إسلام ويب

شرح سنن أبي داود [066]للشيخ : عبد المحسن العباد

  •  التفريغ النصي الكامل
  • يشرع لمن دخل المسجد أن يقول الذكر الوارد عن النبي صلى الله عليه وسلم في الدخول والخروج، وتشرع تحية المسجد لمن أراد الجلوس في المسجد، وهناك فضل عظيم للجلوس في المسجد للعبادة من صلاة وذكر وتسبيح وقراءة قرآن وغير ذلك، ويكره إنشاد الضالة في المساجد.

    1.   

    فيما يقوله الرجل عند دخوله المسجد

    شرح حديث: ( إذا دخل أحدكم المسجد فليسلم .. )

    قال المصنف رحمه الله تعالى: [ باب فيما يقوله الرجل عند دخوله المسجد.

    حدثنا محمد بن عثمان الدمشقي حدثنا عبد العزيز -يعني الدراوردي - عن ربيعة بن أبي عبد الرحمن عن عبد الملك بن سعيد بن سويد قال: سمعت أبا حميد أو أبا أسيد الأنصاري يقول: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (إذا دخل أحدكم المسجد فليسلم على النبي صلى الله عليه وسلم، ثم ليقل: اللهم افتح لي أبواب رحمتك، فإذا خرج فليقل: اللهم إني أسألك من فضلك) ].

    قوله: [ باب ما يقوله عند دخوله المسجد].

    أي: ما يشرع للإنسان أن يدعو به وأن يذكره عند دخوله أي مسجد من مساجد الأرض، فإن الإسلام يشرع له أن يأتي بذلك الذكر عند دخوله المسجد وعند الخروج منه، كما جاء في الحديث عن رسول الله صلى الله عليه وسلم.

    للمسجد آداب، منها: أن يأتي المسلم بالذكر المشروع عند دخول المسجد وعند الخروج منه، ولا يختص ذلك بمسجد معين، وإنما في المساجد كلها، فعندما يدخل المسجد عليه أن يصلي ويسلم على رسول الله صلى الله عليه وسلم، ويسأل الله أن يفتح له أبواب رحمته، وعند خروجه يفعل مثل ذلك، إلا أنه يسأل الله من فضله.

    وقد أورد أبو داود رحمه الله حديث أبي حميد أو أبي أسيد رضي الله تعالى عنهما وهو واحد منهما، إما أبو حميد أو أبو أسيد .

    قوله: (إذا دخل أحدكم المسجد).

    أي: إذا أراد الدخول، وليس المقصود من ذلك أنه بعد دخوله يقول ذلك، وإنما عند الدخول وهذا مثل قوله: إِذَا قُمْتُمْ إِلَى الصَّلاةِ [المائدة:6] يعني: أن الإنسان يتوضأ إذا أراد القيام للصلاة.

    قوله: (فليسلّم على النبي صلى الله عليه وسلم).

    أي: إذا أراد أحدكم دخول المسجد، فإنه يأتي بهذا الذكر، وهو الصلاة والسلام على النبي صلى الله عليه وسلم.

    قوله: (وليقل اللهم افتح لي أبواب رحمتك).

    أي: أنه إذا دخل المسجد يريد التقرب إلى الله عز وجل بالعبادات التي شُرعت في المسجد، فهو يسأل الله أن يفتح له أبواب رحمته، وأن يوفقه لكل خير، وأن يرحمه ويرفع درجته عنده.

    وأما إذا أراد الإنسان أن يخرج من المسجد ويذهب إلى بيته أو إلى عمله فإنه يصلي ويسلم على رسول الله عليه الصلاة والسلام، ويسأل الله من فضله، فناسب عند الدخول أن يسأل الله أن يفتح له أبواب رحمته، وعند الخروج أن يسأل الله من فضله، فيقول: (اللهم إني أسألك من فضلك) أي: أنه عندما يخرج يسأل الله الرزق الحلال من فضله، والله عز وجل يقول: فَإِذَا قُضِيَتْ الصَّلاةُ فَانتَشِرُوا فِي الأَرْضِ وَابْتَغُوا مِنْ فَضْلِ اللَّهِ [الجمعة:10] يعني: يسألون الله من رزقه ومن فضله عندما يخرجون من المسجد عند الانتهاء من الصلاة، وقوله: اللهم افتح لي أبواب رحمتك، فالرحمة تأتي ويراد بها أثر الصفة، ومن آثار هذه الصفة: الجنة؛ فإنها من رحمة الله عز وجل، وقد جاء في الحديث القدسي: (أن الله عز وجل قال للجنة: إنك رحمتي أرحم بكِ من أشاء، وقال للنار: إنك عذابي أعذب بك من أشاء).

    وكذلك المائة الرحمة التي خلقها الله هي من آثار الصفة، فهناك صفة قائمة بالله عز وجل وهي الرحمة، وهناك آثار للصفة وهو ما خلقه الله عز وجل، مما يكرم به أولياءه، ومما خلقه الله عز وجل من الرحمة التي يتراحم بها الناس، وكذلك أيضاً الجنة التي هي من آثار رحمة الله كما جاء بذلك الحديث القدسي عن رسول الله صلى الله عليه وسلم.

    تراجم رجال إسناد حديث: ( إذا دخل أحدكم المسجد فليسلم .. )

    قوله: [ حدثنا محمد بن عثمان الدمشقي ].

    محمد بن عثمان الدمشقي ثقة، أخرج له أبو داود وابن ماجة .

