إسلام ويب

شرح سنن أبي داود [052]للشيخ : عبد المحسن العباد

  •  التفريغ النصي الكامل
  • خفف الله عن هذه الأمة ووضع عنها إصرها، فشرع لها التيمم عند فقد الماء أو خوف الضرر من استعماله، وقد جاءت أحاديث كثيرة تبين أحكام التيمم المختلفة.

    1.   

    تيمم الجنب إذا خاف البرد

    شرح حديث: (... يا عمرو صليت بأصحابك وأنت جنب؟)

    قال المصنف رحمه الله تعالى:

    [ باب إذا خاف الجنب البرد أيتيمم؟

    حدثنا ابن المثنى ، أخبرنا وهب بن جرير ، أخبرنا أبي، قال: سمعت يحيى بن أيوب ، يحدث عن يزيد بن أبي حبيب ، عن عمران بن أبي أنس ، عن عبد الرحمن بن جبير المصري ، عن عمرو بن العاص رضي الله عنه أنه قال: (احتلمت في ليلة باردة في غزوة ذات السلاسل فأشفقت إن اغتسلت أن أهلك، فتيممت ثم صليت بأصحابي الصبح فذكروا ذلك للنبي صلى الله عليه وسلم، فقال: يا عمرو ! صليت بأصحابك وأنت جنب؟ فأخبرته بالذي منعني من الاغتسال، وقلت: إني سمعت الله يقول: وَلا تَقْتُلُوا أَنفُسَكُمْ إِنَّ اللَّهَ كَانَ بِكُمْ رَحِيمًا [النساء:29] فضحك رسول الله صلى الله عليه وسلم ولم يقل شيئاً) ].

    قوله: (باب إذا خاف الجنب البرد أيتيمم) أي: إذا خاف الجنب البرد أيتيمم عن الجنابة؟

    هذه الترجمة المقصود منها كما هو واضح أن الجنب إذا خشي من الاغتسال أن يصيبه الهلاك، أو يصيبه ضرر كبير يلحق جسمه أو مرض يؤدي به إلى الهلاك، هل له أن يتيمم أو ليس له أن يتيمم؟

    وأورد المصنف رحمه الله حديث عمرو بن العاص رضي الله تعالى عنه، أنه كان في غزوة ذات السلاسل، وكان أميراً عليها، فاحتلم وخشي إن اغتسل أن يهلك لشدة البرد، وذكر قول الله عز وجل: وَلا تَقْتُلُوا أَنفُسَكُمْ إِنَّ اللَّهَ كَانَ بِكُمْ رَحِيمًا [النساء:29]، فتيمم وصلى بالناس وهو إمامهم؛ لأنه أميرهم، فلما جاء إلى الرسول صلى الله عليه وسلم وقد أخبروه بذلك قال له: (صليت بأصحابك وأنت جنب يا عمرو ؟) فقال له ما قال وتلا عليه الآية التي بنى عليها عمله، وهي قول الله عز وجل: وَلا تَقْتُلُوا أَنفُسَكُمْ إِنَّ اللَّهَ كَانَ بِكُمْ رَحِيمًا [النساء:29] فضحك رسول الله صلى الله عليه وسلم ولم يرد شيئاً. وضحكه عليه الصلاة والسلام وكونه لم يرد عليه شيئاً إقرار له، ولو كان ذلك باطلاً أو غير سائغ لم يقره على ذلك، وهو لا يقر على باطل صلى الله عليه وسلم.

    ومن المعلوم أن السنة تثبت بطرق ثلاث: وهي القول أو الفعل أو التقرير، ولهذا يعرف المحدثون الحديث بقولهم: هو ما أضيف إلى النبي صلى الله عليه وسلم من قول أو فعل أو تقرير، ويضيفون إلى ذلك: أو وصف خلقي أو خلقي. أي: وصف أخلاقه الكريمة وخلقه الذي خلقه الله عليه صلى الله عليه وسلم، أيضاً هذا يدخل في السنة ويدخل في الحديث، ولكن هذا التعريف كما هو واضح، يشمل الطرق الثلاث التي تثبت بها السنن، وهي القول والفعل والتقرير، فكونه صلى الله عليه وسلم ضحك وتبسم ولم يرد شيئاً؛ أي أنه أقره على صنيعه وأقره على فعله.

    قوله: [ (احتلمت في ليلة باردة في غزوة ذات السلاسل فأشفقت إن اغتسلت أن أهلك.) ].

    وهذه الغزوة هي التي أمر النبي صلى الله عليه وسلم فيها عمرو بن العاص على جيش ذات السلاسل، وهناك في الجيش من هو أفضل منه، وبهذا يجوز أن يولى المفضول مع وجود الفاضل، وذلك لمعنى موجود في المفضول اختير من أجله، ولما أمره الرسول صلى الله عليه وسلم فهم من هذا التأمير وهذا التقديم أن فيه تفضيلاً فسأله فقال: (من أحب الناس إليك يا رسول الله؟ قال: عائشة ، قال: ومن الرجال؟ قال: أبوها، قال: ثم من؟ قال: عمر)، ثم سكت لما رأى أنه عدد أناساً ولم يعده.

    في هذه الغزوة أو هذا الجيش الذي كان فيه حصل له احتلام في النوم، واحتاج إلى الغسل وخشي أنه إذا اغتسل والبرد شديد أن يهلك، وفهم من الآية وهي قول الله عز وجل: وَلا تَقْتُلُوا أَنفُسَكُمْ إِنَّ اللَّهَ كَانَ بِكُمْ رَحِيمًا [النساء:29] أنه يعدل عن الاغتسال إلى التيمم، ولما سأله رسول الله صلى الله عليه وسلم عن الذي حصل منه وأنه صلى بأصحابه وهو جنب وتلا هذه الآية التي فهم منها ما فهم أقره رسول الله عليه الصلاة والسلام حيث ضحك وتبسم ولم يرد عليه شيئاً.

