إسلام ويب

شرح الأربعين النووية [5]للشيخ : عبد المحسن العباد

  •  التفريغ النصي الكامل
  • من أركان الإيمان وأصوله: الإيمان باليوم الآخر، وهو شامل لكل غيب بعد الموت، فيدخل فيه الإيمان بالبرزخ، والإيمان بأحداث البعث والنشور، والإيمان بالعرض على الله تعالى، والإيمان بالحساب، والإيمان بالميزان، وبالصحف، وبالجزاء بالجنة أو النار. ومن أركان الإيمان: الإيمان بالقدر، وهو أن يسلم العبد ويوقن بأن كل شيء خلقه الله تعالى بقدر.

    1.   

    الإيمان باليوم الآخر

    الجمع في القرآن والسنة بين الإيمان بالله والإيمان باليوم الآخر

    الإيمان باليوم الآخر هو أحد الأصول الستة التي جاءت في حديث جبريل، ويأتي في القرآن والسنة الجمع بين الإيمان بالله والإيمان باليوم الآخر، وذلك لأن الإيمان بالله هو الأصل الذي تنبني عليه كل الأصول، والإتيان بالإيمان باليوم الآخر مع الإيمان بالله للتنبيه على الجزاء، وعلى ما يلقاه الإنسان في الدار الآخرة من الثواب والعقاب، ويأتي في الترغيب والترهيب الجمع بينهما، ويكون المقصود من ذلك في مجال الترغيب العمل بالأمور المشروعة من أجل أن يحصل الإنسان على الثواب، والمقصود من ذلك في الترهيب أن يحذر الإنسان من الوقوع في الأمور المحرمة؛ لئلا يحصل له العقاب.

    ومما جاء في القرآن من الجمع بينهما قول الله عز وجل: يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُوْلِي الأَمْرِ مِنْكُمْ فَإِنْ تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّهِ وَالرَّسُولِ إِنْ كُنتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ [النساء:59]

    وهذا في الترغيب؛ لأنه يتعلق بالرد إلى الله تعالى ورسوله صلى الله عليه وسلم.

    وجاء في سورة الطلاق: ذَلِكُمْ يُوعَظُ بِهِ مَنْ كَانَ يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ [الطلاق:2].

    وأما في السنة فقد جاء ذلك في قول الرسول صلى الله عليه وسلم: (لا يحل لامرأة تؤمن بالله واليوم الآخر أن تسافر إلا مع ذي محرم) وكذلك جاء في الحديث الآخر: (من كان يؤمن بالله واليوم الآخر فليكرم ضيفه، ومن كان يؤمن بالله واليوم الآخر فلا يؤذ جاره، ومن كان يؤمن بالله واليوم الآخر فليقل خيراً أو ليصمت)، وهذا الحديث من أحاديث الأربعين النووية كما سيأتي، وهو من حديث أبي هريرة ، وكل جملة فيه فيها الجمع بين الإيمان بالله واليوم الآخر، وذلك إما ترغيباً في فعل الخير ليحصل الأجر، وإما ترهيباً من فعل الشر حتى يسلم من الوزر.

    إذاً: فالجمع بين الإيمان بالله واليوم الآخر من أجل التنبيه على الاستعداد لذلك اليوم، فيقدَّم الإنسان الأعمال الصالحة، ويحذر من أن يقع في المحرمات؛ ليحصَّل له الثواب في الدار الآخرة وليسلم من العقاب فيها أيضاً.

    ويأتي في القرآن -أيضاً- الجمع بين أكثر من أصلين، وذلك بأن يذكر الإيمان بالله، وملائكته، وكتبه، ورسله، واليوم الآخر، وذلك كما في قوله: لَيْسَ الْبِرَّ أَنْ تُوَلُّوا وُجُوهَكُمْ قِبَلَ الْمَشْرِقِ وَالْمَغْرِبِ وَلَكِنَّ الْبِرَّ مَنْ آمَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ وَالْمَلائِكَةِ وَالْكِتَابِ وَالنَّبِيِّينَ [البقرة:177]، فقد اشتملت الآية على خمسة أصول من أصول الإيمان.

    والمقصود بالكتاب الكتب، و(أل) فيه لاستغراق الجنس، وليست للأفراد، ثم إن هذه الخمسة جاءت في سورة النساء في قوله تعالى: يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا آمِنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ وَالْكِتَابِ الَّذِي نَزَّلَ عَلَى رَسُولِهِ وَالْكِتَابِ الَّذِي أَنزَلَ مِنْ قَبْلُ وَمَنْ يَكْفُرْ بِاللَّهِ وَمَلائِكَتِهِ وَكُتُبِهِ وَرُسُلِهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ فَقَدْ ضَلَّ ضَلالاً بَعِيداً [النساء:136].

    وجاء ذكر هذه الخمسة في آخر سورة البقرة في قول الله عز وجل: آمَنَ الرَّسُولُ بِمَا أُنزِلَ إِلَيْهِ مِنْ رَبِّهِ وَالْمُؤْمِنُونَ كُلٌّ آمَنَ بِاللَّهِ وَمَلائِكَتِهِ وَكُتُبِهِ وَرُسُلِهِ لا نُفَرِّقُ بَيْنَ أَحَدٍ مِنْ رُسُلِهِ وَقَالُوا سَمِعْنَا وَأَطَعْنَا غُفْرَانَكَ رَبَّنَا وَإِلَيْكَ الْمَصِيرُ [البقرة:285]، والخامس أشار إليه بقوله: وَإِلَيْكَ الْمَصِيرُ ، والمقصود من ذلك هو اليوم الآخر.

    فجاءت هذه الأصول الخمسة في هذه الآيات الثلاث مجتمعة: في البقرة في آيتين، وفي النساء في آية واحدة، وأما الإيمان بالقدر فقد جاء مستقلاً في قول الله عز وجل: إِنَّا كُلَّ شَيْءٍ خَلَقْنَاهُ بِقَدَرٍ [القمر:49]، وقوله: مَا أَصَابَ مِنْ مُصِيبَةٍ فِي الأَرْضِ وَلا فِي أَنْفُسِكُمْ إِلاَّ فِي كِتَابٍ مِنْ قَبْلِ أَنْ نَبْرَأَهَا [الحديد:22].

    وأكثر ما اجتمع من هذه الأصول خمسة، وأقلها اثنان: الإيمان بالله واليوم الآخر، وتلك الأصول الخمسة التي اجتمعت هي ما دون الإيمان بالقدر.

