إسلام ويب

شرح سنن أبي داود [069]للشيخ : عبد المحسن العباد

  •  التفريغ النصي الكامل
  • للصلاة أحكام شرعية تخصها، منها: النهي عن أدائها في معاطن الإبل؛ لأنه لا يتمكن المصلي من الخشوع فيها لنفور الإبل وشدتها وغلظ طباعها، وقد يلحق به الضرر بذلك، ومن أحكامها أمر الصبيان بها عند بلوغ السابعة وضربهم عليها عند العاشرة، ليتعودوا عليها وليعلموا أحكامها قبل أن يكلفوا بها.

    1.   

    النهي عن الصلاة في مبارك الإبل

    شرح حديث: (سئل رسول الله عن الصلاة في مبارك الإبل ...)

    قال المصنف رحمه الله تعالى: [ باب النهي عن الصلاة في مبارك الإبل.

    حدثنا عثمان بن أبي شيبة حدثنا أبو معاوية حدثنا الأعمش عن عبد الله بن عبد الله الرازي عن عبد الرحمن بن أبي ليلى عن البراء بن عازب رضي الله عنهما قال: (سئل رسول الله صلى الله عليه وسلم عن الصلاة في مبارك الإبل فقال: لا تصلوا في مبارك الإبل؛ فإنها من الشياطين. وسئل عن الصلاة في مرابض الغنم، فقال: صلوا فيها؛ فإنها بركة).

    أورد أبو داود رحمه الله تعالى هذه الترجمة، وهي: باب النهي عن الصلاة في مبارك الإبل، والمقصود من هذه الترجمة هو بيان أن الأماكن التي تبرك فيها الإبل وتكون مقراً لها وتعطن فيها لا يصلى فيها، وليس ذلك لنجاسة أبوالها وأرواثها، فإنها طاهرة، وبول وروث كل ما يأكل لحمه طاهر، ولهذا النبي صلى الله عليه وسلم أرشد العرنيين إلى أن يشربوا من أبوال الإبل وألبانها، وكذلك أدخل البعير في المسجد ليطوف عليه، وفي هذا دلالة على أن بوله وروثه ليس بنجس، ولكن المنع من ذلك والنهي عن ذلك إنما هو لما في الإبل من الشدة ولما فيها من الغلظة وأنها لو حصل منها شرود أو نفور فإنها تلحق الضرر بمن يصلي حولها، أو -على الأقل- تشوش عليه في صلاته، فيكون مشغولاً بما يحصل من نفورها أو شرودها، فيتشوش فكره وذهنه فينشغل عن صلاته، بخلاف الغنم فإنها ليست كذلك لهدوئها وسكينتها، ولو حصل منها نفور أو شرود فإنه لا يحصل الضرر لمن يصلي حولها، وإنما الضرر يكون من الإبل، ولهذا فإن أصحاب الإبل تغلب عليهم الشدة والغلظة، وتكون طباع الإبل وغلظتها وشدتها مؤثرة فيهم، بخلاف أصحاب الغنم، فإنه يكون عندهم السكينة والهدوء؛ لأن شأن الغنم كذلك.

    وقد أورد أبو داود رحمه الله حديث البراء بن عازب رضي الله عنهما أن النبي صلى الله عليه وسلم سئل عن الصلاة في مبارك الإبل فقال: (لا تصلوا في مبارك الإبل فإنها من الشياطين).

    وقوله: [(فإنها من الشياطين)] المقصود من ذلك ما في الإبل من الشدة والغلظة ونفرة الطباع، وهذه الشدة والغلظة صفات من صفات الشياطين، وليس معنى ذلك أن مادتها كمادة الشياطين؛ لأن الشياطين خلقت من نار والإنس أصل مادتهم من تراب.

    فإذاً: ليس كونها من الشياطين بمعنى أنها خلقت من مادة الشياطين، وإنما المقصود من ذلك أنها من جملة الشياطين أو من جنس الشياطين المتمردة، والمتمرد من الإنس والجن يقال له: شيطان، فالإنس فيهم شياطين والجن فيهم شياطين، وهم المتمردون الذين عندهم الخبث وعندهم السوء وعندهم الشدة وعندهم الغلظة وعندهم الأذى.

    فإذاً: هذا هو المقصود بكونها من الشياطين، ولهذا فإنه إذا حصل منها شيء والناس حولها يصلون في معاطنها وفي مباركها فإنه يحصل لهم بسببها ما يحصل من الضرر، وكذلك لو كانت ليست في مباركها ومعاطنها فيمكن أن تأتي والناس يصلون في معاطنها ومباركها فيحصل التأثير، وعلى هذا فإن المنع من الصلاة في مبارك الإبل ليس لنجاسة أبوالها وأرواثها، فإنها طاهرة، ولكن لما جاء فيها من وصف الشدة وأنها من الشياطين، أي: فيحصل منها الأذى ويحصل منها الضرر لمن يصلي في مباركها ومعاطنها، سواء أكانت موجودة فيها أم كانت في طريقها إليها أم كانت حولها، فإنه إذا صلى فيها أحد قد تأتي إلى مباركها فيحصل لمن يصلي حولها التشويش على الأقل في صلاته إن لم يحصل له شيء من الضرر بكونها تخبطه أو يحصل له ضرر بفعلها.

    وقوله: [(وسئل عن الصلاة في مرابض الغنم، فقال: صلوا فيها فإنها بركة)] يعني أنها فيها الهدوء وفيها السكينة، ولا يحصل ضرر على من يصلي في أماكنها؛ لأنها ولو حصل منها نفور فلن يحصل منها أنها تؤذي صاحبها أو من يكون حولها، بخلاف الإبل، فإنها تقتله وتهلكه وتقضي عليه.

