إسلام ويب

شرح سنن أبي داود [015]للشيخ : عبد المحسن العباد

  •  التفريغ النصي الكامل
  • يحترز الناس كثيراً من النجاسات، وقد جاء في الشرع ما يحدد لهم مقدار وعلامة الماء الذي تضره النجاسة وتؤثر فيه.

    1.   

    ما جاء في الرجل يجدد من غير حدث

    شرح حديث: (من توضأ على طهر كتب الله له عشر حسنات)

    قال المصنف رحمه الله تعالى: [ باب الرجل يجدد الوضوء من غير حدث.

    حدثنا محمد بن يحيى بن فارس حدثنا عبد الله بن يزيد المقرئ ح وحدثنا مسدد حدثنا عيسى بن يونس قالا: حدثنا عبد الرحمن بن زياد -قال أبو داود : وأنا لحديث ابن يحيى أتقن- عن غطيف -وقال محمد : عن أبي غطيف الهذلي - قال: كنت عند عبد الله بن عمر رضي الله عنهما فلما نودي بالظهر توضأ فصلى، فلما نودي بالعصر توضأ، فقلت له. فقال: كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: (من توضأ على طهر كتب الله له عشر حسنات).

    قال أبو داود : وهذا حديث مسدد وهو أتم. ].

    يقول الإمام أبو داود السجستاني رحمة الله عليه: [باب الرجل يجدد الوضوء من غير حدث]. يعني: أنه يتوضأ من غير أن يكون محدثاً بل على طهارة، فوضوءه يكون على وضوء، وطهارة على طهارة، وليس لرفع الحديث هذا هو المقصود بالترجمة.

    أورد أبو داود رحمه الله حديث ابن عمر رضي الله تعالى عنهما أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (من توضأ على طهر كتب الله له عشر حسنات)، وهذا الحديث يدل على ما ترجم له المصنف من جهة الوضوء على الوضوء، والوضوء من غير حدث، ويدل على فضل ذلك، وهو أن له بفعله عشر حسنات، والحديث ضعيف، ولكن سبق أن مر حديث ابن عمر رضي الله تعالى عنهما: (أن النبي صلى الله عليه وسلم كان أمر بالوضوء عند كل صلاة، فلما شق ذلك عليه أُمر بالسواك) فكان ابن عمر يرى أن به قوة على أن يتوضأ لكل صلاة فكان يتوضأ لكل صلاة، وأن الذي نسخ هو الوجوب وبقي الاستحباب، وهنا الحديث هو في معناه، ولكنه بإسناد ضعيف، والحديث المتقدم الذي سبق أن مر وفيه ذكر الوضوء على الوضوء، وأن ذلك شق عليه صلى الله عليه وسلم ثم أمر بالسواك لكل صلاة يفهم منه أن المضمضمة متأكدة؛ لأن قوله: (أمر بالسواك عند كل صلاة) يدل على أنه بدل ما كان يتوضأ لكل صلاة ويدخل في ذلك المضمضمة التي فيها نظافة الفم جاء ما ينوب منابها وهو السواك لكل صلاة.

    تراجم رجال إسناد حديث: (من توضأ على طهر كتب الله له عشر حسنات)

    قوله: [ حدثنا محمد بن يحيى بن فارس ].

    محمد بن يحيى بن فارس هو الذهلي ، وهو ثقة أخرج حديثه البخاري وأصحاب السنن الأربعة.

    [ حدثنا عبد الله بن يزيد المقرئ ].

    هو عبد الله بن يزيد المقرئ المكي ثقة أخرج له أصحاب الكتب الستة.

    [ ح وحدثنا مسدد ].

    ح هي للتحول من إسناد إلى إسناد، ومسدد هو ابن مسرهد ، وهو ثقة أخرج حديثه البخاري وأبو داود والترمذي والنسائي .

    [ حدثنا عيسى بن يونس ].

    هو عيسى بن يونس بن أبي إسحاق السبيعي ثقة أخرج له أصحاب الكتب الستة.

    [ قالا: حدثنا عبد الرحمن بن زياد ].

    أي: شيخا أبي داود وهما: عيسى بن يونس وعبد الله بن يزيد المقرئ ، هما اللذان قالا: حدثنا عبد الرحمن بن زياد .

    وعبد الرحمن بن زياد ، هو ابن أنعم الأفريقي ، وهو ضعيف في حفظه أخرج حديثه البخاري في الأدب المفرد، وأبو داود والترمذي وابن ماجة .

    [ قال أبو داود : وأنا لحديث ابن يحيى أتقن ].

    أي: أنه أتقن لحديث شيخه الأول محمد بن يحيى بن فارس عن عبد الله بن يزيد المقرئ من حديث شيخه الثاني مسدد عن عيسى بن يونس بن أبي إسحاق وقد أورده على لفظ شيخه الثاني وهو مسدد الذي لم يكن أتقن لحديثه، وهذا لا يؤثر؛ لأنه يتقنه أيضاً.

    [ عن غطيف وقال محمد عن أبي غطيف الهذلي ].

    يعني: أن أحد الشيخين قال: عن غطيف ، وقال الشيخ الثاني: عن أبي غطيف ، وهو الهذلي مجهول أخرج حديثه أبو داود والترمذي وابن ماجة .

    [ قال: كنت عند عبد الله بن عمر ].

    ثم ذكر ذلك عن ابن عمر ، وعبد الله بن عمر هو الصحابي الجليل أحد العبادلة الأربعة من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم، وأحد السبعة المعروفين بكثرة الحديث عن النبي صلى الله عليه وسلم.

    وفي الإسناد رجلان: أحدهما: ضعيف، والثاني: مجهول، والإسناد بهذا ضعيف، ولكن تجديد الوضوء سائغ ولا بأس به، وقد سبق ذكر حديث: أن ابن عمر كان يتوضأ لكل صلاة؛ لأنه وجد من نفسه قوة، وأن الذي نسخ هو الوجوب، وأما الاستحباب فقد بقي.

    [ قال أبو داود : وهذا حديث مسدد وهو أتم ].

