إسلام ويب

شرح سنن أبي داود [054]للشيخ : عبد المحسن العباد

  •  التفريغ النصي الكامل
  • لقد حرص الإسلام على أن يلتزم أفراده بالنظافة الحسية والمعنوية، ولذا شرع الغسل يوم الجمعة والتطيب تجنباً لما ينبعث من الروائح المؤذية من الأجساد، خاصة العاملين الكادحين، كما أنه شرع في إسلام الكافر أن يغتسل وأن يختتن إذا لم يكن مختوناً، وشرع له أن يلقي عن نفسه شعر الكفر ليحمل عنوان المسلمين.

    1.   

    الرخصة في ترك الغسل يوم الجمعة

    شرح حديث: (كان الناس مهان أنفسهم فيروحون إلى الجمعة بهيئتهم ...)

    قال المصنف رحمه الله تعالى: [ باب: في الرخصة في ترك الغسل يوم الجمعة.

    حدثنا مسدد ، حدثنا حماد بن زيد ، عن يحيى بن سعيد ، عن عمرة ، عن عائشة رضي الله عنها أنها قالت: (كان الناس مهان أنفسهم، فيروحون إلى الجمعة بهيئتهم، فقيل لهم: لو اغتسلتم) ].

    أورد أبو داود رحمه الله هذه الترجمة، وهي الرخصة في ترك الغسل يوم الجمعة، يعني الأدلة الدالة على أن ما جاء من الأوامر في الأحاديث بالغسل يوم الجمعة مصروف عن الوجوب إلى الاستحباب، وقد أورد أبو داود رحمه الله حديث عائشة رضي الله عنها: (كان الناس مهان أنفسهم

    أي: أنهم كانوا يخدمون أنفسهم، وأن مهنهم هم الذين يتولونها بأنفسهم.

    وقولها: (مهان) جمع ماهن، والمقصود من ذلك أنهم الذين يتولون مصالح أنفسهم الدنيوية بأنفسهم، ليس لهم خدم يكفونهم تلك المئونة وينوبون عنهم فيها بحيث يستريحون، وإنما هم الذين يقومون بهذه المهمة، وكان يحصل منهم أنهم يأتون إلى الجمعة على هيئتهم التي كانوا عليها في عملهم وفي حرثهم، وتنبعث منهم روائح كريهة بسبب تلك المهن وتلك الأعمال، فقال عليه الصلاة والسلام: (لو اغتسلتم) يعني: لو اغتسلتم إذا جئتم إلى الجمعة.

    ففيه إرشاد إلى الاغتسال، وأنهم لو اغتسلوا لحصل ذهاب ذلك الشيء الذي يؤذي غيرهم.

    وقولها: [ (فيروحون إلى الجمعة بهيئتهم التي كانوا عليها) ] أي: يروحون إلى الجمعة في ثيابهم وفي عرقهم، فتنبعث منهم الروائح الكريهة فيحصل التأذي بذلك، فالنبي صلى الله عليه وسلم قال: (لو اغتسلتم) يعني: قبل أن تأتوا إلى الجمعة حتى تزول تلك الروائح.

    وكذلك -أيضاً- جاء الإرشاد إلى التطيب مع الاغتسال حتى تذهب تلك الروائح الكريهة؛ لأن الإنسان إذا تطيب تكون رائحته طيبة وتذهب الرائحة الكريهة.

    وسبق أن مر بنا ما دل عليه حديث عائشة هذا (كان الناس مهان أنفسهم) في حديث عقبة بن عامر الجهني رضي الله عنه في الوضوء حيث قال: (إنهم كانوا خدام أنفسهم)، فكانوا يتناوبون رعاية الإبل، فيجمعون ما لكل واحد من الإبل ثم يسرح بها كل يوم شخص، والباقون يكونون عند رسول الله صلى الله عليه وسلم يسمعون حديثه.

    فقوله: (إنهم كانوا خدام أنفسهم) يعني: لا يوجد أحد يكفيهم الخدمة، ولهذا كانوا يتناوبون الرعاية، وهنا في حديث عائشة : (كانوا مهان أنفسهم) أي: هم الذين يقومون بمصالحهم وبمهنهم؛ لأنه ليس لهم خدم ينوبون عنهم فيها، ويأتون على هيئتهم بثيابهم التي كانوا يزاولون بها المهنة، وبعرقهم وبالروائح التي معهم، فالنبي صلى الله عليه وسلم أرشدهم إلى الاغتسال؛ من أجل ذهاب تلك الروائح.

