إسلام ويب

ثمار الهدايةللشيخ : سعيد بن مسفر

  •  التفريغ النصي الكامل
  • يعرف الشيخ حفظه الله الهداية بمفهومها العام أنها: وضع الشيء في محله، ثم ضرب أمثلة تهدف إلى بيان أن الإنسان مخلوق ولابد من أن يشغل المحل الذي خلق له. ثم ذكر لكل مصنوع ومخلوق ثماراً إذا شغل محله، ومفاسد إذا لم يشغل محله. ثم ذكر الشيخ حفظه الله ثمار الهداية انطلاقاً من شغل الإنسان لمحله على أكمل وجه.

    1.   

    الهداية .. مفهومها وأهميتها

    الحمد لله رب العالمين، وصلى الله وسلم وبارك على نبينا محمد، وعلى آله وصحبه أجمعين.

    وبعد:

    الهداية هي وضع الشيء في محله

    أيها الإخوة في الله! الهداية والاستقامة والاستجابة لله عز وجل شجرة وارفة، ونعمة كبيرة يستظل بظلها المؤمن، ويحقق بها سر وجوده وحكمة خلقه والغرض من مجيئه إلى هذه الحياة، ودائماً حينما يوضع الشيء في محله يمكن الاستفادة منه، وإذا وضع في غير محله تعطلت المصلحة وانعدمت الفائدة التي يمكن أن يحققها؛ نظراً لعدم استغلاله الاستغلال السوي الذي يمكنه أن يؤدي دوره، وهذه قاعدة يتفق عليها العقلاء: إنك إذا أردت أن تستفيد من الشيء فيجب أن تضعه في موضعه.

    فمثلاً: القلم، الغرض منه معروف عند الناس وهو مصلحة الكتابة، لكنك لا تستطيع أن تستخدم القلم لتجعله نعلاً في رجلك، ولو رأينا إنساناً يربط الأقلام في قدمه ويسير حافياً وحينما يقال له: لم تلبس الأقلام في قدمك؟ إذا قال: من أجل أن تقيني هذه الأقلام الحجارة والبرد! فبم نصف هذا الإنسان إذا سمعناه يقول هذا القول؟ نصفه بالجنون، ونعرف أنه إنسان يوظف الأشياء في غير الوظائف التي من أجلها وجدت.

    وإذا رأينا إنساناً يضع نظارته التي صممت ليضعها على عينه لتعطيه القدرة على الإبصار، أو لتعطيه تعتيم الأضواء إذا كان عنده ضعف في النظر، فلو رأينا إنساناً يضع هذه النظارة في ركبته، ما ظنكم بالناس بم يصفونه؟ سيقولون: هذا جنون! هل ركبتك ترى حتى تضع لها نظارات؟! فالمحل الطبيعي للنظارات هو العيون، فإذا وضعت الأشياء في غير موضعها فإنما يقلل من الكيفية الصحيحة لاستخدامها، ويعطلها عن أداء دورها.

    والثلاجة التي في بيتك إنما هي مصممة لحفظ الطعام، لكن هل يمكن أن تجري فيها عملية الغسيل، أي: تجمع فيها الأواني من الصحون والقدور وتغلقها، وتقول: اغسلي يا ثلاجة؟! أبداً.

    أو هل يمكن أن تقوم هي بدور غسيل الملابس؟!

    ولا يمكن أن يقوم الغاز بتثليج الطعام؛ لأنه لطهي الطعام .. وكل جهازٍ أو آلة من أصغر جزئية إلى أكبر جزئية في هذه الدنيا لا يمكن أن يستفاد منها إلا في مجالها الصحيح الذي وجدت من أجله، وإذا عطل مجالها الصحيح ووضعت في مجالٍ آخر فإنما نقضي عليها ولا تتحقق الفائدة من وجودها، هذه قاعدة عامة عند العقلاء.

    الإنسان وطريق هدايته

    أيها الإنسان: يا أيها الجهاز المعقد! اسأل نفسك عن حكمة خلقك! وعن سر وجودك! وعن الغرض الذي من أجله خلقك الله على ظهر هذه الحياة! وعلى ضوء الإجابة تستطيع أن تعرف أين أنت، فإن كنت تسير في تحقيق هذا الغرض، وتخدم هذه الحكمة، وتتجه إلى هذه الأهداف التي من أجلها وجدت؛ حينها يمكن الاستفادة منك لأنك تحقق الغرض.

    أما إذا كان البعيد يعيش لغير حكمة خلقه، أو لا يعرف هو بنفسه ما هي حكمة خلقه، وما هو سر وجوده، فإنه بهذا سيظل عاطلاً، وسيظل عبئاً على هذه الحياة ومدمراً لقدراتها -والعياذ بالله- وسبباً في نكبتها، وهو ما تحقق في هذا الزمان على يد البشر حينما طورت المادة، وطوعت واستخدمت أحسن استخدام ولكن على حساب الروح .. على حساب الإنسان.

    طور الإنسان المادة ودمر الإنسانية، وحسَّن في الإبداع المادي لكنه أساء في الجانب الإيماني والروحي، فظهرت هذه الصور المشوهة وهذه النماذج -والعياذ بالله- الملوثة للبشرية، رغم أن المادة حسنة، لكن الذي يستخدم المادة هو سوء سلوكه وسوء تربيته، وعدم استقامته مما جعله يستخدم المادة لتدمير الإنسان.

    وهأنتم تسمعون كيف أن العالم اليوم يعيش في صراع وتسابق على التسلح، وفي غزو الفضاء، وحرب النجوم، والهيمنة والسيطرة على الأمم الضعيفة والشعوب المنكوبة، كل هذا لأن الإنسان الذي بيده المادة فاسد، لا يعرف الغرض الذي من أجله وجد، ولذا يفكر أنه وجد للسيطرة، والقوة، والاستعلاء على الناس؛ فهو في سبيل هذه الأغراض يحب أن يخترع ويكتشف الآلات المدمرة في سبيل أن يعلو هو، ولو كان يعرف من أجل أي غرض وجد لما كانت هذه أهدافه.

    فهذه قاعدة ننطلق منها إلى أن الإنسان يوم أن يعرف أنه إنما خلق لعبادة الله، فإنه سيستقيم على منهج الله، ويستجيب لداعي الله، ويتمسك بهداية الله، ونتيجة لهذه الاستجابة تتحقق له عدة معطيات، وعدة ثمار وآثار يجنيها في الدنيا، ويجنيها في الآخرة، ولسنا الآن بصدد الحديث عن ثمار ومعطيات الهداية والالتزام بالدين في الآخرة؛ لأن الناس قد جبلوا على حب العاجلة إِنَّ هَؤُلاءِ يُحِبُّونَ الْعَاجِلَةَ وَيَذَرُونَ وَرَاءَهُمْ يَوْماً ثَقِيلاً [الإنسان:27] ويقول الله عز وجل: كَلَّا بَلْ تُحِبُّونَ الْعَاجِلَةَ [القيامة:20] وحينما تحدث الإنسان وتطلب منه الهداية والاستقامة على الدين يقفز ببصره وعقله إلى الآخرة، ويقول: الآخرة بعيدة .. الآخرة مستأخرة .. تريد أن أترك ملذاتي وشهواتي وما تحققه لي هذه الدنيا من الملذات في سبيل أن أنجح في الآخرة، دعني أتمتع في الدنيا وعندما أكبر سأتوب، الآن سأقضي حياتي في اللهو واللعب والعبث وبعد ذلك أتوب.