    والغنم وردت فيها بعض الأحاديث، ومنها الحديث الذي فيه ذكر العزلة، وأنه سيأتي زمان يكون فيه خير مال المرء غنيمة يتتبع بها شعف الجبال يفر من الفتن، ولكن المقصود هنا أن الغنم فيها هدوء وفيها سكينة وصاحبها يكون فيه تواضع، والإبل فيها شدة وأصحابها فيهم شدة، ولهذا جاءت الأحاديث في أصحاب الإبل تصفهم بالغلظة والشدة وتصف أصحاب الغنم بالهدوء والسكينة.

    تراجم رجال إسناد حديث: (سئل رسول الله عن الصلاة في مبارك الإبل ...)

    قوله: [ حدثنا عثمان بن أبي شيبة ].

    عثمان بن أبي شيبة ثقة، أخرج له أصحاب الكتب الستة إلا الترمذي .

    [ حدثنا أبو معاوية ].

    أبو معاوية محمد بن خازم الضرير الكوفي، ثقة، أخرج له أصحاب الكتب الستة.

    [ حدثنا الأعمش ].

    هو سليمان بن مهران الكاهلي الكوفي، ثقة، أخرج له أصحاب الكتب الستة.

    [ عن عبد الله بن عبد الله الرازي ].

    عبد الله بن عبد الله الرازي صدوق، أخرج له أبو داود والترمذي والنسائي في مسند علي وابن ماجة .

    [ عن عبد الرحمن بن أبي ليلى ].

    عبد الرحمن بن أبي ليلى الكوفي ثقة، أخرج له أصحاب الكتب الستة.

    [ عن البراء بن عازب ].

    هو البراء بن عازب صاحب رسول الله صلى الله عليه وسلم رضي الله عنه وأرضاه، وحديثه أخرجه أصحاب الكتب الستة.

    1.   

    متى يؤمر الغلام بالصلاة

    شرح حديث (مروا الصبي بالصلاة إذا بلغ سبع سنين)

    قال المصنف رحمه الله تعالى: [ باب متى يأمر الغلام بالصلاة؟

    حدثنا محمد بن عيسى -يعني: ابن الطباع - حدثنا إبراهيم بن سعد عن عبد الملك بن الربيع بن سبرة عن أبيه عن جده رضي الله عنه قال: قال النبي صلى الله عليه وسلم: (مروا الصبي بالصلاة إذا بلغ سبع سنين، وإذا بلغ عشر سنين فاضربوه عليها) ].

    أورد أبو داود رحمه الله هذه الترجمة، وهي: [باب متى يأمر الصبي بالصلاة؟] والمقصود من ذلك الوقت الذي يؤمر فيه الصغير بالصلاة، ولا فرق بين الذكر والأنثى، فإن ذكر الصبي أو ذكر الغلام ليس معناه اختصاص الأمر بالذكور دون الإناث، وإنما المقصود من ذلك الأولاد، ولهذا جاء في رواية أو في طريق من الطرق: (مروا أولادكم بالصلاة) والأولاد لفظ يشمل الذكور والإناث.

    والمقصود من قوله: [متى يأمر الغلام بالصلاة] يعني: حتى يتمرن وحتى يتعود وحتى يكون على علم بالصلاة وكيفيتها، وما هو مطلوب فيها وما مطلوب لها، وما يتعلق بشروطها وأركانها والأمور التي يكون بها أداؤها، حتى إذا جاء سن التكليف يكون على علم سابق بما هو مكلف به، لا أن يترك حتى يبلغ ثم يُعَلم ويمرن، وإنما يمرن قبل أن يبلغ، يمرن وهو صغير، لكن متى؟ هل يؤمر وهو صغير جداً أم أن هناك حداً جاء أمر الآباء والأمهات بأن يأمروا عنده أبناءهم أو أولادهم بالصلاة؟

    وردت الأحاديث في ذلك عن رسول الله صلى الله عليه وسلم بأنه يؤمر وهو ابن سبع، فإذا بلغ سبعاً فإنه يأمره أبوه وأمه بالصلاة.

    وقد أورد أبو داود رحمه الله حديث سبرة بن معبد الجهني رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (مروا الصبي بالصلاة إذا بلغ سبع سنين، وإذا بلغ عشر سنين فاضربوه عليها) يعني أنه يؤمر كلاماً وترهيباًً وحثاً إذا بلغ سبع سنين، والأمر بالصلاة يكون بتعليمه إياها وكيفيتها وكذلك ما يسبقها من وضوء وما إلى ذلك، وإذا بلغ عشر سنين وحصل منه تهاون فيها أو امتناع عن أدائها فإنه يضرب على ذلك ضرباً غير مبرح ينفعه ولا يضره، ينفعه في الزجر والتخويف والردع، ولا يضره بأن يلحق به ضرراً في جسمه أو في أعضائه، فيضرب ضرباً غير مبرح ينفع ولا يضر؛ لأنه لا يكلف إلا إذا بلغ، ولكن هذا من أجل التعويد والتمرين والترويض حتى يكون على علم سابق قبل أن يصل إلى البلوغ، حتى إذا بلغ يكون قد عرف ما يتعلق بالصلاة وما هو مطلوب منه، فهو أمر للتمرين وللتعويد وليس لأنه مكلف؛ لأن القلم رفع عن الصغير حتى يبلغ، كما جاء في الحديث: (رفع القلم عن ثلاثة: المجنون حتى يفيق، والصغير حتى يبلغ، والنائم حتى يستيقظ) يعني أن هؤلاء مرفوع عنهم القلم، وعلى هذا فأمر الصبي إنما هو من أجل تعويده لا من أجل أنه مكلف.