    [ حدثنا عبد العزيز -يعني الدراوردي - ].

    عبد العزيز الدراوردي صدوق، أخرج حديثه أصحاب الكتب الستة.

    [ عن ربيعة بن أبي عبد الرحمن ].

    ربيعة بن أبي عبد الرحمن هو المشهور بـربيعة الرأي وهو ثقة، أخرج له أصحاب الكتب الستة.

    [ عن عبد الملك بن سعيد بن سويد ].

    عبد الملك بن سعيد بن سويد ثقة، أخرج له مسلم وأبو داود والنسائي وابن ماجة.

    [ قال: سمعت أبا حميد أو أبا أسيد ].

    [ أبو حميد هو المنذر بن سعد بن منذر ، وهو صحابي مشهور، أخرج حديثه أصحاب الكتب الستة.

    وأبو أسيد هو مالك بن ربيعة الساعدي ، وحديثه أخرجه أصحاب الكتب الستة.

    ومن المعلوم أن الجهل بالصحابي لا يؤثر، فسواء كان هذا أو هذا لا يضر، بل إن الاحتمال في الرواة غير الصحابة فيما إذا كانوا ثقات مثل أن يشك الراوي بين ثقتين فإن ذلك لا يؤثر؛ لأنه حيثما دار فهو يقدّر على ثقة، وإنما الاختلال فيما إذا كان الشك بين ضعيف وثقة، فهذا هو الذي يؤثر فيه الشك، وأما بالنسبة للصحابة فالمجهول فيهم في حكم المعلوم، وسواء يكون هذا أو هذا أو لا يعرف اسمه فلا يؤثر هذا، بل يكفي أن يُعرف أنه من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم، ويكفي أن يقال: عن رجل صَحِبَ النبي صلى الله عليه وسلم، وأما غير الصحابة فلا يكفي أن يقال: عن رجل؛ لأن هذا يصير مبهماً، ولا يُعوّل على الحديث الذي يكون فيه رجل مبهم سوى الصحابة رضي الله عنهم.

    شرح حديث: ( أعوذ بالله العظيم وبوجهه الكريم .. )

    قال المصنف رحمه الله تعالى: [ حدثنا إسماعيل بن بشر بن منصور حدثنا عبد الرحمن بن مهدي عن عبد الله بن المبارك عن حيوة بن شريح قال: لقيت عقبة بن مسلم فقلت له: (بلغني أنك حدثت عن عبد الله بن عمرو بن العاص عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه كان إذا دخل المسجد قال: أعوذ بالله العظيم وبوجهه الكريم وسلطانه القديم من الشيطان الرجيم قال: أقطّ؟ قلتُ: نعم. قال: فإذا قال ذلك قال الشيطان: حُفظ مني سائر اليوم) ].

    قوله: (قال أقط؟).

    يعني: أهذا الذي بلغك فقط؟ لأن الهمزة للاستفهام؛ لأنه يوجد في الحديث زيادة على ذلك.

    قوله: (قلت: نعم).

    يعني: هذا هو الذي بلغني فقط، وهذا هو ما سمعت فقط.

    قوله: (فإذا قال ذلك قال الشيطان: حفظ مني سائر اليوم).

    أي: فإذا قال ذلك من يدخل المسجد قال الشيطان: حُفظ مني سائر اليوم؛ لأن من قال ذلك استعاذ بالله متوسلاً بأسمائه وصفاته بأن يعيذه من الشيطان الرجيم، فيقول الشيطان: حفظ مني سائر اليوم، يعني: باقي اليوم أو كل اليوم

    لأن كلمة (سائر) قيل: إن المقصود بها الباقي، أي: أنه يذكر شيئاً ثم يعبّر عن باقيه بكلمة (سائر).

    وقيل: إن المقصود بها جميعاً؛ لأنها ليست مقصورة على الباقي الذي هو بمعنى السؤر، وهو الزائد الذي كان خارجاً عن الشيء الذي قد مضى، أو زائداً عن الشيء الذي مضى، وإنما يقصد به اليوم كله، فمعنى (سائر اليوم) يعني: جميع اليوم، وعلى أحد المعنيين في اللغة: أن سائر يراد بها الباقي، يعني إذا قالها في أي وقت من النهار فإنه يحفظ سائر اليوم، سواء كان في أوله أو في وسطه أو في آخره، فإذا قالها عند المغرب أو قالها عند العشاء أو قالها عند الفجر أو قالها عند الظهر، فمعناه أنه يحفظ سائر اليوم أو الليلة، ومعنى هذا: أن في ذلك حفظاً من الشيطان، وأنه يترتب على هذا الدعاء العظيم منفعة عظيمة، وهي الحفظ من الشيطان.

    قوله: [ (وسلطانه القديم) ].

    السلطان صفة من صفات الله، وهي صفة سلطته وملكوته وعظمته وغلبته؛ لأنه لا يُستعاذ بمخلوق، والحديث جاء فيه الاستعاذة بالله عز وجل وبصفاته، وأما كلمة (القديم) فالمقصود بها الأزلي، يعني: الذي صفاته وقدرته وغلبته وقهره ليس لها بداية، فهو متّصفٌ بذلك أزلاً، ولكن ليس من أسماء الله القديم، ولكن هذا وصفٌ لقهره وغلبته بأنها أزلية.

    تراجم رجال إسناد حديث: ( أعوذ بالله العظيم وبوجهه الكريم )

    قوله: [ حدثنا إسماعيل بن بشر بن منصور ].

