إسلام ويب

شرح سنن أبي داود [063]للشيخ : عبد المحسن العباد

  •  التفريغ النصي الكامل
  • من نام عن الصلاة أو نسيها فليؤدها حين يذكرها، لا كفارة لها إلا ذلك، حتى وإن كان وقت ذكرها من أوقات النهي، فهي مستثناة من النهي عن الصلاة في أوقات النهي، ويشرع الأذان والإقامة للفائتة، وصلاة السنة الراتبة.

    1.   

    من نام عن الصلاة أو نسيها

    شرح حديث أبي هريرة: (من نسي صلاة فليصلها إذا ذكرها، فإن الله تعالى قال: (أقم الصلاة لذكري)

    قال المصنف رحمه الله تعالى: [ باب: فيمن نام عن الصلاة أو نسيها.

    حدثنا أحمد بن صالح حدثنا ابن وهب أخبرني يونس عن ابن شهاب عن ابن المسيب عن أبي هريرة رضي الله عنه: (أن رسول الله صلى الله عليه وسلم حين قفل من غزوة خيبر فسار ليلةً حتى إذا أدركنا الكرى عرس، وقال لـبلال : اكلأ لنا الليل. قال: فغلبت بلالاً عيناه وهو مستند إلى راحلته، فلم يستيقظ النبي صلى الله عليه وسلم ولا بلال ولا أحد من أصحابه حتى إذا ضربتهم الشمس، فكان رسول الله صلى الله عليه وسلم أولهم استيقاظاً، ففزع رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقال: يا بلال ! فقال: أخذ بنفسي الذي أخذ بنفسك بأبي أنت وأمي يا رسول الله. فاقتادوا رواحلهم شيئاً، ثم توضأ النبي صلى الله عليه وسلم، وأمر بلالاً فأقام لهم الصلاة وصلى بهم الصبح، فلما قضى الصلاة قال: من نسي صلاة فليصلها إذا ذكرها، فإن الله تعالى قال: أَقِمِ الصَّلاةَ لِذِكْرِي [طه:14]).

    قال يونس : وكان ابن شهاب يقرؤها كذلك، قال أحمد : قال عنبسة -يعني عن يونس - في هذا الحديث: (لِذِكْرِي) قال أحمد : الكرى: النعاس ].

    قوله: [ باب من نام عن الصلاة أو نسيها ].

    يعني: الإنسان إذا نسي الصلاة أو نام عنها فإنه يصليها حين يذكرها، ومعناه أن الصلاة لا يتأتى تأخيرها أو عدم فعلها من المسلم إلا لنوم أو نسيان، أما أن يتركها متعمداً فهذا لا يليق بالمسلم ولا يحصل من المسلم.

    وأورد أبو داود رحمه الله حديث أبي هريرة رضي الله عنه: [ أن رسول الله صلى الله عليه وسلم حين قفل من غزوة خيبر فسار ليلة حتى إذا أدركنا الكرى عرّس ] يعني أدركهم النوم وأصابهم النعاس، فنزل صلى الله عليه وسلم ليستريح هو ومن معه، ولكن خشوا أن يغلبهم النوم وتفوت عليهم صلاة الفجر، فقال لـبلال : [ (اكلأ لنا الليل) ] يعني: راقب لنا الليل وكن مستيقظاً حتى إذا جاء وقت الفجر فأيقظنا.

    قوله: [ (فغلبت بلالاً عيناه وهو مستند إلى راحلته فلم يستيقظ النبي صلى الله عليه وسلم ولا بلال ولا أحد من أصحابه حتى إذا ضربتهم الشمس) ] يعني: أن بلالاً جاءه النوم وهو مستند إلى راحلته حين غلبته عيناه ونام من غير اختياره، وبقي الناس نائمين حتى طلعت الشمس وأصابهم حر الشمس.

    قوله: [ (فكان رسول الله صلى الله عليه وسلم أولهم استيقاظاً) ] يعني أنه أول من استيقظ.