    قال بعض أهل العلم: وكون الغلام يضرب على الصلاة وهو لم يبلغ يدل على أن العقوبة إذا حصل البلوغ أشد. قالوا: وليس هناك أشد من الضرب إلا القتل. أي: أن القتل هو الذي يأتي وراء الضرب.

    وقد اختلف العلماء في حكم تارك الصلاة هل يقتل حداً أو يقتل ردةً أو أنه لا يقتل ولكنه يسجن، على أقوال في ذلك، ولكن أرجحها أن من ترك الصلاة متعمداً فإنه يكون كافراً، وقد جاءت في ذلك الأحاديث عن رسول الله صلى الله عليه وسلم التي تدل على ذلك، ومنها قوله: (العهد الذي بيننا وبينهم الصلاة فمن تركها فقد كفر) وقوله: (بين الرجل وبين الكفر أو الشرك ترك الصلاة) وكذلك ما جاء عن النبي صلى الله عليه وسلم في الخروج على الأئمة أنه لا يخرج عليهم إلا إذا وجد كفر بواح عند الناس فيه من الله برهان، وجاء أنهم لا ينابذوا ما صلوا، أي أنه إذا كانوا يصلون لا يخرج عليهم؛ لأنهم مسلمون، وإذا لم يصلوا فإنه يخرج عليهم، فكل هذه الأحاديث تدل على كفر تارك الصلاة.

    والحاصل أن ما جاء في الحديث من ذكر الضرب لمن بلغ العشر وهو غير مكلف يدل على أنه إذا كلف تكون العقوبة أشد.

    تراجم رجال إسناد حديث: (مروا الصبي بالصلاة إذا بلغ سبع سنين ...)

    قوله: [ حدثنا محمد بن عيسى يعني: ابن الطباع ].

    محمد بن عيسى بن الطباع ثقة، أخرج حديثه البخاري تعليقاً ومسلم وأبو داود والنسائي والترمذي في الشمائل وابن ماجة .

    وكلمة [يعني: ابن الطباع] قالها من دون أبي داود ؛ لأن أبا داود لا يحتاج إلى أن يقول: (يعني)، وإنما الذي يقول ذلك هو من دونه.

    [ حدثنا إبراهيم بن سعد ].

    إبراهيم بن سعد ثقة، أخرج له أصحاب الكتب الستة.

    [ عن عبد الملك بن الربيع بن سبرة ].

    عبد الملك بن الربيع بن سبرة وثقه العجلي ، أخرج له مسلم وأبو داود والترمذي وابن ماجة .

    [ عن أبيه ].

    أبوه هو الربيع بن سبرة، ثقة، أخرج له مسلم وأصحاب السنن.

    [ عن جده ].

    جده هو سبرة بن معبد الجهني رضي الله عنه، صحابي، أخرج له البخاري تعليقاً ومسلم وأصحاب السنن.

    شرح حديث: (مروا أولادكم بالصلاة وهم أبناء سبع سنين ...)

    قال المصنف رحمه الله تعالى: [ حدثنا مؤمل بن هشام -يعني: اليشكري -حدثنا إسماعيل عن سوار أبي حمزة -قال أبو داود : وهو سوار بن داود أبو حمزة المزني الصيرفي -عن عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (مروا أولادكم بالصلاة وهم أبناء سبع سنين، واضربوهم عليها وهم أبناء عشر سنين، وفرقوا بينهم في المضاجع). ]

    أورد أبو داود رحمه الله حديث عبد الله بن عمرو بن العاص رضي الله تعالى عنهما أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: [(مروا أولادكم بالصلاة وهم أبناء سبع سنين، واضربوهم عليها وهم أبناء عشر سنين، وفرقوا بينهم في المضاجع)].

    وهنا قال: [(مروا أولادكم)] وهذا يشمل الذكور والإناث، كما قال الله عز وجل: يُوصِيكُمُ اللَّهُ فِي أَوْلادِكُمْ لِلذَّكَرِ مِثْلُ حَظِّ الأُنثَيَيْنِ [النساء:11]، فذكر الأولاد وأن ميراثهم للذكر مثل حظ الأنثيين، وذكر الأولاد يشمل الذكور والإناث، فقوله: [(أولادكم)] يعني ذكورهم وإناثهم.

    وقوله: [(مروا أولادكم بالصلاة وهم أبناء سبع سنين، واضربوهم عليها وهم أبناء عشر سنين)]، متفق مع حديث سبرة بن معبد الذي قبله، وهنا زيادة: [(وفرقوا بينهم في المضاجع)] يعني أنهم لا يضطجع بعضهم مع بعض؛ حتى لا يحصل شيء من دواعي الشر أو شيء من الشيطان بحيث يحرك بعضهم على بعض، فلا يكون هناك اضطجاع من بعضهم مع بعضهم، وإنما يكون هناك تفريق، سواء أكانوا ذكوراً وإناثاً أم ذكرواً فقط أم إناثاً فقط؛ لأنه عندما يحصل التقارب يحصل بسببه شيء من تحريك الشهوة أو الفتنة أو ما إلى ذلك، فجاءت السنة بأن يمرنوا على ذلك، وأن يعودوا على ذلك وهم صغار، بحيث يبتعد بعضهم عن بعض، ولا يكون هناك تلاصق وتقارب بحيث يحصل معه شيء لا تحمد عقباه.

    تراجم رجال إسناد حديث: (مروا أولادكم بالصلاة وهم أبناء سبع سنين ...)

    قوله: [ حدثنا مؤمل بن هشام -يعني اليشكري- ].

    مؤمل بن هشام اليشكري ثقة، أخرج له البخاري وأبو داود والنسائي .