    إسماعيل بن بشر بن منصور صدوق، أخرج له أبو داود والنسائي وابن ماجة .

    [ حدثنا عبد الرحمن بن مهدي ].

    هو عبد الرحمن بن مهدي ، وهو البصري ، ثقة، أخرج له أصحاب الكتب الستة.

    [ عن عبد الله بن المبارك ].

    هو عبد الله بن المبارك المروزي ، وهو ثقة، أخرج له أصحاب الكتب الستة.

    [ عن حيوة بن شريح ].

    هو حيوة بن شريح المصري وهو ثقة، أخرج له أصحاب الكتب الستة.

    [ لقيت عقبة بن مسلم ].

    هو عقبة بن مسلم المصري وهو ثقة، أخرج له البخاري في الأدب المفرد وأبو داود والترمذي والنسائي .

    [ عن عبد الله بن عمرو ].

    هو عبد الله بن عمرو بن العاص رضي الله تعالى عنهما، الصحابي الجليل، وهو أحد العبادلة الأربعة من الصحابة، وهُمْ: عبد الله بن عمر ، وعبد الله بن عمرو ، وعبد الله بن الزبير ، وعبد الله بن عباس .

    والعبادلة الأربعة فيهم اثنان معروفان بكثرة الحديث عن النبي صلى الله عليه وسلم وهما: ابن عباس وابن عمر ، وأما ابن الزبير وابن عمرو فليسا من الذين بلغت أحاديثهم بالكثرة التي توصل إلى حد السبعة الذين عُرفوا بكثرة الحديث عن النبي صلى الله عليه وسلم، ولكنهم جميعاً يقال عنهم: العبادلة الأربعة من أصحاب الرسول عليه الصلاة والسلام؛ لأنهم من صغار الصحابة، وسنهم متقارب، مع أنه يوجد في الصحابة كثيرون ممن يقال له: عبد الله، ولكنّ لَقَب العبادلة اشتهر به هؤلاء الأربعة؛ لأنهم متقاربون في السن؛ ولأنهم من صغار الصحابة وقد أدركهم من لم يدرك كبار الصحابة مثل: عبد الله بن مسعود رضي الله عنه، الذي توفي سنة (32هـ) فإنه متقدم الوفاة ولم يدركه من أدرك ابن عمر وابن عباس وابن الزبير وعبد الله بن عمرو الذين هم من صغار الصحابة، وقد عاشوا بعد عبد الله بن مسعود .

    وهناك أيضاً غير عبد الله بن مسعود ممن يقال له: عبد الله كـعبد الله بن قيس الذي هو أبو موسى الأشعري ، وعدد كبير من الصحابة ممن اسمه عبد الله، ولكن الذي اشتهر بلقب العبادلة هم هؤلاء الأربعة من الصحابة، وحديث عبد الله بن عمرو أخرجه أصحاب الكتب الستة.

    1.   

    ما جاء في الصلاة عند دخول المسجد

    شرح حديث: (إذا جاء أحدكم المسجد فليصل سجدتين من قبل أن يجلس )

    قال المصنف رحمه الله تعالى: [ باب ما جاء في الصلاة عند دخول المسجد.

    حدثنا القعنبي حدثنا مالك عن عامر بن عبد الله بن الزبير عن عمرو بن سليم الزرقي عن أبي قتادة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: (إذا جاء أحدكم المسجد فليصلَّ سجدتين من قبل أن يجلس). ].

    قوله: [ باب ما جاء في الصلاة عند دخول المسجد ].

    يعني: تحية المسجد، وأن الإنسان إذا دخل المسجد فإنه يصلي ركعتين قبل أن يجلس.

    قوله: [ (إذا جاء أحدكم المسجد فليصلَّ سجدتين من قبل أن يجلس) ] أي: المقصود بالسجدتين الركعتين، ويطلق على الركعة سجدة، ويقال لها أيضاً: ركعة، ويقال لها: سجدة تسمية للكل باسم البعض؛ لأن الركعة فيها السجود وفيها الركوع، لكن الذي غلب في الاستعمال ذكر الركعة، والمقصود بصلاة الركعتين هو: الحد الأدنى، وإذا أراد أن يصلي أكثر من ذلك فلا بأس، ولكنه لا يصلي أقل من ركعتين؛ لأنه لا يُتنفل بأقل من ركعتين إلا في الوتر، ولا تُصلَّى الركعة الواحدة إلا في الوتر، حيث يصلي الإنسان ما شاء من الليل مثنى مثنى ثم يختم ذلك بركعة؛ لتكون صلاته وتراً، وذهب بعض أهل العلم إلى عموم ذلك في جميع الأوقات، بل حتى في أوقات النهي، قالوا: لأن هذا لفظ عام يراد به أنه كلما دخل الإنسان المسجد فإنه يصلي هاتين الركعتين.

    وبعض أهل العلم قال: في أوقات النهي لا يصليهما؛ لعموم قوله: (لا صلاة بعد العصر حتى تغرب الشمس، ولا صلاة بعد الفجر حتى تطلع الشمس).

    فمنهم من رجّح عموم هذا الحديث، ومنهم من رجّح عموم الأمر بتحية المسجد، ومنهم من رأى أنه لا يصلى أي صلاة في أوقات النهي إلا ما ورد بخصوصه حديث عن رسول الله صلى الله عليه وسلم كما في الأمر بتحية المسجد.