    قوله: [ (ففزع رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: يا بلال!) ] يعني: ما الذي حصل؟ يعاتبه على نومه.

    قوله: [ (فقال: يا رسول الله! أخذ بنفسي الذي أخذ بنفسك) ] يعني: النوم الذي حصل لك حصل لي.

    وقوله: [ (بأبي أنت وأمي يا رسول الله) ] يعني: أنت مفدىً بأبي وأمي.

    قوله: [ (فاقتادوا رواحلهم شيئاً) ].

    وجاء في بعض الروايات أنهم أمروا بأن ينتقلوا عن المكان الذي أصابتهم فيه الغفلة.

    قوله: [ (ثم توضأ النبي صلى الله عليه وسلم وأمر بلالاً فأقام لهم الصلاة وصلى بهم الصبح) ].

    يعني أن رسول الله صلى الله عليه وسلم توضأ وأقام بلال وصلى بهم الصبح صلى الله عليه وسلم، وهذا ليس فيه ذكر الأذان، لكن في الأحاديث الأخرى عن أبي قتادة وغيره ذكر الأذان، وكذلك -أيضاً- جاء عن أبي هريرة في بعض الروايات ذكر الأذان.

    قوله: [ (فلما قضى الصلاة قال: (من نسي صلاة فليصلها إذا ذكرها) ].

    يعني: مثل ذلك النوم الذي حصل له، ولا يحصل عدم الإتيان بالصلاة إلا للنوم أو النسيان، وورد في بعض الأحاديث (من نسي صلاة أو نام عنها فليصلها إذا ذكرها، لا كفارة لها إلا ذلك).

    قوله: [ (فإن الله تعالى قال: أَقِمِ الصَّلاةَ لِذِكْرِى [طه:14]) ].

    هذه قراءة شاذة، والقراءة المتواترة هي: أَقِمِ الصَّلاةَ لِذِكْرِي [طه:14].

    قوله: [ قال يونس : وكان ابن شهاب يقرؤها كذلك ].

    يعني: كان يقرؤها على هذه القراءة الشاذة.

    قوله: [ قال أحمد : قال عنبسة -يعني عن يونس - في هذا الحديث لِذِكْرِي ].

    قال أحمد هو أحمد بن صالح، أحد الرواة في الإسناد.

    وعنبسة هو ابن خالد الأيلي .

    وقوله: [ لِذِكْرِي ] يعني: على القراءة المتواترة الصحيحة.

    أما [ للذكرى ] فهذه قراءة شاذة، والقراءة المتواترة هي: (لِذِكْرِي).

    تراجم رجال إسناد حديث أبي هريرة: (من نسي صلاة فليصلها إذا ذكرها، فإن الله تعالى قال: (أقم الصلاة لذكري)

    قوله: [ قال عنبسة ].

    هو عنبسة بن خالد الأيلي، صدوق، أخرج حديثه البخاري وأبو داود .

    [ حدثنا أحمد بن صالح ].

    هو أحمد بن صالح المصري، ثقة، أخرج حديثه البخاري وأبو داود والترمذي في الشمائل.

    [ حدثنا ابن وهب ].

    هو عبد الله بن وهب المصري، ثقة فقيه، أخرج له أصحاب الكتب الستة.

    [ أخبرني يونس ].

    هو يونس بن يزيد الأيلي ثم المصري، ثقة، أخرج له أصحاب الكتب الستة.

    [ عن ابن شهاب ].

    ابن شهاب مر ذكره.

    [ عن ابن المسيب ].

    سعيد بن المسيب مر ذكره.

    [ عن أبي هريرة ].

    أبو هريرة هو عبد الرحمن بن صخرالدوسي صاحب رسول الله صلى الله عليه وسلم، وهو أكثر الصحابة حديثاً على الإطلاق.