    للإنسان بعد موته داران: دار البرزخ، ودار ما بعد البعث والنشور

    واليوم الآخر هو مقابل الدنيا، والحد الفاصل بين الدنيا والآخرة بالنسبة لكل إنسان هو موته، فإنه إذا مات قامت قيامته، وانتقل من دار العمل إلى دار الجزاء، والذين يكونون في آخر الزمان فإن الساعة تقوم عليهم، فإذا نفخ في الصور النفخة الأولى التي تعقبها نفخة البعث فإن كل من كان حياً يموت، فيتساوى بالموت من مات في أول الدنيا ومن مات في آخرها، فالكل يموتون، وهناك بعد الموت داران: دار البرزخ، ودار ما يكون بعد البعث والنشور، فالإنسان إذا كان موفقاً فهو منعم في قبره وبعد ذلك، وإذا كان على خلاف ذلك فإنه يكون معذباً في قبره وبعد ذلك، وقد يكون نصيبه من العذاب هو ما يكون في قبره.

    وعلى هذا فكل إنسان في هذه الدار هو في سفر إلى الآخرة، وكل يوم يمضي من عمره فإنه يقربه من الأجل والنهاية، فكل إنسان له أجل ينتهي إليه قد قدره الله وقضاه، وإذا جاء الأجل فليس هناك تقدم ولا تأخر، وإنما يكون في الوقت الذي شاءه الله تعالى، وبأي سبب من الأسباب، فإما أن يموت بالغرق، أو بالحرَق، أو بالقتل، أو يموت على فراشه، أو بغير ذلك من الأسباب، وبذلك ينتهي من دار العمل وينتقل إلى دار الآخرة.

    إعداد الزاد للآخرة

    والزاد للآخرة هو تقوى الله عز وجل، كما الله عز وجل: وَتَزَوَّدُوا فَإِنَّ خَيْرَ الزَّادِ التَّقْوَى [البقرة:197]، فكما أن الناس في أسفارهم الدنيوية يحتاجون إلى الزاد فكذلك هم في سفرهم إلى الآخرة، بل هم هنا أشد حاجة إلى الزاد، وقد أورد البخاري في صحيحه عن أمير المؤمنين علي بن أبي طالب رضي الله عنه في كتاب الرقاق أنه قال: (إن الدنيا قد ارتحلت مدبرة، وإن الآخرة قد ارتحلت مقبلة، ولكل منهما بنون، فكونوا من أبناء الآخرة، ولا تكونوا من أبناء الدنيا، فإن اليوم عمل ولا حساب، وغداً حساب ولا عمل)، فما ذهب ومضى من حياة المرء فقد ذهب بما فيه من عمل، وإنما عليه أن يصلح حاله في المستقبل، وأن يتدارك أموره إذا كان عنده تقصير؛ لأن كل يوم يمضي عليه يباعده من الدنيا ويقربه من الآخرة، فهناك أناس يشتغلون بالدنيا ويغفلون عن الآخرة، وهناك أناس يشتغلون بالآخرة ولا تكون الدنيا همهم.

    يقول رضي الله تعالى عنه: (فكونوا من أبناء الآخرة، ولا تكونوا من أبناء الدنيا، فإن اليوم عمل ولا حساب) أي: في الدنيا (وغداً -يعني: بعد الموت- حساب ولا عمل) أي أن الإنسان ليس عليه عمل في الآخرة، وإنما هي دار جزاء، إن عمل خيراً فجزاؤه خير، وإن عمل شراً فجزاؤه شر، كما قال الله عز وجل: فَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ خَيْراً يَرَه * وَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ شَرّاً يَرَه [الزلزلة:7-8].

    وقال في الحديث القدسي: (يا عبادي! إنما هي أعمالكم أحصيها لكم ثم أوفيكم إياها، فمن وجد خيراً فليحمد الله، ومن وجد غير ذلك فلا يلومن إلا نفسه)؛ لأنه هو الذي جنى على نفسه ذلك.

    المداومة على الأعمال الصالحة

    وبما أن الإنسان لا يدري متى يموت فإن الموفق هو من داوم على الأعمال الصالحة، وكان على صلة وثيقة بالله باستمرار، فإذا وافاه الأجل فإنه يكون على حال طيبة، بخلاف الإنسان الذي يهمل ويغفل في بعض الأوقات وينشط في بعض الأوقات، فإنه قد يأتيه الموت في حال الإهمال والتقصير، وأما إذا داوم على العمل ولو كان قليلاً فإنه يعود عليه بالنفع، ولهذا قال عليه الصلاة والسلام (أحب العمل إلى الله ما داوم عليه صاحبه وإن قل)، وكما قال تعالى: يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلا تَمُوتُنَّ إِلاَّ وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ [آل عمران:102] أي: داوموا على الإسلام، وعلى الطاعة، وعلى التقى.

    ويقول صلى الله عليه وسلم في الحديث الذي رواه مسلم في صحيحه من حديث عبد الله بن عمرو بن العاص في الحديث الطويل: (فمن أحب أن يزحزح عن النار ويدخل الجنة فلتأته منيته وهو يؤمن بالله واليوم الآخر، وليأت إلى الناس الذي يحب أن يؤتى إليه) فقوله: (فلتأت منيته وهو يؤمن بالله واليوم الآخر) هو من جنس قوله تعالى: وَلا تَمُوتُنَّ إِلاَّ وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ [آل عمران:102] أي: أن يكون الإنسان مستقيماً وملازماً للتقوى، وقد ذُكر في ترجمة منصور بن زاذان -وهو من رجال الكتب الستة، وكان من الملازمين للعبادة- أنه قال فيه أحد أصحابه أو العارفين به: لو قيل لـمنصور بن زاذان : إن ملك الموت بالباب لما أمكنه أن يزيد شيئاً عن الذي كان يفعله. لأنه ملازم للعبادة، ففي أي وقت يأتيه الأجل فهو على حالة طيبة من ملازمة التقوى والطاعة لله تعالى، فعلى الإنسان أن يكون مستعداً ومتهيئاً في أي لحظة من اللحظات للموت، فإذا فاجأه الموت فإنه يكون على حالة حسنة طيبة.

