إسلام ويب

شرح الأربعين النووية [14]للشيخ : عبد المحسن العباد

  •  التفريغ النصي الكامل
  • الدين كله مبني على أركان وأعمدة لا يقوم إلا بها، وأساس ذلك كله النصيحة التي بها تتم المحافظة على جميع شعائر الإسلام وأركانه، ولذا كانت النصيحة شاملة لكل طبقات المجتمع، حتى يكون المجتمع متماسكاً متناصحاً متعاوناً على الخير، وبهذا ترسو سفينة النجاة في بر الأمان، وينجو أهلها من غضب الرحمن.

    1.   

    شرح حديث الدين النصيحة

    الحديث السابع من أحاديث الأربعين النووية: عن أبي رقية تميم بن أوس الداري رضي الله عنه، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (الدين النصيحة، قالوا: لمن يا رسول الله؟ قال: لله ولكتابه ولرسوله ولأئمة المسلمين وعامتهم)رواه مسلم.

    هذا حديث عظيم، وهو من جوامع كلم الرسول الكريم عليه أفضل الصلاة وأتم التسليم، وقد أخرجه مسلم في صحيحه ولم يخرجه البخاري ، وإنما ذكره في ترجمة باب على صيغة التعليق، فقال: باب قول النبي صلى الله عليه وسلم: (الدين النصيحة، قالوا: لمن يا رسول الله؟ قال: لله، ولكتابه، ولرسوله، ولأئمة المسلمين وعامتهم).

    فذكر الحديث كله في ترجمة باب على صورة التعليق، ولم يذكر إسناده، ثم ذكر تحته حديث جرير بن عبد الله البجلي الذي في معناه في الجملة وهو قوله رضي الله عنه: (بايعت رسول الله صلى الله عليه وسلم على إقام الصلاة، وإيتاء الزكاة، والنصح لكل مسلم).

    ولم يورد البخاري الحديث مسنداً في كتابه؛ لأنه ليس على شرطه فهو من رواية سهيل بن أبي صالح و سهيل لم يخرج له استقلالاً، ولكن إيراده وذكره إياه بالتعليق يدل على صلاحيته للاحتجاج.

    والرسول صلى الله عليه وسلم قال: (الدين النصيحة)، وقد جاء في مستخرج أبي عوانة قالها ثلاثاً يعني: كررها، قال: (الدين النصيحة! الدين النصيحة! الدين النصيحة!) وفي النسخة التي شرح عليها الحافظ ابن رجب ذكر ثلاثاً، وهناك في صحيح مسلم الحديث خال من ذكر التكرار، وإنما فيه أنه قال: (الدين النصيحة! قالوا: لمن يا رسول الله؟ قال: لله، ولكتابه، ولرسوله، ولأئمة المسلمين وعامتهم).

    منزلة النصيحة من الدين

    قوله: (الدين النصيحة)، هذه الجملة تدل على عظم شأن النصيحة والاهتمام بها، وكأنها هي الدين، وأن الدين محصور فيها، وهذا يدل على عظم شأنها، وعلى ما جاء في رواية أبي عوانة المستخرج على صحيح مسلم من أنه قالها ثلاثاً، فيكون ذلك زيادة في التأكيد.

    وبيان عظم شأن النصيحة كونه جاء في هذا اللفظ: (الدين النصيحة)، وكأن الدين هو النصيحة؛ وذلك لشمولها وعمومها.

    والحافظ ابن رجب قال: إنه يدخل تحت هذه الجملة ما جاء في حديث جبريل من تفسير الإسلام والإيمان والإحسان؛ لأن النبي صلى الله عليه وسلم قال في آخره: (هذا جبريل أتاكم يعلمكم دينكم) فسماها ديناً، والنبي صلى الله عليه وسلم قال: (الدين النصيحة).

    إذاً: ما جاء في حديث جبريل يكون داخلاً تحت هذه الجملة، ومعنى الدين النصيحة، أي: أن عماد الدين وأساسه إنما هو النصيحة؛ وذلك لشمولها لتلك الأمور التي أخبر بها رسول الله عليه الصلاة والسلام، فيدخل في الإيمان بالله عز وجل كل ما يتعلق بالإيمان، وكل ما يتعلق بالشهادتين، وكل ما يتعلق بما أوجبه الله عز وجل، فهي كلمة عامة وجامعة من أجمع الكلام، ونظيرها قوله صلى الله عليه وسلم: (الحج عرفة)، مبيناً أهمية الوقوف بعرفة، وأنه الركن الأعظم في الحج، وذلك أن الحج يفوت الإنسان بفواته ولو جاء من أقطار بعيدة، ولو تعب وخسر ما خسر، إذا طلع الفجر من ليلة النحر فإن الوقوف انتهى، والحج قد فات من وصل متأخراً عن هذا الوقت، ومن أدرك هذا الوقت فقد أدرك الوقوف.

    أما غيره من بقية الأركان مثل: الطواف والسعي فيمكن تداركه ولو بعد مدة طويلة، ولكن الوقوف بعرفة إذا فات الإنسان فاته الحج، ولا مجال لأحد أن يحج وقد انتهى وخرج وقت الوقوف، وذلك بطلوع الفجر من ليلة العيد، لكن يحج في سنة أخرى فهذا الحصر في قوله: (الحج عرفة)، يدل على أهمية هذا الركن.

    فقوله: (الدين النصيحة)، يدل على أهمية النصيحة وعظيم شأنها، وأن دين الإسلام هو النصيحة؛ وذلك لشموله من كل النواحي التي تتعلق بكل ما يتعلق بالله عز وجل، وما يتعلق بكتاب الله عز وجل، وما يتعلق بالرسول صلى الله عليه وسلم، وما يتعلق بأئمة المسلمين وولاتهم، وما يتعلق بعامتهم.

    وقيل: إن النصيحة مأخوذة من نصحت العسل إذا خلصته وإذا صفيته ونقيته من الشمع، حتى يكون عسلاً خالصاً مصفى نقياً، وقيل: إنها من النصح وهي الخياطة تكون بالمنصحة وهي الإبرة؛ وذلك لأن الإبرة يحصل بها لـمَّ أجزاء الثوب والقماش حتى يكون ثوباً، وإذا حصل تمزق وتشقق ثم خيط بالإبرة فإنه يضم بعضه إلى بعض، فكذلك النصيحة فيها لم الشعث وحصول الخير والمطلوب في المنصوح ومن حصل له النصح.

