إسلام ويب

شرح الأربعين النووية [33]للشيخ : عبد المحسن العباد

  •  التفريغ النصي الكامل
  • من فعل سيئة جوزي عليها بسيئة واحدة دون زيادة، ومن هم بالسيئة وتركها لأجل الله تعالى كتبت له حسنة كاملة، ومن هم بالحسنة ولم يفعلها كتبت له حسنة كاملة، فإن عملها كتبها الله تعالى له عشر حسنات، وقد يضاعفها أضعافاً كثيرة، وما يزال العبد يتقرب إلى ربه بفعل القربات أداءً للفرائض واستكثاراً من النوافل لتتضاعف حسناته حتى يبلغ منزلة الولاية لله تبارك وتعالى، فيحظى بالحفظ والقرب والمحبة.

    1.   

    شرح حديث ابن عباس (إن الله كتب الحسنات والسيئات...)

    المراد بالكتابة في قوله: (كتب)

    قال الإمام النووي رحمه الله تعالى:

    [ عن عبد الله بن عباس رضي الله تعالى عنهما عن النبي صلى الله عليه وسلم -فيما يرويه عن ربه- أن الله عز وجل قال: (إن الله كتب الحسنات والسيئات، ثم بين ذلك، فمن هم بحسنة فلم يعملها كتبها الله له حسنة كاملة، وإن عملها كتبها الله له عشر حسنات إلى سبعمائة ضعف إلى أضعاف كثيرة، ومن هم بسيئة فلم يعملها كتبها الله له حسنة كاملة، وإن عملها كتبها الله له سيئة واحدة) رواه البخاري ومسلم في صحيحيهما بهذه الحروف ].

    هذا الحديث -حديث عبد الله بن عباس رضي الله تعالى عنهما- فيه قوله: (إن الله كتب الحسنات والسيئات) وهذه الكتابة للحسنات والسيئات يحتمل أن تكون هي الكتابة القدرية، وأن الله تعالى كتب كل أعمال العباد وما يفعلونه في اللوح المحفوظ، فما يفعلونه من الخير والشر ومن الحسنات والسيئات كتبه الله في اللوح المحفوظ.

    ويحتمل أن يكون المراد بالكتابة كتابة الملائكة الكتبة الذين يكتبون الحسنات والسيئات بأمر الله عز وجل.

    ومما يدل على هذا ما جاء في بعض الأحاديث بهذا المعنى وفيه: (إذا هم بالسيئة فلم يعملها قال: ارقبوه فإن عملها فاكتبوها له بمثلها، وإن تركها فاكتبوها له حسنة، إنما تركها من جرائي) ومعناه إذا أنه إذا هم بها ولم يعملها أنهم كتبوها حسنة، وإذا هم بالسيئة وعملها تكتب سيئة واحدة، قال: (وإن لم يعملها فاكتبوها حسنة، إنما تركها من جرائي) أي: إنما تركها من أجلي. وهذا فيه أن الملائكة هم الذين يتولون الكتابة، وعلى كل فليس هناك تنافي بين الكتابتين، فإن الكل حاصل، فالكتابة في اللوح المحفوظ حاصلة لكل ما هو كائن، والملائكة يكتبون كل ما يصدر عن العبد من الخير والشر.

    ثم إن الإجمال في قوله: (إن الله كتب الحسنات والسيئات) بينه في الكلام الذي بعده، وذلك بالتفصيل فيما يتعلق بالحسنة والتفصيل فيما يتعلق بالسيئة، فالتفصيل الذي في الحسنة هو قوله: (فإذا هم بحسنة فلم يعملها كتبها الله حسنة كاملة، وإن هم بها وعملها كتبها الله عشر حسنات إلى سبعمائة ضعف إلى أضعاف كثيرة) فإذا هم بالحسنة ولم يعملها كتبها الله حسنة كاملة من أجل نيته ومن أجل قصده، وهذا من فضل الله عز وجل وكرمه وإحسانه إلى عباده، وإذا عملها كتبت عشرًا إلى سبعمائة ضعف إلى أضعاف كثيرة، والله تعالى يضاعف لمن يشاء.

    ثواب طاعة الله وترك معصيته وفضل العمل

    وصفت الحسنة التي تحصل لكون الإنسان هم بالحسنة ولم يعملها بأنها كاملة لئلا يتوهم نقصانها، وذلك لأنها كانت بمجرد هم وليس هناك عمل، فمن فضل الله عز وجل أنه جعل الثواب على ذلك حسنة كاملة.

    وإذا عملها كتبت له عشراً إلى سبعمائة ضعف إلى أضعاف كثيرة، وفي هذا بيان الفرق بين كون الإنسان ينوي ولا يعمل، وكونه ينوي ويعمل، فإن الأول لا مضاعفة فيه، والثاني فيه المضاعفة إلى عشر حسنات إلى سبعمائة ضعف وإلى أضعاف كثيرة، وهذا واضح.

    وأما الحديث الذي فيه: (نية المؤمن خير من عمله) فهو يخالف ما جاء من التفصيل في هذا الحديث الذي معنا، فهو حديث ضعيف كما ذكر الحافظ ابن حجر في الفتح.

    وعلى هذا فلا شك أن الإنسان الذي ينوي ويعمل أفضل من الإنسان الذي ينوي فقط؛ لأن الإنسان بمجرد نيته يحصل على حسنة كاملة إذا لم يعمل، وإذا عمل فإنه يحصل على عشرٍ، أو يضاعف الله عز وجل له إلى سبعمائة ضعف وإلى أضعاف كثيرة.

    وقوله: (وإذا هم بالسيئة فلم يعملها كتبت له حسنة كاملة) وهذا فيما إذا كان تركها من أجل الله، ووصفت بأنها كاملة -أيضاً- لبيان فضل الله عز وجل ولئلا يتوهم نقصانها؛ لأنها ما حصلت في مقابل عمل، وإنما حصلت في مقابل ترك، وهو كون الإنسان هم بمعصية وتركها، فالله تعالى يكتبها حسنة.

    وإن عملها كتبت سيئة واحدة، ووصفت بواحدة من أجل بيان أن السيئات لا تزاد، وأن الإنسان لا يخاف أن تزاد سيئاته، بل الأجر يضاعف، وأما السيئات فإن السيئة بمثلها ولا تضاعف، كما قال الله عز وجل: فَلا يَخَافُ ظُلْمًا وَلا هَضْمًا [طه:112] لا يخاف هضماً أي: نقصاً من الحسنات، ولا ظلماً وذلك بالزيادة في السيئات، وإنما يحصل الفضل والجود والكرم بالثواب والجزاء على الحسنة بعشر أمثالها إلى أضعاف كثيرة، وأما السيئة فإنما تكتب بمثلها، فمن هم بالسيئة وتركها من أجل الله يجد عليها أجراً واحداً من أجل أنه تركها لله، وإن عملها كتبت سيئة واحدة.