    إسناد آخر لحديث أبي هريرة، وتراجم رجال الإسناد

    قال المصنف رحمه الله تعالى: [ حدثنا موسى بن إسماعيل حدثنا أبان حدثنا معمر عن الزهري عن سعيد بن المسيب عن أبي هريرة رضي الله عنه في هذا الخبر قال: فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (تحولوا عن مكانكم الذي أصابتكم فيه الغفلة. قال: فأمر بلالاً فأذن وأقام وصلى) ].

    أورد أبو داود رحمه الله حديث أبي هريرة من طريق أخرى، وفيه أنه أمر بتحولهم من مكانهم الذي أصابتهم فيه الغفلة، وفي الحديث الأول قال: (فاقتادوا رواحلهم شيئاً) ولم يذكر السبب، وهنا ذكر سبب التحول، وهو أنه أصابتهم في ذلك المكان الغفلة، وفيه أنه أذن وأقام، فيكون ذكر الأذان مع الإقامة، وذكر الأذان مع الإقامة جاء -أيضاً- عن أبي قتادة وغيره من الصحابة، أي أنه يؤذن للفائتة ويقام.

    قوله: [ حدثنا موسى بن إسماعيل ].

    هو موسى بن إسماعيل التبوذكي، ثقة، أخرج له أصحاب الكتب الستة.

    [ حدثنا أبان ].

    هو أبان بن يزيد العطار، ثقة، أخرج له أصحاب الكتب الستة إلا ابن ماجه .

    [ حدثنا معمر ].

    هو معمر بن راشد الأزدي البصري ثم اليماني، ثقة، أخرج له أصحاب الكتب الستة.

    [ عن الزهري عن سعيد بن المسيب عن أبي هريرة ].

    قد مر ذكرهم جميعاً.

    حكم الأذان والإقامة للمنفرد داخل المدينة

    لو كان الإنسان منفرداً وفاتته الصلاة فالذي يبدو أنه يؤذن ويقيم حتى ولو كان وحده، لكن يؤذن بخفض صوت داخل المدينة، أما ما ورد عن أنس بن مالك من أنه أذن وأقام فمعناه أنه لا يكون برفع صوت.

    بيان من ذكر الأذان للفائتة من الرواة وتراجم رجال الإسناد

    [ قال أبو داود : رواه مالك وسفيان بن عيينة والأوزاعي وعبد الرزاق عن معمر وابن إسحاق، لم يذكر أحد منهم الأذان في حديث الزهري هذا، ولم يسنده منهم أحد إلا الأوزاعي وأبان العطار عن معمر ].

    يعني أن الأوزاعي وأبان العطار هما اللذان ذكرا الأذان.

    قوله: [ رواه مالك وسفيان بن عيينة وعبد الرزاق ].

    مالك هو مالك بن أنس إمام دار الهجرة الإمام المشهور.

    و سفيان بن عيينة ثقة، أخرج له أصحاب الكتب الستة.

    و عبد الرزاق بن همام ثقة، أخرج له أصحاب الكتب الستة.

    [ عن معمر وابن إسحاق ].

    معمر مر ذكره.

    و ابن إسحاق هو محمد بن إسحاق، صدوق يدلس، أخرج حديثه البخاري تعليقاً، ومسلم وأصحاب السنن.

    شرح حديث: (... إنه لا تفريط في النوم إنما التفريط في اليقظة...)

    قال المصنف رحمه الله تعالى: [ حدثنا موسى بن إسماعيل حدثنا حماد عن ثابت البناني عن عبد الله بن رباح الأنصاري حدثنا أبو قتادة رضي الله عنه: (أن النبي صلى الله عليه وسلم كان في سفر له، فمال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم وملت معه، فقال: انظر. فقلت: هذا راكب، هذان راكبان، هؤلاء ثلاثة. حتى صرنا سبعة، فقال: احفظوا علينا صلاتنا -يعني صلاة الفجر-، فضرب على آذانهم فما أيقظهم إلا حرَّ الشمس، فقاموا فساروا هُنَيَّة ثم نزلوا فتوضئوا، وأذن بلال رضي الله عنه، فصلوا ركعتي الفجر، ثم صلوا الفجر وركبوا، فقال بعضهم لبعض: قد فرطنا في صلاتنا. فقال النبي صلى الله عليه وسلم: إنه لا تفريط في النوم، إنما التفريط في اليقظة، فإذا سها أحدكم عن صلاة فليصلها حين يذكرها، ومن الغد للوقت) ].