    هذه تفكيرات الناس، ولذا يحكمون على كل من اهتدى واستقام أنه حرم نفسه من لذة الدنيا ولذة الحياة على أمل أن ينجو في الآخرة، هذه نظرة الناس السطحية المحدودة الخاطئة، ولكن الحقيقة الناصعة التي نقيم عليها الأدلة ونكشف رءوسنا ونصيح بها من على كل منبر، وفي أي مجتمع من مجتمعات العالم أن الإيمان والهداية والاستقامة على دين الله يحقق للإنسان الثمار الغالية التي يجنيها الإنسان في الدنيا قبل الآخرة، وأن الكفر والضلال والانحراف شجرة السم التي يتجرعها العاصي والفاجر والكافر في الدنيا قبل الآخرة، وأن الهداية تحقق للإنسان الربح والكسب -في الدنيا والآخرة- أما الكفر والمعاصي فإنها تحقق للإنسان الدمار والشقاء في الدنيا والآخرة.

    وأن لذاتها وجميع ما يتمتع بها العاصي لا تعدل نعمة واحدة من نعم الإيمان التي يجنيها المؤمن من ثمرة دينه وإيمانه في الدنيا قبل الآخرة.

    1.   

    ثمرات الهداية

    ونستطيع بإيجازٍ أن نلخص هذه الثمار في عدة نقاط:

    ذهاب القلق والاضطراب والحيرة

    الثمرة الأولى التي يجنيها المهتدي والملتزم والمستجيب لأمر الله هي: أن الله عز وجل ينزع من قلبه القلق والاضطراب والحيرة، ويزرع في قلبه الطمأنينة والهدوء والسكون والارتياح.

    وهذه لوحدها كافية لأن تعدل كل لذة في الدنيا، فإن القلق داء العصر، وإن الاضطراب والحيرة مرض هذا الزمان، وسببه البعد عن الله، وأضرب لكم على هذا مثالاً:

    لو أراد رجلٌ أن يسافر إلى الرياض -تعرفون طريق الرياض عبر وادي الدواسر - ثم ضل في الطريق؛ خرج عن طريق (الإسفلت) لقضاء لازمٍ له، فلم يجد فرصة ولا دلالة للرجوع إلى طريق (الإسفلت) فجلس يبحث عن الطريق، والوقود عنده على وشك النفاد، والزاد الذي معه من طعامٍ وشراب أيضاً على وشك النفاد، ولا يدري أين الطريق، وظل يمشي مرة إلى الشمال ومرة إلى الجنوب ومرة يتجه إلى الشرق ومرة إلى الغرب، ما ظنكم بحالته النفسية؟ هل هو في قلق أو في راحة في تلك اللحظات؟ والطريق ملتبسة عليه، وزاده يكاد ينتهي، ووقوده كلما سار يتناقص، كيف ظنكم بنفسه في تلك اللحظات؟ أليس في حيرة؟ أليس في قلق وهلع وخوف؟ أليس إذا رأى أي بارقة لأمل يفزع إليها ولو جاءه شخص وقال: الطريق من هنا اتجه مباشرة إليها، ولقيه شخص هناك، قال: لا. لا تمش من هنا، فهذا الطريق يذهب بك في متاهات فارجع من هنا، فيرجع ويضل في حيرة ولا يدري أين يتجه؛ لأنه يحسب أن كل دقيقة تمر عليه تقربه إلى الهلاك، وكل كيلو يقطعه يقربه إلى نفاد الوقود والزاد، ولذا يفكر ثم يفكر، ويخرج من تفكيره هذا إلى أن الهلاك محقق وأنه على يقينٍ من الموت، فهو في قلق!

    حسناً.. إذا سار في الطريق ولقيه شخص، وقال: لماذا أنت تتخبط في الطريق؟ قال: يا أخي! أريد الرياض وأنا لا أعرف الطريق، قال: امش ورائي فأنا خبير بالطريق، ثم أخذه حتى أوصله إلى طريق (الإسفلت) فحين يرى (الإسفلت) يحصل في نفسه الفرح والهدوء والطمأنينة، وأول شيء يعمله أن يقف على جانب الطريق ويحمد الله على أن نجاه من المتاهات، وأيضاً يطلب طعاماً، ويطلب وقوداً، ويرتاح أحياناً نصف يوم أو يوم؛ لأنه كان في قلق وحيرة.. ثم بعد ذلك يواصل الطريق حتى يصل إلى الرياض.

    هذا مثل مضروب في حياتنا ولا نستطيع أن ننكره.

    فهذه الدنيا، وهذه الحياة صحراء ومتاهة كبيرة يعيشها الإنسان ويعاني منها، وترون العاصي والضال والمنحرف وهو يعيش في متاهات هذه الحياة؛ يعيش وهو لا يدري أين يتجه، ولذا فهو في غاية القلق، خاصة إذا تذكر الآخرة، وما تذكر أن الزاد سينفد والوقود سينتهي؛ لأن كل من على وجه الأرض يؤمنون بأنهم سيموتون، ولذا إذا ذكر لهم الموت وأن الوقود سينتهي فإنهم تقشعر أبدانهم وتضيق أخلاقهم، ويقولون بلسان حالهم ومقالهم: يا شيخ! اتركنا من الموت، يقولون: لا تذكرنا بالموت! أنت الآن تريدنا أن نموت قبل أوان الموت، فاترك ذكر الموت، وبعد ذلك! الآن نلعب ونسمر ونمرح .. ويغالطون أنفسهم باستمرار لينقلوا أنفسهم من الواقع المرير الذي يعيشون فيه بالمغالطة، فإذا اشترى أحدهم مجلة فإنه أول ما يقرأ: الصفحة الضاحكة! يريد أن يضحك، وإذا اشترى جريدة فإنه أول ما يقرأ: نكتة اليوم، وإذا سمع أن حفلة ستقام وفيها مسرحية وضحك ونكت فإنه يذهب لها، وبعضهم يشتري كتباً معينة.

    أنا أذكر شخصاً من الأشخاص يبحث عن كتب ويقول للبائع: أعندك كتب النوادر والضحك؟ لماذا يضحك؟ هل الضحك هوايته؟ لا. ولكن الضحك والبحث عن وسائله دليل على وجود ضيق في الداخل، وعذاب في الباطن يريد الإنسان أن ينتزعه وأن يخفف من هذا الواقع بهذه النكت وبهذه المغالطات، ولكن متى يسكن الإنسان ومتى ترتاح نفسه؟

    إذا وجد من يدله على الطريق ويوصله إلى خط (الإسفلت) الإسلامي، والهداية الإيمانية .. وهناك يسكن ويرتاح ويطمئن ويقول: الحمد لله الذي نجاني بعد أن كنت من القوم الضالين! ولا يعرف نعمة الإيمان إلا من ذاقها وسار على طريقها.