    وكلمة [يعني: اليشكري] هي ممن دون أبي داود ؛ لأن مؤمل بن هشام شيخه، فلا يحتاج إلى أن يقول فيه (يعني) وإنما الذي يحتاج إليه هو من دونه.

    [ حدثنا إسماعيل ].

    هو إسماعيل بن إبراهيم بن مقسم الأسدي مولاهم، المشهور بـابن علية، ثقة، أخرج له أصحاب الكتب الستة.

    [ عن سوار أبي حمزة- قال أبو داود : وهو سوار بن داود أبو حمزة المزني الصيرفي ].

    لما ذكر أبو داود رحمه الله هذا الراوي الذي يروي عنه إسماعيل بن علية، وهو سوار أبو حمزة المذكور باسمه وكنيته أراد أن يوضح اسمه واسم أبيه ونسبته؛ لأنه حصل هناك اختلاف في ذكر اسمه في التقديم والتأخير، ووهم بعضهم في ذكر اسمه، فأراد المصنف أن يوضح اسمه ونسبه على الصواب؛ حتى يتبين بعد ذلك أن ما جاء خلاف ما نبه عليه غير صحيح، وأن الصحيح هو هذا، والذي جاء في هذه الرواية صحيح لكنه مختصر، ففي السند أنه سوار أبو حمزة ، ولم يذكر اسم أبيه ولا نسبته، فذكرها المصنف وقال: [ وهو سوار بن داود أبو حمزة الصيرفي ] فـأبو داود أراد أن يوضح هذا الشخص الذي ذكر باسمه وكنيته فقط؛ لأنه سينبه فيما بعد على أنه حصل خطأ من بعض الرواة في ذكر اسمه بالتقديم والتأخير بينه وبين أبيه، وبعضهم، وهم في اسمه كما سينبه على ذلك، فهذا هو السبب الذي جعل أبا داود يذكر في الإسناد واسمه واسم أبيه وكنيته ونسبته.

    وهو صدوق له أوهام، أخرج له أبو داود وابن ماجة.

    [ عن عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده ].

    هو عمرو بن شعيب بن محمد بن عبد الله بن عمرو بن العاص، وهو صدوق، أخرج حديثه البخاري في جزء القراءة وأصحاب السنن، وهو يروي عن أبيه شعيب بن محمد بن عبد الله ، وهو -أيضاً- صدوق، أخرج له البخاري في جزء القراءة وفي الأدب المفرد وأصحاب السنن الأربعة، وهو يروي عن جده، والمراد بالجد هو عبد الله بن عمرو بن العاص ، والمقصود من ذلك أن شعيباً يروي عن جده وليس عن أبيه، والمقصود بالجد هو عبد الله بن عمرو جد شعيب ، وهو -أيضاً- يكون جد عمرو بن شعيب ، ولكن ليس المقصود أن الجد هو جد عمرو ؛ فإنه سيكون محمداً وليس عبد الله بن عمرو ، وإذا كان كذلك فإنه يكون مرسلاً؛ لأن محمداً تابعي، وليس له رواية عن الرسول صلى الله عليه وسلم، والحديث متصل لا انقطاع فيه ولا إرسال، فـعمرو يروي عن شعيب وشعيب يروي عن عبد الله، وليس عن محمد ، ولهذا قال الحافظ ابن حجر صح سماعه من جده عبد الله بن عمرو . يعني: صح سماع شعيب من جده عبد الله بن عمرو ، وعبد الله بن عمرو بن العاص رضي الله تعالى عنهما صحابي جليل، وهو أحد العبادلة الأربعة من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم، وهم: عبد الله بن عمرو وعبد الله بن عمر وعبد الله بن الزبير وعبد الله بن عباس.

    ويقولون في الإسناد الذي فيه عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده: إنه يكون حسناً إذا صح الإسناد إلى عمرو . فإذا صح الإسناد وإذا استقام الإسناد إلى عمرو فهو من قبيل الحسن؛ لأنه صدوق وأبوه صدوق، فالإشكال هو فيما إذا كان الضعف دون عمرو، وأما إذا وصل الإسناد إليه واستقام إليه فحديثه حسن.

    شرح حديث: (مروا أولادكم بالصلاة وهم أبناء سبع سنين ...) من طريق أخرى

    قال المصنف رحمه الله تعالى: [ حدثنا زهير بن حرب حدثنا وكيع حدثني داود بن سوار المزني بإسناده ومعناه وزاد: (وإذا زوج أحدكم خادمه عبده أو أجيره فلا ينظر إلى ما دون السرة وفوق الركبة).

    قال أبو داود : وهم وكيع في اسمه، وروى عنه أبو داود الطيالسي هذا الحديث فقال: حدثنا أبو حمزة سوار الصيرفي ].

    هنا وقع قلب في الإسناد، فـداود بن سوار هو سوار بن داود ، ولهذا فإن أبا داود رحمه الله لما قال في أثناء الإسناد المتقدم: [ وهو سوار بن داود أبو حمزة الصيرفي ] أراد أن يبين أنه سيأتي في هذا الإسناد اسمه مقلوباً.

    وقوله: [ بإسناده ومعناه وزاد: (وإذا زوج أحدكم خادمه عبده أو أجيره فلا ينظر إلى ما دون السرة وفوق الركبة) ].