    وقيل: مأخوذة من التوبة النصوح وهي الخالصة الصادقة، فكأن الذنوب تمزق والتوبة تلم الشعث وتزيل ذلك التمزق الذي حصل بسبب الذنوب.

    فإذاً: النصيحة تشمل ما بين العبد وربه، وما بين العبد والناس، سواء كان هؤلاء الناس حاكمين ومحكومين أو رعاة أو رعية، فهذا يدل على أهمية النصيحة وأن منزلتها من الدين عظيمة، وكأن الدين هو النصيحة.

    حرص الصحابة على معرفة الحق والهدى

    لما قال الرسول صلى الله عليه وسلم: (الدين النصيحة)، بادر أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم بالسؤال لمن تكون النصيحة، وهذا يدلنا على حرصهم على معرفة الحق والهدى، وعلى معرفة السنن ومعرفة أحكام الدين، وذلك بسؤالهم النبي الكريم عليه أفضل الصلاة والتسليم عن النصيحة لمن تكون؟ يعني: حتى يقوموا بالتمثيل والتطبيق للشيء الذي أظهر النبي صلى الله عليه وسلم عظيم شأنه بحصر الدين فيه وقصر الدين عليه، وهو النصيحة، قالوا: (لمن يا رسول الله؟) هذا يدلنا على عنايتهم وحرصهم، على معرفة الحق والهدى، وهذا هو شأنهم رضي الله عنهم وأرضاهم، فإنهم الواسطة بين الناس وبين رسول الله صلى الله عليه وسلم، فكانوا حريصين على استيعاب ووعي ما يسمعونه من رسول الله عليه الصلاة والسلام، فيعنون في تعليم الدين ومعرفة أحكام الشرع؛ ليتعبدوا الله عز وجل هم بها ولينقلوها إلى غيرهم، وهم أخص الناس بالدعاء الذي دعا به الرسول صلى الله عليه وسلم لمن أخذ سنته وحفظها وأداها إلى من بعده حيث قال: (نضر الله امرأً سمع مقالتي فوعاها وأداها كما سمعها، فرب مبلغ أوعى من سامع، ورب حامل فقه إلى من هو أفقه منه)، وهم الذين ظفروا بذلك أشد من غيرهم؛ لأنهم المباشرون لسماع ذلك من رسول الله صلى الله عليه وسلم حيث يكون من أقواله، وهم المشاهدون لأفعاله وحركاته وسكناته صلوات الله وسلامه وبركاته عليه، ورضي الله عنهم وأرضاهم.

    أدب الصحابة مع الرسول صلى الله عليه وسلم

    إن من كمال تأدب الصحابة مع الرسول صلى الله عليه وسلم أنهم عندما سألوه خاطبوه بوصف الرسالة، فقالوا: يا رسول الله! لمن تكون النصيحة؟ فسؤالهم يدل على حرصهم على معرفة الأحكام الشرعية والتفقه في الدين، ونقل الحق والهدى عنه وإيصالها إلى الناس، ولهذا يقول الحافظ ابن حجر : إن ذكر النبي صلى الله عليه وسلم بكنيته حسن، وذكره بوصف الرسالة أحسن. يعني: كونه إذا ذكر الرسول صلى الله عليه وسلم وقال: أبو القاسم صلى الله عليه وسلم، بكنيته فهذا حسن، ولكن لو ذكره بوصف الرسالة لكان أحسن، بأن يقول: رسول الله صلى الله عليه وسلم، فهم هنا قالوا: (لمن يا رسول الله؟).

    ثم إن قول النبي صلى الله عليه وسلم: (الدين النصيحة) يجعل الصحابة رضي الله عنهم وأرضاهم يشعرون ويدركون الاهتمام بهذا الأمر؛ لأنه جاء على هذا الوصف الذي هو الحصر، ولهذا بادروا إلى السؤال، ومبادرتهم للسؤال مع وجود الكلام الذي يشعر بالأهمية ويجعلهم يستعدون ويحرصون على معرفة المواطن أو الجهات التي تكون النصيحة فيها، فأجابهم النبي الكريم عليه أفضل الصلاة والتسليم بالجواب، وأنها لله ولكتابه ولرسوله ولأئمة المسلمين وعامتهم، وهي في الحقيقة نصح للإنسان نفسه؛ لأن كونه يحافظ على النصيحة ويأتي بما هو مطلوب منه في هذه الأمور الخمسة فمعنى ذلك أن النصح إنما هو راجع لنفسه؛ لأنه إذا نصح لله وللرسول صلى الله عليه وسلم وللكتاب، ولأئمة المسلمين وعامتهم، فهذا العمل إنما وترجع فائدته على نفسه، حيث أتى بما يعود عليها بالخير والسعادة في الدنيا والآخرة.

    معنى النصيحة لله عز وجل

    إن النصيحة لله عز وجل تكون بتوحيد الله عز وجل في ربوبيته وألوهيته وأسمائه وصفاته، والثناء عليه بما يليق بجلاله وعظمته سبحانه وتعالى، وتنزيهه عن كل نقص، وأنه متصف بكل كمال، وكذلك عبادته على وفق ما جاء في كتاب الله وسنة رسوله صلى الله عليه وسلم، وكذلك إثبات ما أثبته لنفسه وأثبته له رسوله صلى الله عليه وسلم من الأسماء والصفات على وجه يليق بكمال الله وجلاله، ثم الامتثال لما جاء عن الله سبحانه وتعالى من الأوامر فتفعل، ومن النواهي فتجتنب، ومن الأخبار فتصدق، وأن تكون عبادة الله عز وجل مطابقة لما جاء بها الرسول الكريم عليه أفضل الصلاة وأتم التسليم، ويدخل في ذلك الإيمان بالله وملائكته وكتبه ورسله واليوم الآخر، وكل ذلك داخل وتابع للإيمان بالله، ويدخل في ذلك أيضاً الشهادتان وكل ما هو مطلوب في الدين، ولهذا كما عرفنا الرسول صلى الله عليه وسلم لما جاء إليه جبريل وسأله عن الإسلام والإيمان والإحسان، فبين النبي صلى الله عليه وسلم ذلك بهذا الجواب الذي أجاب به جبريل قال في آخره: (هذا جبريل أتاكم يعملكم دينكم)، أي: أن هذه الأمور كلها داخلة تحت هذا الدين، وداخلة في مسمى الإيمان بالله سبحانه وتعالى.