    وطريق الإيمان طريقٌ واضح، قال الله تعالى فيه: وَأَنَّ هَذَا صِرَاطِي مُسْتَقِيماً فَاتَّبِعُوهُ وَلا تَتَّبِعُوا السُّبُلَ فَتَفَرَّقَ بِكُمْ عَنْ سَبِيلِهِ ذَلِكُمْ وَصَّاكُمْ بِهِ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ [الأنعام:153] هذه النعمة نعمة الأمن والطمأنينة والهدوء والراحة التي يشعر بها المؤمن لا توجد إلا عند أهل الإيمان، ولا توفرها الإمكانات المادية.

    فبالرغم من أن البشرية في الغرب والشرق استطاعت أن تحقق لنفسها الكثير والكثير من الإنجازات والإمكانات المادية، إلا أن ذلك على حساب الروح التي تعيش الآن في شقاء، والإحصائيات الدقيقة تبين أن أكثر الدول تقدماً أكثرها نسبة في الانتحار، وكلما كانت الدولة راقية ومتطورة ومتقدمة تكون نسبة الانتحار فيها أكثر! فما هو الانتحار؟

    الانتحار هو التخلص من هذه الحياة عن طريق التردي من جبل، أو الضرب بالمسدس، أو ابتلاع كمية من الحبوب، أو الدخول في البحر والغرق.. وما تشاهدون في التلفزيون أو في الجرائد أو ما تسمعون من أخبار سباق السيارات الذي يسمونه سباق الرالي، أو سباق أي شيء من السباقات التي فيها موت، أو سباق الدراجات النارية.. فالذي يراها يعرف أنها عملية انتحار، وأن هذا السائق الذي يسابق متيقن (90%) من بداية السباق أنه ميت! وقد سمعت أن سباقاً أقيم في بلد من بلدان إفريقيا مات فيه خلال يومين أحد عشر متسابقاً؛ لأنه يسرع ويموت، وهذه قضية خطيرة فليس هناك إنسان في الدنيا يتصور أنه يسابق ويموت من أجل الجائزة، وإنما هو إنسان في الأصل يريد أن يتخلص من الحياة، فهو يعرف أنه لا يتخلص منها إلا بموت، أو بمسدس، أو بحبوب، أو بتردي من جبل، ولكن يقول: لا. أنا أتخلص من الحياة بهذه الوسيلة، وإذا لم أمت فسأربح جائزة أو كأساً، أو أحقق رقماً قياسياً عالمياً بهذا السباق، وإن مت فلن أخسر شيئاً.

    فالموت أصلاً هدف من أهدافهم .. التخلص من الحياة هدف من أهدافهم، ولذا فإنك تنظر إليه وهو يسرع ويجري وينعطف في المنعطفات بطريقة لا تتصور أنت أن هذا عنده مثقال ذرة من رغبة في الحياة وإنما يرغب أن يموت، يريد أن يتخلص من هذه الحياة!

    هذا كله بسبب البعد عن الله تبارك وتعالى، والعناء والعذاب الذي يعاني منه الكفار في ضل كفرهم وبعدهم عن الإيمان، وعقيدة الإسلام السمحة التي تزرع في القلوب الأمن والطمأنينة، وتنزع منها القلق والاضطراب، وهذه والله -أيها الإخوة- نعمة لا تعدلها نعمة، يقول فيها أحد السلف: مساكين أهل هذه الدنيا، جاءوا إليها وخرجوا منها وما ذاقوا أطيب ما فيها، قالوا: وما أطيب ما فيها؟ قال: التلذذ بعبادة الله عز وجل.

    ويقول الآخر: والله لو يعلم أهل الجاه والسلطة ما نحن فيه من السعادة لجالدونا عليها بالسيوف.

    ويقول ابن تيمية: ما يصنع بي أعدائي؟ إن جنتي وبستاني في صدري، إن حبسي خلوة، وقتلي شهادة، وطردي سياحة.

    ويقول ابن القيم رحمه الله: كنا إذا ضاقت بنا المذاهب، يقول هذا وهو مطلق وليس بمسجون؛ لأنه كان يسجن عدة مرات مع شيخه ابن تيمية ثم يطلق، لكن ابن تيمية ظل مسجوناً طوال حياته، حتى مات في سجن القلعة في دمشق .

    يقول: كنا إذا ضاقت بنا المذاهب، وأظلمت علينا الدنيا؛ ذهبنا لزيارته في سجنه، فوالله ما إن نراه حتى يذهب الله ما في قلوبنا من الضيق والقلق، ونعيش معه في سعادة لا نجدها في الدنيا كلها. وهو مسجون! من أوجد له هذه السعادة؟ إنه الإيمان بالله، رغم أن الإنسان الذي لم يسجن هو حقيقةً يمارس جزءاً من السعادة والحرية لكن بجسده.

    وكان يقول: المسجون من سجن عن ربه، والمأسور من أسره هواه وشيطانه، فهذا هو المسجون الحقيقي! المسجون الحقيقي من حبس وسجن عن الله فلم يتصل بربه، ولم يتعرف على خالقه، فهو بعيد عن طريق المناجاة والعبادة والتقرب إليه، والمأسور من وقع في أسر نفسه وهواه وشيطانه.. هذا هو المأسور حقيقة، أما الذي يعيش مع الله فليس بمسجونٍ وإن كان مسجوناً في الظاهر، ولكن روحه طليقةٌ تعيش في ملكوت السماء -الملأ الأعلى- وتعيش في هذه الحياة مع الله في السر والعلن، والليل والنهار، والمحن والمنح.. وفي كل حالة، ومن كان مع الله فلا يخاف ظلماً ولا هضماً.

    هذه هي نعمة الإيمان التي تحقق في الإنسان هذه الكرامة العظيمة التي لا يمكن أن تباع في الصيدليات، أو تشترى من الأسواق المركزية، أو يحصل عليها بقوة العضلات، وبكثرة الريالات، وبعلو المناصب والرتب، وإنما يستطيع أن يحصل عليها كل إنسان؛ لأن مجال إدراكها عن طريق الاكتساب.