    وإنّ الإنسان في حال خروج روحه يبشر أو يُخوُّف، فإذا كان من أهل السعادة فإن الملائكة تبشره، ولهذا فإن روحه تخرج بسرعة كما تخرج القطرة من في السقا، وإذا كان بخلاف ذلك وبشر بالعذاب فإن الروح تأبى الخروج من الجسد، فيستخرجونها كما يستخرج السفود من الصوف المبلول، ولهذا جاء في الحديث الذي في صحيح مسلم -وهو أول حديث عند الإمام مسلم في كتاب الزهد- أنه عليه الصلاة والسلام قال: (الدنيا سجن المؤمن، وجنة الكافر)، فالكافر لا يريد أن يخرج من هذه الدنيا؛ لأنه ليس عنده نعيم إلا فيها، فما بعدها إلا العذاب الدائم المستمر، وأما المؤمن فإنه في الدنيا في سجن، أي أنه تحصل له المصائب والنكبات، ومع ذلك فإنه يصبر ويحتسب، ولكنه عندما ينتقل من هذه الدار إلى دار النعيم فكأنه خرج من السجن، فينطلق في نعيم الجنة وخيراتها وما أعده الله له فيها.

    حال الإنسان في قبره والإيمان والتسليم بذلك

    وإذا مات الإنسان ووضع في قبره فإنه يأتيه منكر ونكير -وهما ملكان- يسألانه عن ربه ودينه ونبيه، وهذه الأسئلة الثلاثة يمتحن بها الإنسان في قبره، فإذا كان موفقاً أجاب بأن ربه هو الله، وأن دينه هو الإسلام، وأن نبيه هو محمد صلى الله عليه وسلم، وإذا كان بخلاف ذلك فإنه يقول: هاه هاه، سمعت الناس يقولون شيئاً فقلته.

    وهذه الأسئلة التي يسأل عنها العبد في القبر اشتمل عليها كتاب الشيخ محمد بن عبد الوهاب رحمه الله المسمى (الأصول الثلاثة وأدلتها)، وهو كتاب مختصر مفيد، وموضوعه هو هذه الأسئلة الثلاثة التي يسأل عنها العبد في القبر، حيث تكلم عما يتعلق بالإيمان بالله، والإيمان بالرسول صلى الله عليه وسلم، وعما يتعلق بالدين، وهذه الأمور الثلاثة جاءت في الحديث الذي في صحيح مسلم عن العباس بن عبد المطلب أن النبي عليه الصلاة والسلام قال: (ذاق طعم الإيمان من رضي بالله رباً، وبالإسلام ديناً، وبمحمد صلى الله عليه وسلم رسولاً)، وكذلك جاء هذا الدعاء عند الأذان، وجاء -أيضاً- في أذكار الصباح والمساء: (رضيت بالله رباً، وبالإسلام ديناً، وبمحمد صلى الله عليه وسلم رسولاً)، وكتاب (الأصول الثلاثة) كتاب نفيس لا يستغني عنه الخواص ولا العوام، ولا يستغني عنه العامي ولا طالب العلم؛ لأنه يتكلم عن هذه الأسئلة الثلاثة التي يسأل عنها الميت في قبره، وقد تكلم عنها بكلام مختصر ومفيد، فلهذا ينبغي لكل إنسان أن يحرص عليها بنفسه، وأن يدل عليها غيره ليستفيد منها.

    ثم إن من كان مؤمناً -كما جاء في حديث البراء- وأجاب بالجواب السديد فإنه يفتح له باب إلى الجنة، فيأتيه من روحها ونعيمها، وإذا كان بخلاف ذلك فتح له باب إلى النار، فيأتيه من حرها وسمومها، فيكون الإنسان منعماً بنعيم الجنة وهو في قبره، أو معذباً بعذاب النار وهو في قبره.

    وعذاب القبر ونعيمه من أمور الغيب التي يجب التصديق والإيمان بها، فيجب على الإنسان أن يصدق بكل ما أخبر به الصادق المصدوق عليه الصلاة والسلام من أمور غائبة، سواء أكانت ماضية أم مستقبلة أم موجودة لا تشاهَد ولا تعايَن، كالملائكة والجن الذين يكونوا حولنا، وكما في أخبار ما في السموات مما أخبر به الله عز وجل وأخبر به رسوله صلى الله عليه وسلم، فكل ذلك يجب الإيمان به، فالإيمان بعذاب القبر ونعيمه من جملة الإيمان بالغيب الذي مدح الله أهله وأثنى عليهم بقوله: ذَلِكَ الْكِتَابُ لا رَيْبَ فِيهِ هُدًى لِلْمُتَّقِينَ * الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِالْغَيْبِ [البقرة:2-3].

    أصول الإيمان الستة التي نتكلم عليها كلها داخلة في الإيمان بالغيب، فالإيمان بالله من الإيمان بالغيب، والإيمان بالملائكة من الإيمان بالغيب، والإيمان بالرسل من الإيمان بالغيب، والإيمان بالكتب من الإيمان بالغيب، والإيمان باليوم الآخر من الإيمان بالغيب، والإيمان بالقدر من الإيمان بالغيب، وجميع أعمال اليوم الآخر داخلة في الإيمان بالغيب، والحياة في البرزخ تختلف عن الحياة قبل الموت، وعن الحياة بعد البعث، ولهذا فهي برزخ وحد فاصل بين هذا وهذا، فكل ما أخبر الله تعالى به وأخبر به رسوله صلى الله عليه وسلم مما يتعلق بالقبر والدار الآخرة يجب الإيمان به، وقد ذُكر عذاب القبر في القرآن، كما قال الله عز وجل في حق فرعون: النَّارُ يُعْرَضُونَ عَلَيْهَا غُدُوّاً وَعَشِيّاً وَيَوْمَ تَقُومُ السَّاعَةُ أَدْخِلُوا آلَ فِرْعَوْنَ أَشَدَّ الْعَذَابِ [غافر:46].

    وقيام الساعة يطلق على معنيين: أحدهما: نهاية الدنيا التي تقوم عليها الساعة، والثاني: البعث، فإنه يقال له: قيام الساعة. فالمقصود بقيام الساعة في الآية هو البعث، فقوله: النَّارُ يُعْرَضُونَ عَلَيْهَا غُدُوّاً وَعَشِيّاً [غافر:46] أي: في القبور وَيَوْمَ تَقُومُ السَّاعَةُ أَدْخِلُوا آلَ فِرْعَوْنَ أَشَدَّ الْعَذَابِ [غافر:46] أي أنه عندما يكون البعث والنشور بعد ذلك فإنهم ينتقلون من عذاب شديد إلى عذاب أشد، وعلى هذا فمن كان موفقاً فإنه يصل إليه نعيم الجنة من قبره، ومن كان بخلاف ذلك فإنه يصل إليه عذاب النار في قبره، وقد دل على ذلك الكتاب والسنة، فالكتاب كما في هذه الآية التي في شأن آل فرعون، وأما السنة فكما جاء في حديث البراء بن عازب الذي أشرت إليه، وكذلك غيره من الأحاديث الثابتة عن رسول الله صلى الله عليه وسلم.