    تراجم رجال إسناد حديث: (كان الناس مهان أنفسهم فيروحون إلى الجمعة بهيئتهم ...)

    قوله: [حدثنا مسدد ].

    هو مسدد بن مسرهد، وهو ثقة، أخرج له البخاري وأبو داود والترمذي والنسائي .

    [ حدثنا حماد بن زيد ].

    حماد بن زيد ثقة، أخرج له أصحاب الكتب الستة.

    [ عن يحيى بن سعيد ].

    هو يحيى بن سعيد الأنصاري، وهو ثقة، أخرج له أصحاب الكتب الستة.

    [ عن عمرة ].

    هي عمرة بنت عبد الرحمن الأنصارية، وهي ثقة، أخرج لها أصحاب الكتب الستة.

    [ عن عائشة ].

    عائشة رضي الله تعالى عنها قد مر ذكرها.

    شرح حديث: (... إذا كان هذا اليوم فاغتسلوا ...)

    قال المصنف رحمه الله تعالى: [ حدثنا عبد الله بن مسلمة ، حدثنا عبد العزيز -يعني ابن محمد- عن عمرو بن أبي عمرو ، عن عكرمة (أن أناساً من أهل العراق جاءوا فقالوا: يا ابن عباس ! أترى الغسل يوم الجمعة واجباً؟ قال: لا، ولكنه أطهر، وخير لمن اغتسل، ومن لم يغتسل فليس عليه بواجب، وسأخبركم كيف بدء الغسل: كان الناس مجهودين يلبسون الصوف ويعملون على ظهورهم، وكان مسجدهم ضيقاً مقارب السقف إنما هو عريش، فخرج رسول الله صلى الله عليه وسلم في يوم حار وعرق الناس في ذلك الصوف حتى ثارت منهم رياح آذى بذلك بعضهم بعضاً، فلما وجد رسول الله صلى الله عليه وسلم تلك الريح قال: أيها الناس! إذا كان هذا اليوم فاغتسلوا، وليمس أحدكم أفضل ما يجد من دهنه وطيبه. قال ابن عباس : ثم جاء الله بالخير، ولبسوا غير الصوف، وكفوا العمل، ووسع مسجدهم، وذهب بعض الذي كان يؤذي بعضهم بعضاً من العرق) ].

    أورد أبو داود رحمه الله الحديث عن ابن عباس رضي الله تعالى عنهما حين جاءه جماعة من أهل العراق وسألوه عن غسل يوم الجمعة أواجب هو فقال: إنه ليس بواجب، وإنما هو مستحب، ومن اغتسل فالغسل أطهر وأفضل. ثم أخبرهم ببدء الغسل، وأنه كان بسبب الروائح الكريهة التي تنبعث منهم بسبب كونهم يأتون متعبين من العمل، ويأتون إلى الجمعة بهيئتهم وبثيابهم التي عملوا فيها وفيهم تلك الروائح، فالنبي صلى الله عليه وسلم قال: (إذا كان هذا اليوم فاغتسلوا)، فأرشدهم إلى الاغتسال، ومعنى هذا أن الاغتسال إنما هو لأجل إزالة هذه الروائح الكريهة، فإذا لم يكن هناك شيء من هذه الروائح التي يحصل بها أذى فإنه لا يكون الغسل لازماً؛ لأن المقصود به هو إزالة الروائح وإزالة الأذى الذي يكون في الإنسان بسبب مهنته وعمله.

    ومعنى هذا أنه إذا لم يكن شيء من ذلك فإنه لا محذور ولا مانع من أن يأتي المرء الجمعة دون أن يغتسل، لكن غسل يوم الجمعة متأكد استحبابه، وينبغي للإنسان أن يحرص عليه ولو كان ليس فيه روائح، ولكن من لم يفعله فإنه لا يأثم؛ لأنه مستحب وليس بواجب.