    رفعة المكانة بين الناس

    يقول الله عز وحل: يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّا خَلَقْنَاكُمْ مِنْ ذَكَرٍ وَأُنْثَى وَجَعَلْنَاكُمْ شُعُوباً وَقَبَائِلَ لِتَعَارَفُوا إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ [الحجرات:13] وهذه عظمة الإسلام في أن التفاضل فيه ليس بالتوارث، إذ التفاضل بالدين، وبإمكان أي واحد من البشر أن يسابق بهذا الفضل وأن يصل إليه، ولهذا يقال: إن عطاء بن أبي رباح وهو من التابعين رحمه الله ورضي عنه، كان قد بحث عن مهنة يمتهنها فلم يجد، وكان دميم الخلقة، قصير القامة، أسود اللون، فكلما ذهب في عمل من الأعمال طرده الناس، أي: (لا عون ولا لون)، ماذا يشتغل؟ فدخل على أمه يوماً من الأيام وهو في مكة ، قال لها: [يا أماه: ما أراني إلا قد شقيت -أي: لم أجد لي وسيلة للسعادة في هذه الدنيا، لم أجد مهنة أمتهنها- قالت له: ألا أدلك على عملٍ إن عملته هابتك الملوك وانقاد لك به الصعلوك، قال: عمل إن عملته يهابني الملوك وينقاد لي به الصعلوك! قالت: نعم، قال: ما هو؟ قالت: عليك بالعلم] فأخذ قلمه ومحبرته واتجه إلى الحرم، ولازم الحرم وطلب العلم على أيدي العلماء، وفتح الله له الآفاق، واستقبله في مجالات العلم، حتى أصبح عطاء الرجل الأول في العالم الإسلامي في العلم، بحيث إذا قيل في المسائل كلها ولم يقل فيها عطاء بقول تتوقف الأمة حتى يعرف ماذا قال فيها عطاء !

    ويحج الخليفة في سنة من السنين إلى بيت الله الحرام، ويتذاكر الناس في مجلسه في مسألة من مسائل العلم فيسأل هو: ماذا قال فيها عطاء ؟ قالوا: لا ندري ماذا قال، قال: لا يقال وعطاء موجود.. ادعوه لي -أرسلوا إليه لنسأله عن هذه المسألة- فأرسلوا إليه، فلما أرسلوا إليه رد الرسول وقال: [قل لأمير المؤمنين ليس لنا فيما في يديه حاجة حتى نأتيه، وإن كان له حاجة فيما في أيدينا فليأت إلينا] انظروا جواب العزة والإيمان! يقول: ما لنا حاجة في الذي عنده من الدنيا حتى نأتي إليه؛ لكن إذا كان له حاجة فيما عندنا من العلم فليأت إلينا- فلما جاء الرسول وأخبره قال: صدق والله عطاء فليس له بنا حاجة، لكن نحن بحاجة إلى عطاء، يقول: فقام أمير المؤمنين ومعه رجاله وانطلق إلى بيت عطاء ليزوره، فلما جاء إلى البيت كان عطاء يصلي فطرق الباب، فنزل إليه ابن الشيخ عطاء بن أبي رباح، وإذا به خليفة المسلمين برجاله وهيلمانه وحرسه وحشمه، ماذا تريد؟ قال: نريد أباك، فصعد إلى أبيه يريد أن يستأذنه بدخول الملك، وكان يصلي فأطال الركعتين، لما عرف أن هناك أناساً يريدونه، وبقي الخليفة واقفاً عند الباب، ثم لما سلم والولد يصعد وينزل تحرجاً من الموقف، ويريد أن يسمح للخليفة بالدخول لكن ليس عنده إذن من أبيه، وفي نفس الوقت أبوه في الصلاة، فلما انتهى رفع يديه إلى السماء وجلس يدعو دعاءً طويلاً أطول من صلاة الركعتين، ثم لما انتهى قال لولده: إئذن له -اتركه يدخل- فدخل أمير المؤمنين، فلما دخل قام وحياه ورحب به وأجلسه، قال: ما هذا الجفاء يا عطاء ؟ قال: أي جفاءٍ يا أمير المؤمنين؟ قال: دعوناك فما جئتنا، وزرناك فما أذنت لنا، قال: [أما إنك دعوتني يا أمير المؤمنين! فكما قلت لك: ليس لي فيما عندك حاجة حتى آتيك، وإذا كان لك حاجة فلتأت وقد جئت، وأما إني لم آذن لك فإني كنت أناجي من هو خيرٌ منك؛ كنت أناجي ربي فما كنت لأقطع مناجاة ربي لمناجاتك فلما فرغت من مناجاة ربي أذنت لك.. فحياك الله] فجلس ثم سأله المسألة فأعطاه الجواب ثم خرج، وأعطى واحداً من رجاله صرة فيها عشرة آلاف درهم للشيخ، فلما أخذها قال له: [ردها لأمير المؤمنين وقل له: ندلك على سبيل الفلاح وتدلنا على سبيل الهلكة] لا نريد شيئاً وردها له، فلما أخذها الخليفة قال: والله ما رأيت نفسي ذليلاً في حياتي إلا بين يدي هذا العبد. طبعاً أمير المؤمنين .. خليفة ابن خليفة ما رأى الذلة في حياته، ولكن يقول: والله ما شعرت بالذلة في حياتي إلا بين يدي هذا العبد الأسود. ما الذي رفعه هذه الرفعة العظيمة إلا الدين والإيمان.

    فأنت -يا أخي المسلم- تجني ثمرة الإيمان في هذه الدنيا عزةً وسعادةً وأمناً وطمأنينةً وراحة وهدوءً لا يمكن أن تجدها في غير الدين، وهذه وحدها كافية.

    الضبط للسلوك حماية من المشاكل والزلات

    الضبط للسلوك يصرف عنه الآفات والمحن، وأيضاً يحميه من الزلات والمشاكل التي ربما تجره إلى الويلات والنكبات في الدنيا والآخرة لو لم يكن مؤمناً، وقد يقول قائل: كيف؟ نقول: عندما يستجيب الإنسان لداعي الله، ويلتزم بدين الله؛ تنضبط تصرفاته.

    فأولاً: لا يستطيع أن يقتل حتى ولو استثير لأنه يعرف عاقبة القتل، وحرمة الدم في الدين، فدم المسلم ثقيل: (ولا يزال المسلم في فسحة من دينه ما لم يصب دماً حراما) وأيضاً أول ما يقضى يوم القيامة في الدماء، والمقتول يبعث يوم القيامة وأوداجه تشخب دماً ورأسه على يده، ويده الأخرى في تلابيب قاتله يسوقه إلى المحشر، يقول: يا رب! سل هذا فيم قتلني والله تعالى يقول: وَمَنْ يَقْتُلْ مُؤْمِناً مُتَعَمِّداً فَجَزَاؤُهُ جَهَنَّمُ خَالِداً فِيهَا وَغَضِبَ اللَّهُ عَلَيْهِ وَلَعَنَهُ وَأَعَدَّ لَهُ عَذَاباً عَظِيماً [النساء:93] القتل ليس بالأمر السهل، إن قابيل وهابيل لما قتل أحدهما صاحبه قال الله تعالى فيهما: مِنْ أَجْلِ ذَلِكَ كَتَبْنَا عَلَى بَنِي إِسْرائيلَ أَنَّهُ مَنْ قَتَلَ نَفْساً بِغَيْرِ نَفْسٍ أَوْ فَسَادٍ فِي الْأَرْضِ فَكَأَنَّمَا قَتَلَ النَّاسَ جَمِيعاً [المائدة:32] تصور إذا قتل إنسان واحد بغير حق كأنما قتل الناس جميعاً، ما المقصود بالناس جميعاً؟ الناس جميعاً منذ خلق الله آدم إلى يوم القيامة .. الآن كل مائة سنة يتجدد وجه الأرض كلها مرة واحدة، الآن على وجه الأرض في الإحصائيات التقريبية أربعة آلاف مليون -أربعة مليار- نسمة، والذي ولد اليوم فإنك بعد مائة سنة لا تجده، فكيف الذي ولد بالأمس أو قبل أمس.. فيتجدد وجه الأرض كل مائة سنة مرة، أي: إن كل مائة سنة يتجدد على وجه الأرض أربعة مليارات نسمة، وإذا قتلتَ واحداً فكأنما قتلت الناس جميعاً وَمَنْ أَحْيَاهَا فَكَأَنَّمَا أَحْيَا النَّاسَ جَمِيعاً [المائدة:32].