    حالات تارك المعاصي

    ذكر الحافظ ابن كثير في تفسيره عند قول الله عز وجل: مَنْ جَاءَ بِالْحَسَنَةِ فَلَهُ عَشْرُ أَمْثَالِهَا [الأنعام:160] أن من هم بالسيئة له ثلاث حالات:

    الحالة الأولى: أن يتركها من أجل الله، فهذا يثاب عليها بالحسنة كما جاء في هذا الحديث.

    الثانية: أن يتركها ذهولاً وغفلة عنها لكونها ما جاءت على باله، فهذه ليست له ولا عليه.

    الثالثة: وإذا هم بها ولم يفعلها من أجل العجز أو أي مانع آخر مع حرصه عليها ورغبته الشديدة في الوقوع فيها، فإن هذا يكسب إثماً ولا يجد أجراً وثواباً؛ لأن تركه للسيئة إنما كان للعجز مع تصميمه وحرصه عليها وفعله الأسباب التي توصل إليها، ولكنه لم يقدر ولم يتمكن، فهذا مأزور غير مأجور.

    1.   

    شرح حديث (من عادى لي ولياً فقد آذنته بالحرب...)

    قال الإمام النووي عليه رحمة الله: [ عن أبي هريرة رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم -فيما يرويه عن ربه تبارك وتعالى- أنه قال: (من عادى لي ولياً فقد آذنته بالحرب، وما تقرب إلي عبدي بشيء أحب إلي مما افترضته عليه، ولا يزال عبدي يتقرب إلي بالنوافل حتى أحبه، فإذا أحببته كنت سمعه الذي يسمع به، وبصره الذي يبصر به، ويده التي يبطش بها، ورجله التي يمشي بها، ولئن سألني لأعطينه، ولئن استعاذني لأعيذنه).

    هذا الحديث رواه البخاري في صحيحه، وقد شرحه الشوكاني في رسالة اسمها: (قطر الولي في شرح حديث الولي) وطبعت مع مقدمة بعنوان: (ولاية الله والطريق إليها).

    بيان الولي وخطورة معاداة أولياء الله تعالى

    قوله: (من عادى لي ولياً) الولي هو المؤمن التقي، كما قال الله عز وجل: أَلا إِنَّ أَوْلِيَاءَ اللَّهِ لا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلا هُمْ يَحْزَنُونَ * الَّذِينَ آمَنُوا وَكَانُوا يَتَّقُونَ [يونس:62-63] فقد بين سبحانه وتعالى في هاتين الآيتين أن أولياء الله هم المؤمنون المتقون، أي الذين جمعوا بين الإيمان والتقوى، فولاية الله هي كون أن يكون الإنسان مؤمناً تقياً.

    قوله: (من عادى لي ولياً فقد آذنته بالحرب) أي: أعلمته بأني محارب له.

    وهذا يدل على خطورة معادة أولياء الله عز وجل، وأن أهلها وصفوا بهذا الوصف، وهو أنهم محاربون لله عز وجل، والله تعالى محارب لهم، فأعلمهم بأنه محارب لهم، فهذا يدلنا على قبح معاداة أولياء الله، وأن المطلوب هو موالاتهم ومحبتهم، وذلك في الله ومن أجل الله، والحب في الله والبغض في الله من أوثق عرى الإيمان، وأما معاداة أولياء الله فهي من أقبح الأمور ومن أسوأ الأشياء، وذلك لأن المطلوب في حقهم الولاية، وليس المعاداة.

    وهو يدل على أن ذلك من الكبائر؛ لأن كونه يوصف بأنه محارب لله عز وجل وأن الله تعالى يحاربه يدل على منتهى قبحه ومنتهى سوئه.

    الطريق الموصلة إلى الولاية

    قال: (وما تقرب إلي عبدي بشيءٍ أحب إلي مما افترضته عليه).

    بعد أن قال: (من عادى لي ولياً فقد آذنته بالحرب) بين بأي شيء تكون الولاية، والطرق التي توصل إلى الولاية، وأنها التقرب إلى الله عز وجل بفعل الأوامر، وكذلك الإتيان بالنوافل مع الفرائض؛ لأن ولاية الله عز وجل إنما هي بالإيمان والتقوى كما عرفنا، فلما قال: (من عادى لي ولياً فقد آذنته بالحرب) بين بعد ذلك من هم أولياء الله، أو الطريقة التي يتم بها الوصول إلى الله عز وجل، وهي فعل الفرائض، أي: أداء الواجبات وترك المحرمات، ثم بعد ذلك الإتيان بالنوافل مع الفرائض.

    فالإتيان بالفرائض دون النوافل هو الاقتصاد، وأصحابه هم المقتصدون الذين ذكرهم الله عز وجل في قوله: ثُمَّ أَوْرَثْنَا الْكِتَابَ الَّذِينَ اصْطَفَيْنَا مِنْ عِبَادِنَا فَمِنْهُمْ ظَالِمٌ لِنَفْسِهِ وَمِنْهُمْ مُقْتَصِدٌ وَمِنْهُمْ سَابِقٌ بِالْخَيْرَاتِ [فاطر:32] والمقتصد هو الذي يأتي بالفرائض، يأتي بما أوجب الله عز وجل عليه ويترك ما حرم الله عليه.

    والسابق بالخيرات هو الذي يأتي بالفرائض ويأتي معها بالنوافل التي تقربه إلى الله عز وجل، والتي تزيد في إيمانه وفي درجته ورفعته عند الله سبحانه وتعالى.

    فقوله: (وما تقرب إلي عبدي بشيء أحب إلي مما افترضته عليه) يدل على أن فعل الفرائض هو الأحب إلى الله عز وجل، وأن العبد ما تقرب إلى الله عز وجل بشيء أحب إليه تعالى مما افترض عليه، وذلك لأنه يكون أدى واجباً وترك أمراً محرماً، فلو فعل فإنه يؤجر، وإذا ترك الأوامر فإنه يأثم، وكذلك إذا فعل النواهي فإنه يأثم، وإذا تركها من أجل الله عز وجل فإنه يؤجر.

    والحاصل أن الفرائض تؤدى بأداء ما فرض الله وترك ما حرم الله، وهذا هو أحب شيء إلى الله عز وجل فيما يتقرب به العبد إليه سبحانه وتعالى.