    وقد سبق أن مرت قصة عثمان حين دخل وعمر يخطب فقال له: أي ساعة هذه؟ فقال: إنني لما سمعت النداء بادرت إلى الوضوء وجئت. فقال: والوضوء أيضاً! فـعثمان رضي الله عنه جاء بدون اغتسال، ولم يأمره أمير المؤمنين عمر رضي الله عنه بأن يذهب فيغتسل؛ ليؤدي ذلك الواجب لو كان واجباً، فدل ذلك على أنه مستحب.

    ويدل عليه أيضاً قول ابن عباس رضي الله عنهما: إنه مستحب وليس بواجب.

    وبين رضي الله عنه سبب الغسل وأصله، وأنه كان بسبب ما يحصل من روائح تنبعث بسبب مجيئهم على هيئتهم، وقد كانوا هم خدم أنفسهم وليس لهم من يخدمهم.

    تراجم رجال إسناد حديث: (... إذا كان هذا اليوم فاغتسلوا ...)

    قوله: [حدثنا عبد الله بن مسلمة حدثنا عبد العزيز -يعني ابن محمد- ].

    عبد العزيز هو ابن محمد الدراوردي، وهو صدوق، أخرج له أصحاب الكتب الستة.

    [ عن عمرو بن أبي عمرو ].

    عمرو بن أبي عمرو ثقة ربما وهم، أخرج له أصحاب الكتب الستة.

    [ عن عكرمة ].

    عكرمة مولى ابن عباس ثقة، أخرج له أصحاب الكتب الستة.

    وابن عباس هو عبد الله بن عباس بن عبد المطلب رضي الله عنه ابن عم النبي صلى الله عليه وسلم، وأحد العبادلة الأربعة من الصحابة، وهم: عبد الله بن عباس ، وعبد الله بن الزبير ، وعبد الله بن عمرو ، وعبد الله بن عمر .

    شرح حديث: (من توضأ يوم الجمعة فبها ونعمت ومن اغتسل فهو أفضل)

    قال المصنف رحمه الله تعالى: [حدثنا أبو الوليد الطيالسي حدثنا همام ، عن قتادة ، عن الحسن ، عن سمرة رضي الله عنه أنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (من توضأ يوم الجمعة فبها ونعمت، ومن اغتسل فهو أفضل) ].

    أورد أبو داود رحمه الله حديث سمرة بن جندب رضي الله عنه: (من توضأ يوم الجمعة فبها ونعمت، ومن اغتسل فهو أفضل) فهذا يدل على أن الغسل إنما هو مستحب، وأنه أفضل من الاقتصار على الوضوء.

    قيل: إن المقصود بقوله: (فبها) أي: فبالسنة أخذ.

    وقوله: (ونعمت) أي: نعمت الرخصة.

    وقوله: (ومن اغتسل فالغسل أفضل) يعني: مع الوضوء، فإن الغسل يكون أتم وأفضل، وهذا فيه الدلالة على أنه مستحب وليس بواجب.

    تراجم رجال إسناد حديث: (من توضأ يوم الجمعة فبها ونعمت ومن اغتسل فهو أفضل)

    قوله: [حدثنا أبو الوليد الطيالسي ].

    أبو الوليد الطيالسي هو هشام بن عبد الملك، ثقة، أخرج له أصحاب الكتب الستة.

    [ حدثنا همام ].

    هو همام بن يحيى، ثقة، أخرج له أصحاب الكتب الستة.

    [ عن قتادة ].

    هو قتادة بن دعامة السدوسي البصري، ثقة، أخرج له أصحاب الكتب الستة.

    [ عن الحسن ].

    هو الحسن بن أبي الحسن البصري، وهو ثقة، أخرج له أصحاب الكتب الستة.

    [ عن سمرة ].

    هو سمرة بن جندب رضي الله عنه، وحديثه أخرجه أصحاب الكتب الستة.

    1.   

    الأمر بالغسل لمن أراد الإسلام

    شرح حديث: (أتيت النبي أريد الإسلام فأمرني أن أغتسل ...)

    قال المصنف رحمه الله تعالى: [ باب: في الرجل يسلم فيؤمر بالغسل.

    حدثنا محمد بن كثير العبدي ، أخبرنا سفيان ، حدثنا الأغر ، عن خليفة بن حصين ، عن جده قيس بن عاصم رضي الله عنه قال: (أتيت النبي صلى الله عليه وسلم أريد الإسلام فأمرني أن أغتسل بماء وسدر) ].