    ولما همّ قابيل بقتل هابيل، قال الله تعالى مخبراً عن رد هابيل لقابيل: لَئِنْ بَسَطْتَ إِلَيَّ يَدَكَ لِتَقْتُلَنِي مَا أَنَا بِبَاسِطٍ يَدِيَ إِلَيْكَ لِأَقْتُلَكَ إِنِّي أَخَافُ اللَّهَ [المائدة:28] ثم قال عز وجل مخبراً عنه: إِنِّي أُرِيدُ أَنْ تَبُوءَ بِإِثْمِي وَإِثْمِكَ فَتَكُونَ مِنْ أَصْحَابِ النَّارِ وَذَلِكَ جَزَاءُ الظَّالِمِينَ * فَطَوَّعَتْ لَهُ نَفْسُهُ قَتْلَ أَخِيهِ فَقَتَلَهُ [المائدة:29-30] يقول المفسرون: إن هابيل كان أقدر في الانتقام والقتل من قابيل، ولكن منعه منه خوف الله تعالى، يقول: إن كنت بسطت يدك إلي لتقتلني أنا لا أقابل ذلك بقتلك، لماذا؟ ليس ذلة أو ضعفاً، ولكن قال: إني أخاف الله. ثم قال: إني أريد إن سطوت علي وقتلتني أن تبوء بإثمي وإثمك.

    ولذا جاء في الحديث أن رسول الله صلى الله عليه وسلم حدث عن الفتنة في آخر الزمان، فقال رجل: (يا رسول الله! أرأيت إن أدركت ذلك الزمان؟ قال: اعمد إلى سيفك فاضرب به في حجر -اكسره ولا تشترك في القتال- قال: يا رسول الله! وماذا أصنع؟ قال: ادخل بيتك، قال: فإن دخل علي في بيتي؟ قال: الزم ركن دارك وخمر وجهك حتى لا ترى بارقة السيف، وكن كخير ابني آدم) يعني: كن كالرجل الأتقى من ابني آدم.

    الدم ثقيل! ولكن أكثر الناس يتساهل بقضية الدماء ويثور ويغضب لأتفه الأسباب؛ لأن الهداية انعدمت، والإيمان مزعزع غير مثبت، ولو كان مؤمناً ومهتدياً لما وقع في جريمة القتل التي هي من أعظم الجرائم التي يخسر الإنسان بها الدنيا والآخرة.

    يقول لي أحد المسئولين حكاية أو قصة موجودة الآن: إن شخصين كانا في تهامة يسيران سوياً في الخط، وأحدهما تجاوز الآخر، وبعدما تجاوزه أراد أن يرجع إلى الخط الأيمن، وكأنه رجع قبل أن يتجاوز هذا بمسافة كافية، أي: كأنه ضيق عليه طريقه قليلاً، فجاء الشيطان ونفخ في الذي ضُيِّق عليه، وقال: انظر كيف يتجاوزك ويضيق عليك! يريد أن يقلبك، اعمل به مثل ما عمل بك، فشد على البنزين وجاءه حتى تجاوزه، فلما تجاوزه ضيق عليه أشد منه حتى جعله ينحرف إلى الهاوية، فجاء الشيطان إلى الآخر، وقال: انظر! يريد أن يقتلك، هذا ما يريد له إلا أن تريه شغله، فشد على البنزين ولحقه حتى تجاوزه بمسافة بعيدة، ثم عرض السيارة في الخط ونزل وقال له: انزل، و(المشعاب) في يده والمسدس في اليد الأخرى، وذلك مثله مغفل، ولو كان عاقلاً لما وقف، لماذا؟ ماذا تتصور أن تكون النتيجة من وقوفك أمام رجل مثلك في يده سلاح وفي يدك سلاح، ماذا تعمل؟ أتنزل لتسلم عليه؟ أتنزل لتقول: كيف حالك؟ كلا. بل تنزل لتفكر كيف تذبحه وهو يفكر كيف يذبحك، من أجل ماذا؟ ما هي المشكلة؟ ماذا حصل؟ من أجل تجاوزك له في الطريق أو تجاوزه لك في الطريق؟ كم نسبة تجاوزك له مرات في الحياة؟ ربما من يوم أن خلقك الله إلى اليوم لم يتجاوزك أو تتجاوزه إلا هذه المرة، وربما بعد أن تتجاوزه ينتهي الأمر! هل كل يوم تلتقون للمطاردة في هذا الطريق؟ لكن الشيطان يعمي القلوب، ويورط الإنسان في الورطات.

    فلما رآه يقول: انزل، ولو أنه مر عليه وقال له: السلام عليكم سامحك الله.. في أمان الله.. ولن أقف لك لخجل من نفسه وانتهت المسألة، ويكون العرض موفوراً، والدم مصوناً، والدنيا بخير، وليس هناك داعٍ للقتال، لكنه حين قال: انزل، قال: أبشر! فوقف على جانب الطريق وأخرج حديدة، فرأى الآخر الحديدة وقال: لن أصل إليه لأنه سيضربني بها في رأسي وأموت.. فأخرج المسدس وقتله، وكان سائق (دركتر) يشتغل بجوارهم فسمع إطلاق الرصاص فأخذ رقم السيارة -لأن القاتل هرب- وبلغ الشرطة فقبضت عليه واعترف.. وهو الآن ينتظر الإعدام؛ ومتى يعدم؟ بعدما يكبر أبناء المقتول، أي: ربما يسجن عشر سنوات.. ثنتي عشرة سنة .. ثلاث عشرة سنة.. وبعد ذلك يقتل، يعني: يموت كل يوم، ويموت كل لحظة، ويموت كلما سمع أقدام العسكري، ويموت كل جمعة، وبعد ذلك إذا جاء قرار الإعدام فإنه يموت من يوم أن يخرجوه، ويقولون له: اغتسل، فيموت في تلك اللحظة، وإذا ركب السيارة يموت، وإذا أنزلوه في المغسلة يموت، وكل خطوة يموت فيها.. إلى أن يوضع تحت البندقية، والضربة تأتي في ظهره لتفتح في ظهره نافذة تخرج من صدره من أجل ماذا كل هذا؟ وليتها تنتهي المسألة بالموت لكان الأمر هيناً، لكنه إذا نظر إلى الناس في الموقف وهم كلهم يتفرجون عليه، ثم يذهبون بعد لحظات إلى بيوتهم وإلى زوجاتهم وأولادهم، وهو يذهب إلى الموت فإنه سيتندم! لكن لا ينفع الندم..! ويتمنى أنه ما عرف هذه القصة، ولا عرف السيارة، ولا مر من تلك الطريق، ولكن لا ينفع الندم في تلك اللحظات، ما الذي ورطه في هذا؟ إنه الضلال وعدم الهداية، ولكن لو كان صاحب هداية وإيمان ودين، وعنده خوف من الله لسمح له بالمجاوزة وقال: ماذا يحصل لو تجاوزتني في أمان الله؟ الحمد لله الذي نجانا منك.