    أي أن الحكم في ذلك أنه يأتي بها ويصليها إذا ذكرها، وأنه لا كفارة لها إلا ذلك، وذلك في أي وقت يذكرها فيه ولو كان في وقت نهي؛ لأن قضاء الفوائت في أوقات النهي جاء في السنة ما يدل عليه، وهو هذه الأحاديث التي جاءت عن النبي صلى الله عليه وسلم، وفيها: (من نسي صلاة أو نام عنها فليصلها إذا ذكرها، لا كفارة لها إلا ذلك)، وقد سبق ذكر حديث أبي هريرة من طريقين، وفي أحد الطريقين ذكر الأذان مع الإقامة، وفي الآخر لم يذكر الأذان وإنما ذكرت الإقامة، وكل من الأذان والإقامة ثابت عن رسول الله صلى الله عليه وسلم، فإنه قد جاء في حديث أبي هريرة من بعض الطرق، وجاء عن غير أبي هريرة كـأبي قتادة وغيره.

    وقد أورد أبو داود رحمه الله هنا حديث أبي قتادة الأنصاري رضي الله عنه [ (إن النبي صلى الله عليه وسلم كان في سفر له، فمال رسول الله صلى الله عليه وسلم وملت معه، فقال: انظر. فقلت: هذا راكب، هذان راكبان، هؤلاء ثلاثة. حتى صرنا سبعة، فقال -عليه الصلاة والسلام-: احفظوا علينا صلاتنا) ] يعني: من يكون منتبهاً يحفظ لنا الصلاة حتى لا يخرج وقت الصلاة. فناموا وما أيقظهم إلا حر الشمس، فمشوا، وبعد ذلك نزلوا وتوضئوا وصلوا الركعتين اللتين هما السنة الراتبة، ثم صلى بهم الصبح صلوات الله وسلامه وبركاته عليه.

    قوله: [ (فقال بعضهم لبعض: قد فرطنا في صلاتنا) ] أي: حيث نمنا عنها وأتينا بها في غير الوقت.

    فقال عليه الصلاة والسلام: [ (إنه لا تفريط في النوم إنما التفريط في اليقظة) ] يعني بذلك كون الإنسان يؤخر الصلاة وهو مستيقظ، فهذا هو المفرط، وأما من يؤخر الصلاة وهو نائم كهذا النوم الذي ناموه بعد التعب، وكانوا حريصين على أن لا تفوتهم الصلاة؛ حيث طلب منهم صلى الله عليه وسلم أن يحفظوا عليهم الصلاة -أي: أن يكونوا متنبهين حتى لا يغلبهم النوم ويتأخرون عن الصلاة، أو يخرج وقت الصلاة- فيؤدونها في غير وقتها، من كان ذلك حاله فإنه ليس بمفرط، فمن نسي صلاة أو نام عنها فليصلها إذا ذكرها.

    أقوال العلماء في معنى قوله: (ومن الغد للوقت)

    قوله: [ (ومن الغد للوقت) ].

    قال بعض العلماء: إن الإنسان إذا صلى الصلاة المقضية التي نام عنها أو نسيها في غير وقتها فإنه يصليها في الوقت من الغد عند الذكر، ويكون ذلك للاستحباب. قال الخطابي : فلا أعلم أحداً من الفقهاء قال بها وجوباً.