    وهذا فيه أن الصحابة رضي الله عنهم وأرضاهم كانوا يجتهدون في زمن الوحي في الأمور التي تطرأ عليهم كما فعل عمرو في هذه الغزوة، وكما فعل أسيد بن حضير ومن معه عندما كانوا يبحثون عن عقد عائشة ولما جاء وقت الصلاة وليس عندهم ماء صلوا بدون وضوء؛ لأن التيمم لم يشرع بعد، فعلوا ذلك باجتهادهم، حيث رأوا أن الصلاة لا تترك وأن عليهم أن يصلوا على حسب حالهم، فصلوا على حسب حالهم وأقرهم رسول الله صلى الله عليه وسلم.

    قوله: [ فأشفقت إن اغتسلت أن أهلك، فتيممت ثم صليت بأصحابي الصبح ].

    وكان هذا في آخر الليل؛ لأن البرد يكون أشد ما يكون في آخر الليل.

    معنى قوله: (سمعت الله يقول)

    قوله: [ (فذكروا ذلك للنبي صلى الله عليه وسلم فقال: يا عمرو ! صليت بأصحابك وأنت جنب؟ فأخبرته بالذي منعني من الاغتسال، وقلت: إني سمعت الله يقول: وَلا تَقْتُلُوا أَنفُسَكُمْ إِنَّ اللَّهَ كَانَ بِكُمْ رَحِيمًا [النساء:29] فضحك رسول الله صلى الله عليه وسلم ولم يقل شيئاً) ].

    المقصود بقوله: (سمعت الله يقول) سمعت كلام الله عز وجل ورأيت كلام الله سبحانه وتعالى والذي ينص على أن الإنسان لا يقتل نفسه، وأن ذلك يكون فيه قتل للنفس.

    وستأتي قصة الرجل الذي أصابته شجة واحتلم وسأل وقيل له: (ما نعلم إلا أنك تغتسل، فاغتسل ومات بسبب ذلك، فلما بلغ ذلك رسول الله عليه الصلاة والسلام قال: قتلوه قتلهم الله، ألا سألوا إذ لم يعلموا، فإنما شفاء العي السؤال).

    ويقول عبد الله بن مسعود رضي الله عنه: (إذا سمعت الله يقول: يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا [البقرة:104] فأرع لها سمعك؛ فإنه خير تؤمر به أو شر تنهى عنه) وهذا السماع إنما هو سماع للقرآن إما من غيره أو كونه يقرأ لنفسه.

    ومن المعلوم أن المقصود بالسماع من الله، أي: سماع كلام الله، وسبق أن ذكرت الأثر المروي عن عبد الله بن داود الخريبي الذي ذكره الحافظ ابن حجر في فتح الباري وهو في قول الله عز وجل: وَأُوحِيَ إِلَيَّ هَذَا الْقُرْآنُ لِأُنذِرَكُمْ بِهِ وَمَنْ بَلَغَ [الأنعام:19] قال: إن هذه الآية أشد آية على أصحاب جهم ؛ لأن الله تعالى يقول: وَأُوحِيَ إِلَيَّ هَذَا الْقُرْآنُ لِأُنذِرَكُمْ بِهِ وَمَنْ بَلَغَ [الأنعام:19] قال: فمن بلغته هذه الآية فكأنما سمع كلام الله.

    يعني: كأنه سمعه من الله، وكما هو معلوم أن الناس لا يسمعون من الله، وإنما الذي سمع الوحي من الله ونزل به على محمد بن عبد الله عليه الصلاة والسلام هو جبريل عليه السلام، والذي سمع كلام الله من الله هو موسى بن عمران كليم الرحمن عليه الصلاة والسلام، كما قال الله عز وجل: وَلَمَّا جَاءَ مُوسَى لِمِيقَاتِنَا وَكَلَّمَهُ رَبُّهُ [الأعراف:143] فهو سمع كلام الله من الله، وكذلك نبينا محمد عليه الصلاة والسلام ليلة المعراج فإنه سمع كلام الله من الله، ولهذا فكما أن موسى بن عمران كليم الرحمن فإن نبينا محمداً عليه الصلاة والسلام هو أيضاً كليم الرحمن، وكما أن إبراهيم خليل الرحمن، فنبينا محمد عليه الصلاة والسلام خليل الرحمن، فاجتمع فيه ما تفرق في غيره، الخلة لإبراهيم والتكليم لموسى والخلة والتكليم لنبينا محمد صلى الله عليه وسلم.

    الأحكام العصرية المستنبطة من قوله تعالى: (ولا تقتلوا أنفسكم)

    وقوله تعالى: وَلا تَقْتُلُوا أَنفُسَكُمْ إِنَّ اللَّهَ كَانَ بِكُمْ رَحِيمًا [النساء:29] هذه الآية استدل بها بعض أهل العلم على تحريم شرب الدخان؛ لأن الله تعالى نهى عن قتل النفس، ومن المعلوم أن شرب الدخان من الأسباب التي يكون بها الهلاك ومن أسباب الأمراض، ومن المعلوم أيضاً أن الشريعة جاءت بعموماتها وبقواعدها تشمل ما هو موجود في زمنه صلى الله عليه وسلم وما ليس بموجود مما يجد ويحدث.