    وفيه دليل على إثبات المحبة لله عز وجل، وعلى تفاوت الناس في محبة الله سبحانه وتعالى، وكذلك الأعمال متفاوتة في المحبة، فمنها ما هو أحب إلى الله، ومنها ما هو دونه، فإن الإتيان بالفرائض هو الأحب إلى الله، ومعنى ذلك أن الإتيان بالنوافل دون ذلك؛ لأنه قال: (وما تقرب إلي عبدي بشيء أحب إلي مما افترضته عليه) وذلك لأنه فعل أمراً واجباً وترك أمراً محرماً، وأما بالنسبة للنوافل فالإنسان إذا أتى بها أتى بالكمال، وإذا لم يأت بها فاته ذلك الكمال وفاته أجرها، لكن الأوامر والنواهي والتكاليف والفرائض هي التي يثاب على أمتثالها ويعاقب على مخالفتها.

    النوافل ومنزلتها عند الله تعالى

    قال: (ولا يزال عبدي يتقرب إلي بالنوافل حتى أحبه).

    معنى هذا أن الإنسان يأتي بالفرائض، ثم يأتي بالنوافل ويستمر عليها ويداوم عليها؛ لأن قوله: (لا يزال) يدل على ذلك، فكونه يداوم على النوافل ويستمر عليها هو مما يكسب محبة الله عز وجل التي إذا حصلت له سدد في تصرفاته وفي أعماله، وذلك لأنه صار من السابقين إلى الخيرات بإذن الله؛ لأن المقتصد هو الذي يأتي بالفرائض فقط، والسابق بالخيرات هو الذي يأتي بالفرائض ويأتي معها بالنوافل ويستمر عليها ويداوم عليها، كما جاء عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: (أحب العمل إلى الله ما داوم عليه صاحبه وإن قل) وهذا المقصود به النوافل.

    وأما الفرائض فإنه متعين على الإنسان أن يأتي بكل ما فرض الله عز وجل عليه، ولكن النوافل زائدة على الفرائض.

    وقيل لها: (نافلة) لأنها زائدة على الفريضة، فكون الإنسان يأتي بها يكون ذلك زيادة في كماله وزيادة في فضله عند الله عز وجل وكون الله عز وجل يحبه؛ لأنه أتى بالفرائض وأتى بالنوافل، أتى بما هو واجب وأتى بما هو كمال ومستحب ومندوب، وجمع بين الأصل والفرع، بين الفرض والنفل، بين الواجب والمستحب.

    وإذا ظفر الإنسان بمحبة الله عز وجل سدده الله عز وجل في تصرفاته وفي أفعاله، فلا يستعمل سمعه إلا في خير، ولا يستعمل بصره إلا في خير، ولا يستعمل يده إلا في خير، ولا يستعمل رجله إلا في المشي إلى خير، فيكون مسدداً في أعماله وفي تصرفاته وفي حركاته وسكناته؛ لأن هذه الحواس وهذه النعم التي أنعم الله تعالى بها على العبد في صحته وعافيته استعملها فيما يعود عليه بالخير، وامتنع وابتعد عن استعمالها فيما يعود عليه بالضر.

    شبهة الاستدلال للحلول ودفعها

    وليس في هذا الحديث دليل على الحلول والاتحاد كما هو قول أهل الباطل الذي ابتلي به بعض الناس فقالوا: إن الله -تعالى عن قولهم- حال في المخلوقات!

    فإن الله عز وجل هو الأول الذي ليس قبله شيء، والمخلوقات خلقها الله عز وجل، وكانت عدماً فأوجدها، وكانت بعد أن لم تكن، ووجودها مباين لوجود الله عز وجل، فليس الخالق حالاً في المخلوقات، ولا المخلوقات حالة في الله سبحانه وتعالى.

    ولهذا فإن الحديث فيه متقرب ومتقرَّب إليه، وفيه سائل ومسئول: (ولئن سألني لأعطينه)، وفيه مستعيذ ومستعاذ به: (ولئن استعاذني لأعيذنه).

    وفرق بين الخالق والمخلوق، فلا يكون الخالق حالاً في المخلوق، ولا المخلوق حالاً في الخالق، بل الله عز وجل مباين للمخلوقات، فليس هناك حلول، وإنما المعنى هو أن الله تعالى يسدده في سمعه وبصره وبطشه ومشيه، فلا يستعمل هذه الوسائل وهذه النعم إلا فيما يعود عليه بالخير، وهذا نتيجة كون الإنسان يحصل محبة الله عز وجل بفعل الفرائض والإتيان بالنوافل مع ذلك، فيجلب بذلك محبة الله عز وجل له، وإذا أحبه سدده في سمعه وبصره وبطشه ومشيه وجميع تصرفاته، فتكون حركاته وتصرفاته لله، وذلك في طاعة الله عز وجل وطاعة رسوله صلوات الله وسلامه وبركاته عليه.

    الولاية واستجابة الله دعاء وليه

    إن مع ما سبق يحصل الثواب، وتحصل الإجابة في دعائه إذا سأل الله عز وجل، قال: (ولئن سألني لأعطينه، ولئن استعاذني لأعيذنه) ففي ذلك جمع بين الترغيب والترهيب، وبين تحصيل ما هو مطلوب والسلامة مما هو مرهوب، فتحصيل ما هو مطلوب مرغوب هو كونه يعطيه ما يسأل، وكذلك يستعيذ به مما هو مرهوب ومخوف فيعيذه الله عز وجل، ويكون بذلك قد حَصَّل الخير لأنه سأل الله تعالى فأعطاه، وسلم من الشر لأنه استعاذ بالله فأعاذه.

    والله تعالى أعلم، وصلى الله وسلم وبارك على عبده ورسوله نبينا محمد، وعلى آله وأصحابه أجمعين.

    1.   

    الأسئلة

    حكم ترك المعصية خوفاً وحياءً من الناس

    السؤال: إذا ترك العبد السيئة التي هم بها من غير خوف من الله تبارك وتعالى وإنما تركها خوفاً من الناس وحياءً منهم، فما حكمه؟

    الجواب: هذا لا يحصل له أجر؛ لأن الله تبارك وتعالى هو الذي يجب أن يُخاف وأن يستحيا منه، ولا ينبغي للمسلم أن يكون الناس همه، وإنما يكون همه خوف الله سبحانه وتعالى.

    والذي يجعل الناس همه ويخشى الناس ولا يخشى الله هو على خطر عظيم.