    معنى النصيحة لكتاب الله

    إن النصيحة لكتاب الله عز وجل تقوم بتعظيمه وتوقيره واحترامه وتلاوته، وتأمل ما فيه، وتأمل معانيه والاعتبار بما فيه من العبر والعظات، وامتثال أوامره، واجتناب النواهي التي جاءت فيه، وتصديق ما فيه من أخبار، واعتقاد بأنه كلام الله، وأنه منزل منه سبحانه وتعالى، وأنه غير مخلوق، وأن فيه الخير والسعادة لمن أخذ به، وأن من تمسك به ظفر بسعادة الدنيا والآخرة، ومن أعرض عنه خسر الدنيا والآخرة، فكل ذلك متعلق به، وكذلك اعتقاد بأنه معجز وفي غاية الفصاحة والبلاغة، وأن فصحاء العرب الذين هم مشهورون بالفصاحة والبلاغة لم يستطيعوا ولن يستطيعوا أن يأتوا بشيء مثله، وهذا يدل على أنه من عند الله عز وجل جاء به النبي الكريم صلى الله عليه وسلم، وقد كان أمياً لا يقرأ ولا يكتب، وجاء بهذا الكلام المعجز من عند الله عز وجل، وبقيت هذه المعجزة مستمرة والتحدي قائماً.

    ولا يستطيع أحد أن يأتي بمثله، كما قال الله عز وجل: قُلْ لَئِنِ اجْتَمَعَتِ الإِنسُ وَالْجِنُّ عَلَى أَنْ يَأْتُوا بِمِثْلِ هَذَا الْقُرْآنِ لا يَأْتُونَ بِمِثْلِهِ وَلَوْ كَانَ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ ظَهِيرًا [الإسراء:88]، وقد تحدى أهل البلاغة أن يأتوا بمثله فعجزوا، ثم حصل التنزل في التحدي إلى عشر سور فعجزوا، ثم حصل التحدي في التنزل إلى سورة فعجزوا، وأقصر سورة في القرآن هي: قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ [الإخلاص:1] وإِنَّا أَعْطَيْنَاكَ الْكَوْثَرَ [الكوثر:1] ووَالْعَصْرِ [العصر:1]، ولا يستطيع أحد أن يأتي بمثل هذا الكلام بهذا المقدار الذي هو أقصر سورة التي تأتي في سطر أو سطر ونصف.

    وهذه المعجزة ليست كمعجزة الأنبياء السابقين التي هي وقتية والتي لا يشاهدها إلا من كان في زمانهم، مثل: العصا التي قلبت حية تسعى، ما رآها إلا الذين كانوا في زمن موسى وبعد ذلك لا يعرفون عنها إلا أخبارها، وكذلك عيسى وكونه يحصل منه إبراء الأكمه والأبرص ويحيى الموتى بإذن الله، هذا شاهده من شاهده في زمانه، وأما معجزة نبينا محمد عليه الصلاة والسلام التي هي القرآن فهي قائمة ومستمرة، وكان ما اشتمل عليه من فصاحة وبلاغة هو مناط إعجاب أهل الفصاحة والبلاغة، مع شدة عداوتهم للرسول صلى الله عليه وسلم، فهذا جبير بن مطعم النوفلي رضي الله عنه قبل أن يسلم، كان سبب إسلامه أنه سمع النبي صلى الله عليه وسلم وهو في حال كفره يقرأ بسورة الطور وهو يصلي بالناس، فلما جاء عند قول الله عز وجل أَمْ خُلِقُوا مِنْ غَيْرِ شَيْءٍ أَمْ هُمُ الْخَالِقُونَ * أَمْ خَلَقُوا السَّمَوَاتِ وَالأَرْضَ بَل لا يُوقِنُونَ [الطور:35-36]، قال: كاد قلبي أن يطير. يعني: من حسن هذا الكلام وإعجازه، ثم أسلم ودخل في الإسلام رضي الله تعالى عنه وأرضاه.

    معنى النصيحة للرسول صلى الله عليه وسلم

    أما النصيحة للرسول صلى الله عليه وسلم تكون بالإيمان به وتعظيمه وتوقيره، ومحبته محبة تفوق محبة النفس والوالدين والناس أجمعين، كما قال عليه الصلاة والسلام: (لا يؤمن أحدكم حتى أكون أحب إليه من والده وولده والناس أجمعين)؛ وذلك لأن النعمة التي ساقها الله على يديه أعظم من أي نعمة تحصل للإنسان ألا وهي نعمة الهداية على الصراط المستقيم، ودعوتهم إلى ما فيه الخروج من الظلمات إلى النور، فهذه أجل وأعظم النعم التي لا يماثلها نعمة ولا يساويها نعمة، وتكون أيضاً بتصديقه في كل ما يخبر به من أمور غائبة سواء كانت ماضية أو مستقبلة أو موجودة، وكذلك امتثال أوامره واجتناب نواهيه، وكذلك أن تكون عبادة الله عز وجل طبقاً لشريعته عليه الصلاة والسلام فيتابع النبي عليه الصلاة والسلام، كما أنها تكون خالصة لله فتكون أيضاً مطابقة لسنة رسول الله صلى الله عليه وسلم، وهذان هما الشرطان الأساسيان في قبول كل عمل.

    فإذاً: لا بد من تجريد الإخلاص لله وحده، ولا بد من تجريد المتابعة للرسول صلى الله عليه وسلم.

    ولهذا يقول شارح الطحاوية: هنا توحيدان لا بد منهما: توحيد الرسول وتوحيد المرسل، وتوحيد المرسل وهو الله سبحانه وتعالى يقوم بعبادته وإخلاص العبادة له، وتوحيد الرسول بالمتابعة له عليه الصلاة والسلام؛ لأن العمل لا يكون مقبولاً عند الله إلا إذا كان خالصاً لله، وأن يكون المتبع فيه رسوله الكريم عليه الصلاة والسلام، وألا يكون العمل مبنياً على بدع ومحدثات ومنكرات، فإنه إذا كان كذلك يكون مردوداً على صاحبه كما مر في حديث عائشة رضي الله عنها: (من أحدث في أمرنا هذا ما ليس منه فهو رد)، وهذا لفظ متفق عليه كما عرفنا، ولفظ مسلم: (من عمل عملاً ليس عليه أمرنا فهو رد).