    تراجم رجال إسناد حديث: ( إذا جاء أحدكم المسجد فليصلَّ سجدتين من قبل أن يجلس )

    قوله: [ حدثنا القعنبي ].

    هو عبد الله بن مسلمة بن قعنب القعنبي وهو ثقة، أخرج حديثه أصحاب الكتب الستة إلا ابن ماجة

    [ حدثنا مالك ].

    هو مالك بن أنس إمام دار الهجرة، الإمام المشهور الفقيه المبجل، وهو أحد أصحاب المذاهب الأربعة المشهورة من مذاهب أهل السنة، وحديثه أخرجه أصحاب الكتب الستة.

    [ عن عامر بن عبد الله بن الزبير ].

    وهو ثقة، أخرج له أصحاب الكتب الستة.

    [ عن عمرو بن سليم الزرقي ].

    وهو ثقة، أخرج له أصحاب الكتب الستة.

    [ عن أبي قتادة ].

    هو الحارث بن ربعي الأنصاري رضي الله عنه، صاحب رسول الله صلى الله عليه وسلم، وحديثه أخرجه أصحاب الكتب الستة.

    طريق أخرى لحديث: ( إذا جاء أحدكم المسجد فليصلَّ سجدتين من قبل أن يجلس ) وتراجم رجال الإسناد

    قال المصنف رحمه الله تعالى: [ حدثنا مسدد حدثنا عبد الواحد بن زياد حدثنا أبو عميس عتبة بن عبد الله عن عامر بن عبد الله بن الزبير عن رجل من بني زريق عن أبي قتادة عن النبي صلى الله عليه وسلم بنحوه، زاد: (ثم ليقعد بعد إن شاء أو ليذهب لحاجته) ].

    أورد أبو داود رحمه الله الحديث من طريق أخرى عن أبي قتادة ، وهو نحو الذي تقدّم، فهو يتفق معه في المعنى ويختلف في بعض الألفاظ؛ لأن كلمة (نحو) تعني أنه يتفق معه في المعنى مع اختلاف في اللفظ، بخلاف (مثل) فإنها تعني المماثلة في اللفظ والمعنى.

    قوله: [ (ثم ليقعد بعد ذلك إن شاء أو ليذهب لحاجته) ].

    يعني: من دخل المسجد فليصلَّ ركعتين ثم ليجلس أو ليذهب إلى حاجته إن شاء.

    قوله: [ حدثنا مسدد ].

    هو مسدد بن مسرهد وهو ثقة، أخرج حديثه البخاري وأبو داود والترمذي والنسائي .

    [ حدثنا عبد الواحد ].

    هو عبد الواحد بن زياد وهو ثقة، أخرج له أصحاب الكتب الستة .

    [ حدثنا أبو عميس عتبة بن عبد الله ].

    هو عتبة بن عبد الله المسعودي وهو ثقة، أخرج له أصحاب الكتب الستة.

    [ عن عامر بن عبد الله بن الزبير ].

    عامر بن عبد الله بن الزبير قد تقدم ذكره.

    [ عن رجل من بني زريق ].

    وهو هنا مبهم، ولكنه مذكور في الطريق الأولى، وهو عمرو بن سليم الزرقي.

    [ عن أبي قتادة ].

    وقد مر ذكره.

    1.   

    الأسئلة

    حكم من دخل المسجد ثم خرج دون أن يصلي تحية المسجد

    السؤال: إذا دخل الإنسان من أحد أبواب المسجد وخرج من الباب الآخر ولا يريد الجلوس فهل يسن له صلاة ركعتين؟

    الجواب: الذي ورد في بعض الروايات: (فلا يجلس حتى يصلي ركعتين) فقوله: (لا يجلس) يفيد أن الإنسان إذا دخل المسجد ولا يريد أن يجلس، فإن له ألا يصلي، والحديث أخرجه أصحاب الكتب الستة، أخرجه البخاري ومسلم وأبو داود والترمذي والنسائي وابن ماجة وفيه ألفاظ مختلفة، ومن ألفاظه: (فلا يجلس حتى يصلي ركعتين)، فمثلاً: عابر السبيل إذا دخل المسجد ماراً فلا يلزمه أن يصلي؛ لأنه ورد : (لا يجلس حتى يصلي ركعتين) فمعناه: أن الجلوس لابد أن يسبقه ركعتين ثم إن شاء أن يجلس جلس، وإن شاء أن ينصرف انصرف.

    1.   

    فضل القعود في المسجد

    شرح حديث: ( الملائكة تصلي على أحدكم ما دام في مصلاه الذي صلى فيه .. )

    قال المصنف رحمه الله تعالى: [ باب في فضل القعود في المسجد.

    حدثنا القعنبي عن مالك عن أبي الزناد عن الأعرج عن أبي هريرة رضي الله عنه: (أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: الملائكة تصلي على أحدكم ما دام في مصلاه الذي صلى فيه ما لم يحدث أو يقم: اللهم اغفر له، اللهم ارحمه) ].

    قوله: [ باب في فضل القعود في المسجد ].

    يعني: الجلوس فيه لذكر الله عز وجل وقراءة القرآن، فإن فيه فضلاً عظيم؛ لأنه في صلاة ما دام منتظراً للصلاة، وكذلك بعد صلاته إذا جلس فالملائكة تصلي عليه وتستغفر له ما لم يؤذِ أو يحدث، تقول: اللهم ارحمه اللهم اغفر له، فهذا يدل على فضل الجلوس في المساجد، حيث أن الجلوس فيها عبادة؛ لأنها خير البقاع كما جاء في صحيح مسلم : (أحب البقاع إلى الله مساجدها، وأبغضها أسواقها) .