    وقد يقال: هل في هذه الحالة يعاقب بتقديم خوف الناس على خوف الله؟

    فأقول: الله تعالى أعلم، لكنه يكون بهذا الوصف قد عمل سوءاً واستحق العقوبة، والله تعالى أحق أن يخشى.

    جريمة معاداة الصحابة رضي الله تعالى عنهم

    السؤال: في قوله (من عادى لي ولياً فقد آذنته بالحرب) ألا يكون أعظم أولياء الله هم الصحابة، وعليه فمن عاداهم فإن الله قد آذنه بالحرب؟

    الجواب: لا شك، وهذا هو الواقع، فهذه الأمة هي خير الأمم، وخير هذه الأمة أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم الذين اختارهم الله لصحبة نبيه صلى الله عليه وسلم والجهاد معه والذب عنه والدفاع عنه، وتلقي الكتاب والسنة عنه وإيصالهما إلى الناس، فهم خيار أولياء الله وسادات أولياء الله بعد النبيين والمرسلين، فرضي الله تعالى عنهم وأرضاهم، فهم سادات هذه الأمة، وهم خيارها، وهم أفاضلها، وهم الذين يلون الأنبياء والمرسلين؛ لأن خير البشر هم الرسل والأنبياء عليهم السلام، ويليهم أصحابهم وأتباعهم، ومعلوم أن خير أمم الرسل أمة نبينا محمد صلى الله عليه وسلم، وخير أمة محمد عليه الصلاة والسلام هم أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم، والذي يعاديهم إنما يعادي خيار أولياء الله الذين هم المقدمون على غيرهم بعد الأنبياء والمرسلين، ولا شك أن من حصل منه ذلك فإنه قد جنى على نفسه، وجلب أنواع الضرر وأنواع الشر إلى نفسه، وذلك ببغضه وبحقده وبِغِلِّه على خيار هذه الأمة والذين قال فيهم الرسول صلى الله عليه وسلم: (خير الناس قرني، ثم الذين يلونهم، ثم الذين يلونهم).

    المحبة وفعل المعاصي

    السؤال: إذا كان الإنسان يسمع القول الفاحش ويبصر المحرمات ويرتكبها، فهل هذا معناه أن الله لم يحبه؛ إذ لو أحبه لسدده؟

    الجواب: الإنسان الذي يسمع القول الفاحش وسائر ما حرم الله، وكذلك ينظر إلى ما حرم الله، ذلك إنسان لم يحصل له التسديد، وإنما حصل له أن ابتلي، وأن أقدم بنفسه وبمشيئته وإرادته إلى استعمال هذه النعم فيما حرم الله تعالى استعمالها فيه، وحصول هذه الأشياء منه لا يصل به إلى حد الكفر كما هو معلوم من مذهب أهل السنة والجماعة في أصحاب المعاصي بأنهم عندهم إيمان وعندهم نقص في الإيمان، فيوصف من ارتكب كبيرة أو فعل أمراً محرماً بأنه مؤمن ناقص الإيمان، فلا يعطونه الإيمان الكامل، ولا يسلبونه مطلق الإيمان، وإنما هو مؤمن ناقص الإيمان.

    وذلك بخلاف الطرفين المقابلين للوسط، وهما طرفا التفريط والإفراط، طرف التفريط الذي فيه المرجئة الذين يقولون: لا يضر مع الإيمان ذنب كما لا ينفع مع الكفر طاعة.

    وطرف الخوارج والمعتزلة الذين يخرجونه من الإيمان بارتكابه الكبيرة، ويحكم الخوارج بكفره، وهو في منزلة بين المنزلتين عند المعتزلة، مع اتفاقهم جميعاً على تخليده في النار، وأنه لا فرق بينه وبين الكفار في الخلود؛ لأنه إما محكوم بكفره -كما هو عند الخوارج- وإما خرج من الإيمان وإن لم يدخل في الكفر كما هو قول المعتزلة.

    ارتباط الولاية بسلامة الجوارح من الآثام

    السؤال: من يريد أن يعرف ولايته لله عز وجل قوة أو ضعفاً أو عدماً فهل ضابط ذلك أن ينظر إلى جوارحه ومدى امتثالها لأوامر الله؟

    الجواب: نعم، لا شك أن هذا من الوسائل التي بها يعرف كون الإنسان مستقيماً أو غير مستقيم؛ لأن هذه الجوارح جعلها الله عز وجل نعماً أنعم بها على الإنسان، فأعطاه السمع والبصر والأيدي التي يبطش بها والأرجل التي يمشي بها، فإذا استعملها فيما يعود عليه بالخير فهذه علامة الولاية، وإذا استعملها في غير ذلك، فهذا علامة عدم الولاية.

    معنى حرب الله جل جلاله لمعادي أوليائه

    السؤال: ما معنى حرب الله عز وجل لمن عادى أولياءه؟

    الجواب: معنى ذلك أن معادي أولياء الله محارب لله والله محاربه، ومعلوم أن من كان كذلك فقد باء بكل شر ورجع بكل بلاء؛ لأن محاربة الله عز وجل لا طاقة للعبد بها.

    ومن المحاربين لله تعالى أكلة الربا، والله تعالى محارب لهم، ومعنى ذلك أنه ليس لهم ولاية، وإنما هناك الحرب التي تكون بينهم وبين الله، فيكفي ذلك في بيان منتهى سوئهم وخبثهم، ولهذا فإن مثل هذا التعبير ومثل هذا اللفظ يدل على أن معاداة أولياء الله عز وجل من الكبائر، وأن أمرها خطير وليس بالأمر الهين.

    دلالة ترك ذكر المنهيات في حديث الولاية

    السؤال: في حديث الولاية لم يُذكر ترك المنهيات، وإنما ذُكر أداء الواجبات والنوافل، فهل يفهم منه أن فعل الواجبات أعظم من ترك المنهيات؟

    الجواب: معلوم أن ما افترض الله عز وجل هو أوامر ونواهٍ، والأوامر مطلوب الإتيان بها، والنواهي مطلوب تركها، فليس أداء الفرائض مقصوراً على العبادات الفعلية، بل يدخل فيه ترك المحرمات.

    أما القول بأن ترك الواجب أعظم من فعل الأمر المحرم، فنقول: كل منهما سيئ، ولكن ترك الواجب أعظم من فعل المحرم، وإنما طرد إبليس اللعين وأبعد لأنه ترك الواجب الذي أوجبه الله عز وجل عليه، وهو السجود لآدم عليه السلام.