    ومن المعلوم أن الدخان شيء جديد، وإنما طرأ ووجد في الأزمان المتأخرة، ولكن الشريعة تستوعب ما يحدث وما يجد من النوازل؛ وذلك بعموماتها وقواعدها وقياس المثيل على المثيل، وإلحاق النظير بالنظير؛ وذلك أن قوله: (وَلا تَقْتُلُوا أَنفُسَكُمْ) فيه نهي عن قتل النفس بأي طريقة كانت، وعن قتل الغير، وكون الإنسان لا يقدم على أي شيء يؤدي إلى هلاكه وقتل نفسه هو ما تقتضيه هذه الآية، ولهذا فهم عمرو رضي الله عنه منها أنه لو اغتسل بالماء البارد لهلك، واحتج بهذه الآية وتلاها على رسول الله صلى الله عليه وسلم، فتبسم رسول الله صلى الله عليه وسلم ولم يرد عليه شيئاً، أي: أنه أقره على ذلك.

    تراجم رجال إسناد حديث (.. يا عمرو صليت بأصحابك وأنت جنب؟)

    قوله: [ حدثنا ابن المثنى ].

    محمد بن المثنى العنزي أبو موسى الملقب بـالزمن ثقة أخرج له أصحاب الكتب الستة، وهو شيخ لأصحاب الكتب الستة.

    [ أخبرنا وهب بن جرير ].

    وهب بن جرير بن حازم ثقة أخرج له أصحاب الكتب الستة.

    [ أخبرنا أبي ].

    أبوه هو جرير بن حازم، وهو أيضاً ثقة أخرج له أصحاب الكتب الستة.

    [ سمعت يحيى بن أيوب ].

    يحيى بن أيوب صدوق ربما أخطأ، أخرج حديثه أصحاب الكتب الستة.

    [ عن يزيد بن أبي حبيب ].

    يزيد بن أبي حبيب ثقة أخرج له أصحاب الكتب الستة.

    [ عن عمران بن أبي أنس ].

    عمران بن أبي أنس ثقة أخرج له البخاري في الأدب المفرد، ومسلم وأبو داود والترمذي والنسائي .

    ولم يخرج له ابن ماجة .

    [ عن عبد الرحمن بن جبير المصري ].

    عبد الرحمن بن جبير المصري ثقة أخرج له مسلم وأبو داود والترمذي والنسائي .

    [ عن عمرو بن العاص ].

    عمرو بن العاص رضي الله تعالى عنه صاحب رسول الله صلى الله عليه وسلم وحديثه عند أصحاب الكتب الستة.

    و عمرو بن العاص رضي الله عنه روى قصة إسلامه مسلم في صحيحه، قال: (إنه جاء ليسلم وكان إسلامه عام الحديبية، فلما مد يده ليبايع الرسول صلى الله عليه وسلم فمد رسول الله يده فقبض عمرو يده، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: لماذا يا عمرو ؟ قال: أردت أن أشترط، قال: وماذا تشترط؟ قال: أن يغفر لي -يعني: ما كان من الشرك وما كان من أمر الجاهلية- فقال عليه الصلاة والسلام: أما علمت أن الإسلام يهدم ما كان قبله، وأن الهجرة تهدم ما كان قبلها، وأن الحج يهدم ما كان قبله؟) قوله: (أما علمت أن الإسلام يهدم ما كان قبله؟) أي: أن التوبة تجب ما قبلها، وأعظم الذنوب وأبطل الباطل وأظلم الظلم الشرك، وإذا حصلت التوبة منه فإن الله تعالى يغفر ذلك، فكيف لما هو دونه من الكبائر والمعاصي، فـعمرو رضي الله عنه عند المبايعة قال هذه المقالة وأجابه رسول الله صلى الله عليه وسلم بهذا الجواب الذي فيه بيان أن الإسلام يهدم ما كان قبله، والهجرة تهدم ما كان قبلها، والحج يهدم ما كان قبله.

    مصطلح المتفق والمفترق في ترجمة الرجال

    قوله: [ قال أبو داود : عبد الرحمن بن جبير مصري مولى خارجة بن حذافة وليس هو ابن جبير بن نفير].

    لما كان هذا الإسناد فيه هذا الرجل المصري وهو عبد الرحمن بن جبير المصري ، وكان هناك شخص آخر يوافقه في الاسم واسم الأب وهو عبد الرحمن بن جبير بن نفير ، فهذا حمصي وذاك مصري، فأراد أن يبين أن هذا غير هذا.

    وهذا يسمونه المتفق والمفترق في علم المصطلح، يعني: أن تتفق الأسماء وأسماء الآباء وتختلف الأشخاص.

    شرح حديث عمرو بن العاص في الجمع بين الوضوء والتيمم للجنب

    قال المصنف رحمه الله تعالى: [ حدثنا محمد بن سلمة المرادي أخبرنا ابن وهب ، عن ابن لهيعة وعمرو بن الحارث عن يزيد بن أبي حبيب ، عن عمران بن أبي أنس ، عن عبد الرحمن بن جبير ، عن أبي قيس مولى عمرو بن العاص أن عمرو بن العاص رضي الله عنه كان على سرية، وذكر الحديث نحوه قال: (فغسل مغابنه وتوضأ وضوءه للصلاة ثم صلى بهم) فذكر نحوه، ولم يذكر التيمم.

    قال أبو داود : وروى هذه القصة عن الأوزاعي عن حسان بن عطية قال فيه: (فتيمم). ].

    ذكر أبو داود رحمه الله الحديث من طريق أخرى، وفيه أن أبا قيس مولى عمرو بن العاص أخبر عن عمرو وقصته، وأنه لما صلى بالناس وهو جنب أنه غسل مغابنه وتوضأ، ولكن لم يذكر التيمم.

    وقد جاء من طريق أخرى أنه تيمم، والطريق السابق فيه أنه تيمم، لكن هذا فيه أنه توضأ وتيمم للغسل؛ لأن الوضوء ولو كان الماء بارداً أسهل من الاغتسال، لكن ينبغي أن يعلم أنه إذا أمكن للإنسان أن يسخن الماء فليسخن الماء ويغتسل به ولا يعدل إلى التيمم، لكن إذا كان في فلاة أو في بر أو في عراء، وليس هناك كن يستكن به، فإنه يتضرر بالماء مع شدة البرد.