    يعني: أن هذا اللفظ الذي أورده هو لفظ مسدد شيخه الثاني، وهو أتم، أي: أن شيخه الأول محمد بن يحيى بن فارس حديثه أنقص، وقد رواه على رواية من هو أتم، وعلى رواية من ليس متقناً لحديثه على التمام والكمال.

    1.   

    ما جاء فيما ينجس الماء

    شرح حديث: (إذا كان الماء قلتين لم يحمل الخبث)

    [ قال المصنف رحمه الله تعالى: [ باب ما ينجس الماء.

    حدثنا محمد بن العلاء وعثمان بن أبي شيبة والحسن بن علي وغيرهم قالوا: حدثنا أبو أسامة عن الوليد بن كثير عن محمد بن جعفر بن الزبير عن عبد الله بن عبد الله بن عمر عن أبيه رضي الله عنهما قال: سئل رسول الله صلى الله عليه وسلم عن الماء وما ينوبه من الدواب والسباع، فقال صلى الله عليه وسلم: (إذا كان الماء قلتين لم يحمل الخبث).

    قال أبو داود : وهذا لفظ ابن العلاء ، وقال عثمان والحسن بن علي : عن محمد بن عباد بن جعفر ، قال أبو داود : وهو الصواب ].

    أورد أبو داود هذه الترجمة: [باب ما ينجس الماء]. يعني: ما الذي ينجس الماء إذا وقع فيه؛ لأن الماء يقع فيه أشياء طاهرة وأخرى نجسة، فما هو الذي إذا وقع فيه ينجسه؟ أو ما هو المقدار الذي ينجس بوقوع النجاسة فيه، وما كان أكثر من ذلك فإنه لا ينجسه شيء؟

    أورد أبو داود حديث ابن عمر رضي الله تعالى عنهما أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (إذا بلغ الماء قلتين لم يحمل الخبث)، وكان قد سئل عليه الصلاة والسلام عن الماء الذي يكون في الفلاة وما ينتابه من السباع والدواب، حيث تمشي وتخوض فيه، وتبول فيه وتتبرز؛ فما الذي ينجسه وما الذي لا ينجسه؟ فالنبي صلى الله عليه وسلم أجاب بأن الماء إذا بلغ قلتين لم يحمل الخبث، يعني: إذا كان كثيراً، وحد الكثرة: بلوغها القلتين، والقلتان أصح ما قيل فيهما: إنهما القلال الكبيرة، وهي الروايا الكبيرة، أي: أنهما راويتان كبيرتان، فإذا بلغ الماء هذا المقدار فإنه لا يحمل الخبث، ولا يكون نجساً بوقوع النجاسة فيه، فإذا بلغ قلتين فإنه لا ينجس.

    وقوله (لا يحمل الخبث) يعني: أنه يدفعه عن نفسه، وليس معنى ذلك أنه يضعف عن حمل الخبث؛ لأنه لو كان المقصود يضعف عن حمل الخبث لم يكن هناك فائدة للحديث؛ لأن معناه: ما كان قليلاً وكثيراً فإنه يكون ضعيفاً عن حمل الخبث، وعلى هذا فإنه تؤثر فيه النجاسة قلت أو كثرت، والحديث جاء للتفريق والتفصيل بين ما يكون قليلاً تؤثر فيه النجاسة، وبين ما يكون كثيراً لا تؤثر فيه النجاسة.

    والنبي صلى الله عليه وسلم حدده بقلتين وقال: (إنه لا يحمل الخبث)، وجاء في بعض الروايات: (أنه لا ينجس) يعني: أنه يدفع النجاسة عن نفسه، لكن سيأتي في الحديث بعد هذا أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (الماء طهور لا ينجسه شيء) وجاء في بعض الروايات: (لا ينجسه شيء إلا ما غلب على لونه أو طعمه أو ريحه)، والزيادة هذه في ذكر اللون والطعم والريح ضعيفة.

    ولا خلاف بين هذا الحديث والحديث الذي سيأتي؛ لأن قوله: (إذا بلغ الماء قلتين لم يحمل الخبث) فيه بيان أن الماء قليل وكثير، وأما الحديث الثاني فإنه مطلق، فيقيد العموم بما كان فوق القلتين، وأما ما كان دون القلتين فيستثنى من ذلك، بمعنى: أنه ينجس إذا وقعت فيه النجاسة، لكن إذا تغير اللون والطعم والريح للماء القليل والكثير الذي بلغ قلالاً كثيرة بالنجاسة لوناً أو طعماً أو ريحاً فإنه يكون نجساً، وقد أجمع العلماء على أن النجاسة إذا وقعت في ماء، وتغير لونه أو طعمه أو ريحه بسبب النجاسة فإنه يكون نجساً ولا يتطهر به ما دام أنها غيرت لونه أو طعمه أو ريحه، ولكن كما قلت: الرواية التي وردت ضعيفة، وهي عند ابن ماجة ، ولكن العلماء أجمعوا على مقتضى هذه الرواية الضعيفة، فمعناها ثابت من حيث الإجماع، ولا خلاف بين العلماء فيها، وأن النجاسة إذا غيرت لوناً أو طعماً أو ريحاً للماء؛ فإنه لا يجوز استعماله ويكون نجساً ولو كان كثيراً جداً، فإذا كان الماء كثيراً وجاءت نجاسة أكثر منه أو مثله أو أقل منه وغيرت لونه أو طعمه أو ريحه فإنه يكون نجساً ولا يجوز استعماله.