    سبيل معرفة ولي الله والبعد عن أذاه

    السؤال: الولاية لا سبيل إلى الجزم بها لأحد معين، فكيف السبيل إلى البعد عن معاداة الأولياء، نرجو إيضاح الناحية العملية المطلوبة في هذا الحديث؟

    الجواب: معلوم أنه لا أحد يجزم له بأنه من أهل الجنة، ولكن من عرف بالصلاح والتقى وبانطباق الإيمان والتقوى عليه فيما يظهر للناس، فهذا هو السبيل الذي يمكن أن يعرف ويميز به من يكون ولياً لله ممن يكون عدواً لله سبحانه وتعالى، نعم لا أحد يقطع بنهايته وأنه من أهل الجنة، ولكن الناس يرون ويشاهدون من هو من أهل الصلاح، ومن هو من أهل الفساد، ومن هو من أهل الاستقامة ومن هو من أهل الإعراض عن الله سبحانه وتعالى.

    حكم تخصيص الولاية وحصرها في أشخاص

    السؤال: هل صحيح ما تقوله الصوفية من أن الولاية ومنزلة الولي لا تنبغي لكل أحد، بل هي لأناس مخصوصين؟

    الجواب: كلا، فهذا احتكار للولاية حتى لا تحصل إلا لأناس يزعمون الولاية أو تُزعم لهم، ثم يعبدون من دون الله، أو تُعمل معهم أمور لا تليق إلا بالله سبحانه وتعالى.

    وولاية الله عز وجل سهلة ميسورة، ليس فيها إلا كون الإنسان يقبل على طاعة الله ويبتعد عن محارم الله، وبذلك يكون من أولياء الله كما قال الله عز وجل: أَلا إِنَّ أَوْلِيَاءَ اللَّهِ لا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلا هُمْ يَحْزَنُونَ الَّذِينَ آمَنُوا وَكَانُوا يَتَّقُونَ [يونس:63].

    دعوى الولاية لأصحاب الأضرحة وحمل نفي ضررهم ونفعهم على معاداتهم

    السؤال: بعض الناس يرى أن الولاية هي لأصحاب الأضرحة والقباب، وأن من لا يعتقد أنهم ينفعون ويضرون فهو ممن عاداهم، فما صحة هذا الأمر؟

    الجواب: هذا من البلاء، ومن مكائد الشيطان وتلاعبه بكثير من الناس، وهذه نتيجة لاحتكار الولاية وحصرها في أشخاص معينين، ثم بعد ذلك يتعلق بهم، وتصرف لهم الأمور التي لا تليق إلا بالله عز وجل والأشياء التي لا تطلب إلا من الله عز وجل، كأن يستغاث بهم، ويطلب منهم كشف الكروب، ورد الغائب، وما إلى ذلك من الأمور التي يحتاج إليها الناس، كل ذلك نتيجة لهذه المزاعم الباطلة ولهذه الظنون الكاذبة، وولاية الله عز وجل قد بينها الله عز وجل في كتابه فقال: أَلا إِنَّ أَوْلِيَاءَ اللَّهِ لا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلا هُمْ يَحْزَنُونَ الَّذِينَ آمَنُوا وَكَانُوا يَتَّقُونَ [يونس:63].

    والواجب هو الحذر من الافتتان بالقبور، وبناء المساجد عليها لا يجوز، وكذلك دفن الموتى في المساجد غير جائز، وكل ذلك محرم، وهو من الأسباب التي توقع الناس في الشرك وتوقعهم في التعظيم للمخلوقين الذي يؤدي بهم إلى الشرك، والعياذ بالله.

    طلب الولاية بالاقتصار على باب من النوافل

    السؤال: من اجتهد في باب من أبواب النوافل فهل يظفر بمحبة الله تعالى أم لا بد من أن يجتهد في جميع النوافل؟

    الجواب: معلوم أن الفرائض هي الأساس، وكونه يتقرب إلى الله عز وجل بالنوافل المختلفة لا شك أن هذا أكمل، أعني كونه يأتي بنوافل الصلاة، ونوافل الصدقة، ونوافل الصيام، ونوافل الحج، وسائر النوافل في وجوه الخير، فلا شك أن هذا هو الكمال، والناس يتفاوتون في ذلك، ومحبة الله عز وجل تحصل بفعل الفرائض وأداء النوافل، ولكن على الإنسان أن يحرص على أن يكون له نصيب من جميع وجوه الخير، ولا يقصر نفسه على باب من أبواب الخير ثم يهمل الأبواب الأخرى، بل يحرص على أن يكون له نصيب من هذه الأبواب.

    محبة الله وعلامتها

    السؤال: هل حديث الولاية يدل على أن الله تعالى لا يحب إلا من أحبه؛ لأنه لا يتقرب إليه بالنوافل إلا من أحبه؟

    الجواب: هناك محبة صحيحة مبنية على الاتباع، وهناك دعاوى للمحبة، والدعاوى ليس لها قيمة، وإنما العبرة بالاتباع الذي يكون مع ادعاء المحبة.

    فكون الإنسان يحب الله بالادعاء لا قيمة لادعائه، ولكن إذا أقيمت البينة على هذه الدعوة -وهي الاتباع للرسول صلى الله عليه وسلم- فذلك الذي تحصل به محبة الله، كما قال تعالى: قُلْ إِنْ كُنْتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللَّهُ [آل عمران:31] فليس فما هو اتباع محبة مدعاة دون أن يكون لها حقيقة، حيث تكون الدعوى موجودة والمخالفة موجودة، فيدعي المحبة ويأتي بشيء يخالف مقتضاها، وذلك بفعل ما حرمه الله عز وجل وترك ما أوجبه الله سبحانه وتعالى.

    فالمحبة الحقيقية التي تثمر محبة الله عز وجل هي المحبة التي تكون مبنية على الاتباع وعلى فعل المأمورات وترك المنهيات والتقرب إلى الله عز وجل بالأعمال الصالحات.

    حكم زيادة (حتى أجعله عبداً ربانياً يقول كن فيكون) في حديث الولاية

    السؤال: هل وردت في حديث الولي زيادة: (حتى أجعله عبداً ربانيا يقول كن فيكون) ؟

    الجواب: هذا كلام لا يستقيم، ولا يكون الإنسان بهذه المنزلة وبهذا الوصف حيث يقول للشيء: (كن) فيكون، هذا لا يحصل إلا لله سبحانه وتعالى، فهو الذي يقول للشيء كن فيكون، وأما المخلوق فإنه لا يقول للشيء: (كن) فيكون، وما جاء شيء في هذا أبداً.