    وكثير من الناس يقعون في ورطات أسبابها عدم خوفهم من الله، وعدم مراقبتهم لما بعد هذه الحياة؛ لأن الذي يضبط سلوكك هو خوفك من الله، وإيمانك بالجنة، والنار، وتذكرك للآخرة، وتذكرك لعذاب القبر، ولهذا تقول: لا والله، أصبر على العار، ولا أصبر على النار، ولهذا يقول الناس: النار ولا العار. لا والله، بل العار والعار والعار ولا النار مرة واحدة، لماذا؟ لأن العار ينتهي، لكن النار لا تنتهي.

    لما قالوا للحسن بن علي رضي الله عنه وقد تنازل عن الخلافة لـمعاوية بن أبي سفيان رضي الله عنهم أجمعين، قالوا له: يا أمير المؤمنين! يا ابن بنت رسول الله! هذا عار، قال: [العار ولا النار] فهو العاقل حقيقة ليس بجاهلي يقول: يلحقني العار ولا تلحقني النار، إذا استمريت في قتال معاوية وإزهاق أرواح المسلمين بغير حقٍ.

    فالإيمان والهداية والدين تضبط سلوكك، وإذا أردت أن تعرف نعمة الله عليك بالهداية فاذهب إلى السجون لترى فيها القتلة، واللصوص والمجرمين، والذين يهربون المخدرات ويتاجرون في المنكرات.. هؤلاء كلهم الآن يعضون على أصابع الندم ويتمنون أنهم ما وُجدوا لهذه المشكلات، ولكن الشيطان ورطهم إلى أم رءوسهم، وأنت والحمد لله معافى بنعمة الإيمان والهداية التي من أجلها أنت الآن مرتاح وفي نعمة، وهؤلاء الذين في السجون مثلك، لكن لما كانوا غير مهتدين وقادهم الشيطان بأنوفهم إلى أن ورطهم في هذه الورطات شقوا وتعسوا؛ فمن نعمة الله عز وجل أن بصرك وهداك، وأقامك على الصراط المستقيم وأنت سالم؛ لأن من الناس من يتوب لكن بعد دخول السجن، فلم تعد تنفع إلا في الآخرة أما في الدنيا فقد انتهى الأمر.

    يقول لي شخص منهم وقد ذهبت لألقي موعظة في السجن العام هنا، وبعدما انتهيت وفتحت له مجالاً في التوبة وفيما عند الله أمسكني وقال: يا شيخ! عندي سؤال؟ قلت: تفضل، قال: أين هذا الكلام قبل أن آتي إلى هذا المكان؟ يقول: هذا الكلام الذي تقوله، أين هو؟ ما سمعناه قبل أن نأتي إلى هنا؟ يقول: كنت أتمنى أن أعرف هذا الكلام قبل أن آتي إلى هنا، أي: أود لو أني اهتديت وآمنت واستقمت، قلت: ما هي قضيتك؟ قال: عليَّ رقبة، قلت: ما هو الحكم؟ قال: أنتظر القتل، يقول: لم يعد ينفع كوني أتوب الآن وأهتدي، لكن ينفع إن شاء الله في الآخرة. لكنه مسكين! يريد أن يعود إلى زوجته وأولاده! يريد أن يعيش مثلما يعيش الناس.. لكن توبته لا تفكه من السجن إلا إلى الموت! فأنت احمد الله الذي لا إله إلا هو، فهو الذي عافاك وما ابتلاك، وأقامك حتى عرفت نعمة الله عليك، وما كان ذلك ليحصل لك إلا بطريق الهداية والاستقامة على دين الله تعالى.

    وآخر كان نائماً في بيته.. قد خلع ملابسه واستسلم للنوم، وإذا بطارقٍ يطرق الباب عليه في الساعة الثانية عشرة فيقول له أهله: -أهل الولد يقولون للطارق- من تريد؟ قال: أريد فلاناً، قالوا: نائم -لا تستطع أن نوقظه لأنه نائم- قال: أيقظوه، الأمر ضروري، قالوا: الأمر ضروري! فذهبوا إليه وهو نائم: فلان.. فلان: يريدك فلان.. فقفز قفزة الأسد، لماذا؟ لا يمكن أن يتأخر عن صديقه، ونزل إليه، ثم رجع ولبس ثيابه وأخذ مسدسه وأخذ عصاه ونزل.

    أين تذهبون؟ أتذهبون لتفتحوا القدس؟ أو تحققون للأمة نصراً؟ القصة أنه قال له زميله: أنا عندي الليلة موعد، عندي صيد هذه الليلة -بئست الصيدة لهذا الصياد، صياد الأعراض! صياد الشر- قال: عندي صيدة هذه الليلة وأريد منك أنك تحميني أي: تراقب المكان حتى أنتهي من الصيد، قال: أبشر والله بالظفر -الله لا يبشرك- فركب سيارته وذاك ركب سيارته وذهبا إلى البيت الذي يريد هذا الصائد القذر أن يعتدي على عرض المرأة فيه، وقال لزميله: ابق أنت هنا، فأوقفوا السيارات بعيداً ونزلوا؛ فجلس زميله تحت جدار، وذهب هو تسور الحائط ودخل، قال: امكث إلى أن تسمع خبراً أو أي شيء فلا تتأخر عن مساعدتي، ولما دخل البيت استيقظ رب الأسرة وأدرك وجود الرجل في البيت، فقام وأخذ سلاحه وطارد الرجل حتى تسور الجدار وهرب بعد أن ضربه الرجل بالعصا في ظهره، ثم فتح الرجل الباب وخرج يريد أن يتتبع هذا الصائل من أجل أن يعرفه ويمسكه، أو يجد سيارته ليضربها.. المهم أنه يريد أن يهتدي إليه، فما رأى إلا ذاك الحارس جالساً هناك.. وعندما رآه قام وأخرج المسدس وقتل صاحب البيت! انظر كيف يكون القتل، في ماذا؟ ما مشكلتك؟ ومباشرة لما قتل وأشيع خبر القتل جاء رجال الأمن وقبضوا على القاتل، وبعد ذلك حققوا معه، أما ذاك الأول فقد ذهب إلى بيته -وهو الجاني الحقيقي- والرجل مات ولم يعرف طبعاً منه أي إجابة، وأما القاتل فأمسك به واعترف بجريمته واعترف أيضاً على ذاك أنه كان قد اتفق معه على أن يحميه، ولما جاءوا بذلك يحققون معه أدخل السجن، واستطاع أن يثبت بواسطة شهود أنه كان في تلك الليلة في مكان معين بعيداً عن القرية هذه بكلها، وثبتت البينة، وصدرت له البراءة، وخرج من السجن، وهذا حكم عليه بالإعدام! فانظروا الورطة، ما هي أسبابها؟ الضلال وعدم الهداية، لكنه لو كان طائعاً ومستقيماً وملتزماً من بيته إلى مسجده إلى عمله.. هل كان سيحصل له مثل هذا؟ لا. هذه ورطة سببتها له الضلالة، وسببها له الإجرام، وسببها له عدم خوفه من الله؛ لأنه خرج ليعين صائلاً معتدياً على عرض مسلمٍ فنكبه الله في الدنيا والآخرة. لا حول ولا قوة إلا بالله!

