكبر ليسمع الناس تكبيره ..) ثم ساق الحديث ].

    أورد أبو داود رحمه الله حديث جابر بن عبد الله رضي الله عنهما قال: [ (اشتكى النبي صلى الله عليه وسلم فصلينا وراءه وهو قاعد، وأبو بكر يكبر ليسمع الناس تكبيره) ] يعني: هذا الذي يبدو أنه المتعلق بصلاته في بيته، وليس الذي فيه أنه لما كان مريضاً؛ لأن هذا الحديث الذي هو عن جابر فيه أنهم يصلون جلوساً، وأما حديث صلاته في مرض موته فقد صلوا وراءه قياماً ولم يصلوا وراءه جلوساً، فالذي يبدو أن هذا الذي حصل كان في بيته، وجابر رضي الله عنه سبق أنه روى الحديث لكن ليس فيه ذكر أبي بكر .

    تراجم رجال إسناد حديث: (اشتكى النبي فصلينا وراءه وهو قاعد...)

    قوله: [ حدثنا قتيبة بن سعيد ].

    هو قتيبة بن سعيد بن جميل بن طريف وهو ثقة، أخرج له أصحاب الكتب الستة.

    [ ويزيد بن خالد بن موهب ].

    يزيد بن خالد بن موهب ثقة، أخرج له أبو داود والنسائي وابن ماجة .

    [ المعنى أن الليث حدثهم ].

    هو الليث بن سعد المصري وهو ثقة فقيه، أخرج له أصحاب الكتب الستة.

    [ عن أبي الزبير ].

    هو محمد بن مسلم بن تدرس المكي وهو صدوق يدلس، وحديثه أخرجه أصحاب الكتب الستة.

    [ عن جابر ].

    هو جابر بن عبد الله وقد مر ذكره.

    شرح حديث: (إذا صلى قاعداً فصلوا قعوداً)

    قال المصنف رحمه الله تعالى: [ حدثنا عبدة بن عبد الله أخبرنا زيد -يعني ابن الحباب - عن محمد بن صالح حدثني حصين من ولد سعد بن معاذ عن أسيد بن حضير : (أنه كان يؤمهم، قال: فجاء رسول الله صلى الله عليه وسلم يعوده، فقالوا: يا رسول الله! إن إمامنا مريض، فقال: إذا صلى قاعداً فصلوا قعوداً).

    قال أبو داود : وهذا الحديث ليس بمتصل ].

    أورد أبو داود رحمه الله حديث أسيد بن حضير رضي الله عنه وفيه: أنه كان مريضاً وكان إمام قومه، وكان النبي صلى الله عليه وسلم زارهم وقالوا: إن إمامنا مريض، فقال: (إذا صلى قاعداً فصلوا قعوداً).

    [ قال أبو داود : وهذا الحديث ليس بمتصل ].

    أي: أن حصين بن عبد الرحمن بن عمرو بن سعد بن معاذ لم يدرك أسيد بن حضير فيكون فيه انقطاع بين حصين هذا وبين أسيد بن حضير ، لكن الحديث مطابق للأحاديث المتقدمة فهو ثابت من غير هذا الطريق.

    تراجم رجال إسناد حديث: (إذا صلى قاعداً فصلوا قعوداً)

    قوله: [ حدثنا عبدة بن عبد الله ].

    هو عبدة بن عبد الله الصفار وهو ثقة، أخرج حديثه البخاري وأصحاب السنن .

    [ أخبرنا زيد يعني ابن الحباب ].

    زيد بن الحباب صدوق يخطئ في حديث الثوري ، أخرج حديثه البخاري في جزء القراءة ومسلم وأصحاب السنن.

    [ عن محمد بن صالح ].

    هو محمد بن صالح الأزرق وهو مقبول، أخرج له أبو داود والنسائي وابن ماجة .

    أو محمد بن صالح بن دينار التمار مولى الأنصار .

    أنا رأيت في تهذيب التهذيب أن زيد الحباب من شيوخه وكذا في تحفة الأشراف.

    [ حدثني حصين من ولد سعد بن معاذ ].

    حصين بن عبد الرحمن بن عمرو بن سعد بن معاذ ، وهو مقبول، أخرج حديثه أبو داود والنسائي .

    [ عن أسيد بن حضير ].

    أسيد بن حضير صاحب رسول الله صلى الله عليه وسلم، وحديثه أخرجه أصحاب الكتب الستة.

    1.   

    ما جاء في الرجلين يؤم أحدهما الآخر كيف يقومان

    شرح حديث أنس: (... أقامني عن يمينه على بساط)

    قال المصنف رحمه الله تعالى: [ باب الرجلين يؤم أحدهما صاحبه كيف يقومان.

    حدثنا موسى بن إسماعيل حدثنا حماد أخبرنا ثابت عن أنس : (أن رسول الله صلى الله عليه وسلم دخل على أم حرام فأتوه بسمن وتمر، فقال: ردّوا هذا في وعائه وهذا في سقائه؛ فإني صائم، ثم قام فصلى بنا ركعتين تطوعاً، فقامت أم سليم وأم حرام خلفنا، قال ثابت : ولا أعلمه إلا قال: أقامني عن يمينه على بساط) ].