    لفظ التردد الوارد في حديث الولاية

    السؤال: جاء في آخر حديث الولاية من طريق آخر: (وما ترددت في شيء أنا فاعله ترددي في قبض نفس عبدي المؤمن، يكره الموت وأنا أكره مساءته) فهل يؤخذ من هذا إثبات صفة التردد، وما معنى هذا؟

    الجواب: الحديث ورد، وهو بقية هذا الحديث في صحيح البخاري ، والحديث أورده البخاري في (كتاب الرقائق) في (باب التواضع) فذكر الحديث وفي آخره هذه الجملة: (وما ترددت في شيء أنا فاعله ترددي في قبض روح عبدي المؤمن يكره الموت وأكره مساءته) والمقصود من ذلك أن العبد يكره الموت، ويكره الشدة التي تكون عند الموت، والله عز وجل يكره مساءته، ولا بد له من الموت؛ لأنه ينتقل إلى خير؛ لأنه يلقى الله عز وجل فيجازيه على ما قدم من أعمال، فيكون في ذلك خير له، وإن كان حصول ذلك له بشيء يكرهه وهو الموت، فمعنى ذلك أنه يكون محبوباً من جهة ومبغوضاً من جهة، محبوب من جهة أنه يؤدي إلى ما هو خير، ومكروه من جهة أن العبد يكره ذلك، وهذا نظير الشيب الذي قال عنه القائل:

    الشيب كره وكره أن أفارقه فاعجب لشيء على البغضاء محبوب

    يقول: الشيب كره وأكره أن أفارقه؛ لأنَّه إذا نظر إلى ما قبله -وهو الشباب- صار الشيب غير مرغوب فيه، ولكن إذا نظر إلى ما بعده -وهو الموت- صار مرغوباً فيه، فيكون محبوباً باعتبار ومبغوضاً باعتبار.

    فمن ذلك كون العبد يكره الموت والله تعالى يكره مساءته، فهو من هذا القبيل.

    وأما قضية التردد بالمعنى الذي يدل على عدم العلم بما هي عليه الأمور مما يحصل من الناس فهذا لا يضاف إلى الله عز وجل؛ لأن الله تعالى عالم بكل شيء، وعالم ببواطن الأمور، وعالم بنهاية الأمور ولا يخفى عليه شيء، وإنما ذكر هذا من أجل بيان ما يحصل للعبد من كونه يكره الموت والله تعالى يكره مساءته.

    الولاية وكراهة الموت

    السؤال: كيف يكون العبد ولياً لله وهو يكره الموت ولقاء الله عز وجل؟

    الجواب: الله تعالى جبل الناس على عدم محبة الموت، وهذا لا ينافي ولاية الله عز وجل.

    ثم إنه قد يكون طول البقاء مع الاستقامة خيراً للإنسان، وكون الإنسان يحب أن يعيش وهو على خير مداوم على العبادة فيه زيادة كمال وزيادة أعمال وزيادة قربات يتقرب بها إلى الله عز وجل، وإنما البقاء وطول العمر مع المعاصي هو الذي يكون ضاراً، ويعود على صاحبة بالضرر.

    الفرق بين الحلول ووحدة الوجود

    السؤال: نرجو توضيح الفرق بين الحلول ووحدة الوجود؟

    الجواب: كلها أمور قبيحة وأمور سيئة، وكلها مخالفة، والفروق الدقيقة بينها لا أستحضرها.

    درجات الولاية

    السؤال: هل في حديث الولاية دلالة على أن الأولياء على درجتين: درجة من يفعل الفرائض، ودرجة من يفعل المستحبات؛ لقوله: (ولا يزال عبدي يتقرب إلي بالنوافل) ؟

    الجواب: لا شك أن هذا كله داخل في ولاية الله تعالى، فالذي يأتي بالفرائض من أولياء الله، والذي يزيد عليها النوافل أعظم ولاية لله عز وجل وأمكن في هذا الوصف، وإلا فإن كل من كان مؤمناً تقياً هو من أولياء الله تعالى، إلا أن هذا مقتصد وهذا سابق بالخيرات، وهم متفاوتون.

    فرح العبد بعد تركه المعصية لمانع غير خوف الله

    السؤال: من ترك سيئة لعجزه عنها أو لصارف صرفه، ثم بعد ذلك فرح لأنه قد منع منها فهل يؤجر على ذلك؟

    الجواب: لا شك أنه يؤجر على ذلك، فإذا كان امتناعه في الأصل عجزاً، ولكنه بعد ذلك سر وفرح، فلا شك أنه يؤجر على هذا الفرح وعلى هذا السرور.

    حكم الحرص على عمل السيئة ثم تركها لعجز عنها

    السؤال: هل يأثم المسلم إذا هم بالسيئة مع الحرص على عملها ثم عجز عنها ؟

    الجواب: أي نعم، يأثم.

    تجاوز الله تعالى عن الخواطر ومعناه

    السؤال: ما معنى قوله صلى الله عليه وسلم: (إن الله تجاوز عن أمتي ما حدثت به أنفسها مالم تعمل أو تتكلم) ؟

    الجواب: المراد بذلك الخواطر التي تهجم وحديث النفس الذي يهجم على الإنسان، وأما شيء يخطر في ذهن الإنسان، ويتابعه ويفكر فيه وهو شغله الشاغل وهمه، ولا يبعده عن نفسه، وإنما يجلبه على نفسه، فهذا هو الذي يحصل له الضرر بسببه.

    معنى قول السلف: الويل لمن غلبت آحاده عشراته

    السؤال: ما معنى قول بعض السلف: (الحسنة بعشرة والسيئة بواحدة، فالويل لمن غلبت آحاده على عشراته) ؟

    الجواب: هذا كلام ينسب إلى ابن مسعود ذكره الحافظ ابن رجب في شرحه لهذا الحديث، وقال: يعني أن الله عز وجل يضاعف الحسنات، والحسنة بعشر أمثالها، والسيئة بواحدة. وقال: إن كون الإنسان تغلب آحاده عشراته، فهذا يعني أنه مذموم؛ لأن معنى ذلك أن الأشياء المحرمة والأشياء التي تكون السيئة منها بمثلها تكون هي الأكثر، وتغلب على العشرات التي هي الحسنات؛ إذ الحسنة بعشر أمثالها، فلا شك أن هذا ذم ووصف سيئ، والأصل أن الإنسان يحرص على زيادة حسناته وأن تكون سيئاته متلاشية مضمحلة.