    الإيمان والتسليم بما يكون في القبر وما بعد ذلك

    ثم إن عذاب القبر -كما هو معلوم- أمر غيبي، فلو فتحنا القبر فإنا لا نجد فيه جنة ولا ناراً، فلا يُنكر ذلك بحجة عدم رؤيته، فأمور الآخرة تختلف عن أمور الدنيا، وأمور البرزخ تختلف عن أمور الدنيا، فقد حجب الله تعالى عنا ذلك، كما حجب عنا -أيضاً- ما يجري في القبور من الأصوات ومن العذاب والصياح، وقد أطلع الله تعالى رسوله صلى الله عليه وسلم على بعض ذلك، فقد قال النبي صلى الله عليه وسلم في الحديث الذي رواه مسلم في صحيحه: (لولا أن لا تدافنوا لدعوت الله أن يسمعكم من عذاب القبر ما أسمع)، والحكمة في ذلك -والله أعلم- أن يتميز من يؤمن بالغيب ممن لا يؤمن به، فلو كانت أمور الآخرة علانية لما تميَّز من يؤمن بالغيب ومن لا يؤمن به، ولهذا ستحصل أمور الآخرة في الآخرة ولا تحصل في الدنيا، فهناك أناس يصدقون بكل خبر، وهناك أناس يقولون: هذا غير معقول. وهذا مثل حال بعض الفرق الضالة التي تقول: إن الجنة والنار ليستا موجودتين؛ لأنهما لو كانتا موجودتين لكان وجودهما عبثاً؛ لأنه لا يستفاد منهما. وهذا كلام باطل؛ لأن الآية أخبرت بأن العذاب حاصل قبل يوم القيامة في عذاب النار نفسه، وأن المنعم يصل إليه النعيم وهو في قبره، فيفتح له باب إلى الجنة، فيأتيه من روحها ونعيمها، فمعنى ذلك أن النعيم والعذاب حاصلان، ومما يبين هذا أن الرسول صلى الله عليه وسلم لما صلى بالناس صلاة الكسوف عُرضت عليه الجنة والنار، فرأى عناقيد العنب متدلية، فمد يده ليتناول عنقوداً ثم ترك، وكان الصحابة رضي الله عنهم وراءه يرون يده تمتد ولا يرون الذي مُدَّت إليه اليد، وعرضت عليه النار فتكأكأ، أي: رجع القهقرى، ولما فرغ من صلاته قالوا: يا رسول الله! رأيناك تقدمت وكأنك تتناول شيئاً، ورأيناك تكأكأت! فقال: (عرضت علي الجنة، ورأيت عناقيد العنب، فأردت أن آخذ عنقوداً ثم تركت، ولو أخذت منه لأكلتم ما بقي من الدنيا) ولكنه ترك ذلك حتى تبقى أمور الآخرة غيباً، وحتى يتميز من يؤمن بالغيب ممن لا يؤمن بذلك، فالصحابة رضي الله عنهم وأرضاهم لم يروا هذا الذي رآه الرسول صلى الله عليه وسلم، كما أسمع الله نبيه ما يجري في القبور، وحجب ذلك عنهم فلم يسمعوه.

    فالله تعالى على كل شيء قدير، وله أن يطلع من شاء من خلقه على ما شاء من غيبه، وأن يحجب ذلك عمن يشاء. وقد نص الشارع في ذكر العذاب على القبر؛ لأن الغالب على الناس أن يقبروا، ومن الناس من لا يقبر، فبعضهم يحترق ولا يبقى لجسمه أثر، ومن الناس من يغرق وتأكله الحيتان، لكن الغالب أن الناس يقبرون، ولهذا جاءت النصوص في الكتاب والسنة على عذاب القبر، فذكر القبر من باب الغالب، فمن لم يقبر وهو مستحق للنعيم فإنه يصل إليه، ومن لم يقبر وهو مستحق للعذاب فإنه يصل إليه العذاب، والله على كل شيء قدير.

    وقد جاء في السنة أن الأنبياء حرم الله على الأرض أن تأكل أجسادهم، فالذين أكلتهم الأرض وصاروا مختلطين بالتراب يصلهم النعيم والعذاب، والذي يحترق ويتفرق في الهواء يصل إليه النعيم والعذاب، فمن كان مستحقاً للنعيم وصل إليه، ومن كان مستحقاً للعذاب وصل إليه.

    وقد يقبر اثنان في قبر واحد ويكون أحدهما في نعيم والثاني في جحيم، وهذا لا يصل إليه نعيم هذا، وهذا لا يصل إليه عذاب الآخر، والله تعالى على كل شيء قدير.

    وهناك في أمور الدنيا من الشواهد ما يوضح هذا المعنى، فقد يكون الاثنان نائمين في مكان واحد، ثم يقومان من النوم وأحدهما مسرور لأنه رأى في منامه أموراً سارة، وأما الثاني فيقوم وهو حزين؛ لأنه رأى الوحوش تلاحقه، أو رأى الحيات تطارده، فيحصل له من البلاء والعذاب ما الله به عليم، ومع ذلك لم يدر أحدهما عن صاحبه شيئاً.

    فأمور الآخرة وأمور البرزخ جهلها من باب أولى، فلا تقاس على أمور الدنيا، وإنما هي أمور مخفية.

    وجاء في الحديث أن الإنسان الكافر عندما يضرب بمرزبة يصرخ صرخة يسمعها كل شيء من الحيوانات إلا الثقلين؛ لأنهما مكلفان، فلذلك أخفى الله عليهم ذلك، والحيوانات نفسها تسمع ما يجري في القبر، فالله تعالى أسمع من شاء من خلقه، وأخفى ذلك عمن شاء من خلقه -وهم المكلفون- حتى يتميز من يؤمن بالغيب ممن لا يؤمن به، وعلى هذا فإن الواجب هو الإيمان بكل ما جاء في القرآن والسنة مما يتعلق باليوم الآخر، ومن ذلك -أيضاً- ما يتعلق بالبرزخ، فالبرزخ تابع لليوم الآخر، فكل ذلك داخل في دار الجزاء، فما بعد الموت كله جزاء، وما قبل الموت كله عمل، كما مر في أثر علي رضي الله عنه (اليوم عمل ولا حساب، وغداً حساب ولا عمل).