    فأحسن مكان في البلد المسجد؛ لأنه مكان العبادة ومكان ذكر الله عز وجل والصلاة وقراءة القرآن، بخلاف الأسواق فإنها محل الصخب ومحل الأخذ والرد والكلام وعدم التمسك والتقيد بشرع الله.

    ولهذا فإن المساجد لا يشتغل فيها بأمور الدنيا، فلا ينشد فيها ضالة ولا يباع فيها ويشترى وإنما هي لذكر الله عز وجل وعبادته، فإذا جلس الإنسان في المسجد فهو على خير؛ لأنه في مكان عبادة وليس مكان انشغال بأمور الدنيا، سواء كان جلوسه قبل الصلاة أو بعد الصلاة، فهو في صلاة ما انتظر الصلاة.

    قوله: (الملائكة تصلي على أحدكم ما دام في مصلاه الذي صلى فيه).

    أي: تدعو له وتقول: اللهم اغفر له، اللهم ارحمه؛ لأن صلاة الملائكة للمؤمنين هي الدعاء، والله تعالى يقول: إِنَّ اللَّهَ وَمَلائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيِّ [الأحزاب:56]. فصلاة الله عز وجل على نبيّه هي ذكره في الملأ الأعلى، وصلاة الملائكة هي الدعاء له، وصلاة المسلمين هي أن يقولوا: اللهم صلّ وسلم على رسول الله، أي: يدعون له بأن يصلي الله ويسلم عليه، فصلى الله عليه وسلم.

    فكذلك الملائكة يدعون ويصلون على الذين يجلسون في المساجد، سواءً كانوا ينتظرون الصلاة، أو كانوا قد فرغوا من الصلاة وجلسوا يذكرون الله، أو يقرءون القرآن، ما لم يحدث أحدهم أو يقم.

    من المعلوم أن الصلاة في اللغة: الدعاء، وسميت الصلاة المفروضة بهذا الاسم؛ لأن أكثر أعمالها وهيئاتها فيها دعاء، فالإنسان وهو قائم في الصلاة، فإنه يقول دعاء الاستفتاح، وكذا عند قراءة الفاتحة هي دعاء، وكذلك قراءة القرآن، وكذلك أيضاً عند الركوع والقيام منه ثناء ودعاء، وفي السجود وبين السجدتين وفي التشهد، فكل ذلك دعاء، فقيل للصلاة: دعاء.

    مع أن الصلاة المفروضة ليست مقصورة على الدعاء، بل هي أقوال وأفعال مفتتحة بالتكبير ومختتمة بالتسليم، والأقوال التي تكون في الصلاة هي دعاء.

    قوله: (ما لم يحدث).

    يعني: مادام على طهارة ولم ينتقض وضوءه فإنه يحصل له هذا الفضل؛ لأن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (ما لم يحدث) فهو إذا كان على طهارة فهو يذكر الله أو يصلي أو يقرأ القرآن، فهو على خير بهذا الدعاء من الملائكة.

    قوله: (أو يقم) يعني: يترك مصلاه.

    أما الكلام في المسجد عن شئون الدنيا، كأن يتحدث الإنسان في المسجد عن العقار، فهذا يحصل إثماً.

    تراجم رجال إسناد حديث: ( الملائكة تصلي على أحدكم ما دام في مصلاه الذي صلى فيه .. )

    قوله: [ حدثنا القعنبي عن مالك عن أبي الزناد ].

    أبو الزناد هو عبد الله بن ذكوان ، لقبه أبو الزناد ، وكنيته أبو عبد الرحمن ، فتسميته بـأبي الزناد لقب على صفة الكنية وهو ثقة، أخرج له أصحاب الكتب الستة.

    [ عن الأعرج ].

    هو عبد الرحمن بن هرمز وهو ثقة، أخرج له أصحاب الكتب الستة، وهو مشهور بلقب: الأعرج .

    [ عن أبي هريرة ].

    هو عبد الرحمن بن صخر الدوسي صاحب رسول الله صلى الله عليه وسلم، وهو أكثر الصحابة حديثاً على الإطلاق رضي الله عنه وأرضاه.

    1.   

    الأسئلة

    حكم من قام من مصلاه في المسجد إلى مكان آخر

    السؤال: قوله: (في مصلاه الذي صلى فيه) هل المراد البقعة التي صلى فيها أو عموم المسجد؟

    الجواب: لاشك أن الإنسان إذا كان في المكان الذي صلى فيه فالأمر في ذلك واضح ليس فيه أي إشكال، وإنما الإشكال فيما إذا قام منه إلى مكان آخر، وما دام أنه موجود في المسجد فلا شك أنه على خير.

    فمن كان ينتظر الصلاة فهو في صلاة والملائكة تدعو له، ولو أنه خرج لتجديد الوضوء فهذا من الأمور الضرورية التي لابد منها، ولا يعني ذلك أنه يعدم الأجر، أو أن الملائكة لا تصلي عليه؛ لأن الحاجة طرأت عليه فخرج، والخير حصل له قبل أن يذهب، كما جاء في الحديث: (من صلى الفجر في جماعة ثم قعد يذكر الله حتى تطلع الشمس ...) الحديث، يعني: لو أن الإنسان قام ليحضر درساً أو قام من مكانه ليستند على عمود، فإن حضور الدرس لا يدخل في الحديث، وإن جلس في المصلى يذكر الله، وحديث: (من جلس بعد الفجر) فالذي يبدو أنه من جلس ليذكر الله أو يقرأ القرآن، أما كونه يحضر درساً فيبدو أنه يختلف عما جاء في الحديث، لكن الكل على خير بلا شك.