    فالحاصل أن هذه الرواية التي ذكرها أبو داود فيها أنه توضأ وغسل مغابنه، وهي ما حول أصول الفخذين كما سبق أن مر بنا غسل المغابن، وهي الأماكن التي لا يصل إليها الماء إلا بمشقة.

    قوله: [ (فغسل مغابنه وتوضأ وضوءه للصلاة ثم صلى بهم).

    فذكر نحوه ولم يذكر التيمم ].

    عدم ذكر التيمم لا يؤثر؛ لأنه ذكر من طريق أخرى، وعدم ذكر اليتيم في هذه الرواية لعله حصل اختصاراً.

    [ قال أبو داود : وروى هذه القصة عن الأوزاعي عن حسان بن عطية قال فيه: فتيمم ].

    وهذه الرواية التي أشار إليها من قبل أنه لم يتيمم جاء فيها أنه تيمم، في الرواية السابقة أيضاً ذكر أنه تيمم.

    إذا: هذه الرواية فيها وضوء مع التيمم.

    كذلك من كان معه ماء ويخشى إذا اغتسل به الهلاك، لكن يستطيع الوضوء، فالذي يبدو كما جاء في هذا الحديث أنه يتوضأ ويتيمم للباقي.

    كذلك لو كان الإنسان عنده ماء، لكن لا يكفي للاغتسال وإنما يكفي لبعضه، فإنه يستعمله ويتيمم للباقي؛ لأنه استطاع الأصل في البعض فيفعله ويتيمم للباقي.

    تراجم رجال إسناد حديث عمرو بن العاص في الجمع بين الوضوء والتيمم للجنب

    قوله: [ حدثنا محمد بن سلمة المرادي ].

    محمد بن سلمة المرادي المصري ثقة أخرج له مسلم وأبو داود والنسائي وابن ماجة .

    [ أخبرنا ابن وهب ].

    ابن وهب هو عبد الله بن وهب المصري ثقة فقيه أخرج له أصحاب الكتب الستة.

    [ عن ابن لهيعة ].

    هو عبد الله بن لهيعة المصري وهو صدوق، احترقت كتبه فساء حفظه، وحديثه أخرجه مسلم مقروناً وأبو داود والترمذي وابن ماجة ، أما النسائي فكان لا يروي عنه، وإذا جاء في إسناد ومعه غيره ذكر ذلك الغير وأبهم ابن لهيعة ، فقال: حدثنا فلان ورجل آخر أو وآخر.

    فكان إذا جاء الإسناد وفيه شخصان يرويان الحديث أحدهما ابن لهيعة ، وهو يريد أن يروي الحديث عن غير ابن لهيعة فإنه يأتي بالإسناد، ولكن لا يترك ابن لهيعة بحيث لا يشير إليه ولا إشارة؛ لأن التحديث حصل من شخصين، وهو لا يحدث عن ابن لهيعة ولا يخرج له، فكان يشير إليه بالإشارة فيقول: أخبرنا عمرو بن الحارث ورجل آخر، يعني بالآخر ابن لهيعة ؛ لأنه لا يريد أن يروي عن ابن لهيعة ، ولا يريد أن يحذفه أصلاً، وكأن الحديث إنما جاء عن شخص واحد ولم يأت عن شخصين، لكن سمى من يريد أن يحدث عنه وأبهم من لا يريد أن يحدث عنه؛ فبذلك حصل المحافظة على الطريقة التي حصل بها التحديث، وهو أن الحديث جاء عن شخصين، والشخص الذي لا يريد أن يحدث عنه أبهمه، والشخص الذي يريد أن يحدث عنه أظهره، والمعول عليه هو من ذكره وحدث عنه.

    [ وعمرو بن الحارث ] ثقة أخرج له أصحاب الكتب الستة.

    [ عن يزيد بن أبي حبيب ، عن عمران بن أبي أنس ، عن عبد الرحمن بن جبير ، عن أبي قيس مولى عمرو بن العاص ].

    أبو قيس مولى عمرو بن العاص اسمه: عبد الرحمن بن ثابت ، ثقة أخرج له أصحاب الكتب الستة.

    [ أن عمرو بن العاص ].

    هذا الحديث صورته صورة المرسل؛ لأن أبا قيس ما أدرك القصة ولكنه أخبر بها من طريق عمرو بن العاص مولاه.

    [ قال أبو داود : وروى هذه القصة عن الأوزاعي عن حسان بن عطية قال فيه: فتيمم ].

    الأوزاعي هو عبد الرحمن بن عمرو الأوزاعي، فقيه الشام ومحدثها، ثقة، أخرج له أصحاب الكتب الستة.

    و حسان بن عطية ثقة أخرج له أصحاب الكتب الستة.

    أما قوله: [ وروى هذه القصة عن الأوزاعي عن حسان بن عطية قال فيه: فتيمم ].

    لعل الذي روى القصة عن الأوزاعي من دون يزيد بن أبي حبيب .

    1.   

    التيمم من الجنابة للمجروح

    شرح حديث: (... إنما كان يكفيه أن يتيمم ويعصب على جرحه خرقه...)

    قال المصنف رحمه الله تعالى:

    [ باب في المجروح يتيمم.

    حدثنا موسى بن عبد الرحمن الأنطاكي ، حدثنا محمد بن سلمة ، عن الزبير بن خريق ، عن عطاء ، عن جابر رضي الله عنه أنه قال: (خرجنا في سفر فأصاب رجلاً منا حجر فشجه في رأسه ثم احتلم، فسأل أصحابه فقال: هل تجدون لي رخصة في التيمم؟ فقالوا: ما نجد لك رخصة وأنت تقدر على الماء، فاغتسل فمات، فلما قدمنا على النبي صلى الله عليه وسلم أخبر بذلك، فقال: قتلوه قتلهم الله، ألا سألوا إذ لم يعلموا، فإنما شفاء العي السؤال، إنما كان يكفيه أن يتيمم ويعصر -أو يعصب شك موسى - على جرحه خرقة، ثم يمسح عليها ويغسل سائر جسده) ].