    إعادة الأجساد بعد البعث كما كانت في الدنيا

    فإذا نفخ في الصور النفخة الثانية خرج الناس من قبورهم وقد أكلت الأرض ما أكلت منهم، فيعيد الله عز وجل كل الخلق الذين كانوا في الدنيا بأجسادهم وأرواحهم نفسها؛ حتى يحصل لها النعيم أو العذاب في الآخرة، ولا يخلق أجساداً جديدة، بل يعذب أو ينعم نفس تلك الأجساد التي كانت موجودة في الدنيا، ولهذا أخبر الله عز وجل عن ذلك بقوله: قَدْ عَلِمْنَا مَا تَنْقُصُ الأَرْضُ مِنْهُمْ [ق:4] أي: فنحن نعيده، فنستخرج تلك الذرات التي دخلت التراب حتى ترجع كل ذرة إلى مكانها.

    إذاً: فالبعث ليس إعادة أجسام جديدة لم تكن موجودة في الدنيا، بل يعيد نفس الأجسام التي كانت في الدنيا، وقد جاء في القرآن والسنة أدلة تدل على هذا المعنى، وذلك في قصة إبراهيم التي ذكرها الله في القرآن، وذلك حينما طلب أن يريه الله كيف يحيي الموتى، قال الله تعالى: وَإِذْ قَالَ إِبْرَاهِيمُ رَبِّ أَرِنِي كَيْفَ تُحْيِ الْمَوْتَى قَالَ أَوَلَمْ تُؤْمِنْ قَالَ بَلَى وَلَكِنْ لِيَطْمَئِنَّ قَلْبِي قَالَ فَخُذْ أَرْبَعَةً مِنَ الطَّيْرِ فَصُرْهُنَّ إِلَيْكَ ثُمَّ اجْعَلْ عَلَى كُلِّ جَبَلٍ مِنْهُنَّ جُزْءًا ثُمَّ ادْعُهُنَّ يَأْتِينَكَ سَعْيًا [البقرة:260] قيل في معنى ذلك: إنه أخذ أربعة من الطيور فذبحها وقطعها وخلط لحمها حتى صارت كتلة واحدة، ثم قسمها إلى أربعة أقسام، فجعل على كل جبل منهن جزءاً، ثم دعاهن، فانطلقت هذه القطع حتى وقعت كل قطعة في المكان الذي خرجت منه، فعاد الجسم كما كان، فهذه كيفية إحياء الموت، أي أن الأجزاء المتفرقة تعود إلى أماكنها، ومثل ذلك الحديث الذي ذكر فيه أن رجلاً من بني إسرائيل أوصى بنيه فقال: (إذا أنا مت فأحرقوني، ثم ذروا رمادي في البر والبحر، فلئن قدر الله علي ليعذبني عذاباً لا يعذبه أحد من العالمين...) وقد أخبر الرسول صلى الله عليه وسلم بأن الله تعالى أمر البحر بأن يخرج ما فيه، والبر أن يخرج ما فيه، حتى عادت كل ذرة من الذرات إلى مكانها وعاد الجسم كما كان، فهذا هو الخلق الثاني، فالله عز وجل يعيد الخلق الثاني كالخلق الأول، قال الله تعالى: كَمَا بَدَأْنَا أَوَّلَ خَلْقٍ نُعِيدُهُ [الأنبياء:104].

    ولهذا فالناس يخرجون من قبورهم حفاة عراة غرلاً، أي: غير مختونين، فكما كانوا في أول خلقهم غير مختونين فإنهم يكونون في الآخرة غير مختونين، كَمَا بَدَأْنَا أَوَّلَ خَلْقٍ نُعِيدُهُ [الأنبياء:104] حتى القطعة التي قطعت فإنها تعود كما كانت أولاً، وقد قالت عائشة رضي الله عنها (الرجال والنساء ينظر بعضهم إلى بعض! فقال عليه الصلاة والسلام: يا عائشة! الأمر أعظم من ذلك) أي أنهم لا يفكرون في العورات من شدة ما عندهم من الهول والفزع والخوف من الله سبحانه وتعالى، ثم إن هذا الأجزاء التي تجمع وتعود كما كانت هي التي كانت في الدنيا، فهي التي أحسنت وأساءت، فيكون العذاب والنعيم على الروح والجسد جميعاً؛ لأن الإساءة حصلت من مجموع الروح والجسد، والإحسان حصل من مجموع الروح والجسد، فالجزاء يكون لمجموع الروح والجسد، والروح تنعم متصلة بالبدن ومنفصلة عنه، وقد جاء في الحديث أن: (نسمة المؤمن طائر يعلق في الجنة، يأكل من أشجارها وثمارها) فتكون على صورة طير، ولها اتصال بالبدن والجسد، وكل ذلك من الأمور التي لا نعلم كيفيتها، والله عز وجل على كل شيء قدير، ومما يدل على أن هذا الخلق هو الذي كان في الدنيا وأنه ينعم ويعذب ما جاء في القرآن في قوله تعالى: الْيَوْمَ نَخْتِمُ عَلَى أَفْوَاهِهِمْ وَتُكَلِّمُنَا أَيْدِيهِمْ وَتَشْهَدُ أَرْجُلُهُمْ [يس:65] أي: التي كانت في الدنيا. ولو كانت أجساماً جديدة لم يكن عندها شهادة، وإنما تشهد تلك الأجسام التي كانت في الدنيا، وقد جاء في الحديث: (أن الرسول صلى الله عليه وسلم إذا كان يوم العيد غدا من طريق، ورجع من طريق آخر)، وفسر ذلك بعدة تفسيرات، من أوضحها أن يشهد له الطريقان، فالجسم الذي وقع منه هذا المشي وهذا العمل هو الذي تحصل له الشهادة من الأرض، وفسر قوله تعالى: يَوْمَئِذٍ تُحَدِّثُ أَخْبَارَهَا [الزلزلة:4] أنها تشهد على ما حصل على ظهرها من خير وشر.

    إذاً: فهذه الآيات التي فيها أن الله تعالى يختم على الأفواه فتتكلم الأيدي والأرجل بما عمل الإنسان فيها توضيح وبيان أن الذي يكون في الآخرة هو نفس الجسد الذي كان في الدنيا وليس جسداً جديداً، ولذلك لم يستغرب الكفار المنكرون للبعث من وجود خلق جديد، وإنما استنكروا واستغربوا من أن ذلك الجسم المتفرق سيجتمع، ولهذا قال الله عز وجل: بَلْ عَجِبُوا أَنْ جَاءَهُمْ مُنْذِرٌ مِنْهُمْ فَقَالَ الْكَافِرُونَ هَذَا شَيْءٌ عَجِيبٌ * أَئِذَا مِتْنَا وَكُنَّا تُرَاباً ذَلِكَ رَجْعٌ بَعِيدٌ [ق:2-3] أي: كيف يكون هذا؟ فقال الله عز وجل: قَدْ عَلِمْنَا مَا تَنْقُصُ الأَرْضُ مِنْهُمْ [ق:4] أي: فنحن سنعيد هذه الذرات التي اختلط بالتراب ونجمعها، فتعود كما كانت، وهذا هو الذي استبعده الكفار.