    فعندنا هذا الحديث: (إذا بلغ الماء قلتين لم يحمل الخبث)، وعندنا حديث: (الماء طهور لا ينجسه شيء إلا ما غلب على لونه أو طعمه أو ريحه)، والعمل بالإجماع على هذا لا بالحديث الضعيف الذي ورد في ذلك، وعلى هذا فإن قوله: (إذا بلغ الماء قلتين لم يحمل الخبث) ما دون القلتين مستثنى من حديث: (الماء طهور لا ينجسه شيء)؛ فإن النجاسة إذا وقعت في ماء قليل ولم تغير له لوناً ولا طعماً ولا ريحاً فإنه ينجس، فإذا كان هناك ماء في وعاء صغير ووقع فيه قطرات بول فإنه يكون نجساً ولو لم يتغير لونه أو طعمه أو ريحه؛ لأنه قليل لا يدفع الخبث، بخلاف الماء الكثير فإنه يدفعه إلا إذا غيرت النجاسة لونه أو طعمه أو ريحه، فما دون القلتين فإنه ينجس إذا وقعت فيه النجاسة سواء تغير لونه أو طعمه أو ريحه أو لم يتغير؛ لأن هذا هو مفهوم قوله: (لم يحمل الخبث)؛ لأنه إذا كان قليلاً لم يدفع الخبث وتؤثر فيه النجاسة ولا يجوز استعماله، أما إذا كان فوق القلتين فحديث القلتين يقول: (لم يحمل الخبث) يعني: لا ينجس، لكن إذا كانت النجاسة كثيرة وغيرت لوناً أو طعماً أو ريحاً فإنه يكون نجساً؛ فالإجماع قائم على أن النجاسة إذا غيرت اللون أو الطعم أو الريح ولو كان الماء قلالاً كثيرة فإنه يكون نجساً بذلك.

    فإذاً: كل واحد من الحديثين خص منه شيء، فقوله: (إذا بلغ الماء قلتين لم يحمل الخبث) يقيد بأن ما زاد على القلتين يحمل الخبث إذا تغير لونه أو طعمه أو ريحه للحديث الثاني والإجماع الذي انضم إليه، وقوله: (الماء طهور لا ينجسه شيء) يستثنى من ذلك ما دون القلتين فإن النجاسة تؤثر فيه حتى لو لم تغير له لوناً أو طعماً أو ريحاً.

    وحديث القلتين الذي معنا ضعفه بعض أهل العلم، ومنهم ابن القيم في كتابه تهذيب السنن، وقد أطال الكلام في تضعيفه، وقد صححه جماعة من أهل العلم واحتجوا به واعتبروه ثابتاً، منهم يحيى بن معين والدارقطني وابن حبان وابن خزيمة والحاكم وغيرهم ممن صححوا هذا الحديث واعتبروه، وقالوا: إن الكلام الذي فيه لا يؤثر فيه من جهة أنه جاء في رواته محمد بن عبد الله بن الزبير ومحمد بن جعفر بن الزبير ومحمد بن عباد بن جعفر ، وهكذا عبيد الله بن عبد الله بن عمر أو عبد الله بن عبيد الله ، ولكن كل ذلك الاختلاف لا يؤثر؛ لأن الحديث جاء عن هذا وعن هذا فالحديث صحيح، ولا يؤثر فيه الاختلاف.

    تراجم رجال إسناد حديث: (إذا كان الماء قلتين لم يحمل الخبث)

    قوله: [ حدثنا محمد بن العلاء ].

    هو محمد بن العلاء بن كريب أبو كريب ثقة أخرج له أصحاب الكتب الستة.

    [ وعثمان بن أبي شيبة ].

    عثمان بن أبي شيبة ثقة أخرج له أصحاب الكتب الستة إلا الترمذي .

    [ والحسن بن علي ].

    هو الحسن بن علي الحلواني ثقة أخرج حديثه أصحاب الكتب الستة إلا النسائي .

    [ وغيرهم ].

    أي: أن أبا داود رواه عن جماعة، ولكنه اكتفى بذكر هؤلاء الثلاثة وأشار إلى أن غيرهم أيضاً حدث بهذا الحديث ولكنه اقتصر على ذكر هؤلاء الثلاثة.

    [ حدثنا أبو أسامة ].

    هو أبو أسامة حماد بن أسامة وهو ثقة أخرج له أصحاب الكتب الستة.

    [ عن الوليد بن كثير ].

    الوليد بن كثير صدوق أخرج حديثه أصحاب الكتب الستة.

    [ عن محمد بن جعفر بن الزبير ].

    هو محمد بن جعفر بن الزبير بن العوام ثقة أخرج له أصحاب الكتب الستة.

    [ عن عبد الله بن عبد الله بن عمر ].

    عبد الله بن عبد الله بن عمر ثقة أخرج حديثه أصحاب الكتب الستة إلا ابن ماجة .

    [ عن أبيه ].

    هو عبد الله بن عمر وقد مر ذكره.

    [ قال أبو داود : وهذا لفظ ابن العلاء ].

    قال أبو داود وهذا -أي: الذي ذكره- لفظ ابن العلاء . يعني: شيخه الأول، وأما الشيخان الآخران وهما: الحسن بن علي الحلواني وعثمان بن أبي شيبة فقد قالا: عن محمد بن عباد جعفر .

    ومحمد بن عباد بن جعفر ثقة أخرج له أصحاب الكتب الستة.

    [ قال أبو داود : وهو الصواب ].

    وسواء كان هذا أو هذا فإن كلاً منهما ثقة ولا يؤثر الاختلاف في كونه في بعض الطرق قال: محمد بن عباد بن جعفر ، وفي بعضها قال: محمد بن جعفر بن الزبير ؛ لأن كلاً منهما ثقة، وقد جاء عن هذا وعن هذا.

    حكم سؤر الدواب والسباع

    قوله: (سئل رسول الله صلى الله عليه وسلم عن الماء وما ينوبه من الدواب والسباع) قد يقال: فما حكم سؤر الدواب والسباع؟

    والجواب: أن الكلب سؤره معروف، وقد ورد ما يدل على نجاسته وأنه يراق ويغسل سبع مرات أولاهن بالتراب، وأما غيره من الدواب والسباع فإن الأصل أن سؤرها لا ينجس ولا يؤثر، ولكن المقصود ليس هو السؤر، وإنما المقصود: هو كونها كانت تخوض فيه وتبول ويحصل الروث منها، وهذا هو الذي يكون سبباً في نجاسة الماء.