    كذلك من النصح لرسوله صلى الله عليه وسلم النصح لسنته ولما جاء به من الحق والهدى، وذلك يكون بتعلمه والتفقه فيه ونشره وإذاعته وهداية الناس إليه، ودعوتهم إليه وتبشيرهم به، كما قال النبي الكريم عليه الصلاة والسلام: (من يرد الله به خيراً يفقهه في الدين)، لأن هذا داخل تحت النصح للرسول صلى الله عليه وسلم، والعمل على كل ما فيه توصيل أصولها إلى الناس سواء عن طريق التدريس أو عن طريق الكتابة، أو غير ذلك من الوسائل التي توصل هذا الحق إلى الناس.

    معنى النصيحة لأئمة المسلمين وعامتهم

    أما النصيحة لأئمة المسلمين وعامتهم فالولاة يكون النصح لهم بالسمع والطاعة لهم بالمعروف، ويكون بدلالتهم على الخير والتعاون معهم على البر والتقوى، وإرشادهم إلى ما ينبغي إرشادهم إليه مما يحصل تنبيههم عليه ولفت أنظارهم إليه، وكذلك الدعاء لهم وترك الخروج عليهم ولو حصل منهم الجور، وكذلك تعليم الناس وتوجيههم إلى السنة الدالة على أنه يجب ويتعين مناصحة الولاة والدعاء لهم، وألا يخرج الإنسان عليهم، وألا يؤلب الناس عليهم، وألا يأتي بالأمور التي تهيج الناس عليهم وتفسد قلوبهم عليهم، وإنما يسعى لجمع القلوب عليهم والدعاء لهم وعدم الدعاء عليهم، وهذه طريقة أهل السنة والجماعة، ولهذا جاء عن الإمام أحمد رحمة الله عليه وعن الفضيل بن عياض رحمه الله أن كلاً منهما قال: لو كان لي دعوة مستجابة لجعلتها في السلطان؛ لأن السلطان إذا صلح يحصل بصلاحه الخير الكثير، وإذا فسد يحصل بفساده الشر الكثير. يعني: يكون بصلاحهم إظهار أمر الدين وإظهار الشرع وقمع أهل الفساد وإقامة حدود الله، وإقامة شرع الله، ويكون الإحسان إلى الناس ووصول الخير لهم، فينبغي أن يدعو لهم المسلم بالصلاح والتوفيق والتسديد، وأن يمكنهم وأن يوفقهم الله عز وجل لكل ما فيه رفعة الإسلام وإعلاء شأن المسلمين، كل هذا من الأمور التي تجب للولاة على الرعية.

    أما النصح لعامة المسلمين وهم الرعية يكون ذلك بإرشادهم وتعليمهم، وأمرهم بالمعروف ونهيهم عن المنكر، ودلالتهم على الخير، وأن يحب الإنسان لهم ما يحب لنفسه، ويكره لهم ما يكره لها، كما قال عليه الصلاة والسلام: (لا يؤمن أحدكم حتى يحب لأخيه ما يحب لنفسه).

    وقال عليه الصلاة والسلام: (من أحب أن يزحزح عن النار ويدخل الجنة فلتأته منيته وهو يؤمن بالله وباليوم الآخر، وليأت إلى الناس الذي يحب أن يؤتى إليه) يعني: أن يعامل الناس بمثل ما يحب أن يعاملوه به، فكما أنه يحب أن يعامل معاملة طيبة عليه أن يعامل الناس معاملة طيبة، ويدخل في ذلك تعليمهم وتوجيههم وأمرهم بالمعروف ونهيهم عن المنكر، والحرص على إيصال الخير إليهم، ودفع الأذى عنهم، فيصل إليهم خيره ويندفع عنهم ضرره، فيكون نصيبهم منه الفائدة والمصلحة مع سلامتهم مما يكون فيه من شر.

    1.   

    كلام ابن الصلاح فيما يتعلق بالنصيحة

    ذكر العلماء وفصلوا فيما يتعلق ببيان هذه النصيحة، ولمن تكون هذه النصيحة، ومن أحسن من جمع الكلام في هذه النصيحة كلام لـأبي عمرو بن الصلاح في كتاب له يتعلق بصحيح مسلم ، وقد نقله الحافظ ابن رجب في شرحه لهذا الحديث، فنقرأ كلام أبي عمرو بن الصلاح في ذلك وهو في آخر شرح هذا الحديث.

    قال أبو عمرو بن الصلاح : النصيحة كلمة جامعة تتضمن قيام الناصح للمنصوح له بوجوه الخير إرادة وفعلاً، فالنصيحة لله تعالى توحيده ووصفه بصفات الكمال والجلال، وتنزيهه عما يضادها ويخالفها، وتجنب معاصيه والقيام بطاعته ومحابه بوصف الإخلاص والحب فيه والبغض فيه وجهاد من كفر به تعالى وما ضاهى ذلك، والدعاء إلى ذلك والحث عليه.

    والنصيحة لكتابه الإيمان به وتعظيمه وتنزيهه، وتلاوته حق تلاوته، والوقوف مع أوامره ونواهيه، وتفهم علومه وأمثاله وتدبر آياته والدعاء إليه، وذب تحريف الغالين وطعن الملحدين عنه.

    والنصيحة لرسوله الإيمان به وبما جاء به، وتوقيره وتبجيله والتمسك بطاعته، وإحياء سنته، واستثارة علومها ونشرها، ومعاداة من عاداه وعاداها، وموالاة من والاه ووالاها، والتخلق بأخلاقه والتأدب بآدابه ومحبة آله وصحابته ونحو ذلك.

    والنصيحة لأئمة المسلمين وبمعاونتهم على الحق وطاعتهم فيه وتذكيرهم به، وتنبيههم برفق ولطف، ومجانبة الوثوب عليهم والدعاء لهم بالتوفيق.

    والنصيحة لعامة المسلمين إرشادهم إلى مصالحهم، وتعليمهم أمور دينهم ودنياهم، وستر عوراتهم وسد خلاتهم، ونصرتهم على أعدائهم والذب عنهم، ومجانبة الغش والحسد لهم، وأن يحب لهم ما يحب لنفسه ويكره لهم ما يكرهه لنفسه وما شابه ذلك.

    هذا كلام مختصر وواضح في بيان هذه الأمور الخمسة، والعلماء تكلموا فيها بألفاظ متقاربة كما هو معلوم، كلها ألفاظ وعبارات تدور في شيء واحد وتتعلق بشيء واحد، فاختلفت العبارات والمعنى واحد، ولكن هذا الكلام الذي نقله الحافظ ابن رجب هو من أخصر وأجمع الكلام فيما يتعلق ببيان هذه الأمور الخمسة التي اشتمل عليها حديث أبي رقية تميم بن أوس الداري رضي الله تعالى عنه، وأنا ذكرت في كتاب: قطف الجنى الداني فيما يتعلق بطاعة ولاة الأمور، وقد ذكر ذلك ابن أبي زيد في جملة مسائل العقيدة، فأنا نقلت نقولاً عديدة عن العلماء تتعلق بنصب الولاة وبما يتعلق بالولاة من النصيحة لهم، وأن السنة جاءت بذلك في أحاديث عديدة، ومن بين ذلك هذا الحديث الذي هو حديث أبي رقية تميم بن أوس الداري رضي الله عنه.