    وكثير من الناس تجده من ضلاله يقع في الورطات، نائم في البيت وبعد ذلك لا يأتيه النوم، قال: أريد أن أذهب بالسيارة.. أريد أن أفحط قليلاً، وذهب يفحط على طريق الحجاز ولقي اثنين يتضاربان ووقف معهما يريد أن يفصل بينهما، وإذا بحديدة تأتي فوق رأسه.. ولو بقي نائماً في بيته هل سيحدث له هذا؟ لكن جاء لحل المشكلة فأتته هذه المصيبة، وما أسبابها؟ إنه الفراغ.. أسبابها الضلال، ولو أنه في بيته ما جاءه شيء، وقس على هذا كثيراً.

    وحينما ترون الإنسان الزاني وهو يجلد في السوق في وضعٍ مزرٍ: يكشف رأسه ويجلد ظهره ومقعدته وسيقانه في وضعٍ يندى له الجبين، وقد رأيت أنا بعيني وذكرت هذا في أحد الأشرطة، كنت يوماً في السوق أشتري وإذا بسيارة الشرطة آتية، وصفوا العسكر وأنزلوا واحداً ملثماً، رجل يستحي، فلما أوقف في الساحة جاء الرجل المنفذ -المشرف على تنفيذ الحكم الشرعي- فنزع (غترته) و(قبعته) ورمى بها بعيداً، وإذا برأسه عارٍ وشكله مفزع، وجاء رجال الشرطة ليجلدوه، فجلدوه وكان أول الأمر يتصبر، لكن العصا حارة والضرب قويٌ؛ لأن الحكم الشرعي كان بشدة، فضربوه العشر الأولى.. والخمس عشرة.. والعشرين.. وبعد ذلك قام يتلوى من الألم، واثنان من العسكر يمسكون به من يديه، وبعد ذلك كان إذا جلس وضعها في ظهره، فإذا قام ضرب بها في مقعدته أو تحتها، في منظر والله الذي لا إله إلا هو إن الموت أفضل منه! وهو يتلوى، وأخيراً لما وصل إلى الخمسين أو الستين لم يعد يستطيع التحمل وأخيراً سقط، فلما سقط قالوا: أكملوا الجلد على ظهره، ثم أخذوه ووضعوه في السيارة. لماذا هذه الورطة؟ من أجل شهوة الزنا؛ لأن الله تعالى قال: وَلا تَأْخُذْكُمْ بِهِمَا رَأْفَةٌ فِي دِينِ اللَّهِ إِنْ كُنْتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَلْيَشْهَدْ عَذَابَهُمَا طَائِفَةٌ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ [النور:2] هذا عذاب الدنيا، أما عذاب الآخرة فيقول الله عز وجل: وَلا تَقْرَبُوا الزِّنَى إِنَّهُ كَانَ فَاحِشَةً وَسَاءَ سَبِيلاً [الإسراء:32].

    ويقول عليه الصلاة والسلام: (ما عصي بذنب بعد الشرك أعظم من نطفة يضعها الرجل في فرجٍ لا يحل له).

    ويقول عليه الصلاة والسلام: (إن الزناة يبعثون يوم القيامة ويحشرون وفروجهم تلتهب نارا).

    وفي حديث سمرة بن جندب الذي في صحيح البخاري حديث الرؤيا الطويل أنه انطلق رسول الله صلى الله عليه وسلم هو وجبريل وواحد من الملائكة، قال: (فانطلقنا فأتينا على تنورٍ من نارٍ أعلاه ضيق وأسفله واسع وفيه رجال ونساء عراة، يأتيهم لهب من تحتهم فيرتفعون، ثم ينخفض بهم اللهب -يفور بهم ويطلع وينزل- فقلت: من هؤلاء؟ قال جبريل: هؤلاء الزناة والزواني من أمتك يا محمد) انظروا كيف مارسوا الزنا فهي لذة وقتية بدقائق لكن جرت نكبة، وويلاً إلى يوم القيامة.

    وقد جاء في الأثر: إن من زنى بامرأة كان عليه وعليها في القبر نصف عذاب هذه الأمة.

    وورد أيضاً: أنه يؤتى بالزاني يوم القيامة فيوقف بين يدي الله، فتسقط فروة وجهه خجلاً من الله؛ لأنه يوم خزي، الأنبياء والرسل والصالحون في ذلك اليوم يخافون، ولا يجرءون على الشفاعة عند الله عز وجل من الشدة والضيق، وهذا الزاني في ذلك اليوم تسقط فروة وجهه بين يدي الله عز وجل في ذلك الموقف الرهيب فيقول الله له: أزنيت؟ فيظن أنه في الدنيا يقول: لا يا ربي؛ لأنه كان يتصور أن لا أحد يراه يوم أن زنى، قال الله تعالى: ألا يرضيك أن أقيم عليك عشرة شهود؟ قال: بلى ربي؛ لأنه يتذكر أنه لا يوجد أحد في تلك اللحظة، وما علم أن الشهود كثير، لكنهم يشهدون في الآخرة، قال الله عز وجل: يختم على لسانه وتبدأ الجوارح تنطق الْيَوْمَ نَخْتِمُ عَلَى أَفْوَاهِهِمْ وَتُكَلِّمُنَا أَيْدِيهِمْ وَتَشْهَدُ أَرْجُلُهُمْ بِمَا كَانُوا يَكْسِبُونَ [يس:65] قال: فينطق اللسان فيقول: أنا للحرام نطقت، وتقول الأذن: وأنا سمعت، وتقول العين: وأنا نظرت، وتقول اليد: وأنا بطشت، وتقول الرجل: وأنا سعيت، وتقول الفخذ: وأنا عملت، وتقول الأرض: وأنا حملت، ويقول الفرج: وأنا فعلت، وتقول الملائكة: ونحن حضرنا، والله تعالى يقول: وأنا اطلعت وسترت. يا ملائكتي خذوه، ومن عذابي أذيقوه، فقد اشتد غضبي على من قل حياؤه مني.