    شرح حديث ابن عمر: (إذا بلغ الماء قلتين لم يحمل الخبث) من طريق أخرى

    قال المصنف رحمه الله تعالى: [ حدثنا موسى بن إسماعيل حدثنا حماد ح وحدثنا أبو كامل حدثنا يزيد -يعني: ابن زريع - عن محمد بن إسحاق عن محمد بن جعفر قال أبو كامل : ابن الزبير عن عبيد الله بن عبد الله بن عمر عن أبيه رضي الله عنه: (أن رسول الله صلى الله عليه وسلم سئل عن الماء يكون في الفلاة فذكر معناه) ].

    أورد أبو داود رحمه الله الحديث من طريق أخرى عن ابن عمر رضي الله تعالى عنهما وأحال إليها بالمعنى، يعني: أنه لم يذكر اللفظ، ولكنه قال: إنه بمعنى الحديث المتقدم: (إذا بلغ الماء قلتين لم يحمل الخبث)، هذا هو المقصود إذا قال: ومعناه، أما إذا قيل: لفظه أو مثله فإنه يقتضي المماثلة والمساواة، وأما إذا قيل: معناه فالمراد أن المعنى واحد واللفظ فيه اختلاف.

    تراجم رجال إسناد حديث ابن عمر: (إذا بلغ الماء قلتين لم يحمل الخبث) من طريق أخرى

    قوله: [ حدثنا موسى بن إسماعيل ].

    هو موسى بن إسماعيل التبوذكي أبو سلمة ثقة أخرج له أصحاب الكتب الستة.

    [ عن حماد ].

    هو ابن سلمة ثقة أخرج حديثه البخاري تعليقاً ومسلم وأصحاب السنن.

    [ ح وحدثنا أبو كامل ].

    أورد (ح) التحويل وقال: حدثنا أبو كامل وهو الفضيل بن حسين الجحدري ، وهو ثقة أخرج له البخاري تعليقاً ومسلم وأبو داود والنسائي .

    [ عن يزيد يعني: ابن زريع ].

    يزيد بن زريع ثقة أخرج له أصحاب الكتب الستة.

    [ عن محمد بن إسحاق ].

    هو محمد بن إسحاق بن يسار المدني صدوق أخرج حديثه البخاري تعليقاً ومسلم وأصحاب السنن.

    [ عن محمد بن جعفر ].

    محمد بن جعفر هو ابن الزبير الذي سبق أن مر في الإسناد الذي قبل هذا.

    [ قال أبو كامل : ابن الزبير ].

    قال أبو كامل وهو الشيخ الثاني: ابن الزبير ، ويحتمل أن يكون قال: محمد بن جعفر بن الزبير فأسند ابن الزبير أو أنه قال: ابن الزبير فذكر نسبته إلى جده، والمقصود بـابن الزبير : محمد بن جعفر بن الزبير ؛ لأن الشيخ الأول قال: محمد بن جعفر والشيخ الثاني قال: ابن الزبير ، فيحتمل أن يكون أضاف ابن الزبير فقال: محمد بن جعفر بن الزبير ، ويحتمل أن يكون ذكره منسوباً إلى جده ولم يذكر اسمه ولا اسم أبيه، وهو ثقة أخرج له أصحاب الكتب الستة.

    [ عن عبيد الله بن عبد الله بن عمر ].

    عبيد الله بن عبد الله بن عمر هو المصغر، والطريق المتقدم عن المكبر، وهو ثقة أخرج له أصحاب الكتب الستة.

    [ عن أبيه ].

    أبوه عبد الله بن عمر ، وقد مر ذكره.

    شرح حديث: (إذا كان الماء قلتين فإنه لا ينجس)

    قال المصنف رحمه الله تعالى: [ حدثنا موسى بن إسماعيل حدثنا حماد أخبرنا عاصم بن المنذر عن عبيد الله بن عبد الله بن عمر قال: حدثني أبي رضي الله عنه: أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: (إذا كان الماء قلتين فإنه لا ينجس).

    قال أبو داود : حماد بن زيد وقفه عن عاصم ].

    أورد أبو داود حديث عبد الله بن عمر رضي الله تعالى عنهما وهو باللفظ المتقدم إلا أنه قال بدل: (لم يحمل الخبث) قال: (فإنه لا ينجس) وهي تفسر للجملة السابقة في قوله: (لم يحمل الخبث)، بمعنى: أنه يدفعه عن نفسه ولا تؤثر فيه النجاسة، ولكن هذا فيما إذا لم تغير له طعماً أو ريحاً أو لوناً، أما إذا غيرت اللون أو الطعم أو الريح فإن النجاسة تؤثر فيه، ولذلك فإن الماء الكثير الذي يبلغ عشر قلال أو أكثر إذا أتته النجاسة فتغير لونه أو طعمه أو ريحه فإن ذلك يكون نجساً بالإجماع، وهذه الزيادة التي جاءت في بعض روايات حديث: (الماء طهور لا ينجسه شيء) أجمع العلماء عليها، وهذا مما ورد فيه حديث ضعيف، ولكن معناه مجمع عليه، ومثله الحديث الذي فيه: (كل قرض جر نفعاً فهو ربا)، هذا حديث ضعيف، قال الحافظ في بلوغه: إسناده واهٍ. ولكن هذا الحديث معناه مجمع عليه، ولا خلاف بين العلماء بأن كل قرض جر نفعه هو ربا، فالمعول عليه في ذلك هو الإجماع وليس هذا الحديث الضعيف الذي هو بلفظ: (كل قرض جر نفعاً هو ربا) والذي قال عنه الحافظ في بلوغ المرام: وإسناده واهٍ، فهذه الزيادة هي من جنس: (كل قرض جر نفعاً هو ربا)، هذا مجمع على معناه، وهذا مجمع على معناه.

    تراجم رجال إسناد حديث: (إذا كان الماء قلتين فإنه لا ينجس)

    قوله: [ حدثنا موسى بن إسماعيل حدثنا حماد ].

    موسى بن إسماعيل وحماد مر ذكرهما.

    [ أخبرنا عاصم بن المنذر ].