    1.   

    الأسئلة

    النصيحة للسنة النبوية

    السؤال: هل يشمل النصح للرسول صلى الله عليه وسلم النصيحة لسنته؟

    الجواب: نعم، نحن قلنا: إن من النصح للرسول صلى الله عليه وسلم النصح لسنته، وذلك بتعظيمها وتعلمها وتعليمها ونشرها ودعوة الناس إليها، كل هذا داخل تحت النصح للرسول صلى الله عليه وسلم؛ لأن الرسول عليه الصلاة والسلام بعثه الله بالحق والهدى، والعناية بالحق والهدى الذي جاء به هو من النصح له صلى الله عليه وسلم؛ لأن الله تعالى بعثه لإخراج الناس من الظلمات إلى النور، وتبصيرهم بالطرق التي توصل إليه، كما قال الله عز وجل: وَأَنَّ هَذَا صِرَاطِي مُسْتَقِيمًا فَاتَّبِعُوهُ وَلا تَتَّبِعُوا السُّبُلَ فَتَفَرَّقَ بِكُمْ عَنْ سَبِيلِهِ ذَلِكُمْ وَصَّاكُمْ بِهِ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ [الأنعام:153].

    فمن النصح له النصح لسنته، وسنته هي الأحاديث والآثار المروية عنه عليه الصلاة والسلام، فهي التي يجب تعظيمه فيها ويجب الحرص عليها وإشاعتها، وحث الناس على تعلمها وتعليمها والتفقه فيها والعمل بها؛ لأن هذا هو المقصود من الرسالة، يعني: المقصود من الرسالة العلم والعمل، كون الإنسان يعلم الحق ويعمل به، كما قال الله عز وجل: وَالْعَصْرِ * إِنَّ الإِنسَانَ لَفِي خُسْرٍ * إِلَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ وَتَوَاصَوْا بِالْحَقِّ وَتَوَاصَوْا بِالصَّبْرِ [العصر:1-3].

    حكم التكني بالأنثى

    السؤال: هل في حديث أبي رقية (الدين النصيحة) دليل على من ينكر التكنية بالأنثى؟

    الجواب: معلوم أن التكني إنما يكون بالأكبر من الأولاد، كما جاء في حديث أبي شريح الذي كان يكنى بـأبي الحكم ، فقال له صلى الله عليه وسلم: (هل لك من ولد؟ قال: نعم، فقال: من هم؟! قال: فلان وفلان وشريح قال من أكبرهم؟ قال: شريح ، قال: أنت أبو شريح)، فكناه بالأكبر، لكن إذا كان الإنسان ليس عنده ذكور وكنى نفسه ببنت من بناته ليس في ذلك مانع، لكن كونه يتكنى بأنثى ويترك الأولاد هذا فيه محذور؛ لأن الرسول صلى الله عليه وسلم أرشده إلى أن يتكنى بالذكور وبأكبر الذكور، وقد يتكنى الإنسان قبل أن يولد له.

    فالحاصل أنه في الأصل لا محذور فيه، وإنما المحذور أن يترك البنين ويتكنى بالإناث.

    وجه دخول العلماء والأمراء في النصيحة لأئمة المسلمين

    السؤال: ألا يمكن تفسير: (أئمة المسلمين) في الحديث كما فسر في الآية: أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُوْلِي الأَمْرِ مِنْكُمْ [النساء:59]، فيدخل فيهم العلماء والأمراء؟

    الجواب: لقد ذكر ذلك ابن كثير في تفسيره أن من العلماء من فسر ولاة الأمر بالعلماء والأمراء، ومنهم من فسرها بالعلماء فقط، ومنهم من فسرها بالأمراء فقط، ولاشك أن العلماء ولاة الأمر والمرجع فيما يتعلق بأمور الدين وبيان أحكامه، وأما ولاة الأمر الذين هم الأمراء فهم المناط بهم التنفيذ والتطبيق للأحكام، ولهذا يسمع لهم ويطاعوا في حدود المعروف، وأما العلماء فإنهم المرجع في بيان أحكام الشرع وفيما يتعبد الله عز وجل به، والله تعالى يقول: فَاسْأَلُوا أَهْلَ الذِّكْرِ إِنْ كُنتُمْ لا تَعْلَمُونَ [الأنبياء:7]، الذين هم العلماء، وكما قال النبي صلى الله عليه وسلم: (وإن العلماء ورثة الأنبياء، وإن الأنبياء لم يورثوا ديناراً، وإنما ورثوا العلم، فمن أخذ به أخذ بحظ وافر)، ولهذا الرسول صلى الله عليه وسلم يورث عنه العلم ولا يورث عنه المال، والموفق هو الذي يحرص على أن يكون له نصيب من هذا الميراث الذي هو العلم النافع، وهذا من أعظم الشرف الذي يحصل للعلماء أن يحصل لهم هذا الوصف، وأنهم وارثو الرسول صلى الله عليه وسلم؛ لأن الرسول صلى الله عليه وسلم بعثه الله بالحق والهدى، وهذا الميراث هو الحق والهدى.