    يعني: أنه بمعنى الحديث المتقدم، وفيه زيادة: [(وإذا زوج أحدكم خادمه عبده أو أجيره فلا ينظر إلى ما دون السرة وفوق الركبة)] لأن ذلك عورة، والمقصود بالخادم هنا الأمة، فإذا كان الإنسان له أمة وهي ملك يمين كما هو معلوم فله أن يجامعها وأن يستمتع بها ويطلع على عورتها وتطلع على عورته. فإذا زوجها: فلا ينظر إلى ما فوق الركبة ودون السرة؛ لأن بضعها خرج من ملكه، وانتقل من كونه حلالاً له إلى كونه حلالاً لغيره وحراماً عليه؛ لأن الأمة التي تكون في عصمته هي التي تكون عنده يجامعها، ثم بعدما يستبرؤها ويزوجها يحرم عليه الاستمتاع بها ويحرم عليه النظر إلى عورتها، وكذلك أيضاً يمكن أن يكون الضمير في قوله: [(لا ينظر)] عائداً على الخادم، يعني: لا تنظر إلى السيد؛ لأنه صار حراماً؛ لأن في الحديث: (احفظ عورتك إلا من زوجتك وما ملكت يمينك)، وهي بالنسبة لملك اليمين خرجت عنه من حيث منفعة الاستمتاع إذا زوجها، وإنما تكون منفعة الاستمتاع له حيث لا تكون مزوجة، فإذا كانت كذلك فهو الذي يستمتع بها ويرى عورتها وترى عورته، لكن إذا زوجها صار الزوج هو الذي حل محله في ذلك بحيث يرى عورتها وترى عورته.

    وقوله: (إذا زوج أحدكم خادمه عبده أو أجيره) يعني: غلامه الذي هو مملوك له، أو شخصاً أجيراً عنده، أي أنه حر، لكنه استأجره ليخدمه بالأجرة، فإذا زوجه أمته فليس للسيد أن ينظر إلى عورة الأمة؛ وليس له أن ينظر إلى بضعها ولا إلى عورتها، وكذلك الأمة لا تنظر إلى عورة سيدها؛ لأن الاستمتاع ليس له وإنما هو لغيره.

    تراجم رجال إسناد حديث (مروا أولادكم بالصلاة ..) من طريق أخرى

    قوله: [ حدثنا زهير بن حرب ].

    زهير بن حرب هو أبو خيثمة النسائي ، وهو ثقة، أخرج له أصحاب الكتب الستة إلا الترمذي ، وقد أكثر عنه الإمام مسلم ، قال الحافظ في التقريب : روى عنه مسلم أكثر من ألف حديث، والأحاديث التي رواها عنه مسلم تبلغ ألفاً ومائتين وزيادة، وأكثر منه أبو بكر بن أبي شيبة ، فإن مسلماً أكثر من الرواية عنه، والأحاديث التي رواها عنه تزيد على ألف وخمسمائة حديث.

    [ حدثنا وكيع ].

    هو وكيع بن الجراح الرؤاسي الكوفي ثقة، أخرج له أصحاب الكتب الستة.

    [ حدثني داود بن سوار المزني ].

    داود بن سوار المزني هو سوار بن داود، وقد مر ذكره.

    وقوله: [ قال أبو داود : وهم وكيع في اسمه، وروى عنه أبو داود الطيالسي هذا الحديث فقال: حدثنا أبو حمزة سوار الصيرفي ].

    يعني: وهم وكيع في اسمه حيث قلبه، فذكر أن اسمه داود، وهو ليس اسمه داود وإنما اسمه سوار ، واسم أبيه داود وليس سوار بن داود ، وهذا هو الذي جعل أبا داود في أثناء الإسناد المتقدم يذكر اسمه واسم أبيه ونسبته؛ حتى يبين الوهم الذي حصل ممن رواه مقلوباً، وذلك بعد ذكر اسمه على الصواب مختصراً.

    فإذاً: الذي في الإسناد داود بن سوار ، وهو سوار بن داود ، وإنما حصل خطأ، وليس هو شخصاً آخر غير الشخص الأول، وإنما هو الشخص الأول نفسه، ولهذا قال أبو داود : [ وهم وكيع في اسمه ] حيث قلبه وجعل اسمه لأبيه واسم أبيه له، فصار مقلوباً.

    والحديث فيه أن الأجير هو الذي تزوج، والعبد هو الذي تزوج، والمقصود بالخادم في هذا الحديث الأمة، والسيد لا ينظر إلى عورة العبد، ولكن ينظر إلى عورة الأمة، لأنها حلال له، فله أن ينكحها ويستمتع بها، كما قال صلى الله عليه وسلم: (احفظ عورتك إلا من زوجتك وما ملكت يمينك)، وكما قال الله عز وجل: وَالَّذِينَ هُمْ لِفُرُوجِهِمْ حَافِظُونَ * إِلَّا عَلَى أَزْوَاجِهِمْ أوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُهُمْ فَإِنَّهُمْ غَيْرُ مَلُومِينَ [المؤمنون:5-6] يعني: الزوجات والإماء.

    والسيد لا ينظر إلى عورة الأمة إذا تزوجت، والأمة كذلك لا تنظر إلى عورة السيد؛ لأن الاستمتاع بينهما انتهى، وصار الاستمتاع بين هذه الأمة المزوجة وزوجها، سواءٌ أكان ذلك الزوج عبداً مثلها أو أجيراً استأجره سيدها، ومن المعلوم أن الحر لا ينكح الأمة إلا بالشرط الذي ذكره الله عز وجل في القرآن: وَمَنْ لَمْ يَسْتَطِعْ مِنْكُمْ طَوْلًا أَنْ يَنكِحَ الْمُحْصَنَاتِ الْمُؤْمِنَاتِ فَمِنْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ [النساء:25].

    وقوله: [ قال أبو داود : وهم وكيع في اسمه، وروى عنه أبو داود الطيالسي ].