    ظهور سؤدد النبي صلى الله عليه وسلم يوم القيامة على جميع الخلق

    وإذا نفخ في الصور النفخة الثانية خرج الناس من قبورهم، وأول قبر ينشق عن صاحبه هو قبر نبينا محمد صلى الله عليه وسلم، وقد ثبت في صحيح مسلم عن النبي صلى الله عليه وسلم -كما في حديث أبي هريرة- أنه قال: (أنا سيد ولد آدم، وأول من ينشق عنه القبر، وأول شافع، وأول مشفع) ثم بعد ذلك يذهب الناس إلى أرض المحشر، فيموج بعضهم في بعض، ويبحثون عن طريق الخلاص من هذا الموقف الشديد، فيقول بعضهم لبعض: اذهبوا إلى آدم أبي البشر، فيأتون إليه ويذكرون صفاته وخصائصه، فيقولون: أنت أبو البشر، خلقك الله بيده، وأسجد لك ملائكته، فاشفع لنا إلى ربك. فيقول: نفسي نفسي، اذهبوا إلى نوح. فيحيلهم إلى نوح، فيذهبون إليه ويقولون له: يا نوح! أنت سماك الله عبداً شكوراً، اشفع لنا إلى ربك. فيقول: نفسي نفسي، اذهبوا إلى إبراهيم. فيأتون إلى إبراهيم فيقول: نفسي نفسي، اذهبوا إلى موسى. فيقول موسى: نفسي نفسي، اذهبوا إلى عيسى. فيقول عيسى: نفسي نفسي، اذهبوا إلى محمد صلى الله عليه وسلم. فيأتون إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فيقول: أنا لها. ثم يتقدم، ويسجد لله عز وجل فيحمده بمحامد يفتح الله تعالى بها عليه، فيقال له: ارفع رأسك، وسل تعطه، واشفع تشفع. فيشفعه الله عز وجل في ذلك الموقف، ويأتي الله لفصل القضاء، ويذهب الناس إلى منازلهم من الجنة والنار بعد الحساب.

    وقد سميت هذه الشفاعة بالمقام المحمود لأنه يحمده عليه الأولون والآخرون من لدن آدم إلى الذين قامت عليهم الساعة، ولهذا جاء في حديث الشفاعة قوله صلى الله عليه وسلم: (أنا سيد ولد آدم يوم القيامة ولا فخر)، ثم ذكر حديث الشفاعة، وأن الناس يموج بعضهم في بعض، فذكر أنه سيد الناس يوم القيامة، مع أنه صلى الله عليه وسلم سيد الناس في الدنيا والآخرة، وذلك أنه في ذلك اليوم يظهر سؤدده على الجميع، ويظهر فضله وإحسانه إلى الجميع، وشفاعته تحصل للجميع.

    فصل الله بين البشر في يوم المحشر

    ثم يأتي الله لفصل القضاء، ثم يكون الحساب، ويكون الميزان فتوزن الأعمال، ثم يذهبون إلى الجنة والنار، والنار تكون قبل الجنة، فالوصول إلى الجنة لا يكون إلا عن طريق النار؛ لأن الجسر منصوب على متن جهنم، والذي يذهب إلى الجنة يمر بهذا الجسر الذي فوق النار، ومن شاء الله عز وجل أن يقع في النار وقع وخطفته الكلاليب التي على جوانبها، ومن وفقه الله عز وجل تجاوز ذلك، والناس يمرون على الصراط على قدر أعمالهم؛ فمنهم من يمر كالبرق، ومنهم من يمر كالريح، ومنهم من يمر كأجاود الخيل، ومنهم من يزحف زحفاً، ودعوى الرسل يومئذٍ: (اللهم! سلم سلم) وهذه الشفاعة فيها دليل على أن من استحق النار يشفع له بأن لا يدخلها، فقولهم: (اللهم! سلم سلم) معناها أن يستحق النار يدعى له أن يسلم منها، فهي شفاعة لمن استحق النار أن يسلم منها، وهذه من أنواع الشفاعة.

    ويقول الله عز وجل: وَإِنْ مِنْكُمْ إِلاَّ وَارِدُهَا [مريم:71] والورود هو المرور على الصراط؛ لأن من مر على الصراط يكون قد ورد النار؛ لأنه مر في سمائها، لكن ذلك يكون بتفاوت السرعة التي بينها رسول الله صلى الله عليه وسلم في الحديث الصحيح الذي ذكرناه سابقاً.