    هذه الترجمة لبيان نوع من الأغسال، وهو الغسل عند الدخول في الإسلام، أي: من كان كافراً ثم أسلم فإنه يغتسل؛ لأن اغتساله بعد دخوله في الإسلام فيه تطهير لجسده من النجاسات التي لا يتحرز منها الكفار، وكذلك الذي يكون على جنابة فيكون اغتساله مزيلاً لتلك الأوساخ وتلك الأقذار التي كان الكفار لا يأخذون بها، ولا يحصل منهم الاغتسال والطهارة والنظافة منها.

    فاغتسال الكافر بعد إسلامه فيه تخلص من تلك الآثار.

    فـأبو داود رحمه الله أورد حديث قيس بن عاصم التميمي المنقري رضي الله تعالى عنه: (أنه جاء إلى النبي صلى الله عليه وسلم مسلماً فأمره النبي صلى الله عليه وسلم أن يغتسل بما وسدر)، أي أن السدر يكون أكمل في النظافة والطهارة.

    وقوله: [ (فأمرني أن أغتسل بماء وسدر) ] فيه أن الكافر عندما يدخل في الإسلام يغتسل.

    تراجم رجال إسناد حديث: ( أتيت النبي أريد الإسلام فأمرني أن أغتسل.. )

    قوله: [ حدثنا محمد بن كثير العبدي ].

    محمد بن كثير العبدي ثقة، أخرج له أصحاب الكتب الستة.

    [ أخبرنا سفيان ].

    سفيان هو سفيان بن سعيد بن مسروق الثوري، ثقة فقيه، وصف بأنه أمير المؤمنين في الحديث، وحديثه أخرجه أصحاب الكتب الستة.

    [ حدثنا الأغر ].

    هو الأغر بن الصباح المنقري التميمي، وهو ثقة، أخرج له أبو داود والترمذي والنسائي .

    [ عن خليفة بن حصين ].

    هو خليفة بن حصين بن قيس بن عاصم، وهو ثقة، أخرج له أبو داود والترمذي والنسائي .

    [ عن جده قيس بن عاصم ].

    جده هو قيس بن عاصم التميمي المنقري صاحب رسول الله صلى الله عليه وسلم، وهو صحابي مشهور بالحلم، وهو الذي رثاه أحد الشعراء لما مات بقصيدة، منها البيت المشهور الذي يدل على عظم شأن هذا الرجل، حيث قال:

    وما كان قيس هلكه هلك واحد ولكنه بنيان قوم تهدما

    ومعناه أن من الناس من إذا هلك يكون هلاكه بمثابة البناء الذي يتهدم، وذلك لعظم شأنه وعظيم منزلته.

    فقول الشاعر:

    وما كان قيس هلكه هلك واحد

    يعني: ليس موته موت رجل واحد، ولكن موته موت جماعة.

    وقوله: (ولكنه بنيان قوم تهدما يدل على مكانته وعظيم منزلته رضي الله تعالى عنه وأرضاه.

    وهذا الشعر يستشهد به عندما يموت شخص كبير له منزلة عظيمة مرموقة ونفعه عظيم، فيكون فقده مصيبة كبيرة على الناس.

    شرح حديث: (... ألق عنك شعر الكفر واختتن)

    قال المصنف رحمه الله تعالى: [ حدثنا مخلد بن خالد ، حدثنا عبد الرزاق ، أخبرنا ابن جريج ، قال: أخبرت عن عثيم بن كليب عن أبيه عن جده رضي الله عنه: (أنه جاء إلى النبي صلى الله عليه وسلم فقال: قد أسلمت. فقال له النبي صلى الله عليه وسلم: ألق عنك شعر الكفر -يقول: احلق-. قال: وأخبرني آخر أن النبي صلى الله عليه وسلم قال لآخر معه: ألق عنك شعر الكفر واختتن) ].

    أورد أبو داود رحمه الله حديث جد عثيم بن كثير بن كليب أنه جاء إلى الرسول صلى الله عليه وسلم مسلماً فقال له: ألق عنك شعر الكفر، يعني: احلق رأسك. وقيل: إن المقصود بهذا الحديث إزالة ما هو علامة من علامات الكفر في رءوسهم وهيئات رءوسهم، وليس المقصود به أنه يجب على الإنسان أن يحلق رأسه إذا دخل في الإسلام وأنه يزيل شعره، وذلك لأنه قال: (شعر الكفر) يعني الشيء الذي هو علامة من علامات الكفر، كالهيئات التي يختصون بها ويتميزون بها في رءوسهم، مثل كونهم يحلقون شيئاً ويبقون شيئاً على هيئة مخصوصة، فإن تلك التي هي من علامات الكفر يجب التخلص منها وتجب إزالتها.