    يعني: رواه عن سوار ، وأبو داود الطيالسي هو سليمان بن داود أبو داود الطيالسي ثقة، أخرج له البخاري تعليقاً ومسلم وأصحاب السنن.

    فرواه على الصواب، ولكن فيه اختصار، حيث قال: [حدثنا أبو حمزة سوار الصيرفي وهذا صحيح مستقيم؛ لأنه هو أبو حمزة سوار الصيرفي ]، ولكن لم يذكر اسم أبيه، ولم يهم فيه كما وهم وكيع .

    شرح حديث: (... إذا عرف يمينه من شماله فمروه بالصلاة)

    قال المصنف رحمه الله تعالى: [ حدثنا سليمان بن داود المهري حدثنا ابن وهب حدثنا هشام بن سعد حدثني معاذ بن عبد الله بن خبيب الجهني قال: دخلنا عليه فقال لامرأته: متى يصلي الصبي؟ فقالت: كان رجل منا يذكر عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه سئل عن ذلك فقال: (إذا عرف يمينه من شماله فمروه بالصلاة) ].

    أورد أبو داود رحمه الله حديث رجل من الصحابة أن النبي صلى الله عليه وسلم سئل عن الصبي متى يؤمر بالصلاة فقال: [(إذا عرف يمينه من شماله فمروه بالصلاة)]، وهذا مخالف لما جاء في الأحاديث السابقة التي فيها أن الأمر منوط بالسن وليس بمعرفة اليمين والشمال؛ لأن معرفة اليمين والشمال يمكن أن تحصل قبل بلوغ السنة السابعة، فيمكن للإنسان أن يعرف اليمين من الشمال في سن مبكرة، فالعبرة ليست في تعليق ذلك بمعرفة اليمين من الشمال، وإنما هي ببلوغ سبع سنين كما جاء بذلك حديث سبرة وحديث عبد الله بن عمرو بن العاص رضي الله تعالى عنهما.

    فهذا الحديث فيه بيان أن الأمر بالصلاة منوط بمعرفة اليمين والشمال، ولكن الحديث غير صحيح وغير ثابت، والصحيح الثابت هو ما تقدم من إناطة ذلك بالسن وتعليقه بالسن وبلوغ الغلام سبع سنين.

    تراجم رجال إسناد حديث: (... إذا عرف يمينه من شماله فمروه بالصلاة)

    قوله: [ حدثنا سليمان بن داود المهري ].

    سليمان بن داود المهري هو أبو الربيع المصري ، وهو ثقة، أخرج حديثه أبو داود والنسائي .

    [ حدثنا ابن وهب ].

    هو عبد الله بن وهب المصري، ثقة فقيه، أخرج له أصحاب الكتب الستة.

    [ حدثنا هشام بن سعد ].

    هشام بن سعد صدوق له أوهام، أخرج له البخاري تعليقاً ومسلم وأصحاب السنن.

    [ حدثني معاذ بن عبد الله بن خبيب الجهني ].

    معاذ بن عبد الله بن خبيب الجهني صدوق ربما وهم، أخرج حديثه البخاري في الأدب المفرد وأصحاب السنن.

    [ قال: دخلنا عليه ].

    في عون المعبود قال: إن هشاماً قال: دخلنا عليه. يعني: على معاذ بن عبد الله بن خبيب الجهني فقال لامرأته...، وعلى هذا فالمدخول عليه مسمى في الحديث، لكن فيه إشكال من حيث الإسناد؛ لأنه قال: حدثني معاذ بن عبد الله بن خبيب الجهني قال: دخلنا عليه فقال لامرأته ....

    ومعنى هذا أن معاذاً ليس من رجال الإسناد، وأنهم سمعوا من امرأته، وأن امرأته هي التي قالت كذا وكذا، والإسناد هو عن هذه المرأة، وهذه المرأة ترويه عن الرجل الذي منهم، فيكون المعنى أنهم دخلوا عليه وأنه قال لامرأته وأخبرهم بما قالت، يعني: ما كانوا يسمعون الكلام بينه وبين امرأته، وإنما سألها وأخبرهم، وعلى هذا يكون التحديث على بابه.

    لكن إذا كانوا دخلوا عليه وسأل امرأته فأجابت فهو إذاً ليس من رجال الإسناد، وإنما دخلوا عليه وهو سأل امرأته، وامرأته أخبرت عن رجل منهم -من جهينة- أن النبي صلى الله عليه وسلم سئل عن ذلك فقال: [(إذا عرف يمينه من شماله فإنه يؤمر بالصلاة)] فالعبارة فيها إشكال من ناحية قوله: (حدثني) فإذا كان المقصود أنه من رجال الإسناد وأنهم لم يسمعوا امرأته وإنما كان هو يخبرهم عما حصل بينه وبين امرأته فعند ذلك يكون حدث هو عن امرأته، وامرأته حدثت عن الرجل الذي أخبر أن النبي صلى الله عليه وسلم سئل عن ذلك.

    وإذا كان ليس من رجال الإسناد فمعناه أنهم دخلوا عليه، وأنهم سمعوا كلامه من امرأته ورووا عن امرأته.

    وامرأته لا أعرف عنها شيئاً، والإسناد -كما هو معلوم- فيه هذا الخفاء وفيه هذا الإبهام، ثم إن هذا الحديث مخالف للأحاديث الصحيحة الثابتة عن رسول الله صلى الله عليه وسلم في إناطة ذلك بالسن وليس بمعرفة الشمال من اليمين؛ لأن معرفة الشمال من اليمين قد تحصل في زمن مبكر قبل سن السابعة والسادسة، فقد يكون الولد يعرف اليمين من الشمال قبل ذلك، وعلى هذا فيكون الناس متفاوتين في ذلك، ولا يكون هناك ميزان متساوٍ بين الناس، بل كل واحد يُسأل: هل يعرف الشمال من اليمين؟ وعند ذلك يؤمر، وأما إذا كان الاعتبار بالسن لحديث: (مروا أبناءكم بالصلاة وهم أبناء سبع سنين) فكل من بلغه حديث السن يجعل الحد الفاصل هو العمر، وليس معرفة اليمين من الشمال.