    فيقع في النار من يقع، ومن يتجاوز النار فإنه يكون من أهل الجنة، والذين يتجاوزونها يوقفون على قنطرة بين الجنة والنار، فيقتص من بعضهم لبعض، وهذا الاقتصاص لا يترتب عليه عذاب؛ لأنهم قد تجاوزا النار، وإنما يترتب عليه التفاوت في الدرجات في الجنة، فيؤخذ من هذا لهذا، ومن هذا لهذا، ثم يكون الناس في الجنة على الدرجات التي انتهوا إليها وليس عليهم حقوق للآخرين، فالإيمان باليوم الآخر يدخل تحته كل ما يكون بعد الموت، وما يكون في الموقف، وما يكون في الحساب، وما يكون عند الميزان من وزن الأعمال وتطاير الصحف باليمين والشمال، وكذلك الحوض الذي يكون في عرصات القيامة، فمن يشرب منه شربة لا يظمأ بعدها أبداً، ثم بعد ذلك الذهاب إلى الجنة، والوصول إلى الجنة إنما هو عن طريق النار، فيقع في النار من يقع، ويسلم منها من يسلم، ثم يكون الناس في الجنة أو في النار، ومن دخل الجنة فإنه يبقى فيها أبد الآباد وليس بمخرج منها، كما قال الله عز وجل: وَنَزَعْنَا مَا فِي صُدُورِهِمْ مِنْ غِلٍّ إِخْوَاناً عَلَى سُرُرٍ مُتَقَابِلِينَ * لا يَمَسُّهُمْ فِيهَا نَصَبٌ وَمَا هُمْ مِنْهَا بِمُخْرَجِينَ [الحجر:47-48] فقال تعالى: وَمَا هُمْ مِنْهَا بِمُخْرَجِينَ ، ولم يقل: (خارجين) لأنهم لا يفكرون في الخروج، وإنما الذي يخشى منه أن يُخرجوا، فجاء التعبير وَمَا هُمْ مِنْهَا بِمُخْرَجِينَ ، وأما أهل النار فقد قال الله تعالى عنهم: يُرِيدُونَ أَنْ يَخْرُجُوا مِنْ النَّارِ وَمَا هُمْ بِخَارِجِينَ مِنْهَا [المائدة:37]؛ لأنهم يبغون الخروج، ولكن لا يكون لهم ذلك، وهذا في الكفار، وأما من كان من أهل الإيمان ودخل النار فإنه يعذب فيها على مقدار معصيته، ولكنه لا بد من أن يخرج منها ويدخل الجنة، ولا يبقى في النار إلا الكفار الذين هم أهلها، والذين لا سبيل لهم إلى الخروج منها، ولهذا قال ابن القيم رحمه الله في كتابه (الوابل الطيب): الدور ثلاث: داران باقيتان لا تفنيان ولا تبيدان: دار الطيب المحض، وهي الجنة، ودار الخبث المحض، وهي النار التي فيها الكفار، ودار جمعت بين خبث وطيب، وهي النار التي فيها العصاة وأصحاب الكبائر، فإن هذه يخرج منها من كان فيها ويذهب إلى الجنة، وتبقى ليس فيها أحد من العصاة، وعلى هذا فتكون الجنة باقية إلى غير نهاية، والنار التي فيها الكفار باقية إلى غير نهاية.

    والحاصل أن الإيمان باليوم الآخر يدخل فيه كل ما جاء في كتاب الله وسنة رسوله صلى الله عليه وسلم من أخبار عن هذه الأمور المغيبة، من حين الموت إلى دخول الجنة والنار والبقاء فيهما إلى غير نهاية، فهذا هو الإيمان باليوم الآخر الذي هو أحد أركان الإيمان الستة.

    1.   

    الإيمان بالقدر

    إن الله عز وجل قدر مقادير الخلائق، فالناس يشتغلون في أمر مقدر، وليس عملهم في شيء لم يسبق له تقدير، بل إن كل شيء قد سبق به القضاء والقدر، قال الله عز وجل: إِنَّا كُلَّ شَيْءٍ خَلَقْنَاهُ بِقَدَرٍ [القمر:49]، وقال: مَا أَصَابَ مِنْ مُصِيبَةٍ فِي الأَرْضِ وَلا فِي أَنْفُسِكُمْ إِلاَّ فِي كِتَابٍ مِنْ قَبْلِ أَنْ نَبْرَأَهَا إِنَّ ذَلِكَ عَلَى اللَّهِ يَسِيرٌ [الحديد:22]، وقال عليه الصلاة والسلام: (كل شيء بقدر حتى العجز والكيس) أي: حتى نشاط النشيط وخمول الخامل، وكسل الكسول، فكل شيء مقدر حتى العجز والكيس، وقال الله عز وجل: قُلْ لَنْ يُصِيبَنَا إِلاَّ مَا كَتَبَ اللَّهُ لَنَا [التوبة:51]، وقال عليه الصلاة والسلام في وصيته لـابن عباس (واعلم أن الأمة لو اجتمعوا على أن ينفعوك لم ينفعوك إلا بشيء قد كتبه الله لك، ولو اجتمعوا على أن يضروك لم يضروك إلا بشيء قد كتبه الله عليك، رفعت الأقلام وجفت الصحف)، وهذا الحديث من أحاديث (الأربعين النووية)، وهو الحديث التاسع عشر، وهو وصية النبي صلى الله عليه وسلم لـابن عباس ، فقد سبق القدر بكل ما هو كائن، والصحابة رضي الله عنهم وأرضاهم لما سألوا الرسول صلى الله عليه وسلم عن العمل فأخبرهم أن كل شيء بقدر قالوا: (ألا نتكل على كتابنا وندع العمل؟!) أي: ما دام أنه قد سبق القضاء والقدر، وأن كل سيصير إلى ما قدر له: ألا نتكل على كتابنا؟! فقال صلى الله عليه وسلم: (اعملوا فكل ميسر لما خلق له) أما أهل السعادة فييسرون لعمل أهل السعادة، وأما أهل الشقاوة فييسرون لعمل أهل الشقاوة.

    وقد بيّن الله تعالى طريق الخير من الشر، وأعطى الناس عقولاً يميزون بها بين ما ينفع وما يضر، وأنهم إن سلكوا الطريق الذي فيه السلامة سلموا، وإن سلكوا الطريق الذي فيه الشقاوة فإنهم يشقون، وتكون تلك الشقاوة قد حصلت بمشيئتهم وإرادتهم التابعة لمشيئة الله وإرادته.

    مراتب القدر الأربع

    وكل أمر مقدر لا بد فيه من أمور أربعة: الأول: الإيمان بعلم الله الأزلي الذي لا بداية له، فالله تعالى ليس له بداية، وليس لعلمه بداية، والله تعالى علم كل ما هو كائن، علم الله تعالى ذلك في الأزل قبل أن يخلق اللوح المحفوظ.

    الأمر الثاني: الكتابة في اللوح المحفوظ، فقد خلق الله تعالى اللوح المحفوظ، وخلق القلم فأمره بكتابة كل ما هو كائن إلى يوم القيامة، وقد جرى القلم بكتابة ما هو كائن، وذلك قبل خلق السماوات والأرض بخمسين ألف سنة، يقول الله عز وجل: مَا أَصَابَ مِنْ مُصِيبَةٍ فِي الأَرْضِ وَلا فِي أَنْفُسِكُمْ إِلاَّ فِي كِتَابٍ مِنْ قَبْلِ أَنْ نَبْرَأَهَا [الحديد:22]، قُلْ لَنْ يُصِيبَنَا إِلاَّ مَا كَتَبَ اللَّهُ لَنَا [التوبة:51].

    الأمر الثالث: الإرادة والمشيئة، وهو أن الله عز وجل أراد أن يوجد هذا الذي علمه، فما شاء الله كان، وما لم يشأ لم يكن، فالشيء الذي شاءه الله لا بد من أن يوجد، والشيء الذي لم يشأه الله لا يمكن أن يوجد، ولهذا فعقيدة المسلمين في القدر مبنية على هاتين الكلمتين: ما شاء الله كان وما لم يشأ لم يكن. ولهذا يقول الشاعر:

    ما شئتَ كان وإن لم أشأ وما شئتُ إن لم تشأ لم يكن

    فما شئتَ -يا الله!- كان وإن لم أشأ، وما شئتُ أنا إن لم تشأ لم يكن، فما شاء الله كان، وما لم يشأ لم يكن، ومشيئة الله عز وجل نافذة.