    أورد أبو داود رحمه الله هذه الترجمة باب: في المجروح يتيمم.

    يعني: الذي أصابه جرح ويلحقه ضرر باستعمال الماء فإنه يتيمم، وأورد فيه حديث جابر بن عبد الله الأنصاري رضي الله تعالى عنهما (أن رجلاً كان في سرية وأصابه شجة في رأسه، فسأل أصحابه هل يتيمم؟ فقالوا: ما نجد لك رخصة وأنت تقدر على الماء) وذلك لأن التيمم إنما جاز عند فقد الماء والماء موجود.

    قوله: (فاغتسل ومات، فلما بلغ ذلك رسول الله عليه الصلاة والسلام قال: قتلوه قتلهم الله، ألا سألوا إذ لم يعلموا، إنما شفاء العي السؤال).

    في هذا دليل على أن الإنسان إذا كان واجداً للماء، ولكن لا يقدر على استعماله أو يلحقه ضرر باستعماله فإنه يكون في حكم غير الواجد للماء، وأن له أن ينتقل إلى التيمم، ولهذا أنكر الرسول صلى الله عليه وسلم على هؤلاء الذين قالوا: (لا نجد لك رخصة وأنت تجد الماء وتقدر عليه) مع أن الضرر يلحق به إذا استعمل الماء، وفعلاً لما استعمل الماء مات، فأنكر عليهم الرسول صلى الله عليه وسلم وقال: (قتلوه قتلهم الله) يعني: أضاف عليه الصلاة والسلام القتل إليهم؛ لأنهم تسببوا في قتله بفتواهم.

    ومن المعلوم أن إلحاق الضرر بالإنسان وكون الفعل يترتب عليه مضرة قد تؤدي إلى الهلاك هذا خلاف ما تقتضيه الشريعة، والإنسان يصلي على حسب حاله، فإذا كان الإنسان يستطيع استعمال الماء ولا يلحقه ضرر باستعماله فليستعمله، وإن كان يلحقه ضرر باستعماله فإنه يصير إلى التيمم حتى لا يهلك نفسه، وحتى لا يلحق الضرر بنفسه.

    قوله: (إنما كان يكفيه أن يتيمم ويعصر -أو يعصب- على جرحه خرقة ويمسح عليها) يعني: أن يجعل على الجرح جبيرة ويمسح عليها ويغسل الذي هو غير مجروح، والمجروح لا يصب عليه الماء حتى لا يلحقه بوصوله إليه مضرة، ويمسح على ذلك مثلما يمسح على العمامة لأنها مغطية للرأس، ومثلما ويمسح على الخفين لأنهما مغطيان للقدمين، فكذلك هذا الجزء الذي يغطيه الإنسان يمسح عليه، سواء كان في أعضاء الوضوء أو خارج أعضاء الوضوء، بأن يكون مثلاً فيه جبيرة في جنبه أو في ساعده، فإنه يغسل ما كان خارج الجبيرة ويمسح على الجبيرة.

    تراجم رجال إسناد حديث: (... إنما كان يكفيه أن يتيمم ويعصب على جرحه خرقة...)

    قوله: [ حدثنا موسى بن عبد الرحمن الأنطاكي ].

    موسى بن عبد الرحمن الأنطاكي صدوق يغرب أخرج له أبو داود والنسائي .

    [ حدثنا محمد بن سلمة ].

    محمد بن سلمة الباهلي الحراني ثقة أخرج له البخاري في جزء القراءة، ومسلم وأصحاب السنن.

    وهذا غير محمد بن سلمة المرادي الذي مر قريباً؛ لأن محمد بن سلمة المرادي مصري وهو من طبقة شيوخ أبي داود ، أما محمد بن سلمة الباهلي الحراني فهو من حران وهو من طبقة شيوخ شيوخه، فإذا جاء محمد بن سلمة يروي عنه أبو داود فهو المصري الذي مر ذكره قريباً، وإذا جاء محمد بن سلمة يروي عنه أبو داود بواسطة فهو الحراني الباهلي .

    [ عن الزبير بن خريق ].

    الزبير بن خريق لين الحديث أخرج له أبو داود وحده.

    [ عن عطاء ].

    عطاء بن أبي رباح ثقة أخرج له أصحاب الكتب الستة.

    [ عن جابر ].

    جابر بن عبد الله الأنصاري رضي الله تعالى عنهما صحابي ابن صحابي، وهو أحد السبعة المعروفين بكثرة الحديث عن النبي صلى الله عليه وسلم وهم: أبو هريرة وابن عمر وابن عباس وأبو سعيد وجابر وأنس بن مالك وأم المؤمنين عائشة رضي الله تعالى عنهم وعن الصحابة أجمعين، ستة رجال وامرأة واحدة.

    هذا الحديث فيه الزبير بن خريق وهو لين الحديث، لكن التيمم لمن به جرح ويخشى على نفسه الهلاك جاء من طرق أخرى.

    وجه ذكر التيمم والمسح والغسل في الرواية والجمع بينها

    لا يجمع بين التيمم وبين المسح، بل يكفي المسح عن التيمم؛ لأن التيمم لا يكون إلا عند عدم الإتيان بالاغتسال أو الإتيان بالوضوء، أما إذا أتى المرء بالاغتسال أو الوضوء ومعه المسح فيكون مثل المسح على العمامة أو المسح على الخفين فلا يحتاج إلى تيمم، لكن هذه الرواية فيها الجمع بين التيمم وبين المسح.