    ثم قال: وأخبرني آخر أن النبي صلى الله عليه وسلم قال لآخر معه: (ألق عنك شعر الكفر واختتن).

    فقوله: (شعر الكفر) يقال فيه مثلما تقدم.

    وقوله: (واختتن) فيه زيادة الاختتان، وأن الإنسان إذا أسلم وهو غير مختتن فعليه أن يختتن وأن يزيل تلك القلفة التي تكون من أسباب عدم الطهارة لكون شيء من البول يبقى في تلك القلفة التي تغطي الحشفة، والاختتان فيه زوالها وعدم علوق شيء من البول بها، فبالاختتان يحصل التخلص من ذلك.

    ومن المعلوم أن الاختتان من شعار الإسلام، وأنه مطلوب في حق الرجال أن يختتنوا، وأنه عندما يبلغ الإنسان يجب أن يكون مختتناً؛ لأنه جاء زمن التكليف، وقبل ذلك يكون الإنسان غير مكلف، ولكن المبادرة إلى الاختتان في الصغر لاشك في أنها هي الأولى.

    أما مناسبة حلق الشعر والاختتان للغسل مع عدم ذكر الاغتسال فهي أن في الحديث شيئاً يتعلق بالطهارة من جهة أن هناك شيئاً من إزالة آثار الكفر، ومن آثار الكفر عدم الاختتان، فهو علامة من علامات الكفار، والاختتان علامة من علامات المسلمين، وكذلك إذا كان شعره على هيئة الكفار فإنه يزال وليكون على هيئة المسلمين، فالحديث لم يذكر الاغتسال لكن فيه شيء يتعلق بالنظافة والطهارة من آثار الكفر.

    تراجم رجال إسناد حديث: (... ألق عنك شعر الكفر واختتن)

    قوله: [ حدثنا مخلد بن خالد ].

    مخلد بن خالد ثقة، أخرج له مسلم وأبو داود .

    [ حدثنا عبد الرزاق ].

    هو عبد الرزاق بن همام الصنعاني، ثقة، أخرج له أصحاب الكتب الستة.

    [ أخبرنا ابن جريج ].

    ابن جريج هو عبد الملك بن عبد العزيز بن جريج المكي، ثقة، أخرج له أصحاب الكتب الستة.

    [ قال: أخبرت عن عثيم بن كليب ].

    قوله: [ قال: أخبرت ] معناه أن هناك واسطة بينه وبين عثيم، وعثيم هو ابن كثير بن كليب الحضرمي، أو الجهني، وهو مجهول، أخرج له أبو داود وحده.

    [ عن أبيه ].

    أبوه هو كثير ، لم أقف على ترجمة له، لا في التقريب ولا في تهذيب التهذيب، وهناك اختلاف في قضية الجد، أي: هل كليب هو الجد أو الأب؟

    وقيل: إن ابن جريج إنما نسبه إلى جده فقال: عثيم بن كليب. وهو عثيم بن كثير بن كليب وما وقفت لترجمة لـعثيم ، وأما كليب الذي هو الجد فهو صحابي قال عنه الحافظ ابن حجر : قليل الحديث. قيل: إن له ثلاثة أحاديث هذا واحد منها. وحديثه أخرجه أبو داود وحده.

    حكم الغسل لمن أراد أن يسلم

    الحديث فيه هذا المجهول، والألباني حسنه، ولم أدر عن كونه لقي له شواهد أو أي أمور أخرى، وإلا فالإسناد فيه مجهول، وفيه -أيضاً- الانقطاع.

    أما بالنسبة للأمر بالغسل لمن أراد أن يسلم فاختلف فيه، فمنهم من قال: إنه على الوجوب؛ لأن فيه التخلص من هذه الأمور، لكن الأكثرون قالوا: إنه على الاستحباب. ولا أدري ما هو الصارف للأمر من الوجوب إلى الاستحباب، لكن لا شك في أن الكفار لا يتنزهون من النجاسات، فتعين الاغتسال في حقهم إذا أسلموا له وجه.