    أورد أبو داود باب الرجلين يؤم أحدهما صاحبه كيف يقومان.

    يعني: موقف المأموم من الإمام كيف يكون؟ والجواب: أنه يكون عن يمينه مساوياً له ومسامتاً له ومحاذياً له، ولا يكون عن يساره ولا يكون وراءه، هذا هو الحكم.

    أورد أبو داود حديث أنس رضي الله عنه: (أن النبي صلى الله عليه وسلم زار أم حرام بنت ملحان خالة أنس بن مالك رضي الله عنه فقدمت له تمراً وسمناً فقال: ردوا هذا في وعائه).

    يعني: التمر.

    قوله: [ (وردوا هذا في سقائه)] يعني: السمن.

    قوله: [ (ثم قام فصلى بنا ركعتين تطوعاً فقامت أم سليم وأم حرام خلفنا) ].

    يعني: أن أم حرام خالته صلت خلفهم كذلك أم سليم ، وأنس رضي الله عنه صف مع رسول الله صلى الله عليه وسلم عن يمينه.

    قوله: [ (قال ثابت : ولا أعلمه إلا قال: أقامني عن يمينه على بساط) ].

    يعني: أن موقف المأموم إذا كان واحداً يكون عن يمين الإمام، يكنّ صفاً وحدهن وراءهم.

    وهذا الحديث يدل على جواز صلاة الجماعة في التطوع في بعض الأحيان وليس دائماً.

    تراجم رجال إسناد حديث أنس: (... أقامني عن يمينه على بساط)

    قوله: [ حدثنا موسى بن إسماعيل ].

    هو موسى بن إسماعيل التبوذكي وهو ثقة، أخرج له أصحاب الكتب الستة.

    [ حدثنا حماد ].

    هو حماد بن سلمة وهو ثقة، أخرج له البخاري تعليقاً ومسلم وأصحاب السنن.

    [ أخبرنا ثابت ].

    هو ثابت بن أسلم البناني وهو ثقة، أخرج له أصحاب الكتب الستة.

    [ عن أنس ].

    أنس وقد مر ذكره، وهذا الحديث من الرباعيات وهي أعلى ما يكون عند أبي داود.

    شرح حديث أنس: (أن رسول الله أمّه وامرأة منهم فجعله عن يمينه ...)

    قال المصنف رحمه الله تعالى: [ حدثنا حفص بن عمر حدثنا شعبة عن عبد الله بن المختار عن موسى بن أنس يحدث عن أنس : (أن رسول الله صلى الله عليه وسلم أَمَّهُ وامرأة منهم، فجعله عن يمينه والمرأة خلف ذلك) ].

    أورد أبو داود حديث أنس وفيه: (أن النبي صلى الله عليه وسلم أمه وامرأة منهم فكان أنس عن يمينه والمرأة وراءهم) يعني: خلفهم صفاً وحدها، وهذا يدل على ما دل عليه الحديث السابق على أن المأموم إذا كان واحداً يكون عن يمين الإمام، وأن النساء يكن خلفهم، حتى وإن كانت امرأة واحدة فإنها تكون صفاً وحدها، ولا تصف بجوار الرجال، حتى لو صلى رجل وامرأة فإنها تكون صفاً وراءه ولا تكون بجواره، ولو كانت زوجته ولو كانت قريبته.

    واستدل بعض أهل العلم بهذا الحديث على أن المرأة لا يجوز أن تكون إمامة للرجال، وذلك أنها إذا لم يؤذن لها بأن تكون صفاً معهم وقد يكونون من أقاربها، فمن باب أولى أنها لا تؤم الرجال.

    تراجم رجال إسناد حديث أنس: (أن رسول الله أَمّه وامرأة منهم فجعله عن يمينه ...)

    قوله: [ حدثنا حفص بن عمر ].

    حفص بن عمر ثقة، أخرج حديثه البخاري وأبو داود والنسائي .

    [ حدثنا شعبة ].

    هو شعبة بن الحجاج الواسطي ثم البصري وهو ثقة، أخرج له أصحاب الكتب الستة.

    [ عن عبد الله بن المختار ].

    عبد الله بن المختار لا بأس به وهي بمعنى صدوق، أخرج حديثه مسلم وأبو داود والترمذي في الشمائل والنسائي وابن ماجة .

    [ عن موسى بن أنس ].

    هو موسى بن أنس بن مالك وهو ثقة، أخرج له أصحاب الكتب الستة.

    [ يحدث عن أنس ].

    أنس قد مر ذكره.

    هذا الحديث في كون المرأة تكون صفاً وحدها يدل على أن قوله: (لا صلاة لمنفرد خلف الصف) يكون في حق الرجال ولا يكون في حق النساء، بل المرأة تصلي وحدها صفاً.