    شرح حديث: ( لا يزال أحدكم في صلاة ما كانت الصلاة تحبسه .. )

    قال المصنف رحمه الله تعالى: [ حدثنا القعنبي عن مالك عن أبي الزناد عن الأعرج عن أبي هريرة رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: (لا يزال أحدكم في صلاة ما كانت الصلاة تحبسه، لا يمنعه أن ينقلب إلى أهله إلا الصلاة) . ].

    أورد أبو داود رحمه الله حديث أبي هريرة وهو بمعنى الذي قبله.

    قوله: [ (لا يزال أحدكم في صلاة مادامت الصلاة تحبسه) ].

    يعني: مادام ينتظر الصلاة.

    قوله: [ (لا يمنعه أن ينقلب إلى أهله إلا الصلاة) ].

    يعني: لا يمنعه أن ينصرف إلى أهله ويخرج من المسجد إلا انتظار الصلاة، فهو يؤجر كما يؤجر المصلي؛ لأنه في صلاة.

    تراجم رجال إسناد حديث: (لا يزال أحدكم في صلاة ما كانت الصلاة تحبسه ..)

    [حدثنا القعنبي عن مالك عن أبي الزناد عن الأعرج عن أبي هريرة ].

    وقد مر ذكرهم جميعاً.

    شرح حديث: (لا يزال العبد في صلاة ما كان في مصلَّاة ينتظر الصلاة ..)

    قال المصنف رحمه الله تعالى: [ حدثنا موسى بن إسماعيل حدثنا حماد عن ثابت عن أبي رافع عن أبي هريرة رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: (لا يزال العبد في صلاة ما كان في مُصلَّاه ينتظر الصلاة، تقول الملائكة: اللهم اغفر له، اللهم ارحمه، حتى ينصرف أو يحدث، فقيل: ما يحدث؟ قال: يفسو أو يضرط) ].

    قوله: [ (لا يزال العبد في صلاة ما كان في مُصلَّاه ينتظر الصلاة) ].

    وهذا الحديث مثل الذي قبله: (لا يزال أحدكم في صلاة ما كانت الصلاة تحبسه).

    قوله: [ (تقول الملائكة: اللهم اغفر له، اللهم ارحمه) ].

    يعني: تدعو له وهو في هذه المدة التي هو فيها جالساً في المسجد ينتظر الصلاة.

    قوله: [ (حتى ينصرف أو يحدث) ].

    يعني: حتى يخرج من المسجد أو يحصل منه الحَدَث.

    قوله: (فقيل: ما يحدث؟ قال: يفسو أو يضرط).

    هذا هو المقصود بالحدث لأنه قد يحتمل أكثر من معنى، فمثلاً: قد يكون بمعنى انتقاض الوضوء، أو حَدَث في الدين، أو حصول أمر منكر لا يسوغ، ففسّره بأنه ضراط أو فساء، والفساء: هو خروج الريحة التي ليس لها صوت، والضراط: هو خروج الريحة التي لها صوت، مثل ما جاء في الحديث الآخر: (لا ينصرف حتى يسمع صوتاً أو يجد ريحاً) أي: حتى يسمع صوتاً للخارج من الريح، وهو الضراط أو يجد ريحاً للخارج من غير أن يكون له صوت وهو الفساء.

    تراجم رجال إسناد حديث: (لا يزال العبد في صلاة ما كان في مصلَّاة ينتظر الصلاة .. )

    قوله: [ حدثنا موسى بن إسماعيل ].

    هو موسى بن إسماعيل التبوذكي وهو ثقة، أخرج له أصحاب الكتب الستة.

    [ حدثنا حماد ].

    هو حماد بن سلمة وهو ثقة، أخرج له البخاري تعليقاً، ومسلم وأصحاب السنن.

    [ عن ثابت ].

    هو ثابت بن أسلم البناني البصري وهو ثقة، أخرج له أصحاب الكتب الستة.

    [ عن أبي رافع ].

    هو نفيع الصائغ وهو ثقة، أخرج له أصحاب الكتب الستة.

    [ عن أبي هريرة ].

    وقد مر ذكره.

    شرح حديث: (من أتى المسجد لشيء فهو حظُّه)

    [ حدثنا هشام بن عمار حدثنا صدقة بن خالد حدثنا عثمان بن أبي العاتكة الأزدي عن عمير بن هانئ العنسي عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (من أتى المسجد لشيء فهو حظُّه) ].

    قوله: [ (من أتى المسجد لشيء فهو حظُّه) يعني: أن من نوى المجيء إلى المسجد لشيء فله ذلك الشيء الذي أراده من مجيئه للمسجد، فيكون حظه ونصيبه من مجيئه للمسجد هو ذلك الذي أراده، وهذا من جنس قوله صلى الله عليه وسلم: (إنما الأعمال بالنيات، وإنما لكل امرئ ما نوى، فمن كانت هجرته إلى الله ورسوله فهجرته إلى الله ورسوله، ومن كانت هجرته لدنيا يصيبها أو امرأة يتزوجها فهجرته إلى ما هاجر إليه).