    عاصم بن المنذر صدوق أخرج حديثه أبو داود وابن ماجة ].

    [ عن عبيد الله بن عبد الله بن عمر عن أبيه ].

    عبيد الله بن عبد الله بن عمر وأبوه مر ذكرهما.

    [ قال أبو داود : حماد بن زيد وقفه عن عاصم ].

    أي: أنه جاء الحديث من طريق حماد بن زيد ، وهو ثقة أخرج حديثه أصحاب الكتب الستة. وعاصم هو ابن المنذر وقد جاء الحديث موقوفاً عليه، يعني: ليس مرفوعاً إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم، ولكنه جاء مرفوعاً من طرق متعددة، فالمعتبر الرفع وليس الوقف.

    1.   

    ما جاء في بئر بضاعة

    شرح حديث: (الماء طهور لا ينجسه شيء)

    قال المصنف رحمه الله تعالى: [ باب ما جاء في بئر بضاعة.

    حدثنا محمد بن العلاء والحسن بن علي ومحمد بن سليمان الأنباري قالوا: حدثنا أبو أسامة عن الوليد بن كثير عن محمد بن كعب عن عبيد الله بن عبد الله بن رافع بن خديج عن أبي سعيد الخدري رضي الله عنه: (أنه قيل لرسول الله صلى الله عليه وسلم: أنتوضأ من بئر بضاعة -وهي بئر يطرح فيها الحيض ولحم الكلاب والنتن؟- فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: الماء طهور لا ينجسه شيء).

    قال أبو داود : وقال بعضهم: عبد الرحمن بن رافع ].

    أورد أبو داود هذه الترجمة: [ما جاء في بئر بضاعة]، وبئر بضاعة هي بئر كانت معروفة في المدينة في شمالي المسجد، وكان الماء فيها غزيراً وكثيراً، وقد سئل رسول الله صلى الله عليه وسلم عن الوضوء منها وهي تطرح فيها الأشياء النجسة، فالرسول صلى الله عليه وسلم قال: (الماء طهور لا ينجسه شيء).

    وما جاء من أن البئر كانت تطرح فيها هذه الأشياء فليس معنى ذلك أن الناس كانوا يأتون ويلقون النجاسات في تلك البئر والناس بحاجة إليها، وإنما المقصود من ذلك: أنها كانت في مكان منخفض، وإذا جاءت السيول أخذت تلك الأشياء التي قد طرحت في الأرض وألقتها في تلك البئر، وليس المقصود أن الناس كانوا يذهبون يرمون فيها هذه الأشياء النجسة القذرة، فإن اللائق والمناسب هو أن السيل هو الذي كان يدفع هذه الأشياء ويجمعها ويأخذها من الأرض ويلقيها في تلك البئر، والرسول صلى الله عليه وسلم سئل عن حالها تلك وهي تصل إليها النجاسات وتقع فيها فقال: (الماء طهور لا ينجسه شيء).

    وقوله صلى الله عليه وسلم: (الماء طهور لا ينجسه شيء) لفظ عام، ولكن قد أجمع العلماء على أن الماء مطلقاً كثر أو قل إذا وقعت فيه نجاسة وأثرت فيه لوناً أو طعماً أو ريحاً فإنه يكون نجساً بالإجماع، فمجرد تغيير الرائحة أو اللون أو الطعم أو الريح هذا تكون معه النجاسة، وإذا كان الماء قليلاً دون القلتين ثم وقعت فيه نجاسة وما غيرت لوناً ولا طعماً ولا ريحاً فإنه يكون نجساً؛ لقوله: (إذا بلغ الماء قلتين لم يحمل)، ومعناه: أنه إذا كان دونها فإن النجاسة تؤثر فيه حتى وإن لم تغير له لوناً أو طعماً أو ريحاً كما أشرت إلى ذلك آنفاً، وعلى هذا فقوله صلى الله عليه وسلم: (الماء طهور لا ينجسه شيء) محمول على أنه لم يحصل تغير في الطعم ولا اللون ولا الريح، ومحمول أيضاً على أنه فهم من ذلك ما دون القلتين، فإن ما دون القلتين يتأثر بالنجاسة وإن لم تغير له لوناً أو طعماً أو ريحاً، كأن يكون -مثلاً- مقدار صاع أو مقدار مد ثم تقع فيه نجاسة فإنه لا يجوز استعماله ولو لم يتغير لونه أو طعمه أو ريحه؛ لأنه شيء قليل تؤثر فيه النجاسة، لكن الماء الكثير لا يتأثر إلا بتغير اللون أو الطعم أو الريح.

    [ قال وهي بئر يطرح فيها الحيض ولحم الكلاب والنتن ].

    لأن هذه الأشياء التي كان الناس يرمونها كان السيل يأتي ويجترفها فيلقيها في البئر.

    تراجم رجال إسناد حديث: (الماء طهور لا ينجسه شيء)

    قوله: [ حدثنا محمد بن العلاء والحسن بن علي ومحمد بن سليمان الأنباري ].

    محمد بن العلاء والحسن بن علي مر ذكرهما، ومحمد بن سليمان الأنباري صدوق أخرج حديثه أبو داود وحده.

    [ قالوا: حدثنا أبو أسامة عن الوليد بن كثير عن محمد بن كعب ].

    أبو أسامة هو حماد بن أسامة مر ذكره، والوليد بن كثير مر ذكره، ومحمد بن كعب هو القرظي ثقة أخرج حديثه أصحاب الكتب الستة.

    [ عن عبيد الله بن عبد الله بن رافع بن خديج ].

    عبيد الله بن عبد الله بن رافع بن خديج مستور أخرج له أبو داود والترمذي والنسائي ].

    [ عن أبي سعيد ].

    أبو سعيد الخدري سعد بن مالك بن سنان صاحب رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو أحد السبعة المعروفين بكثرة الحديث عن النبي صلى الله عليه وسلم.

    [ قال أبو داود : وقال بعضهم: عبد الرحمن بن رافع ].