    وقال بعض أهل العلم: إن الحديث ليس فيه دلالة على أن الصلاة تصلى مرة ثانية في الوقت، وإنما المقصود من قوله: [ (ومن الغد للوقت) ] أي أنه يحافظ عليها من الغد في وقتها، أي: هذه الصلاة التي حصل النوم عنها وأدوها في غير وقتها يحافظ عليها في وقتها، وأيضاً قالوا: يحتمل أن يكون المراد بقوله: [ (ومن الغد للوقت) ] أن وقتها ثابت، وأنهم وإن أدوا الصلاة في غير وقتها للأمر الطارئ فإن هذا الذي فعلوه قضاء في غير الوقت، وهو الذي أمكنهم فعله، وهو الذي لم يستطيعوا سواه، ولكن من الغد تؤدى في وقتها، فلا يفهم أن الوقت تغير وأنه تحول، وإنما الوقت على ما هو عليه، وكذلك ما يستقبل من الأيام.

    فقال بعض أهل العلم: ليس في هذا الحديث ما يدل على أن الصلاة تصلى مرتين مرة عندما تذكر ومرة أخرى إذا جاء الوقت من الغد، وإنما تؤدى حيث يذكرها الإنسان، وقد قال عليه الصلاة والسلام في الحديث: (لا كفارة لها إلا ذلك) يعني: ليس هناك شيء يلزم ويتعين للقيام بالواجب إلا أن يؤديها الإنسان إذا ذكرها، فليس هناك شيء وراء ذلك، ولا يقضيها من الغد ولا يكون عليه كفارة مالية كما يكون بالنسبة للأمور التي فيها كفارات، وإنما كفارتها هو أن يقضيها الإنسان إذا ذكرها، لا كفارة لها إلا ذلك.

    إذاً: فقوله: [ (ومن الغد للوقت) ] لا يكون فيه دليل على أن الصلاة تصلى مرتين مرة إذا ذكرت ومرة أخرى في الوقت الذي يأتي لتلك الصلاة التي نيم عنها أو نسيت وقضيت في غير وقتها، فتصلى في غير وقتها قضاءً ثم تفعل في وقتها مرة أخرى، ليس في الحديث دليل واضح على ذلك، وقد قال الخطابي : لم يقل أحد من أهل العلم بوجوب أداء الصلاة مرتين مرة عند ذكرها ومرة عند مجيء الوقت من الغد.

    تراجم رجال إسناد حديث: ( ... إنه لا تفريط في النوم إنما التفريط في اليقظة... )

    قوله: [حدثني موسى بن إسماعيل ].

    هو موسى بن إسماعيل التبوذكي، ثقة، أخرج له أصحاب الكتب الستة.

    [ حدثنا حماد ].

    هو حماد بن سلمة البصري، ثقة، أخرج له البخاري تعليقاً، ومسلم وأصحاب السنن.

    [ عن ثابت البناني ].

    هو ثابت بن أسلم البناني، وهو ثقة، أخرج له أصحاب الكتب الستة.

    [ عن عبد الله بن رباح الأنصاري ].

    عبد الله بن رباح الأنصاري ثقة، أخرج له مسلم وأصحاب السنن.

    [ حدثنا أبو قتادة ].

    هو الحارث بن ربعي الأنصاري رضي الله عنه، وحديثه عند أصحاب الكتب الستة.

    شرح حديث: ( بعث رسول الله جيش الأمراء ... )

    قال المصنف رحمه الله تعالى: [ حدثنا علي بن نصر حدثنا وهب بن جرير حدثنا الأسود بن شيبان حدثنا خالد بن سمير قال: قدم علينا عبد الله بن رباح الأنصاري من المدينة وكانت الأنصار تفقهه، فحدثنا قال: حدثني أبو قتادة الأنصاري رضي الله عنه فارس رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: (بعث رسول الله صلى الله عليه وسلم جيش الأمراء -بهذه القصة-، قال: فلم توقظنا إلا الشمس طالعة، فقمنا وهلين لصلاتنا، فقال النبي صلى الله عليه وسلم: رويداً رويداً. حتى إذا تعالت الشمس قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: من كان منكم يركع ركعتي الفجر فليركعهما. فقام من كان يركعهما ومن لم يكن يركعهما فركعهما، ثم أمر رسول الله صلى الله عليه وسلم أن ينادى بالصلاة فنودي بها، فقام رسول الله صلى الله عليه وسلم فصلى بنا، فلما انصرف قال: ألا إنا نحمد الله أنا لم نكن في شيء من أمور الدنيا يشغلنا عن صلاتنا، ولكن أرواحنا كانت بيد الله عز وجل، فأرسلها أنى شاء، فمن أدرك منكم صلاة الغداة من غد صالحاً فليقض معها مثلها) ].