    فمن جاء إلى المسجد من أجل أن يصلي فيه، أو من أجل أن يشهد الجماعة التي هي واجبة، أو من أجل أن يُحصّل الأجر في المسجد بالذكر وقراءة القرآن، فهو حظه وله ما أراد، ومن لم يدخل المسجد لهذا العمل العظيم، وإنما دخله لأمر من الأمور التي لا علاقة لها بالدين والطاعة فهو حظه، وله ما أراد من العمل بلا أجر؛ لكونه دخل لأجل حاجة معينة، ولم يدخل للصلاة ولا للطاعات.

    والأجر إنما يحصله إذا كان جاء من أجل أن يصلي -سواء كان فرضاً أو نافلة- أو لقراءة قرآن أو لذكر الله عز وجل، ولهذا فإن النبي صلى الله عليه وسلم كما جاء في حديثه عن المنافقين قال: (أثقل الصلاة على المنافقين صلاة العشاء وصلاة الفجر، ولو يعلمون ما فيهما -أي: من الأجر- لأتوهما ولو حبواً)، معناه: أن بعض عباد الله عز وجل يعرفون قدر صلاة الجماعة وعظم شأن صلاة الجماعة، فهم لو لم يستطيعون أن يأتوا إلا حبواً لَفَعلوا؛ لمعرفتهم وإيمانهم بالأجر الذي وعد الله عز وجل به.

    والمنافقون لا تهمهم الآخرة وإنما تهمهم الدنيا، ولهذا قال بعد ذلك: (والذي نفسي بيده لو يعلم أحدهم أنه يجد عرقاً سميناً أو مرماتين حسنتين لشهد العشاء) أي: لو كان يعلم أن المسجد فيه لحم يُوزّع أو طعام يؤكل لجاء إلى العشاء ولحضر إلى المسجد من أجل أن يحصّل هذا الطعام في المسجد.

    أما أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم فكان الواحد منهم يصيبه المرض، ثم لا تسمح له نفسه أن يصلي في بيته، مع أنه معذور لو صلى في بيته، ولكنه يأتي إلى المسجد يُهادى بين الرجلين، أي: يمسك رجل عضده اليمنى، ويمسك رجل آخر عضده اليسرى، ورجله تخط بالأرض حتى يقام في الصف؛ كل هذا من أجل الأجر الذي وعد الله تعالى به، وهو معنى قوله صلى الله عليه وسلم: (ولو يعلمون ما فيهما لأتوهما ولو حبواً) .

    وجاء عن عبد الله بن مسعود رضي الله عنه قال: (من سره أن يلقى الله غداً مسلماً فليحافظ على هؤلاء الصلوات الخمس حيث يُنادى بهن، فإن الله شرع لنبيكم سنن الهدى، وإنهن من سنن الهدى، ولقد رأيتنا وما يتخلف عنها إلا منافق معلوم النفاق) .

    أي: علامة النفاق التخلف عن الصلاة، كما جاء أيضاً عن عبد الله بن عمر أنه قال: (كنا إذا فقدنا الرجل في صلاة العشاء اتهمناه) يعني: اتهمناه بالنفاق، ثم قال: (ولقد كان الرجل يؤتى به يُهادى بين الرجلين حتى يقام في الصف).

    تراجم رجال إسناد حديث: (من أتى المسجد لشيء فهو حظّه)

    قوله: [ حدثنا هشام بن عمار ].

    هشام بن عمار صدوق، أخرج حديثه البخاري وأصحاب السنن.

    [ حدثنا صدقة بن خالد ].

    صدقة بن خالد ثقة، وحديثه أخرجه البخاري وأبو داود والنسائي وابن ماجة .

    [ حدثنا عثمان بن أبي العاتكة الأزدي ].

    عثمان بن أبي العاتكة الأزدي صدوق، أخرج له البخاري في الأدب المفرد وأبو داود وابن ماجة .

    [ عن عمير بن هانئ العنسي ].

    عمير بن هانئ العنسي ثقة، أخرج له أصحاب الكتب الستة.

    [ عن أبي هريرة ].

    وقد مر ذكره.

    1.   

    كراهية إنشاد الضالة في المسجد

    شرح حديث: (من سمع رجلاً ينشد ضالة في المسجد فليقل: لا أدّاها الله إليك .. )

    قال المصنف رحمه الله تعالى: [ باب في كراهية إنشاد الضالة في المسجد.

    [ حدثنا عبيد الله بن عمر القواريري حدثنا عبد الله بن يزيد حدثنا حيوة - يعني ابن شريح - قال: سمعت أبا الأسود - يعني محمد بن عبد الرحمن بن نوفل - يقول: أخبرني أبو عبد الله مولى شداد أنه سمع أبا هريرة رضي الله عنه يقول: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: (من سمع رجلاً ينشُد ضالة في المسجد فليقل: لا أداها الله إليك؛ فإن المساجد لم تُبْنَ لهذا) ].

    إنشاد الضالة في المسجد هي: أن ينادي إنسان فيقول: من وجد لي كذا، أو ضاع مني كذا وكذا؟

    هذا هو المقصود بإنشاد الضالة، قالوا: هي في الأصل تُطلق على الإبل، لكن المقصود بها هنا ما هو أعم من ذلك، سواء كانت من بهيمة الأنعام أو غيرها فليس للإنسان أن ينشد شيئاً ضائعاً له في المسجد مطلقاً؛ لأن المساجد ما بُنيت للكلام في أمور الدنيا، وإنما بُنيت لذكر الله عز وجل.