    فحديث أبي الدرداء المشتمل على خمس جمل كلها تدل على فضل العلم، وآخرها هذه الجملة، وقد شرحها ابن رجب رحمه الله في جزء لطيف، وابن رجب رحمه الله له أجزاء حديثية يتكلم فيها على حديث معين في جزء، فيذكر ما فيه من الآثار، وهذه طريقة ابن رجب في شرح الحديث أنه يعنى بالآثار كما في كتاب (جامع العلوم والحكم في شرح خمسين حديثاً من جوامع الكلم) فإنه اعتنى بالآثار رحمة الله عليه، وقد شرح حديث أبي الدرداء هذا الذي فيه: (من سلك طريقاً يلتمس فيه علماً سهل الله له به طريقاً إلى الجنة، وإن العالم ليستغفر له من في السماوات والأرض حتى الحيتان في الماء، وإن فضل العالم على العابد كفضل القمر على سائر الكواكب، وإن الملائكة لتضع أجنحتها لطالب العلم رضاً بما يصنع، وإن العلماء هم ورثة الأنبياء، وإن الأنبياء لم يورثوا ديناراً ولا درهماً، وإنما ورثوا العلم، فمن أخذ به أخذ بحظ وافر)، ولهذا فإن سائر الناس الذين هم غير الأنبياء يجمعون المال ويرثه عنهم أقرباؤهم، وأما الرسل والأنبياء فإنهم لا يورث عنهم المال بل المال يتركونه صدقة، كما قال عليه الصلاة والسلام: (إنا معاشر الأنبياء لا نورث، ما تركناه صدقة) ولكن ميراثهم العلم النافع، كما جاء في هذا الحديث: (وإن العلماء ورثة الأنبياء، وإن الأنبياء لم يورثوا ديناراً ولا درهماً)، فالأنبياء إنما جاءوا بالحق والهدى، فميراثهم مبذول لكل من أراده وليس لأحد دون أحد، فمن أراد نصيبه من هذا الميراث فالباب مفتوح، لا يحول بينه وبينه شيء، وإنما يعزم ويتوكل على الله ويقبل ويجد ويجتهد، والميراث أمانة.

    كيفية النصيحة لولاة الأمر إذا كان المراد بهم العلماء

    السؤال: كيف تكون النصيحة لولاة الأمر إذا كان المراد بهم العلماء؟

    الجواب: النصيحة للعلماء تكون بمحبتهم والدعاء لهم وتوقيرهم، والاستفادة من علمهم، والرجوع إليهم في أمور الدين، وعدم الولوغ في أعراضهم؛ لأن الولوغ في أعراضهم ليس كالولوغ في أعراض سائر الناس، كما قال ابن عساكر : إن لحوم العلماء مسمومة. يعني: أن الإنسان الذي يقع فيهم إنما يقع في الهلاك وما فيه الضرر، فتوقيرهم واحترامهم والرجوع إليهم وإرشاد الناس إلى الاستفادة من علمهم، وعدم قطع الطريق التي توصل إلى الاستفادة منهم، كل ذلك من النصيحة لعلماء المسلمين.

    معنى كلام ابن رجب في النصيحة لرسول الله

    السؤال: يقول ابن رجب في النصيحة للرسول صلى الله عليه وسلم: وحب من كان منه بسبيل من قرابة أو صهر أو هجرة أو نصرة أو صحبة ساعة من ليل أو نهار على الإسلام والتشبه به في زيه ولباسه؟

    الجواب: كما هو معلوم فيما يتعلق باللباس الأمر فيه واسع، والرسول صلى الله عليه وسلم كان يلبس الألبسة المختلفة، فيلبس القميص ويلبس الإزار ويلبس الرداء، والأمر في ذلك واسع.

    حكم النصيحة للمبتدع

    السؤال: ما حكم النصيحة للمبتدع؟

    الجواب: النصح لمن أخطأ سواء في اعتقاد أو عمل مطلوب، وذلك ببيان خطئه فيما يتعلق بالعقيدة والنصح له وتوجيهه وإرشاده، وبيان الحق الذي هو خلاف ما هو عليه، وحثه على الالتزام والرجوع إلى الحق، وعدم التمادي في الباطل، فهذه هي النصيحة التي تكون للمبتدع إذا كان يرجى رجوعه، أما إذا كان من الموغلين في البدع، ومن المحاربين للسنة والجماعة والمناوئين لهم، بل يكفرون من يكون عليها ويعتبرون أنه ليس على حق، فهؤلاء الواجب المباعدة منهم وعدم مخالطتهم، وبغضهم من أعظم ما يتقرب به إلى الله عز وجل، مثل بعض فرق الضلال الذين يحصل منهم النيل من السنة وأهلها؛ لأنها تتلقى العلم على وجه يختلف عن تلقيها الذي يكون من أهل السنة، بل يكون لتلقيها شيء آخر لا يتفق مع أهل السنة ولا علاقة له بالسنة، فمثل هؤلاء الواجب الحذر منهم والبعد عنهم، وبيان شدة ما هم عليه من الخطأ حتى يحذرهم الناس ولا يغترون بهم.

    ردود العلماء على أهل الأهواء والبدع من النصح لعامة المسلمين

    السؤال: هل يدخل في النصح لعامة المسلمين ردود العلماء على أهل الأهواء والبدع والتحذير من مناهجهم؟

    الجواب: نعم، يدخل من النصح للمسلمين بيان البدع والرد على أهلها، ولكنه إذا كان الخطأ من أهل السنة، فإنه يجب أن يختلف الرد عن المحاربين للسنة والمناوئين لها، فيكون برفق ولين وحرص على هداية ذلك المردود عليه، وشفقة عليه، مع رغبة وحرص على أن يستفيد وأن يرجع، ولكن لا ينصرف الإنسان عن كل ما ينبغي أن يكون عليه، إلى أن يكون شغله الشاغل ذلك المردود عليه، فالإنسان يرد وينتهي ويشتغل بالعلم وتعلمه ونشره والتأليف فيه ودعوة الناس إليه، أما الانشغال بمتابعة المردود عليه فهذا لا يعود على ذلك الذي أشغل نفسه بالخير، ولا يعود أيضاً على غيره بالخير، بحيث يشغل نفسه بعمل يعود عليه وعلى المسلمين بالنفع العظيم والعميم.

    الدين النصيحة من جوامع الكلم

    السؤال: هل من الممكن أن يقال: الدين النصيحة كقوله: الدعاء هو العبادة؟

    الجواب: نعم هذا من جنس قول: الدعاء هو العبادة يعني: هذا من الكلمات الجامعة مثل قوله صلى الله عليه وسلم: (الحج عرفة) ومعناه: أن هذا الدعاء يدل على عظم شأنه بالعبادة وكأنه هو العبادة، مع أن العبادة لها أشياء أخرى غير الدعاء.

    العلاقة بين المعنى اللغوي والشرعي لكلمة النصيحة

    السؤال: ما العلاقة بين المعنى اللغوي والمعنى الشرعي لكلمة (النصيحة)؟

    الجواب: معلوم أن المعنى اللغوي مأخوذ من تخليص العسل من الشوائب بحيث يكون خالصاً مصفى، والنصيحة هي السعي للخير إلى المنصوح ودفع الضرر عنه، فيما إذا كان يتعلق مثلاً بأئمة المسلمين وعامتهم، ففيه تصفية الشخص المنصوح وتخليصه لأن يكون على سداد وهدى، وأن يكون سليماً من الشوائب ومن الأشياء التي هي مخالفة للصواب.