    وقال بعضهم: عبد الرحمن بن رافع يعني: أنه يقال له: عبد الرحمن بن رافع ، فيقال: عبيد الله بن عبد الله ويقال: عبيد الله بن عبد الرحمن وهو شخص واحد.

    شرح حديث: (الماء طهور لا ينجسه شيء) من طريق أخرى

    قال المصنف رحمه الله تعالى: [ حدثنا أحمد بن أبي شعيب وعبد العزيز بن يحيى الحرانيان قالا: حدثنا محمد بن سلمة عن محمد بن إسحاق عن سليط بن أيوب عن عبيد الله بن عبد الرحمن بن رافع الأنصاري ثم العدوي عن أبي سعيد الخدري رضي الله عنه قال: (سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو يقال له: إنه يستسقى لك من بئر بضاعة -وهي بئر يلقى فيها لحوم الكلام والمحائض وعذر الناس- فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: إن الماء طهور لا ينجسه شيء) ].

    أورد أبو داود رحمه الله حديث أبي سعيد الخدري من طريق أخرى وهو مثل الذي قبله: (الماء طهور لا ينجسه شيء).

    وقوله: (إنه يستسقى لك) يعني: يؤتى لك بالماء من تلك البئر، والرسول صلى الله عليه وسلم قال: (إن الماء طهور لا ينجسه شيء)، يعني: أن الماء الكثير إذا وقعت فيه النجاسة ولم تغير له لوناً ولا طعماً ولا ريحاً فإنها لا تؤثر فيه.

    تراجم رجال إسناد حديث: (الماء طهور لا ينجسه شيء) من طريق أخرى

    قوله: [ حدثنا أحمد بن أبي شعيب ].

    هو أحمد بن عبد الله ثقة أخرج حديثه البخاري وأبو داود والترمذي والنسائي .

    [ وعبد العزيز بن يحيى ].

    عبد العزيز بن يحيى صدوق ربما وهم أخرج له أبو داود والنسائي .

    [ الحرانيان ].

    يعني: أن كلاً منهما منسوب إلى حران.

    [ قالا: حدثنا محمد بن سلمة ].

    محمد بن سلمة هو الحراني أيضاً، وهو ثقة أخرج حديثه البخاري في جزء القراءة ومسلم وأصحاب السنن الأربعة.

    [ عن محمد بن إسحاق عن سليط بن أيوب ].

    محمد بن إسحاق مر ذكره، وسليط بفتح أوله وكسر اللام مقبول أخرج له أبو داود والنسائي .

    [ عن عبيد الله بن عبد الرحمن بن رافع الأنصاري ثم العدوي عن أبي سعيد الخدري ].

    ذكره هنا: عبيد الله بن عبد الرحمن وهناك: عبيد الله بن عبد الله ، وهو الذي مر.

    التعريف ببئر بضاعة

    [ قال أبو داود : وسمعت قتيبة بن سعيد قال: سألت قيم بئر بضاعة عن عمقها؟ قال: أكثر ما يكون فيها الماء إلى العانة. قلت: فإذا نقص؟ قال: دون العورة. قال أبو داود : وقدرت أنا بئر بضاعة بردائي فمددته عليها ثم ذرعته فإذا عرضها ستة أذرع، وسألت الذي فتح لي البستان فأدخلني إليه: هل غُير بناؤها عما كانت عليه؟ قال: لا. ورأيت فيها ماءً متغير اللون ].

    أورد أبو داود رحمه الله كلاماً حول بئر بضاعة وعمق الماء فيها وغزارته، وكذلك أيضاً عرضها والمساحة بين طرفيها، فذكر أبو داود عن شيخه قتيبة بن سعيد أنه سأل من هو قائم عليها، وقتيبة بن سعيد من شيوخ أبي داود ومن شيوخ البخاري ومسلم فقال: إنه إذا كان الماء كثيراً فيها يبلغ فوق العانة، يعني: أنه أقل من السرة وفوق العانة، قال: وإذا نقص يكون دون العورة، ومعنى هذا أن الماء غزير، وأنه ينمو ويكثر بحيث إنه يتراوح بين هذا المقدار وهذا المقدار الذي هو فوق العانة، وهو قريب مما تحت العورة، ومعناه أنه يظهر وينبع ويكون غزيراً وكثيراً، فلا تؤثر فيه النجاسة.

    [ قال أبو داود : وقدرت أنا بئر بضاعة ].

    ثم إن أبا داود نفسه قال: إنه قدرها، يعني: قدر فوهة البئر، وقال: إنه مد عليها رداءه من طرف إلى طرف فكان مقدار ستة أذرع، يعني من حيث العمق، وهذا من حيث السعة طولاً وعرضاً.

    [ وسألت الذي فتح لي البستان فأدخلني إليه: هل غُير بناؤها عما كانت عليه؟ قال: لا ].

    أي: أنه سأله هل البئر على ما كان عليه من قبل أو أنه غُير وصار جديداً يختلف عن الأول؟ فقال: إنه لم يُغير.

    ثم قال: [ورأيت فيها ماءً متغير اللون].

    والمقصود: أن الرسول صلى الله عليه وسلم أتى باللفظ العام؛ لأنه سئل عن بئر معينة يكون الماء فيها كثيراً فأجاب صلى الله عليه وسلم بكلام عام يشمل هذه البئر وغيرها حيث قال: (الماء طهور لا ينجسه شيء)، وفي رواية عن أبي أمامة رضي الله عنه عند ابن ماجة بزيادة: (إلا ما غير لونه أو طعمه أو ريحه) وقد ذكرنا أن هذه الزيادة ضعيفة، ولكن معناها مجمع عليه بين العلماء.

    والحديث هذا حديث صحيح، ومداره على عبيد الله بن عبد الله أو ابن عبد الرحمن بن رافع بن خديج وهو مستور، لكن صححه جماعة من أهل العلم، ولعل ذلك لأن له طرقاً متعددة؛ لأن الحديث مشهور، وحديث القلتين ما ضعفوه، فإن ابن القيم ضعف معنى القلتين وما ضعف هذا الحديث.

    1.   