    شرح حديث ابن عباس: (... فقمت عن يساره فأخذني بيمينه فأدارني من ورائه فأقامني عن يمينه)

    قال المصنف رحمه الله تعالى: [ حدثنا مسدد حدثنا يحيى عن عبد الملك بن أبي سليمان عن عطاء عن ابن عباس قال: (بِتُّ في بيت خالتي ميمونة ، فقام رسول الله صلى الله عليه وسلم من الليل، فأطلق القربة فتوضأ ثم أوكأ القربة ثم قام إلى الصلاة، فقمت فتوضأت كما توضأ، ثم جئتُ فقمت عن يساره فأخذني بيمينه فأدارني من ورائه فأقامني عن يمينه فصليت معه) ].

    أورد أبو داود حديث ابن عباس رضي الله عنهما وفيه: أنه بات عند خالته ميمونة ، وأن النبي صلى الله عليه وسلم قام من الليل وأخذ ماء من القربة وتوضأ وشرع في الصلاة، فقام ابن عباس وتوضأ وجاء وصف بجوار رسول الله صلى الله عليه وسلم من جهة اليسار، فأداره الرسول صلى الله عليه وسلم عن يمينه، فهذا يدل على أن موقف المأموم إذا كان واحداً يكون عن يمين الإمام، ويدل أيضاً على أن أقل الجماعة اثنان، ويدل أيضاً على جواز صلاة النافلة جماعة، ويدل أيضاً على أنه لا يلزم نية الإمامة عند بدء الدخول في الصلاة؛ لأن ابن عباس رضي الله عنهما بعدما دخل الرسول صلى الله عليه وسلم في الصلاة جاء ودخل معه، ولم يكن الرسول صلى الله عليه وسلم ناوياً أن يكون إماماً؛ لأن نية الإمامة ما جاءت إلا بعدما وجد المأموم، وقبل ذلك لم يكن هناك مأموم وإنما دخل رسول الله عليه الصلاة والسلام في الصلاة منفرداً، ثم وجدت الإمامة بعد ذلك لما جاء المأموم، وأيضاً يدل على أن مثل تلك الحركة لا تؤثر.

    كذلك يجوز التحول من مأموم إلى إمام، كإنسان فاتته الصلاة فوجد مسبوقاً يقضي الركعات التي فاتته فدخل معه.

    تراجم رجال إسناد حديث ابن عباس: (... فقمت عن يساره فأخذني بيمينه فأدارني من ورائه فأقامني عن يمينه)

    قوله: [ حدثنا مسدد ].

    هو مسدد بن مسرهد وهو ثقة، أخرج حديثه البخاري وأبو داود والترمذي والنسائي .

    [ حدثنا يحيى ].

    هو يحيى بن سعيد القطان وهو ثقة، أخرج له أصحاب الكتب الستة.

    [ عن عبد الملك بن أبي سليمان ].

    عبد الملك بن أبي سليمان صدوق له أوهام، أخرج حديثه البخاري تعليقاً ومسلم وأصحاب السنن.

    [ عن عطاء ].

    هو عطاء بن أبي رباح المكي وهو ثقة، أخرج له أصحاب الكتب الستة.

    [ عن ابن عباس ].

    ابن عباس قد مر ذكره.

    شرح حديث ابن عباس من طريق أخرى

    قال المصنف رحمه الله تعالى: [ حدثنا عمرو بن عون أخبرنا هشيم عن أبي بشر عن سعيد بن جبير عن ابن عباس في هذه القصة قال: (فأخذ برأسي أو بذؤابتي فأقامني عن يمينه) ].

    أورد أبو داود حديث ابن عباس من طريق أخرى وهو مثل ما تقدم إلا أنه قال: (أخذ برأسي أو بذؤابتي) يعني: شعر رأسه.

    قوله: [ (فأقامني عن يمينه) ] يعني: حوله من جهة اليسار إلى جهة اليمين.

    تراجم رجال إسناد حديث ابن عباس من طريق أخرى

    قوله: [ حدثنا عمرو بن عون ].

    عمرو بن عون ثقة، أخرج له أصحاب الكتب الستة.

    [ أخبرنا هشيم ].

    هو هشيم بن بشير الواسطي وهو ثقة، أخرج له أصحاب الكتب الستة.

    [ عن أبي بشر ].

    هو جعفر بن إياس المشهور بـابن أبي وحشية وهو ثقة، أخرج له أصحاب الكتب الستة.

    [ عن سعيد بن جبير ].

    سعيد بن جبير ثقة، أخرج له أصحاب الكتب الستة.

    [ عن ابن عباس ].

    ابن عباس قد مر ذكره.

    هذا يدل على ما كان عليه الصحابة رضي الله عنهم وأرضاهم صغارهم وكبارهم من الحرص على معرفة السنن ومعرفة أحكام الشريعة ومتابعتهم الرسول صلى الله عليه وسلم؛ ليعرفوا أفعاله حتى يتبعوه وحتى يسيروا على نهجه صلى الله عليه وسلم، وابن عباس رضي الله عنهما مع كونه صغيراً فهو ممن كثر حديثه عن رسول الله، وكذلك أنس .