    أورد أبو داود رحمه الله حديث أبي قتادة الأنصاري رضي الله عنه من طريق أخرى، وفيه: [ (بعث رسول الله صلى الله عليه وسلم جيش الأمراء) ]، وجيش الأمراء هو الجيش الذي ذهب في غزوة مؤتة، وسمي جيش الأمراء لأن النبي صلى الله عليه وسلم ذكر الأمراء وهم: زيد بن حارثة ، وجعفر بن أبي طالب ، وعبد الله بن رواحة، وكلهم استشهدوا رضي الله عنهم وأرضاهم، وعند ذلك أخذ الراية خالد بن الوليد، فقيل له: جيش الأمراء.

    والنبي صلى الله عليه وسلم لم يذهب في ذلك الجيش، وإنما بعثه.

    وهذا ا لحديث فيه أمور مشكلة، منها: ذكر جيش الأمراء، وأن النبي صلى الله عليه وسلم كان فيه ولم يكن فيه، ومنها التخيير بين أن يركعوا ركعتي الفجر، ومنها: ما جاء في آخره من أنه إذا جاء من الغد يصلون معها مثلها.

    فهذه مخالفة لما جاءت في الروايات الأخرى.

    ولهذا قيل: إن الحديث شاذ. أو: إن فيه وهناً بسبب بعض رواته، وهو الذي يروي عن عبد الله بن رباح، وهو خالد بن سمير الذي ذكر هذه الأمور الثلاثة، مع أن غيره لم يذكرها من الذين رووا عن أبي قتادة هذه الأمور.

    فقالوا: إن هذه من أوهامه، وإن هذا خطأ حصل منه لم يكن عند غيره في هذه الرواية، بل الرواة الآخرون ما جاء عنهم ذلك، فتكون هذه الأمور الثلاثة خطأ، والشيخ الألباني قال: إن الحديث شاذ؛ لما فيه من المخالفات، فهو إما أن يكون شاذاً على اعتبار أنه ثقة خالف الثقات، أو أن فيه ضعفاً بسبب أن أحد رواته -وهو خالد بن سمير يهم-، ويكون هذا من أوهامه ومن أخطائه.

    وقوله: [ قدم علينا عبد الله بن رباح الأنصاري من المدينة وكانت الأنصار تفقهه ]. أي: تصفه بالفقه.

    [ (فقمنا وهلين) ].

    يعني: فزعين؛ لأن الشمس طلعت وهم لم يصلوا الفجر.

    قوله: [ (فقال النبي صلى الله عليه وسلم: (رويداً رويداً) ].

    يعني: أمرهم بأن يمشوا شيئاً فشيئاً.

    قوله: [ (حتى إذا تعالت الشمس قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (من كان منكم يركع ركعتي الفجر فليركعهما) ].

    ومعنى هذا أن هناك تخييراً في ركعتي الفجر، والنبي صلى الله عليه وسلم ما كان يترك ركعتي الفجر في حضر ولا في سفر، وإنما كان يداوم على ركعتي الفجر وعلى الوتر.

    قوله: [ (ثم أمر رسول الله صلى الله عليه وسلم أن ينادى بالصلاة فنودي بها) ].

    هذا فيه ذكر الأذان، وهو مثل ما جاء في الأحاديث الأخرى عن أبي قتادة .

    قوله: [ (ولكن أرواحنا كانت بيد الله عز وجل فأرسلها أنى شاء) ].