    الأمر الرابع: الخلق والإيجاد طبقاً لما علمه أزلاً، وطبقاً لما كتبه في اللوح المحفوظ ولما شاء الله عز وجل، والله تعالى هو خالق العباد، وخالق أفعال العباد، قال الله عز وجل وَاللَّهُ خَلَقَكُمْ وَمَا تَعْمَلُونَ [الصافات:96]

    إذاً: فلا بد في الإيمان بالقدر أن يؤمن الإنسان بهذه المراتب الأربع، وكل أمر مقدر يكون في هذه الأمور الأربعة، مثاله: وجودنا في مكان معين مجتمعين، فالهيئة التي نكون عليها والكيفية قد سبق بها علم الله عز وجل أزلاً، فقد سبق علمه تعالى بأننا سنجتمع في ذلك الوقت وفي هذا المكان، وكتب الله ذلك في اللوح المحفوظ، وشاء الله أن نجتمع، ثم حصل اجتماعنا وأوجد الله ذلك الذي علمه وكتبه وشاءه، فتجتمع هذه الأمور الأربعة في كل مقدر.

    1.   

    الأسئلة

    الكتب السماوية السابقة ووصفها بالإعجاز

    السؤال: هل توصف الكتب السماوية السابقة بالإعجاز؟

    الجواب: لا توصف بذلك؛ لأن الإعجاز ثبت في حق هذا الكتاب الذي أنزله الله على نبينا محمد صلى الله عليه وسلم، وهو الذي حفظ وصار المعجزة الخالدة للرسول صلى الله عليه وسلم، فرسالته خالدة، ومعجزته خالدة، والتحدي موجود، ولا يستطيع أحد أن يأتي بسورة من مثله، وأما الكتب السابقة فلم يأت شيء يدل على أنها موصوفة بالإعجاز.

    عدد النفخات في الصور

    السؤال: كم عدد النفخات في الصور؟

    الجواب: هي ثلاث نفخات، النفخة الأولى: نفخة الفزع، وهي التي تحصل قبل النفخ في الصور النفخة الثانية، وهي التي يفزع فيها الناس ويدهشون، فكل واحد منهم يصغي ليتاً ويأخذ ليتاً، أي: يستغرب مما حصل، ثم تأتي النفخة الثانية التي هي نفخة الموت، ثم النفخة الثالثة وهي نفخة البعث.

    أول رسول إلى البشر

    السؤال: قال بعض أهل العلم إن أول رسول هو نوح عليه السلام. وقد استدلوا بقوله تعالى: إِنَّا أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ كَمَا أَوْحَيْنَا إِلَى نُوحٍ وَالنَّبِيِّينَ مِنْ بَعْدِهِ [النساء:163] فهل هذا هو الصحيح أم أن آدم عليه السلام هو أول رسول؟

    الجواب: نوح هو أول رسول بعدما وجد الشرك، وأما آدم فإنه كان هو وأولاده قبل أن يوجد الشرك، وكانوا على الفطرة، وقد أوحي إليه بأن يعمل الأعمال التي يعملها، فلا تنافي بين كون آدم مكلفاً، وأنه يعمل بما أوحي إليه وبين كون نوح أول رسول أرسله الله بعدما وجد الشرك وحصل التغير والانحراف عن الفطرة التي فطر الله الناس عليها.

    اعتراض وردٌّ عليه

    السؤال: إذا كان الفرق بين الرسول والنبي هو أن الرسول أنزل إليه كتاب، وأما النبي فلم ينزل عليه كتاب فكيف نقول في قوله تعالى كَانَ النَّاسُ أُمَّةً وَاحِدَةً فَبَعَثَ اللَّهُ النَّبِيِّينَ مُبَشِّرِينَ وَمُنذِرِينَ وَأَنزَلَ مَعَهُمْ الْكِتَابَ [البقرة:213]؟

    الجواب: المقصود بالكتاب هنا الكتب، وكما هو معلوم فالرسل يطلق عليهم أنهم نبيون، كما أطلق على نبينا محمد صلى الله عليه وسلم أنه نبي مع أنه رسول، فكذلك الرسل أنبياء، أي أنهم أوحي إليهم.

    شمولية سؤال القبر لجميع الأمم

    السؤال: هل سؤال القبر خاص بهذه الأمة أم أنه شامل لجميع الأمم؟

    الجواب: الذي يبدو أنه شامل وليس خاصاً بهذه الأمة.

    موضع دعاء: (رضيت بالله رباً...) في الأذان

    السؤال: عند أي جملة من الأذان يقول الإنسان: رضيت الله رباً، وبالإسلام ديناً، وبمحمد صلى الله عليه وسلم نبياً ورسولاً؟

    الجواب: عندما الشهادتين.

    من تلحق به المرأة في الآخرة من أزواجها

    السؤال: هل صحيح أن المرأة التي تزوجت بزوجين أو أكثر في الدنيا تخير في الجنة تتزوج بمن شاءت؟

    الجواب: الذي جاء أنها تكون للآخر، وأما ما جاء من أنها تخيّر فهو ضعيف.

    مكان حشر الناس

    السؤال: هل ورد عن النبي صلى الله عليه وسلم أن أرض المحشر هي الشام؟

    الجواب: أما في الدنيا فيساق الناس إلى الشام، وأما بعد الموت فإنهم يكونون في أرض أخرى، فقد جاء أن الناس يساقون في آخر الزمان إلى الشام، ويجتمعون هناك، وجاء في الحديث: (أن ناراً تخرج من عدن، فتسوق الناس إلى الشام)، وأما الحشر يوم القيامة فإنه يكون في أرض مستوية ليس فيها مرتفعات ولا منخفضات.

    إشكال وجواب

    السؤال: إذا كان نفس الجسد هو الذي يبعث ويعذب فما معنى أن ضرس الكافر مثل أحد؟

    الجواب: ليس هناك تنافٍ؛ لأن الجسم يكبر، فيكون جسم الكافر في النار صخماً، كما أن الذين يدخلون الجنة يدخلونها على طول أبيهم آدم ستين ذراعاً كما جاء بذلك الحديث، فلا يدخلون وهم على حجمهم في الدنيا.