    الأسئلة

    حكم مراجعة المطلقة ثلاثاً

    السؤال: قال عز وجل في سورة البقرة: الطَّلاقُ مَرَّتَانِ [البقرة:229] ثم قال بعد ذلك: فَإِنْ طَلَّقَهَا فَلا تَحِلُّ لَهُ حَتَّى تَنْكِحَ زَوْجَاً غَيْرَه [البقرة:230]، أي: إذا طلقها المرة الثالثة، فهل المنع للرجوع إليها بعد الطلقة الثالثة قبل انتهاء عدتها أم بعد الانتهاء من العدة؟

    الجواب: بعد الطلقة الثالثة لا رجوع، وإنما الرجوع بعد الأولى وبعد الثانية؛ لقوله سبحانه: الطَّلاقُ مَرَّتَانِ [البقرة:229] أي: هاتان الطلقتان هما اللتان يملك الإنسان بعدهما الرجوع، فإن طلق واحدة أو طلق اثنتين فإنه يملك الرجوع ما دامت في العدة، فإن خرجت من العدة بعد الأولى أو الثانية فهو خاطب من الخطاب، وأما إذا كان بعد الثالثة فإنه لا رجعة له إلا بعد أن تتزوج زوجاً آخر زواج رغبة ثم يطلقها، فإذا طلقها الزوج الآخر فله أن يتزوجها، وإذا تزوجها بعد زوج فله ثلاث طلقات.

    فائدة العدة

    السؤال: ما فائدة العدة بالنسبة للمرأة بعد الطلقة الثالثة؟

    الجواب: العدة هي من أجل براءة الرحم في الثالثة، وفي الأولى أو الثانية من أجل أيضاً تطويل المسافة أمام من يريد أن يرجع إليها.

    حكم العمل في البنوك الربوية

    السؤال: هل يجوز العمل في إحدى البنوك الموجودة في الساحة؟

    الجواب: البنوك التي تتعامل بالربا لا يجوز العمل فيها؛ لحديث: (لعن النبي صلى الله عليه وسلم آكل الربا وموكله وكاتبه وشاهديه)، والإنسان إذا كان موظفاً فيها فهو من الكتبة وداخلاً تحت هذه اللعنة التي جاءت عن رسول الله صلى الله عليه وسلم.

    حكم بيع التقسيط

    السؤال: ما حكم بيع السيارات بالتقسيط كما هو في عصرنا؟

    الجواب: البيع بالتقسيط جائز لا بأس به، فكون السلعة إذا كانت نافذة لها سعر وإذا كانت مؤجلة لها سعر، والإنسان يدخل إما على هذا أو على هذا لا بأس بذلك، فالذي يسمونه بيع التقسيط هو بيع الآجال وهو لا بأس به؛ لأنه ليس هناك دليل يدل عليه، والحديث الذي فيه: (من باع بيعتين في بيعة فله أوكسهما أو الربا)، فسره العلماء بأنه ليس من هذا القبيل، وإنما المقصود به: أن يكون عنده سعر للعاجل وسعر للآجل، ثم يدخل على غير تحديد، أما إذا عرف أنها تباع بسعر حاضر بكذا وسعر مؤجل بكذا، وجاء ودخل بالمؤجل فإن ذلك لا بأس به، والشوكاني في كتابه (نيل الأوطار) عند شرح حديث البيعتين في بيعة قال: إن العلماء ذهبوا إلى جوازه، وإنه لم يخالف في ذلك إلا شخص واحد أو شخصان سماهما في كتابه (نيل الأوطار) عند شرحه لهذا الحديث، وقال: وقد ألفت في ذلك رسالة سميتها (شفاء العليل في زيادة الثمن من أجل التأجيل)، وقال: إن جمهور العلماء على جوازها، ولا مانع يمنع منها.

    تخصيص الإجماع للنصوص الشرعية

    السؤال: هل الإجماع يخصص النصوص الشرعية استدلالاً بتخصيص حديث: (الماء طهور لا ينجسه شيء

    الجواب: الأمة لا تجتمع على ضلالة، لكن هل الإجماع يكون مستنداً إلى نص أو أنه يكون إجماعاً مجرداً عن النص؟ هذا فيه خلاف بين أهل العلم، والأمة لا تجتمع على ضلالة، وقد يكون الإجماع مبني على استنباط أو قياس أو أي دليل من الأدلة، هذا على القول بأن الإجماع لا يكون إلا مستنداً إلى أصل، فالإجماع في هذا الحديث يدل على أن هذه الرواية الضعيفة لها أصل والأمة مجمعة على معناها.

    مستند الإجماع عند الأصوليين

    السؤال: يقول الأصوليون: إن الإجماع لا بد أن يستند إلى دليل شرعي، فكيف يستقيم هذا مع الرواية الضعيفة المجمع عليها؟

    الجواب: المسألة خلافية بين علماء الأصول، فمنهم من قال: إن الإجماع يقع دون أن يكون مستنداً إلى نص، ومنهم من قال: إنه لا يكون إلا مستنداً إلى نص، وهذا النص قد يكون قياساً أو عموماً أو نصاً خاصاً في المسألة، المهم أنه مستند إلى دليل، وابن تيمية في كتابه (معارج الوصول إلى معرفة أن أصول الدين وفروعه قد بينها الرسول) صلى الله عليه وسلم ذكر عن ابن حزم أنه قال في كتابه (مراتب الإجماع): ما من مسألة أجمع عليها إلا ولها نص حاشا القراض. يعني: المضاربة؛ لأن القراض والمضاربة اسمان لمسمى واحد، وكون الإنسان يكون عنده مال ويعطيه لعامل يعمل فيه ويكون الربح بينهما على النسبة التي يتفقان عليها إما على نصفين أو ثلث وثلثين أو ربع وثلاثة أرباع وهكذا.