    قوله: [ (إنما كان يكفيه أن يتيمم ويعصر أو يعصب على جرحه خرقة ثم يمسح عليها ويغسل سائر جسده) ].

    يعني: هذه الرواية ما جاءت إلا من طريق واحد وفيها ذكر الجمع بين التيمم وبين المسح والشيخ الألباني لما ذكر هذا الحديث قال: إنه حسن إلا من قوله: (إنما كان يكفيه) وما بعده، فإن هذا ليس له شاهد، وأما ما قبله فله شاهد.

    وعلى هذا يغسل غير المكان المعصوب وغير الجبيرة ويمسح على الجبيرة ولا يتيمم.

    شرح حديث: (... أصاب رجلاً جرح في عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم ثم احتلم...)

    قال المصنف رحمه الله تعالى: [حدثنا نصر بن عاصم الأنطاكي ، حدثنا محمد بن شعيب ، أخبرني الأوزاعي أنه بلغه عن عطاء بن أبي رباح أنه سمع عبد الله بن عباس رضي الله عنهما قال: (أصاب رجلاً جرح في عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم ثم احتلم، فأمر بالاغتسال، فاغتسل فمات، فبلغ ذلك رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: قتلوه قتلهم الله! ألم يكن شفاء العي السؤال؟). ].

    أورد أبو داود رحمه الله حديث ابن عباس وهو مثل حديث جابر المتقدم في قصة الرجل الذي فيه جرح، وأن أصحابه قالوا له: لا نجد لك رخصة في استعمال التيمم مع وجود الماء ثم اغتسل فمات، فالرسول صلى الله عليه وسلم قال: [ (قتلوه قتلهم الله! إنما شفاء العي السؤال) ] يعني: إذا كان الإنسان يجهل الحكم وليس عنده علم فالشفاء من هذا أن يسأل، والطريق للوصول إلى الحق أن يسأل، ولا يفتي بشيء يؤدي إلى الضرر أو يلحق الهلاك بالناس.

    تراجم رجال إسناد حديث: (... أصاب رجلاً جرح في عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم ثم احتلم...)

    قوله: [ حدثنا نصر بن عاصم الأنطاكي ].

    نصر بن عاصم الأنطاكي لين الحديث أخرج له أبو داود وحده.

    [ حدثنا محمد بن شعيب ].

    وهو صدوق أخرج له أصحاب السنن.

    [ أخبرني الأوزاعي ].

    الأوزاعي مر ذكره.

    [ أنه بلغه عن عطاء بن أبي رباح ].

    عطاء بن أبي رباح ، مر ذكره، وهذا فيه انقطاع.

    [ عن ابن عباس ].

    هو عبد الله بن عباس بن عبد المطلب ابن عم النبي عليه الصلاة والسلام، وهو أحد العبادلة الأربعة وأحد السبعة المعروفين بكثرة الحديث عن النبي عليه الصلاة والسلام.

    وهذا الحديث من طريق ابن عباس وذاك من طريق جابر وهذا يشهد لذاك.

    1.   

    المتيمم يجد الماء بعدما يصلي في الوقت

    شرح حديث: (خرج رجلان في سفر فحضرت الصلاة وليس معهما ماء....)

    قال المصنف رحمه الله تعالى:

    [ باب في المتيمم يجد الماء بعدما يصلي في الوقت.

    حدثنا محمد بن إسحاق المسيبي ، أخبرنا عبد الله بن نافع ، عن الليث بن سعد ، عن بكر بن سوادة ، عن عطاء بن يسار ، عن أبي سعيد الخدري رضي الله عنه قال: (خرج رجلان في سفر، فحضرت الصلاة وليس معهما ماء، فتيمما صعيداً طيباً فصليا، ثم وجدا الماء في الوقت، فأعاد أحدهما الصلاة والوضوء ولم يعد الآخر، ثم أتيا رسول الله صلى الله عليه وسلم فذكرا ذلك له، فقال للذي لم يعد: أصبت السنة وأجزأتك صلاتك، وقال للذي توضأ وأعاد: لك الأجر مرتين) ].

    قوله: (باب في المتيمم يجد الماء بعدما يصلي في الوقت) يعني: لم يجد الماء وتيمم وصلى ثم وجد الماء بعد الصلاة في الوقت، أما لو وجد الماء بعد خروج الوقت فلا إشكال؛ لأنه صلى الصلاة في وقتها بالتيمم وقد خرج الوقت، ولكن الإشكال فيما إذا كان قد صلى والوقت لا يزال باقياً ووجد الماء، فهل يتوضأ ويعيد الصلاة مادام الوقت لم يخرج، أو أنه أدى ما عليه بكونه فعل الشيء الذي هو واجب عليه؟!

    وفيه وجوب الصلاة بالتيمم إذا دخل وقتها.

    قوله: [ (خرج رجلان) ] أي: من أ صحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم

    قوله: [ (في سفر فتيمما وصليا) ] لما دخل الوقت تيمما وصليا، فبعد ذلك وجدا الماء والوقت لا يزال باقياً فاختلفا، واحد منهما أعاد الوضوء والصلاة والثاني لم يعد.

    وفيه اجتهاد الصحابة رضي الله عنهم في زمنه صلى الله عليه وسلم عندما تنزل النازلة، مثلما مر في قضية أسيد بن حضير وأصحابه حين صلوا بدون وضوء قبل مشروعية التيمم، وعمار ذهب يتمرغ في التراب وعمر رضي الله عنه لم يصل.

    فهذان الرجلان أحدهما توضأ وأعاد الصلاة، والثاني لم يعد الصلاة، فلما جاءا الرسول صلى الله عليه وسلم وأخبراه بالذي حصل، قال: للذي لم يعد الصلاة: أصبت السنة وأجزأتك صلاتك، وقال للذي أعاد الصلاة: لك الأجر مرتين.