    دلالة قوله: (إن الله كتب) على إثبات صفة الكتابة

    السؤال: في الحديث: (إن الله كتب الحسنات والسيئات) فهل فيه إثبات صفة الكتابة؟

    الجواب: معلوم أن المقصود بذلك القدر، والله عز وجل كتب مقادير الخلائق، فحين خلق القلم قال: (اكتب. فجرى بما هو كائن).

    وأما نفس الكتابة فقد جاء أنه تعالى كتب التوراة بيده، وأما ما جاء في الحديث فالمراد به إما كتابة المقادير في اللوح المحفوظ، وذلك بالقلم الذي أمر، أو المراد به كتابة الملائكة الذين يكتبون الحسنات والسيئات.

    اشتراك الناوي والعامل في الأجر والوزر

    السؤال: في الحديث: (إنما الدنيا لأربعة نفر) فقال في الثاني: (فهما في الأجر سواء) وقال في الرابع: (فهما في الوزر سواء) فنرجو التوضيح؟

    الشيخ: هذا بالنسبة للأصل، وليس مع المضاعفة والتضعيف، وإنما هو باعتبار الأصل.

    معاداة ساب العلماء والطاعن فيهم لله تعالى

    السؤال: هل من معاداة الله سب العلماء والطعن فيهم والتحذير من مجالسهم؟

    الجواب: هذا من معاداة أولياء الله عز وجل، وكون الإنسان يسب العلماء ويحذر منهم وينال منهم هذا فيه صرف الناس عن الاستفادة من علمهم، وقطع الطريق الموصلة إلى النفع، ولاشك أن هذا من الأمور الخطيرة، والأمور الضارة لمن يبتلى بشيء من ذلك.

    مقالة لابن دقيق العيد في قوله: (كنت سمعه الذي يسمع به)

    السؤال: قال ابن دقيق العيد : في قوله: (كنت سمعه الذي يسمع به) قال: إنه قد يغلب على عبد ذكر الله تعالى حتى يعرف بذلك، فإن خوطب بغيره لم يكد يسمع لمن يخاطبه حتى يتقرب إليه بذكر الله؟

    الجواب: لا أدري ما معنى هذا الكلام! اللهم إلا إذا كان المراد به الإنسان المشغول بذكر الله، وذكر الله ليس قول (لا إله إلا الله) و(سبحان الله) و(الحمد لله)، بل هو كل عبادة الله عز وجل؛ لأنه كله ذكر لله عز وجل، فالصلاة من ذكر الله، وقراءة القرآن من ذكر الله، والتسبيح من ذكر الله، والتهليل من ذكر الله، فقد يكون معنى هذا أنه لا يسمع إلا ما هو خير، أو أنه لا يريد أن يسمع إلا ما هو خير، وأنه إذا خوطب بشيء غير ذلك لا يسمع ولا يريد أن يسمع، فلعل هذا هو المعنى.

    معنى قوله: (ولا يهلك على الله إلا هالك)

    السؤال: زاد مسلم في حديث ابن عباس بشأن كتابة الحسنات والسيئات (ولا يهلك على الله إلا هالك) فما معنى هذه الزيادة؟

    الجواب: معناها أنه مع هذا الفضل والإحسان وهذه الأبواب من الخير، لم يدخل في رحمة الله ولم يكن من أهلها، فحينئذ يكون هالكاً، والعياذ بالله.

    من يعرف الوليَّ

    السؤال: سمعت من يقول: لا يعرف الولي إلا الولي. فهل ورد في ذلك آثار منقولة؟

    الجواب: لا أعلم هذا، والولاية -كما هو معلوم- واضحة جلية يعرفها المتقون وغير المتقين، فمن كان معروفاً بالصلاح والولاية يشهد له الناس، والناس يعرفونه، كالشيخ عبد العزيز بن باز رحمة الله عليه، فإنه كان معروفاً بالعبادة والتقى والإيمان، ويعترف بذلك الصالحون وغيرهم.

    حكم الإشارة بالجوارح عند ذكر صفات الله تعالى

    السؤال: هل تجوز الإشارة باليد عند قولنا: (إن الله كتب) ؟

    الجواب: ليس للإنسان أن يستعمل الإشارة عند ذكر هذا؛ لأن مثل ذلك يؤدي إلى كون الإنسان يشبه، أي أن ذلك يؤدي به ذلك إلى التشبيه، والإنسان ليس له أن يفعل ذلك إلا في حدود ما ورد، فالإنسان إذا أراد أن يحكي الذي قد ورد عن الرسول صلى الله عليه وسلم في ذلك فلا بأس، أما أن يأتي الإنسان فيستعمل في كل صفة شيئاً من أعضائه مشيراً بها إلى ذلك فهذا لا يجوز.

    مقالة في الفرق بين الاتحاد والحلول عند القائلين بهما من أهل الضلالة

    السؤال: يذكر عن الشيخ ربيع في الفرق بين الاتحاد والحلول أن الاتحاد هو قولهم: إن الله اتحد بالمخلوقات، فكل ما تراه فهو الله.

    أما الحلول فهو عندهم أن يحل في شخص معين، كعيسى مثلاً، تعالى الله عما يقولون.

    الجواب: لا أعرف هذا، أعني كون الحلول في شخص معين، فأهل الحلول هم الذين قالوا: إن الله حال في المخلوقات.

    أما كونه في شخص معين فلا علم به؛ لكني أقول: يرجع إلى كلام شيخ الإسلام ابن تيمية فإنه قد بحث هذا، وسيعرف الفرق بين ذلك.

    حديث الولي وصحته

    السؤال: حديث الولي هناك من أهل العلم من ضعفه، وعلل ذلك بوجود رواة في الإسناد متكلم فيهم، فما هو القول الصحيح؟

    الجواب: الشوكاني لما ذكر هذا الحديث قال: ورجال إسناده قد جاوزوا القنطرة، وارتفع عنهم القيل والقال.

    والحافظ ابن رجب ذكر أنه جاء من طرق أخرى ومن وجوه أخرى غير هذه الطريق، ووجوده في صحيح البخاري كاف في ثبوته.

    أفضل الفرائض وأفضل النوافل

    السؤال: ما أفضل الفرائض، وأفضل النوافل؟

    الجواب: أفضل الفرائض الصلاة، فهي أعظم أركان الإسلام بعد الشهادتين، وهي الصلة الوثيقة بين العبد وربه، وتتكرر في اليوم والليلة خمس مرات، وهي الحد الفاصل بين الإيمان والكفر، وهي آخر عروة في الإسلام تنقض في هذه الحياة الدنيا، وهي أول ما يحاسب عليه العبد يوم القيامة، وهي من آخر ما أوصى به رسول الله صلى الله عليه وسلم، وهي تنهى عن الفحشاء والمنكر، وهي عمود الإسلام، وقد فرضت ورسول الله صلى الله عليه وسلم في السماء، فكل ذلك يدلنا على فضل الصلاة وتقديمها على غيرها.