    ثم قال ابن تيمية : ولا شك أن القراض مستند إلى نص؛ وذلك أن هذه معاملة كانت في الجاهلية وقد جاء الإسلام وأقرها، فهي مستندة إلى نص وهو الإقرار؛ لأن النبي صلى الله عليه وسلم جاء وهذه المعاملة موجودة والناس يتعاملون بها. وقال: إن النبي صلى الله عليه وسلم كان يذهب بمال لـخديجة ، وكان مضاربة، فهي معاملة كانت في الجاهلية وقد أقرها الإسلام، ومن المعلوم أن الأمور التي كانت تفعل في الجاهلية منها ما جاء الإسلام وقضى عليها وأبطلها، ومنها ما جاء الإسلام وأقرها، مثل: الولي في النكاح؛ فإنه كان في الجاهلية، وقد جاء الإسلام وأقره، ومثل: المضاربة؛ فإنها كانت موجودة في الجاهلية وجاء الإسلام وأقرها، فتكون ثابتة بالسنة، وهي إقرار الرسول صلى الله عليه وسلم بالأعمال التي كانت في الجاهلية ولم يبطلها ولم يلغها صلى الله عليه وسلم، بل أقرها.

    فالمسألة فيها خلاف بين أهل العلم، ولكن ابن تيمية نقل عن ابن حزم أنه قال هذا، وابن تيمية قال: إن هذه المسألة التي استثناها ابن حزم هي أيضاً من المعاملات التي كانت في الجاهلية وأقرها الإسلام.

    الخلاف في تأثير النجاسة على الماء

    السؤال: فضيلة الشيخ ألا يقال: إن حديث بئر بضاعة دل على أن الماء لا ينجس سواء كان قليلاً أو كثيراً وقد خص منه الإجماع ما إذا تغير وكان قليلاً أو كثيراً، وإن حديث القلتين دل بمفهومه على أن الماء إن كان قليلاً فقد يحمل الخبث وقد لا يحمله، والمنطوق مقدم على المفهوم وهذا الجمع ذهب إليه الشيخ عبد الله البسام في (توضيح الأحكام) وهو مذهب مالك والظاهرية وابن تيمية وابن القيم ومحمد بن عبد الوهاب وعلماء الدعوة السلفية بنجد وغيرهم؟

    الجواب: قوله: علماء الدعوة السلفية قاطبة على هذا كلام غير واضح؛ لأن الإمام أحمد وغيره من أهل العلم قالوا بتقسيم الماء إلى قليل وكثير استناداً إلى حديث القلتين، لكن ما دون القلتين الذين قالوا بنجاسته لم يشترطوا فيه التغير؛ لأن التغير يؤثر حتى في الماء الكثير، لكن القليل هذا هو الذي لا يشترط فيه تغير النجاسة له، فلو وقع فيه شيء من البول ولم يغير له لوناً ولا طعماً ولا ريحاً فإنه نجس، وحديث القلتين يدل على هذا بمفهومه، فحديث القلتين أخرج منه ما زاد على القلتين بما إذا تغير بالنجاسة، وما دون القلتين أخرج من حديث: (الماء طهور لا ينجسه شيء) يعني: أنه لا تؤثر فيه النجاسة ولو تغير لونه أو طعمه أو ريحه، فكل حديث خص منه شيء، فحديث القلتين استثني منه ما فوق القلتين إذا تغير لونه أو طعمه أو ريحه؛ فإن قوله: (إذا بلغ الماء قلتين لم يحمل الخبث) إذا غيرت النجاسة اللون أو الطعم أو الريح؛ فإنه يحمل الخبث، وما دون القلتين خص من عموم: (الماء طهور لا ينجسه شيء) بأن النجاسة تؤثر في الماء القليل؛ فإذا كان في كوب صغير ماء ووقع فيه شيء من النجاسة فإنه ينجس ولو لم يتغير لونه أو طعمه أو ريحه.

    مقدار القلة

    السؤال: إذا صح حديث القلتين فما هو الضابط في قدرها، وهل يكون هذا قدحاً في متن الحديث؟

    الجواب: لا، لا يكون قدحاً؛ لأن العلماء ذكروا مقدار القلة، وكما هو معلوم أن المقصود به: معرفة القليل والكثير، ومعنى هذا أن الماء إذا كان كثيراً يقطع الناس بأنه فوق القلتين، وإنما الكلام في المقدار بالتحديد بالضبط، ومن المعلوم أن القليل تؤثر فيه النجاسة، ولابد من شيء لا تؤثر فيه النجاسة، وبعض العلماء حددوا القلة بالأرطال، وبغيرها وأنا لا أتذكر هذه المقادير التي ذكروها، وبعض العلماء اعتبر أن هذا أيضاً مما يقدح في كون النهي عنه قد لا يعرف بدقة من حيث المقدار، وأن القلال تكبر وتصغر، لكن كما هو معلوم أن الكلام هو على القلال الكبيرة المشهورة المتعارف عليها عند الناس في ذلك الوقت.

    التفريق بين الماء القليل والكثير في التأثر بالنجاسة

    السؤال: لماذا فرقت بين الماء الكثير، فقلت: لا ينجس إلا إذا تغير لونه أو طعمه أو ريحه، وحكمت بالنجاسة مطلقاً للماء القليل دون القلتين إذا أصابته النجاسة، فلماذا لا نقول: لا ينجس أيضاً إلا ما غلب على لونه أو ريحه أو طعمه، وهذا هو مذهب الشوكاني ؟

    الجواب: أنا أجبت على هذا وقلت: إن مادون القلتين خص من عموم حديث: (لا ينجسه شيء)، وما فوق القلتين إذا تغير لونه أو طعمه أو ريحه فإنه ينجس؛ لقوله: (إلا ما غير لونه أو طعمه أو ريحه).

    الأشياء التي تعرف بها نجاسة الماء

    السؤال: إذا كان الماء أكثر من قلتين فهل ينجسه تغير اللون وحده أم يحتاج إلى اجتماع تغير اللون والرائحة؟

    الجواب: أي واحدة منهن تكفي، فما دام اللون قد تغير بالنجاسة أو تغير الطعم أو الريح فإنه نجس، وليس بلازم أن يتغير بمجموع هذه الثلاثة كلها، بل ينجس بتغير أي واحد منها.