    معنى قوله: (أصبت السنة)

    قوله: [ (أصبت السنة) ] دليل على أن هذا هو الحق؛ لأن من أصاب السنة فقد أدى ما عليه وفرغ من الصلاة وقد حصلت على وجه مشروع، ووجود الماء بعد ذلك لا يؤثر، لكن بعضهم قال: إن عليه الإعادة، ولكن هذا الحديث يدل على أنه لا إعادة عليه؛ لأن قوله: (أصبت السنة) يعني أن هذا هو الحق.

    وكذلك قوله: (وأجزأتك صلاتك) يعني: التي صليتها بتيممك ولم تعدها فهي صحيحة، ولأن الآخر ما قال له: أصبت السنة، لكنه قال: (لك الأجر مرتين)؛ لأنه يجزى إذ صلى صلاتين، وهذا في زمن التشريع، لكن الآن بعدما عرف الدليل عن رسول الله صلى الله عليه وسلم في قوله للذي لم يعد الصلاة: (أصبت السنة) على الإنسان أن يصلي بالتيمم ثم بعد ذلك إذا وجد الماء فلا يتوضأ ويصلي الصلاة من جديد؛ لأنه مثل الإنسان الذي كان مسافراً وقصر الصلاة ولما وصل إلى بلده كان قد أدى الصلاة مقصورة، فلا يجب عليه أن يصلي مرة ثانية؛ لأنه أدى ما عليه في حال سائغ له أن يصلي فيه.

    حكم من صلى بالتيمم ووجد الماء قبل إتمام الصلاة

    أما من كان في الصلاة ووجد الماء فقال بعض أهل العلم: إنه يخرج من الصلاة ويتوضأ ويصلي، وبعضهم قال: يستمر، لكن الذي يظهر أنه يخرج من الصلاة ويتوضأ؛ لأنه وجد الماء قبل أدائها وقبل إتمامها، فإذاً: يرجع إلى الأصل، وأما الذي فرغ منها وانتهى فهو الذي قال فيه الرسول عليه الصلاة والسلام: (أصبت السنة).

    تراجم رجال إسناد حديث: (خرج رجلان في سفر فحضرت الصلاة وليس معهما ماء...)

    قوله: [ حدثنا محمد بن إسحاق المسيبي ].

    محمد بن إسحاق المسيبي صدوق أخرج له مسلم وأبو داود .

    [ أخبرنا عبد الله بن نافع ].

    عبد الله بن نافع الصائغ وهو ثقة صحيح الكتاب في حفظه لين، أخرج له البخاري في الأدب المفرد، ومسلم وأصحاب السنن.

    [ عن الليث بن سعد ].

    الليث بن سعد المصري ثقة فقيه أخرج له أصحاب الكتب الستة.

    [ عن بكر بن سوادة ].

    بكر بن سوادة المصري وهو ثقة أخرج له البخاري تعليقاً، ومسلم وأصحاب السنن.

    [ عن عطاء بن يسار ].

    وهو ثقة أخرج له أصحاب الكتب الستة.

    [ عن أبي سعيد الخدري ].

    هو سعد بن مالك بن سنان مشهور بكنيته أبو سعيد ، وبنسبته الخدري ، وهو أحد السبعة المعروفين بكثرة الحديث عن النبي صلى الله عليه وسلم.

    [ قال أبو داود : وغير ابن نافع يرويه عن الليث عن عميرة بن أبي ناجية ].

    عميرة بن أبي ناجية ثقة أخرج له أبو داود والنسائي .

    [ عن بكر بن سوادة عن عطاء بن يسار عن النبي صلى الله عليه وسلم ]

    عطاء بن يسار أضافه إلى الرسول صلى الله عليه وسلم وهو تابعي، فيكون الحديث مرسلاً.

    [ قال أبو داود : وذكر أبي سعيد الخدري رضي الله عنه في هذا الحديث ليس بمحفوظ هو مرسل ].

    يعني: على ما قال في الإسناد الأخير الذي قال فيه: عن عطاء بن يسار أن رجلين).

    والحديث صححه الألباني وغيره؛ لأنه جاء من طريق آخر موصولاً، ويمكن أن يكون له ما يقويه.

    أما بكر بن سوادة فقد أخرج له البخاري تعليقاً.

    وفي نسخة محمد عوامة في النسائي في الحاشية قال: أخرج له البخاري في الطهارة، والنسائي برقم (433).

    أما عبد الله بن نافع فقد أشار إليه الألباني في الصحيحة معلقاً قال: ما أدري هو هذا أو غيره.

    ولعله هذا لأنه إذا كان أخرج له البخاري فيكون ذكر معه غيره فيكون تبعاً.

    حديث (خرج رجلان في سفر فحضرت الصلاة وليس معهما ماء ...) من طريق أخرى

    قال المصنف رحمه الله تعالى: [ حدثنا عبد الله بن مسلمة ، قال: حدثنا ابن لهيعة ، عن بكر بن سوادة ، عن أبي عبد الله مولى إسماعيل بن عبيد ، عن عطاء بن يسار : (أن رجلين من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم بمعناه) ].

    ثم أورد الحديث من طريق أخرى وهو مرسل مثل الذي قبله عن عطاء بن يسار أن رجلين من أصحاب الرسول صلى الله عليه وسلم بمعنى الحديث المتقدم.

    تراجم رجال إسناد حديث (خرج رجلان في سفر فحضرت الصلاة وليس معهما ماء ...) من طريق أخرى

    1.   