    أما النوافل فهي متفاوتة، ففيما يتعلق بالصدقة جاء أن أفضلها ما كان عن ظهر غنى، وجاء في الصيام أن أفضله صيام داود، وجاء أن أفضل الصلاة بعد المفروضة قيام الليل، وجاء في وجوه العبادات ما يكون أفضل من غيره في العبادة نفسها.

    ومعلوم -أيضاً- أن الشيء الذي يتعدى نفعه يكون أولى من الذي لا يتعدى نفعه، وكان قاصراً على الإنسان نفسه، ولهذا جاء في الحديث: (وفضل العالم على العابد كفضل القمر على سائر الكواكب)؛ لأن العلم للإنسان ولغيره، وأما العبادة فهي للإنسان وحده وليست لغيره.

    استحضار النية لصلاة الفجر مع التفريط فيها

    السؤال: ما قولكم في الرجل الذي ينوي أن يصلي الفجر في وقته وفي الجماعة، لكن لا يصليه إلا بعد شروق الشمس وهو يستطيع أن يصلي في الوقت مع الجماعة؟

    الجواب: هذه نية ليس لها قيمة.

    رجال الصحيح ومدى قبول أحاديثهم

    السؤال: عبارة الإمام الشوكاني في حديث الولي أن رجال إسناده قد جاوزوا القنطرة هل تؤخذ على إطلاقها، بحيث لو وجد أحد هؤلاء الرجال في إسناد آخر في الكتب الستة، يكتفى بكونه من رجال الصحيحين ؟

    الجواب: لا يقال هذا؛ لأن بعضهم انتقى له، الإمام البخاري انتقى له، فانتقى شيئاً من حديثه، فليس كل حديث شخص من رجال الصحيحين يكون سليماً، لكن لا شك أنه يقال: على شرط البخاري أو على شرط مسلم، أعني هذا الحديث إذا كان رجاله رجال الصحيح فإنه على شرطهما، لكن لا يقال: إن كل حديث عنهم يكون ثابتاً، إذ قد يكون هذا الذي حصل من صاحب الصحيح انتقاءً، وقد تكون هناك أحاديث منكرة أو منتقدة على الراوي، فـالبخاري روى الحديث الذي سلم من الانتقاد، ولهذا تجد الحافظ ابن حجر في مقدمة (فتح الباري) في الأشخاص الذين تكلم فيهم من رجال البخاري يذكر شيئاً من الاعتذار عن الإمام البخاري للإخراج عنهم، وأن ذلك لكون الراوي له متابع، أو لكونه كذا، في أوجه كثيرة ذكرها الحافظ ابن حجر عند كلامه على الأشخاص في التخريج للرواة.

    معيار مضاعفة الأجر إلى سبعمائة ضعف

    السؤال: المضاعفة إلى سبعمائة ضعف هل هي لكل الناس ولكل عمل، أم أن هناك شروطاً توصل العمل إلى هذه الدرجات؟ وبأي اعتبار تضاعف الحسنة؟

    الجواب: ليس ذلك في كل عمل، وليس لكل أحد، وإنما جاء ذلك فيما يتعلق بالصيام نفسه أن الله يضاعفه إلى سبعمائة ضعف إلى أضعاف كثيرة، ولا شك أن الناس يتفاوتون فيما يقومون به من الأعمال، وفيما يقوم بقلوبهم من الإخلاص والصدق، وليس كلهم على حد سواء في هذا.

    وأما بأي اعتبار تضاعف الحسنة فالجواب: تضاعف بفضل الله عز وجل وجوده وكرمه وإحسانه، ولا شك أن الصدق والإخلاص وكون الإنسان ظاهره وباطنه مع الله عز وجل لا شك أن هذا من أسباب حصول المضاعفة، ولكن الكل يرجع إلى فضل الله عز وجل وكرمه وإحسانه.

    كيفية معرفة الملائكة همّ العبد بالحسنة والسيئة

    السؤال: ما هو السبيل الذي تعرف به الملائكة همَّ العبد بالسيئة أو همه بالحسنة؟

    الجواب: الله تعالى يطلعهم على ذلك ويمكنهم من ذلك.

    مقدار حسنة تارك المعصية لله تعالى بعد الهم بها

    السؤال: من هم بسيئة وتركها لله، هل تكتب له حسنة مضاعفة أو حسنة واحدة؟

    الجواب: تكتب حسنة غير مضاعفة، لأنه قال: (كتبها الله له حسنة كاملة).

    أي: حسنة واحدة، ولكنها كاملة، ولهذا فرَّق بين من عمل ومن لم يعمل، فالذي ترك حصَّل الحسنة، والذي فعل حصَّل عشراً.

    تعليق العبد فعل المعصية على حدوث شيءٍ وحكمه

    السؤال: من نوى أنه إذا جاءه أمر معين يسيء، فإن لم يأته فلن يسيء، هل تكتب له سيئة بنيته؟

    الجواب: إذا كان عازماً على الشيء ومشغولاً به تكتب عليه سيئة.

    الحسنات والسيئات في الأماكن المقدسة

    السؤال: نود توضيح الكلام حول مضاعفة السيئات أو الحسنات في الحرمين؟

    الجواب: لا شك أن السيئة في الأماكن المقدسة تختلف عنها في الأماكن الأخرى، ولكن هذا الاختلاف لا يرجع إلى العدد، وإنما يرجع إلى الكيف، بمعنى أن السيئة في الحرم ليست كالسيئة في مكان آخر، لكن لا يقال: إن السيئة بسيئتين، ولكنها تعظم بالكيف وليس بالكم، ولا شك أن الأعمال الصالحة في الحرم لها شأن، وما جاء فيه تنصيص كالصلاة فإنه يقال به على موجب ما ورد، حيث ورد أن الصلاة بألف صلاة في مسجد النبي صلى الله عليه وسلم، وفي المسجد الحرام بمائة ألف، وفي المسجد الأقصى بخمسمائة صلاة، وأما ما عدا ذلك فلا يقال فيه شيء بدون دليل، ولا شك أن الله يضاعف لمن يشاء، وفضل الله واسع، والمكان المقدس له فضله وله ميزته، لا من ناحية الحسنات ولا من ناحية خطورة السيئات فحسب، بل له فضله من جهات أخرى.