    1.   

    بدء الأذان

    شرح حديث: (اهتم النبي صلى الله عليه وسلم كيف يجمع الناس للصلاة ...)

    قال المصنف رحمه الله تعالى: [ باب بدء الأذان.

    حدثنا عباد بن موسى الختلي وزياد بن أيوب -وحديث عباد أتم- قالا: حدثنا هشيم عن أبي بشر قال: قال زياد : أخبرنا أبو بشر عن أبي عمير بن أنس عن عمومة له من الأنصار، قال: (اهتم النبي صلى الله عليه وسلم للصلاة كيف يجمع الناس لها، فقيل له: انصب راية عند حضور الصلاة فإذا رأوها آذن بعضهم بعضاً. فلم يعجبه ذلك، قال: فذكر له القنع -يعني: الشبور، وقال زياد : شبور اليهود- فلم يعجبه ذلك وقال: هو من أمر اليهود. قال: فذكر له الناقوس، فقال: هو من أمر النصارى. فانصرف عبد الله بن زيد بن عبد ربه رضي الله عنه وهو مهتم لهم رسول الله صلى الله عليه وسلم، فأري الأذان في منامه، قال: فغدا على رسول الله صلى الله عليه وسلم فأخبره فقال له: يا رسول الله! إني لبين نائم ويقظان إذ أتاني آت فأراني الأذان، قال: وكان عمر بن الخطاب رضي الله عنه قد رآه قبل ذلك فكتمه عشرين يوماً، قال: ثم أخبر النبي صلى الله عليه وسلم فقال له: ما منعك أن تخبرني؟ فقال: سبقني عبد الله بن زيد فاستحييت. فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: يا بلال ! قم فانظر ما يأمرك به عبد الله بن زيد فافعله. قال: فأذن بلال رضي الله عنه، قال أبو بشر : فأخبرني أبو عمير أن الأنصار تزعم أن عبد الله بن زيد لولا أنه كان يومئذ مريضاً لجعله رسول الله صلى الله عليه وسلم مؤذناً) ].

    أورد أبو داود رحمه الله [باب: بدء الأذان] أي: حصول بدء الأذان، وكيف بدأ الأذان.

    والأذان في اللغة: الإعلام.

    وفي الشرع: الإعلام بدخول وقت الصلاة بألفاظ مخصوصة.

    والألفاظ المخصوصة هي: الله أكبر الله أكبر.. إلى آخره، فهذا هو المعنى اللغوي والمعنى الشرعي، والمعنى الشرعي هو جزء من جزئيات المعنى اللغوي، وغالباً ما تأتي المعاني الشرعية بصورة أجزاء من المعاني اللغوية، حيث إن المعنى اللغوي عام والمعنى الشرعي خاص، أي أنه جزء منه.

    مثل ذلك: الحج، فالحج لغة: القصد، وشرعاً: القصد إلى بيت الله الحرام لفعل أعمال مخصوصة. والعمرة لغة: الزيارة -أيّ زيارة-، وفي الشرع: زيارة البيت الحرام للطواف به والسعي بين الصفا والمروة. فالعمرة في الشرع: زيارة مخصوصة وليست كأي زيارة.

    وكذلك الصيام، فهو في اللغة: الإمساك، أي إمساك عن أي شيء كالكلام والأكل وغيرهما، فهذا يقال له في اللغة: إمساك.

    وفي الشرع: إمساك مخصوص عن الأكل والشرب وسائر المفطرات من طلوع الفجر إلى غروب الشمس.

    إذاً المعاني اللغوية أوسع في الغالب، والمعاني الشرعية تكون جزءاً من جزئيات المعنى اللغوي، وقد يأتي المعنى الشرعي أعم من المعنى اللغوي، مثل: الصلاة، فهي في الشرع أعم منها في اللغة؛ لأن الصلاة لغة: الدعاء، وأما في الشرع فهي أقوال وأفعال مخصوصة مبتدأة بالتكبير ومختتمة بالتسليم، فـ(تحريمها التكبير وتحليلها التسليم) كما قال ذلك رسول الله صلى الله عليه وسلم.

    فالأذان في اللغة: الإعلام وهو معنىً عام، وفي الشرع هو: الإعلام بدخول وقت الصلاة بألفاظ مخصوصة.

    وكيف بدأ الأذان؟

    إن الأذان أول ما بدأ كان عندما قدم رسول الله صلى الله عليه وسلم المدينة، ومكة لم يكن فيها أذان، بل كان هناك سرية بسبب الإيذاء، حيث كانوا إذا جهروا بالصلاة آذاهم المشركون، ولهذا جاء في القرآن: وَلا تَجْهَرْ بِصَلاتِكَ وَلا تُخَافِتْ بِهَا وَابْتَغِ بَيْنَ ذَلِكَ سَبِيلًا [الإسراء:110]، فكانوا يؤذونهم إذا رفعوا أصواتهم بالقراءة، وبعدما جاءوا المدينة بدأ الأذان.