    أما قوله: (ألق عنك شعر الكفر) فقد يكون المقصود به الاستحداد، أي: حلق العانة، لكن كما هو معلوم أن هذه الأمور مطلوبة من المسلم والكافر كذلك إذا أسلم، لكن بعضهم قالوا: إن المقصود به الهيئة التي تخص الكفار، ولهذا قال: (شعر الكفر) ومن المعلوم أن الشعر موجود في حال الكفر، لكنه لا يلزم أن يزيل ما هو موجود في حال الكفر، وإنما الذي يزال هو علامة الكفر، وهو الهيئة المخصوصة للكفار في رءوسهم إذا كان لهم هيئة مخصوصة.

    والله تعالى أعلم.

    1.   

    الأسئلة

    فضل شعبان وحكم الصيام فيه

    السؤال: هل يجوز الصيام يوم الجمعة والسبت في شهر شعبان؟ وهل لشهر شعبان فضيلة في صيامه؟

    الجواب: الرسول صلى الله عليه وسلم أكثر ما كان يصوم من الأشهر في شهر شعبان وفي المحرم، ولم يستكمل الرسول صلى الله عليه وسلم شهراً كاملاً إلا رمضان.

    وقد جاء في بعض الأحاديث: (إذا انتصف شعبان فلا تصوموا)، وهذا يحمل على ما إذا كان الإنسان يريد أن يحتاط لرمضان، ومن المعلوم أن هذا الاحتياط لرمضان لا يسوغ، وقد قال عليه الصلاة والسلام: (لا تتقدموا رمضان بيوم أو يومين، إلا رجل كان يصوم صوماً فليصمه) يعني: إذا كان الرجل من عادته أنه يصوم يوم الخميس أو الإثنين وقع يوم الخميس -مثلاً- موافقاً ليوم الثلاثين فإنه يصوم؛ لأنه ما احتاط لرمضان، بل هو شيء اعتاده، فشعبان هو أحد الشهرين اللذين كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يكثر من الصيام فيهما.

    حكم من أعاد الصلاة مع جماعة بعد أن أداها خلف متنفل

    السؤال: صلى مفترض خلف متنفل، وبعد أن انتهى مباشرة وجد جماعة أقيمت، فهل له الدخول مع تلك الجماعة؟

    الجواب: صلاته الأولى هي الفريضة التي أداها، أما الثانية فإنه إذا دخل معهم فهي نافلة، ولا بأس بذلك؛ لأن الرسول صلى الله عليه وسلم لما صلى بالناس في مسجد الخيف نظر فإذا اثنان قد جلسا في ناحية، فدعا بهما فأتيا ترتعد فرائصهما، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (لماذا لم تصليا؟ قالا: إنا صلينا في رحالنا، قال: إذا أتيتما والإمام لم يصل فصليا معه تكون لكما نافلة)، فالفريضة هي الأولى والثانية نافلة.

    الرد على من اتهم الإمام الشوكاني بالسرقة عند التأليف والنقل

    السؤال: ما رأيكم فيمن يقول: إن الإمام الشوكاني سرق كتابه نيل الأوطار من فتح الباري، وكذلك حكمه على الأحاديث من تلخيص الحبير، وأما كتابه (إرشاد الفحول) -أيضاً- فهو مسروق من كتاب آخر؟

    الجواب: هذا تعبير لا يليق بالعلماء، وإذا كان الشوكاني استفاد من الحافظ ابن حجر أو من غيره فهذا شأن أهل العلم يستفيد بعضهم من بعض، ومن المعلوم أن الشوكاني عالم كبير، وليس مجرد ناقل أو مجرد معتمد على غيره، فله آراء وله نظر، وله عناية رحمه الله تعالى، وله خبرة في الحديث، وقضية الاستفادة من العلماء أمر لا يشك فيه فالمتأخر يستفيد من المتقدم، والحافظ ابن حجر نفسه قد استفاد من العلماء السابقين ومن الأئمة المتقدمين، وهكذا شأن أهل العلم يستفيد بعضهم من بعض، ولكن اتهام العلماء بالسرقة ليس من الأدب مع أهل العلم.