    يعني أن الله توفاها حيث شاء، ثم أرسلها في الوقت الذي شاء الله أن تعود فيه.

    قوله: [ (فمن أدرك منكم صلاة الغداة من غد صالحاً فليقض معها مثلها) ].

    يعني أنه يصلي الفجر ويصلي معها الفجر مرة أخرى عن هذا اليوم، لكن هذا مثل ما ذكرت في قوله: [ (ومن الغد للوقت) ] أي: ليس المقصود منه أنه يأتي بالصلاة مرتين، وإنما معناه أن الوقت مستقر، وأنه يحافظ على الصلاة في وقتها، وأنها من الغد تصلى في وقتها، لا أنه يقضي مثلها.

    فالذي جاء في هذا الحديث فيه توضيح بأن الذي يؤتى به من الغد في الوقت إنما هو صلاة مقضية بالإضافة إلى الصلاة المؤداة، وتكون الصلاة فعلت مرتين، مرة عند الاستيقاظ من النوم، ومرة عند أداء الصلاة من الغد، فتكون صلاة الفجر تلك التي نيم عنها فعلت مرتين.

    ولكن هذا الذي جاء في هذا الحديث فيه خالد بن سمير، وهو يهم، فتكون هذه الزيادة إما شاذة وإما ضعيفة.

    وكذلك ذكر قصة الأمراء، والنبي صلى الله عليه وسلم لم يكن في جيش الأمراء، وإنما بعثه وبقي الرسول صلى الله عليه وسلم في المدينة، وكذلك التخيير بين ركعتي الفجر، مع أن ركعتي الفجر من آكد الرواتب، والنبي صلى الله عليه وسلم ما كان يتركهما في حضر ولا في سفر، وكذلك الوتر.

    تراجم رجال إسناد حديث: ( بعث رسول الله جيش الأمراء ... )

    قوله: [ حدثنا علي بن نصر ].

    هو علي بن نصر بن علي بن نصر الجهضمي، ثقة، أخرج حديثه مسلم وأبو داود والترمذي والنسائي .

    [ حدثنا وهب بن جرير ].

    هو وهب بن جرير بن حازم، ثقة، أخرج له أصحاب الكتب الستة.

    [ حدثنا الأسود بن شيبان ].

    الأسود بن شيبان ثقة، أخرج له البخاري في الأدب المفرد، ومسلم وأبو داود والنسائي وابن ماجه.

    [ حدثنا خالد بن سمير ].

    خالد بن سمير صدوق يهم، أخرج حديثه البخاري في الأدب المفرد، وأبو داود والنسائي وابن ماجه .

    [ قدم علينا عبد الله بن رباح قال: حدثني أبو قتادة الأنصاري ].

    عبد الله بن رباح وأبو قتادة قد مر ذكرهما.

    حديث (بعث رسول الله جيش الأمراء ...) من طريق ثانية وتراجم رجال إسناده

    قال المصنف رحمه الله تعالى: [ حدثنا عمرو بن عون أخبرنا خالد عن حصين عن ابن أبي قتادة عن أبي قتادة رضي الله عنه في هذا الخبر، قال: فقال: (إن الله قبض أرواحكم حيث شاء، وردها حيث شاء قم فأذن بالصلاة. فقاموا فتطهروا، حتى إذا ارتفعت الشمس قام النبي صلى الله عليه وسلم فصلى بالناس) ].

    أورد أبو داود رحمه الله حديث أبي قتادة من طريق أخرى وهو مختصر، وفيه أن الرسول صلى الله عليه وسلم أمر من يؤذن بقوله: [ (قم فأذن) ].

    ثم صلى بالناس صلوات الله وسلامه وبركاته عليه.

    قوله: [ حدثنا عمرو بن عون ].

    هو عمرو بن عون الواسطي، ثقة، أخرج له أصحاب الكتب الستة.

    [ أخبرنا خالد ].

    هو خالد بن عبد الله الواسطي، ثقة، أخرج له أصحاب الكتب الستة.

    [ عن حصين ].