    كذلك المعنى الثاني: مأخوذ من النصح وهو الخياطة، وذلك أن المنصحة يكون فيها لم شتات الثوب والشقوق إلى بعضها حتى يكون الثوب مستقيماً، فكذلك النصح للإنسان والنصح للغير يكون بتسديده وبالعمل على إصلاح الخلل الذي حصل منه، وذلك بحصول السداد والاستقامة فيه، والتطابق بين المعنى اللغوي والمعنى الشرعي واضح وجلي.

    حكم نصح الذمي

    السؤال: يقول ابن رجب في آخر شرحه: وقال الإمام أحمد رحمه الله: ليس على المسلم نصح الذمي وعليه نصح المسلم، هل هذا على عمومه؟

    الجواب: لا، ليس على عمومه، بل نصح الذمي يكون بدعوته إلى الإسلام وترغيبه فيه، وبيان محاسنه، والحرص على هدايته، وأن يخرج من الظلمات إلى النور، وكذلك أيضاً يكون بعدم الغش له، لا يغشه كما أنه لا يغش المسلم، وفي قيام المسلمين بالمعاملة الطيبة التي جاء بها الإسلام وهي الدعوة إلى الإسلام بالأفعال، ومن المعلوم أن الدعوة إلى الإسلام تكون بالأقوال والأفعال، وهي القدوة الحسنة والمعاملة الطيبة، وقد يحصل بكون الإنسان يدعو بفعله ويقصد بمعاملته ما يحصل من وراء ذلك من الانتفاع؛ ليكون ذلك سبباً في قبول من يدعوه ويرشده ويبصره، فالنصيحة تكون للمسلمين والكفار، ومن النصح للكفار دعوتهم إلى الإسلام.

    كيفية النصيحة للإمام

    السؤال: كيف تكون النصيحة للإمام خصوصاً إذا كانت امرأة، هل لا بد من طاعتها، مع أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (لن يفلح قوم ولوا أمرهم امرأة).

    الجواب: المتسلط ولو كان كافراً ليس أمام الناس إلا أن يسمعوا ويطيعوا فيما هو معروف، ومن ليس أهلاً للإمامة والولاية إذا أمكن التخلص منه بعدم ارتكاب مضرة أكبر فإن هذا مطلوب، فالكافر إذا تسلط على المسلمين وأمكنهم التخلص منه بأن لا يحصل ضرر أكبر من القيام للتخلص منه فإن ذلك مطلوب؛ لأن الحاكم المسلم لا يجوز الخروج عليه، والكافر إذا تسلط والحاكم المسلم إذا ارتد فإنه يجوز الخروج عليه، لكن لا يجوز الخروج إذا كانوا جماعة قليلين لا يؤبه لهم ولا يستطيعون التخلص من ذلك الوالي، فإن هذا ليس من المصلحة؛ لأن نتيجته راجعة على الخارجين ويبقى الكافر في مكانه، وكذلك المرأة ليست أهلاً للولاية ولا يصلح أن تكون للولاية، وقد أجمع المسلمون على أنه لا يجوز أن تتولى المرأة الولاية، بل من شرط الوالي أن يكون ذكراً ولا يجوز أن يكون أنثى، وكما هو معلوم أن الوالي له أمور لا يمكن للأنثى أن تقوم بها، الوالي هو الذي يصلي بالناس إذا حضر، والمرأة تقف بآخر الصفوف لا تكون إمامة، والمرأة تحتاج إلى محرم إذا أرادت أن تسافر، هكذا الحكم الشرعي، المرأة لا يخلو بها الرجل، ولا تجلس امرأة مع رجل إلا كان الشيطان ثالثهما، ولما ولى الفرس امرأة بعد موت كسرى وبلغ ذلك النبي عليه الصلاة والسلام، قال: (لن يفلح قوم ولوا أمرهم امرأة)، فالمرأة ليست من أهل الولاية، ولكنها إذا تسلطت فهي أهون من الكافر، والتخلص منها مطلوب لكن بشرط ألا يحصل بالعمل على التخلص منها مضرة أكبر، والكافر نفسه يعامل بهذه المعاملة وكذلك المرأة.

    حكم نقل النساء مسافة قصر دون محرم وحكم الجمع في هذا السفر

    السؤال: أنا أقوم بإيصال مدرسات من المدينة إلى السويرقية والمسافة قرابة مائتين وعشرة كيلو متر، فهل يجوز لي جمع الظهر مع العصر طيلة الفترة التي أعمل بها ؟

    الجواب: كان ينبغي له أن يسأل عن حكم إيصال المعلمات قبل أن يسأل عن الجمع، فكأن الحكم عنده مسلم به، وإنما السؤال عن الجمع، فنقول: أولاً هذا العمل الذي يعمله لا يجوز له أن يفعل ذلك؛ لقوله صلى الله عليه وسلم: (لا يحل لامرأة تؤمن بالله واليوم الآخر أن تسافر إلا مع ذي محرم).

    هذا هو الحكم الشرعي بالنسبة لهذا، وأما فيما يتعلق بالجمع فكثيراً ما يسأل عن هذا، فكثير من الناس تجده يصل إلى المدينة قبل العصر بمدة، ولكنه يجمع من أجل أن يصل لينام، والمؤذن يقول: حي على الصلاة، حي على الفلاح وهو نائم، فهذا لا ينبغي ولا يصلح، إلا إذا كان الإنسان يعلم أنه لا يصل إلا بعد أن تفوته الصلاة أو بعد أن يصلي الناس فليجمع، وأما إذا كان يعلم أنه سيأتي قبل ذلك بمدة ولكنه يريد أن يجمع من أجل أن ينام، فليس له ذلك، وإنما يصلي تلك الصلاة في وقتها، ويصلي العصر في وقتها مع الناس، ما دام أنه يصل بعد الظهر وقبل العصر.

    كلام ابن تيمية في امتحان الناس بيزيد بن معاوية

    السؤال: نريد ذكر المرجع من كلام شيخ الإسلام ابن تيمية في امتحان الناس بـيزيد بن معاوية ؟

    الجواب: نعم، هذا الكلام لشيخ الإسلام ابن تيمية في الجزء الثالث من مجموع الفتاوى صفحة (413)، وهو كلام جيد، وأنا قد أحضرته حتى يقرأ بلفظه.