    الأسئلة

    ثبوت حديث الجبيرة من عدة طرق

    السؤال: حديث الجبيرة هل ثبت من غير هذا الطريق؟

    الجواب: جاء من طرق أخرى، والجبيرة مثل العمامة ومثل الخفين، إذا كان في أعضاء الوضوء يغسل موضع الجبيرة إن كان لا يؤثر عليه الماء، وإلا مسح على الجبيرة.

    حكم التيمم في الحضر خشية خروج وقت الصلاة ودليله وضابطه

    السؤال: من كان جنباً وخشي إن اغتسل خروج الوقت، فهل له أن يتيمم ويصلي؟

    الجواب: هذا مثل المسألة التي مرت في قضية الوضوء، أنه إذا كان الوقت سيخرج فإن له أن ينتقل إلى التيمم كما مر في مسألة التيمم في الحضر، فهذا من جنس ذلك.

    وأما دليل ذلك فليس فيها إلا قضية كون الرسول صلى الله عليه وسلم تيمم في الحضر، وكان لتحصيل أمر مندوب، فالشيء الذي يمكن أن يتصور في الحضر هو كونه لا يقدر على استعمال الماء، أو كونه يقدر على استعماله لكن الوقت ضاق بحيث إنه إذا توضأ خرجت الصلاة عن وقتها فتكون مقضية، مع أنه كان بالإمكان أن تكون مؤداة لا مقضية.

    فإن قيل: لو جاء إنسان إلى الجمعة وعندما خطب الخطيب انتقض وضوءه فإذا خرج إلى الميضأة ليتوضأ فاتته صلاة الجمعة، فهل له أن يتيمم لإدراك الصلاة؟

    نقول: لا، لأن الوقت لا يزال باقياً ويمكنه أن يصلي ظهراً.

    ولو قيل: إن النبي تيمم لإدراك المندوب وهو فضيلة السلام، فالتيمم لإدراك الجمعة مع الإمام من باب الأولى.

    فنقول: الكلام على قضية المندوب بالنسبة لرد السلام، فأما الجمعة لو فاتته فهناك ما يقوم مقامها وهو الظهر، وهذا كما لو انتقض وضوءه في الظهر ومن ثم تفوته الجماعة، فيتوضأ ولو فاتته الجماعة، كذلك يتوضأ ولو فاتته الجمعة ويغتسل؛ لأن الوقت لا يزال باقياً، ووقت الظهر هو إلى دخول وقت العصر، والكلام على خروج وقت الظهر ودخول وقت العصر إذا كان ما بقي إلا مقدار ما يتوضأ أو يغتسل ويخرج الوقت هذا هو الذي يقال فيه: له أن يتيمم لأجل إدراك الصلاة.

    حكم التيمم لصلاة العيد خشية فواتها

    السؤال: حضر شخص صلاة العيد فأقيمت الصلاة وانتقض وضوءه، فإذا خرج ليتوضأ فاتته صلاة العيد، فهل له أن يتيمم؟

    الجواب: لو فاتته صلاة العيد على القول بأنها فرض كفاية فهناك من يؤدي هذا الفرض الكفائي.

    حكم من انتقض وضوءه أثناء شدة الزحام في الطواف

    السؤال: من كان يطوف في شدة الزحام أيام الحج فانتقض وضوءه، فهل له أن يتيمم لإكمال الطواف؟

    الجواب: يذهب ويتوضأ ولا يتيمم؛ لأن الطواف وقته واسع، والكلام على خروج الوقت وتحول الصلاة إلى مقضية لا مؤداة، أما الطواف فالوقت أمامه واسع.

    إذاً: القضية هي قضية خروج الوقت فقط، كأن يشتغل بالاغتسال أو الوضوء حتى يخرج الوقت، وكما هو معلوم أنه إذا أدرك الوقت فستكون الصلاة مؤداة، كذلك ينبغي للإنسان إذا جاء الوقت أن يصلي على حسب حاله إذا خشي خروج الوقت، فلا يؤخر الصلاة حتى يخرج وقتها، كأن يكون المرء راكباً في الطائرة فإن أخر الصلاة إلى أن ينزل خرج الوقت، ففي هذه الحالة ليس له أن يؤخر الصلاة، بل عليه أن يصلي على حسب حاله قبل خروج الوقت.

    حكم حجز الأماكن في المسجد

    السؤال: بعض الطلاب يحجزون الأماكن في المسجد ثم يذهبون ولا يأتون إلا عند الإقامة، ويريد هذا الشخص مكانه ويزاحم المصلين، فما حكم ذلك؟

    الجواب: على الإنسان أن يأتي ويجلس في المكان ويحجزه بنفسه لا بشيء آخر، ولا يأتي ويزاحم أو يتخطى الرقاب أو يؤذي الناس أو يشاغب الناس، وإنما يجلس ويحجز المكان بنفسه، وإذا كان لا يتمكن من الحجز بنفسه فلا يحجز بشيء آخر، وإذا جاء فليجلس حيث ينتهي به المجلس.

    حكم وصف الله عز وجل بأنه لا جوف له على معنى الصمد

    السؤال: هل يوصف الله جل وعلا بأنه لا جوف له، بناء على معنى الصمد؟

    الجواب: لا يضاف إلى الله عز وجل شيء ولا ينفى عنه إلا بدليل؛ لأن هذه أمور غيبية، ولا يتكلم بشيء يضاف إلى الله عز وجل إلا بدليل، ولا نعلم دليلاً يدل على مثل هذا، فيمسك عنه، والصمد معناه الحقيقي: هو الذي تصمد إليه الخلائق بحوائجها، وهو الذي كل من سواه مفتقر إليه ولا يستغنى عنه طرفة عين، وهو غني عن كل ما سواه، ولهذا لا يطلق الصمد إلا على الله فهو من الأسماء التي لا يسمى بها غير الله، مثل: الرحمن والخالق والبارئ.

    والله تعالى أعلم.