    هو حصين بن عبد الرحمن، وهو ثقة، أخرج له أصحاب الكتب الستة.

    [ عن ابن أبي قتادة ].

    هو عبد الله بن أبي قتادة، وهو ثقة، أخرج له أصحاب الكتب الستة.

    [ عن أبي قتادة ].

    قد مر ذكره.

    حديث (بعث رسول الله جيش الأمراء ...) من طريق ثالثة وتراجم رجال إسناده

    قال المصنف رحمه الله تعالى: [ حدثنا هناد حدثنا عبثر عن حصين عن عبد الله بن أبي قتادة عن أبيه رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم بمعناه، قال: (فتوضأ حين ارتفعت الشمس فصلى بهم) ].

    ذكر هنا الحديث عن أبي قتادة مختصراً.

    قوله: [ حدثنا هناد ].

    هو هناد بن السري أبو السري، ثقة، أخرج حديثه البخاري في (خلق أفعال العباد) ومسلم وأصحاب السنن.

    [ حدثنا عبثر ].

    هو عبثر بن القاسم، وهو ثقة، أخرج له أصحاب الكتب الستة.

    [ عن حصين عن عبد الله بن أبي قتادة عن أبيه ].

    قد مر ذكر الثلاثة.

    حديث (بعث رسول الله جيش الأمراء ...) من طريق رابعة وتراجم رجال إسناده

    قال المصنف رحمه الله تعالى: [ حدثنا العباس العنبري حدثنا سليمان بن داود -وهو الطيالسي - قال: حدثنا سليمان -يعني ابن المغيرة - عن ثابت عن عبد الله بن رباح عن أبي قتادة رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (ليس في النوم تفريط، إنما التفريط في اليقظة، أن تؤخر صلاة حتى يدخل وقت أخرى) ].

    أورد أبو داود رحمه الله حديث أبي قتادة من طريق أخرى، وفيه قوله صلى الله عليه وسلم: [ (ليس في النوم تفريط إنما التفريط في اليقظة، أن تؤخر صلاة حتى يدخل وقت أخرى) ] وهذا دليل على أن كل صلاة يمتد وقتها إلى وقت التي بعدها إما اختياراً وإما اضطرراً، ويستثى من ذلك الفجر، فإنها تنتهي بطلوع الشمس، ثم إن طلوع الشمس إلى الزوال لا يعتبر وقتاً للصلاة.

    فكل صلاة متصلة بالتي بعدها إما اختياراً وإما اضطراراً، فالظهر وقتها إلى العصر اختياراً، والعصر إلى اصفرار الشمس وقتها اختياري، ومن وقت الاصفرار إلى الغروب وقت اضطراري؛ لأنه جاء في الحديث: (من أدرك ركعة من العصر قبل أن تغرب الشمس فقد أدرك الصلاة) يعني: أدركها في الوقت، ولكنه اضطرار.

    والمغرب وقتها متصل بوقت العشاء اختياراً، وأما صلاة العشاء فمن مغيب الشفق إلى نصف الليل اختياراً، ومن نصف الليل إلى طلوع الفجر اضطراراً، وأما الفجر فإنها تنتهي بطلوع الشمس، أما ما بعد طلوع الشمس إلى الزوال فليس وقتاً لصلاة من الصلوات.

    قوله: [ حدثنا العباس العنبري ].

    هو عباس بن عبد العظيم العنبري، ثقة، أخرج حديثه البخاري تعليقاً، ومسلم وأصحاب السنن.

    [ حدثنا سليمان بن داود -وهو الطيالسي- ].

    سليمان بن داود الطيالسي ثقة، أخرج حديثه البخاري تعليقاً، ومسلم وأصحاب السنن.

    [ حدثنا سليمان -يعني ابن المغيرة- ].

    سليمان بن المغيرة ثقة، أخرج له أصحاب الكتب الستة.

    [ عن ثابت عن عبد الله بن رباح عن أبي قتادة ].

    قد مر ذكر الثلاثة.