    قال شيخ الإسلام ابن تيمية في كلام له عن يزيد بن معاوية : والصواب هو ما عليه الأئمة من أنه لا يخص بمحبة ولا يلعن، ومع هذا فإن كان فاسقاً أو ظالماً فالله يغفر للفاسق والظالم، لاسيما إذا أتى بحسنات عظيمة وقد روى البخاري في صحيحه عن ابن عمر رضي الله عنهما أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (أول جيش يغزو القسطنطينية مغفور له)، وأول جيش غزاها كان أميرهم يزيد بن معاوية وكان معه أبو أيوب الأنصاري رضي الله عنه، فالواجب الاقتصاد في ذلك.

    هنا قال: الاقتصاد، وفي الأصل الاقتصار، لكن الذي يبدو أنه الاقتصاد، وهو التوسط والاعتدال؛ لأنه قال قبل ذلك: لا يخص بمحبة ولا يلعن، يعني: لا في جانب المدح ولا في جانب الذم، وإنما يعتدل ويتوسط في ذلك.

    ثم قال: فالواجب الاقتصاد في ذلك والإعراض عن ذكر يزيد بن معاوية وامتحان الناس به، فإن هذا من البدع المخالفة لأهل السنة والجماعة.

    وقال: في الجزء الثالث صفحة (415): وكذلك التفريق بين الأمة وامتحانها بما لم يأمر الله به ولا رسوله صلى الله عليه وسلم.

    هذا هو كلام شيخ الإسلام الذي في المجموع.

    حكم الدعاء للحكام الذين لا يحكمون بشريعة الله

    السؤال: الحكام الذين لا يحكمون بشريعة الله تعالى، هل يدعى لهم ويوقرون ويحترمون وينصح لهم، أم أنهم كفار يدعى عليهم ويبغضون؟

    الجواب: إذا كانوا يحكمون بالقوانين الوضعية معتبرين أنها أولى وأحسن من الشريعة الإسلامية، أو أن الشريعة الإسلامية لا تصلح لهذا الزمان، أو أن أحكامها لا تناسب الحضارة المزعومة في هذا العصر، وأن الشريعة إنما صلحت في زمان متقدم وأما الأزمنة المتأخرة هذه لا تصلح فيها الشريعة، فهذه ردة وكفر بالله عز وجل وخروج من الدين، وأما إذا كان الحكم بغير ما أنزل الله مبنياً على احترام الشريعة وتوقيرها، وكون الإنسان يعلم بأنه مخطئ، وأنه يحب أن يطبق الشريعة أو يسعى إلى أن يطبقها فهذا كفر دون كفر، وعلى كل حال: فالدعاء يكون للجميع بالهداية.

    حكم النصيحة علانية

    السؤال: متى تكون النصيحة علانية؟

    الجواب: النصيحة في الأصل تكون سرية؛ لأن الإنسان هو نفسه لا يحب أن ينصح علانية، ولكن إذا حصل أمر فيه مخالفة للسنة وظهر وصارت المصلحة في إظهاره فإنه يكون علانية، مثل ما حصل من أبي سعيد الخدري مع مروان لما جاء يوم العيد وقدم الخطبة على الصلاة وصعد المنبر، وكان أبو سعيد يظن أنه قد نسي أو غفل؛ لأن العيد كما هو معلوم لا يأتي في السنة إلا مرتين، فقد يغفل الإنسان عن أيهما يقدم، فظن أنه نسي أو كذا فسحبه؛ فعلم أنه متعمد فتركه وجلس ولم ينصرف، قال الحافظ ابن حجر في شرحه في فتح الباري قال: وفي هذا دليل على أن العمل إذا حصل غير موافق للسنة فإنه يمكن للإنسان أن يبقى وألا يترك، لأنه ليس بواجب، ولهذا بقي ولم يخرج من المكان ويترك الصلاة، فهذا دليل على أن مثل ذلك أنه إذا بذلت ووجهت النصيحة فالإنسان لا يترك ذلك الشيء الذي هو مشروع؛ بسبب أنه حصل فيه أمر مخالف للسنة.

    حكم مناصحة ولاة الأمر على المنابر والجرائد والمجلات

    السؤال: هل تجوز مناصحة ولاة الأمر على المنابر أو الجرائد والمجلات وغيرها من المحافل العامة، حيث يستدل بعض الناس بفعل العز بن عبد السلام وكذلك فعل ابن تيمية مع جنكيز خان أو نائبه؟

    الجواب: أولاً كل إنسان يعرف من نفسه أنه لا يحب أن ينصح علانية، والحافظ ابن رجب ذكر في آخر الكلام عن هذا الحديث، قال: كان السلف إذا أرادوا نصيحة أحد وعظوه سراً حتى قال بعضهم: من وعظ أخاه فيما بينه وبينه فهي نصيحة، ومن وعظه على رءوس الناس فإنما وبخه، وقال الفضيل : المؤمن يستر وينصح، والفاجر يهتك ويعير.

    ويوضح هذا تماماً كون الإنسان ينظر إلى نفسه ويقيس الناس على نفسه، وأنه يحب أن يعامله الناس معاملة طيبة، فإذا كان هذا الإنسان الذي ينصح على المنابر إذا حصل منه خطأ لا يحب أن يتكلم عليه في حضرة الناس.

    إذاً: فهو يعامل الناس مثل ما يحب أن يعاملوه به، والرسول صلى الله عليه وسلم قال: (من أحب أن يزحزح عن النار ويدخل الجنة فلتأته منيته وهو يؤمن بالله واليوم الآخر، وليأت إلى الناس الذي يحب أن يؤتى إليه)، لا يكون شأنه مثل المطففين الذين إذا اكتالوا على الناس يستوفون وإذا كالوهم أو وزنوهم يخسرون.

    إذا كان الحق له يريد أن يصل إليه كاملاً، وإذا كان لغيره لا يعطيه إياه كما يحب أن يعطى هو، وكذلك الحديث الذي فيه: (إن الله ينهاكم عن ثلاث: عن عقوق الأمهات، ووأد البنات، ومنع وهات)، (منع وهات) يعني: يريد الشيء لنفسه ولكن لا يريد أن يعطيه لغيره.

    فإذاً: النصح بهذه الطريقة لا يأتي بخير وإنما يأتي بشر، كما أن الإنسان نفسه لو أنه نصح على المنبر ما استفاد من هذه النصيحة بل عمل كل ما يمكنه في إدخال الأذى إلى هذا الناصح الذي فضحه على المنبر.

    وصلى الله وسلم على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.