    قوله: [ (من سمع رجلاً ينشد ضالة في المسجد فليقل: لا أداها الله إليك) ].

    أي: يعامل بنقيض قصده، فكما حرص على الدنيا يدعى بألا يحصل له مقصوده من الدنيا؛ لأنه فَعَل ذلك في مكان لا يسوغ له أن يفعله فيه.

    فهذا فيه دليل على منع ذلك في المسجد؛ لأنه لا يسوغ، ويدل أيضاً على أن الاشتغال بأمور الدنيا عموماً حكمه كذلك؛ لأن قوله: (فإن المساجد لم تُبْنَ لهذا) يشمل ما يتعلق بالضالة وغير الضالة من أمور الدنيا، حيث أن المساجد بُنيت لذكر الله، ولتعلم العلم، ولقراءة القرآن، وللصلاة وعبادة الله عز وجل، وليس للحديث في أمور الدنيا وطلبها والاشتغال بها، ولا لإنشاد ضالة ولا غير ضالة.

    أي: ما بُنيت للاشتغال في أمور الدنيا، وإنما بنيت للاشتغال في أمور الآخرة.

    والضالة لا تُنشد في المسجد سواء ضاعت في المسجد أو خارج المسجد.

    تراجم رجال إسناد حديث: ( من سمع رجلاً ينشد ضالة في المسجد فليقل: لا أداها الله إليك .. )

    قوله: [ حدثنا عبيد الله بن عمر القواريري ].

    عبيد الله بن عمر القواريري ثقة، أخرج له البخاري ومسلم وأبو داود والنسائي.

    [ حدثنا عبد الله بن يزيد ].

    هو المقرئ ، وهو ثقة، أخرج له أصحاب الكتب الستة.

    [ حدثنا حيوة - يعني ابن شريح - ].

    حيوة بن شريح المصري ، ثقة، أخرج له أصحاب الكتب الستة.

    [ سمعت أبا الأسود - يعني محمد بن عبد الرحمن بن نوفل - ].

    وهو ثقة، أخرج له أصحاب الكتب الستة.

    [ أخبرني أبو عبد الله مولى شداد ].

    هو: سالم بن عبد الله وهو صدوق، أخرج له مسلم وأبو داود والنسائي وابن ماجة.

    [ أنه سمع أبا هريرة ].

    أبو هريرة رضي الله عنه قد مرّ ذكره.

    1.   

    الأسئلة

    نشدان الضالة بطريقة نشر الأوراق

    السؤال: يستخدم بعض الناس الآن طريقة الإعلان عن الضالة في الأوراق، فأحياناً تلصق ورقة على الباب في داخل المسجد أو أحياناً في الخارج، وفيها مثلاً: ضاع مني تلفون جوال، فمن وجده فليؤده إلى إمام المسجد. وهكذا، فما حكم هذه الطريقة؟

    الجواب: إذا نصبت الورقة خارج المسجد فإن شاء الله ليس في ذلك بأس؛ لأن هذا ليس فيه نداء في المسجد، بل خارج المسجد، وأيضاً لو نشد الضالة خارج المسجد فما في ذلك بأس؛ لأنه خارج المسجد.

    حكم البحث عن الولد في المسجد

    السؤال: ما حكم إنشاد الولد في المسجد والبحث عنه؟

    الجواب: من ضاع له ولد فلا يصلح أن ينادي عليه في المسجد، لكن له أن يسأل عنه الجهات المختصة، فيذهب للشرطة ويسألهم أو يسأل أصحاب المحلات الخيرية التي في المسجد، والتي هي مظنة ذلك، فما في ذلك بأس؛ لأن المسجد في داخله جهة مخصصة لهذا، لكن لا يقوم وينادي في الناس أنه ضاع لي ولد أو ضاع لي كذا.

    وأما أن يسأل آحاد المصلين عن ولده فلا بأس؛ لأن الولد يختلف عن المال، فلا يقال: هذا حريص على الدنيا داخل المسجد، لكن البحث عن الولد يكون بدون إعلان أو تصويت.

    وجه عدم وجود حاجز بين الرجال والنساء في المسجد في عهد النبي

    السؤال: لماذا لم يكن في عهد النبي صلى الله عليه وسلم ستار حاجز بين الرجال والنساء في المسجد؟

    الجواب: يمكن أن يكون وضع شيء حاجز فيه مشقة، وأما إذا وجد فاصل فيكون ذلك أحسن، ولا ندري عن الذي حصل في زمن الرسول صلى الله عليه وسلم، هل وجد فاصل أو لم يوجد فاصل، فقد يمكن أن يوجد فاصل وهو قصير يمكن أن يرى ما وراءه، ما عندنا في ذلك علم.

    حكم من بالغ في الاستنشاق في نهار رمضان

    السؤال: من بالغ في الاستنشاق في نهار رمضان ووصل الماء إلى حلقه، هل عليه إعادة ذلك اليوم؟

    الجواب: الرسول صلى الله عليه وسلم جاء عنه أنه قال في الاستنشاق: (إلا أن تكون صائماً) لكن يبدو أنه لا يفطر؛ لأنه مثل الإنسان الذي دخل إلى حلقه شيء يسير غصباً عنه من غير اختياره فلا يضره.