    الفرق بين الشروط والأركان والواجبات والمستحبات في العبادة

    السؤال: ماذا يقصد المالكية بقولهم: إن ستر العورة واجب وليس بشرط؟

    الجواب: كما هو معلوم أن الشرط فيه لزوم وفيه وجوب، لكن الشرط هو الذي يتقدم المشروط، وستر العورة في الصلاة هو من الشروط التي هي خارجة عن أجزاء الصلاة وعن أركان الصلاة، مثل استقبال القبلة، ونحوه.

    أما قولهم: (ستر العورة واجب وليس بشرط) فلا أعرف معنى هذا الكلام، لكن من المعلوم أن الشروط هي واجبة من حيث اللزوم ومتحتمة، وأنه لابد من أن يؤتى بها، فهناك واجب، وهناك شرط يتقدم المشروط، وهناك ركن يكون لازماً لا تصح الصلاة إلا به، والواجب: يجبر بسجود السهو.

    والشروط تكون خارج الماهية وخارج الشيء المعرف؛ لأن الصلاة تعرف بأنها أقوال وأفعال مفتتحة بالتكبير ومختتمة بالتسليم، هذه الأقوال والأفعال منها ما هو أركان ومنها ما هو واجبات ومنها ما هو مستحبات، وهناك شيء يكون موجوداً قبل أن يدخل الإنسان في الصلاة، ككونه على وضوء، وكونه ساتراً للعورة، وكونه مستقبل القبلة، وهكذا بقية الشروط، فما أدري بمعنى قولهم: (إن ستر العورة ليس بشرط) ومعلوم أن الأشياء الموجودة في داخل الصلاة هي أقوال وأفعال وليس منها ستر العورة، ولكن ستر العورة من الأمور التي تشترط للصلاة، والإنسان لا يدخل في الصلاة إلا وقد ستر عورته.

    حكم المتاجرة بالكلاب للحراسة فقط

    السؤال: ما حكم المتاجرة بالكلاب، مع العلم أنها كلاب لا يُحصل عليها بدون مال، وتستخدم للحراسة فقط؟

    الجواب: لا تجوز المتاجرة بالكلاب وبيع الكلاب، والرسول صلى الله عليه وسلم قال: (ثمن الكلب خبيث، وحلوان الكاهن خبيث، ومهر البغي خبيث) يعني: كل هذه الأمور محرمة. فالإنسان إذا احتاج إلى الكلب واضطر إليه يستفيد منه، وإذا استغنى عنه يتركه ويرسله أو يعطيه لمن يستفيد منه، أما أن يبيعه ويستفيد من ثمنه أو يتجر به فهذا غير سائغ وغير جائز.

    حكم الحج والعمرة عن الغير ومكان الإحرام للعمرة

    السؤال: جاء رجل من الجزائر لأداء العمرة وله أبوان متوفيان، وهما لم يحجا ولم يعتمرا ويريد أن يعتمر عنهما، فهل هذا جائز، ومن أين يحرم؟

    الجواب: الإنسان إذا اعتمر عن نفسه وحج عن نفسه له أن يعتمر ويحج عن غيره، لكن العمرة المشروعة هي التي يأتي بها الإنسان وهو متجه إلى مكة من خارج المواقيت، هذه هي العمرة المشروعة، فإذا تيسر للإنسان أنه يعتمر ثم جاء إلى المدينة فإنه إن أراد أن يعتمر عن نفسه أو عن غيره فله ذلك.

    حكم من نوى العمرة وأراد الإحرام من جدة

    السؤال: أريد أن أؤدي العمرة، إلا أني أريد أن أذهب إلى جدة في عمل ما، فهل علي أن أحرم من الميقات أم أحرم من جدة؛ لأني لم أقصد مباشرة الذهاب إلى العمرة؟

    الجواب: خرج الإنسان من المدينة -مثلاً- وهو يريد أن يعتمر فيها فلا يجوز له أن يتجاوز الميقات إلا وقد أحرم، ولو ذهب إلى جدة فإنه يبقى وعليه إحرامه، وإن كان سيبقى في جدة مدة ويرى أن بقاء الإحرام عليه في هذه المدة لا يعجبه ولا يناسبه فليذهب إلى مكة أولاً وينتهي من عمرته، ثم يذهب إلى جدة ويفعل ما يريد.

    والله تعالى أعلم.