    وقد اهتم النبي صلى الله عليه وسلم بأمر إعلام الناس بدخول الوقت، فتكلم مع أصحابه في ذلك، فبعضهم أشار بأن تنصب راية إذا دخل الوقت فإذا رآها الناس يخبر بعضهم بعضاً، فلم يعجبه ذلك، ومن المعلوم أن وضع الراية وإن كان يمكن أن يستفاد منه في النهار فلا يستفاد منه بالليل؛ لأن الراية لا تُرى في الليل، فذكر له ما كان يفعله اليهود فلم يعجبه، ثم ذكر له ما عند النصارى فلم يعجبه، وكان عبد الله بن زيد بن عبد ربه الأنصاري رضي الله عنه وأرضاه قد اهتم كما اهتم الناس باهتمام النبي صلى الله عليه وسلم، فنام وجاءه في منامه آت وألقى عليه الأذان كما سيأتي مبيناً في الأحاديث القادمة أنه أخبره وقال: ألا أدلك على شيء. فألقاه عليه بهذه الألفاظ التي هي خمس عشرة جملة، والتي سيأتي بيانها في حديث عبد الله بن زيد بن عبد ربه في باب: (كيف الأذان) والذي فيه ذكر ألفاظه، وترتيبه، وبيان الرؤيا التي رآها، وكيف رآها.

    فجاء إلى النبي صلى الله عليه وسلم فأخبره فقال النبي صلى الله عليه وسلم: (إنها رؤيا حق إن شاء الله)، وأقرها رسول الله صلى الله عليه وسلم واعتبرها وجاءه الوحي في ذلك، فأمر عبد الله بن زيد بن عبد ربه أن يلقي ذلك على بلال ؛ لأنه أندى منه صوتاً، وليس لكون عبد الله بن زيد مريضاً كما جاء في آخر الحديث، فالرسول صلى الله عليه وسلم قال: (القه على بلال ؛ لأنه أندى منك صوتاً)، فأذن بلال وجاء عمر وأخبر رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه رأى نفس الرؤيا، فتواطأت رؤياهما، فقال له: [(لماذا لم تخبرني؟ فقال: سبقني عبد الله بن زيد فاستحييت)].

    وقوله: [ قال: فذكر له القنع يعني: الشبور ].

    القنع والشبور هو البوق، وهو من فعل اليهود.

    ثم أمر الرسول صلى الله عليه وسلم بلالاً بأن يأخذ ألفاظ الأذان من عبد الله بن زيد بن عبد ربه الأنصاري رضي الله عنه فأذن في الناس.

    قوله: [ قال أبو بشر -وهو الراوي عن أبي عمير بن أنس بن مالك - : فأخبرني أبو عمير أن الأنصار تزعم أن عبد الله بن زيد لولا أنه كان يومئذٍ مريضاً لجعله رسول الله صلى الله عليه وسلم مؤذناً ] ليس بصحيح، لكن الأمر كما في الرواية التي ستأتي أن النبي صلى الله عليه وسلم قال له: (إن بلالاً أندى منك صوتاً فألق الأذان عليه)، فأذن بلال رضي الله عنه بتلك الألفاظ التي أريها عبد الله بن زيد بن عبد ربه في المنام.

    تراجم رجال إسناد حديث: (اهتم النبي صلى الله عليه وسلم كيف يجمع الناس للصلاة)

    قوله: [ حدثنا عباد بن موسى ].

    عباد بن موسى الختلي ثقة، أخرج حديثه البخاري ومسلم وأبو داود والنسائي .

    [ وزياد بن أيوب ].

    زياد بن أيوب ثقة، أخرج حديثه البخاري وأبو داود والترمذي والنسائي .

    [ وحديث عباد أتم ].

    عباد هو الشيخ الأول، وقد ساق أبو داود الحديث على روايتي عباد وزياد .

    [ قالا: حدثنا هشيم ].

    هو هشيم بن بشير الواسطي وهو ثقة، أخرج له أصحاب الكتب الستة.

    [ عن أبي بشر ].

    أبو بشر هو جعفر بن أبي وحشية وهو ثقة، أخرج له أصحاب الكتب الستة.

    [ قال زياد : أخبرنا أبو بشر ].

    هذا يعني أن عباداً جاء عنده الإسناد في رواية هشيم عن أبي بشر بالعنعنة فقال: عن أبي بشر وأما في رواية زياد فقال: أخبرنا أبو بشر . وذلك أن هشيماً مدلس، والأول روى بالعنعنة، والثاني صرح بالتحديث، فالتدليس هنا ليس فيه محذور ما دام أنه وجد التصريح بالتحديث أو بالإخبار في إحدى الطريقين، فهذا هو السبب الذي جعل أبا داود رحمه الله يبين اختلافهم في صيغة الأداء، وفيها فائدة، وهي أن التدليس لا يؤثر ما دام أنه قد وجد التصريح بالسماع.

    [ عن أبي عمير بن أنس ].

    هو أبو عمير بن أنس بن مالك ، وقيل: اسمه: عبد الله وهو ثقة، أخرج حديثه أبو داود والنسائي وابن ماجة .

    [ عن عمومة له من الأنصار ].

    لا أعرف من هم، ولكن ذلك لا يؤثر؛ لأنه غالباً يكون المقصود أنهم صحابة، وقوله: [عن عمومة له ..] المقصود به ابن أنس بن مالك، فهم صحابة وهو تابعي ابن صحابي.

    وكأنه يعني بالعمومة شخصاً واحداً من أعمامه.

    1.   

    الأسئلة

    راوي حديث: (إذا عرف يمينه من شماله)

    السؤال: جاء في الحديث: كان رجل منا يذكر عن الرسول صلى الله عليه وسلم أنه سئل عن ذلك فقال: (إذا عرف يمينه من شماله فمروه بالصلاة)، فمن هو راوي هذا الحديث، أو من هو هذا الرجل؟

    الجواب: هذا الرجل مجهول.