    فجريمة الزنى فاحشة منكرة -والعياذ بالله- تجر إليها الأهواء والرغبات والشهوات، ويصدّ عنها الإيمان والدين الذي يقول الله تعالى فيه لما دعت امرأة العزيز يوسف إلى نفسها: قَالَ مَعَاذَ اللَّهِ إِنَّهُ رَبِّي أَحْسَنَ مَثْوَايَ [يوسف:23] وهكذا المؤمن حينما تتاح له مثل هذه الفرص الخبيثة فإنه يقول: معاذ الله ويربأ بنفسه أن يقع في هذه الجريمة؛ خوفاً من الله لكي يدخل من ضمن السبعة الذين يظلهم الله في ظل عرشه يوم لا ظل إلا ظله، وذكر منهم: (رجلٌ دعته امرأة ذات منصبٍ وجمال فقال: إني أخاف الله) فمنعه خوف الله تعالى وحجزه من أن يقع في هذه الجريمة التي لا تقع فيها إلا النماذج البهيمية، والقطيع الحيواني من البشر، أما أصحاب المروءة والإيمان فإنهم يترفعون عن هذه الويلات.

    فالإيمان والهداية تضبط سلوك المكلف، فلا يقتل، ولا يزني، ولا يسرق، لكن بعض الناس تهون نفسه عليه حتى يمد يده على مال معصوم، ثم يقبض عليه فتقطع يده، كم ثمن هذه اليد ؟ ليس لها ثمن.. فلو أقنعت شخصاً من الناس وقلت له: تعال، نريد أن نقطع يدك ونعطيك ملء الأرض ذهباً، ونجعلك رئيساً على أعلى الدولة، ونجعل لك القصور، ونجعل لك البساتين، ونجعل لك الزوجة، من يقبل أن تقطع يده؟ من يقبل؟ والله لا أظن أن أحداً يقبل، لكنها إذا خانت هانت، والرجل الملحد يقول: يدٌ بخمس مئين -يعني: خمسمائة -عسجد- أي: ذهب-.

    يدٌ بخمس مئين عسجد وديت، يعني: ديتها.

    يدٌ بخمس مئين عسجد وديت     ما بالها قطعت في ربع دينار؟!

    يقول: لماذا تقطع هذه بربع دينار؟! لأن الحد يقام فيما قيمته ربع دينار، ثلاثة دراهم، وأقل من ربع دينار لا يجب فيه حد؛ فالذي يسرق شيئاً بريال أو بنصف ريال هذا ليس فيه حد، لكن ما ثمنه في الشرع وفي العرف ثلاثة ريالات في ربع دينار هذا تقطع فيه اليد، بشروطه: إذا كان من حرز، وإذا كان من مكلف معصوم .. إلى آخره.

    قال الناظم الآخر:

    عز الأمانة أغلاها وأرخصها     ذل الخيانة فافهم حكمة الباري

    إذا كانت أمينة فهي غالية، وإذا كانت خائنة فهي رخيصة لا قيمة لها، فتهون نفس الإنسان ويمد يده ويسرق مال مسلم معصوم؛ فتقطع يده، ويطالع فيها وفيهم وهم يقطعونها ويجمدونها منه، ويقبلها قبلة الوداع، وينظر إليها آخر نظرة في الدنيا! أنت كل يوم تنظر في يديك..! نعمة من نعم الله عليك: تأكل بها، وتشرب بها، وتصافح بها، وتأخذ وتعطي بها، وتكتب بها، فما أعظمها من نعمة من نعم الله عليك: أَلَمْ نَجْعَلْ لَهُ عَيْنَيْنِ * وَلِسَاناً وَشَفَتَيْنِ [البلد:8-9] .. إلى آخر النعم التي ذكرها الله في القرآن الكريم، وفي السنة المطهرة.. هذه نعم عظيمة.. لكن أن تفقد هذه النعمة وأنت تنظر! إذ لا بأس أن تفقدها في حادث مروري، أو تفقدها في حادث عمل، لكن أن تفقدها وأنت مقيد وواقف، والجلاد يمسك رأس الأصابع ثم يقطع اليد من المفصل ثم يجمدها وتذهب، وتظل تعاني شهراً، وشهرين، وثلاثة من آلام القطع، وبعد ذلك تخرج إلى الناس وأنت مقطوع اليد اليمنى، لماذا؟ ما الذي ورطه هذه الورطة؟ الضلال.. الانحراف.. لو كان مهتدياً هل سيمد يده على شيء من الحرام؟! لو كان يخاف الله هل سيمد يده على مال معصوم؟! لا. لكن لما لم يخف الله ولم يراقب الله هانت نفسه فمد يده فقطعت فخسر الدنيا، وإذا تاب وإلا فإنه سيخسر الدنيا والآخرة، لكن إذا تاب فالله يتوب عليه.

    وكذلك الذين يتاجرون بالمخدرات، هذه المخدرات التي تغزو العالم، وتفتك بالأمم والشعوب، وتجتمع العقول في الدنيا كلها على محاربتها، كفاراً ومسلمين؛ ففي أمريكا والغرب وكل دول العالم يحاربون المخدرات حرباً شعواء، ويسنون لها القوانين، ويضعون لها أقسى العقوبات؛ لأن المخدرات -والعياذ بالله- داء وبيل، ومرض خطير؛ إذا تعاطاها الإنسان ألغى وجوده على ظهر الحياة، يصبح لا عقل له ولا إرادة، أي: يصبح كالحيوان لا يدري أين يتجه، يبيع عرضه وأولاده وزوجته، وماله.. المهم أن الهدف عنده أن يدمن على هذه الأشياء حتى ينتهي.

    وأما إذا كان مروجاً فالمروج غير المتعاطي؛ المروج هو الذي يبيع، أي: لا يشرب. لكن يشتري من المروجين ويبيع على الناس، وإذا كان مروجاً فإنه يجد أرباحاً، أي: يحصل على أموال بغير تعب، وإنما ينقل من هذا إلى هذا، ويبيع بمبالغ هائلة ويجمعها، فيذوق لذة المال الحرام، فيغريه الشيطان فيتمادى في هذا الشر حتى يورط الناس -والعياذ بالله- في هذه الجرائم، وأخيراً يكشفه الله -اللهم اكشفهم يا رب! في كل مجتمع، وضع أيدي المسئولين عليهم حتى يكشفوهم للأمة ويسلموا المجتمعات من شرورهم- هؤلاء إذا وقعت عليهم اليد -يد السلطة- فإنها تضربهم بيد من حديد، وقد سمعتم فتوى هيئة كبار العلماء في الحكم الشرعي بقتل الذي يهرب المخدرات، ويقتل المروج الذي يروج للمرة الثانية، والمروج للمرة الأولى يسجن ويجلد وتقام عليه حدود، لكن إذا أطلق وعاد مرة ثانية يروج فبالسيف يضرب، من أجل ماذا؟ من أجل حبوب تبيعها ولا تشربها، لكن لو عنده خوف من الله ما باع ولا اشترى في هذه الأشياء، ولو كان عنده إيمان بالله ما وقع في هذه الجريمة المنكرة، فالذي أوقعه عدم خوفه من الله عز وجل.

    إذاً.. نخرج بنتيجة: أن الهداية مكسب في أنها تزرع في قلبك الطمأنينة والراحة والأمن، ومكسب في أنها تضبط سلوكك فلا تقتل، ولا تسرق، ولا تزني، ولا تهرب، ولا تلوط، ولا تعق، ولا تعمل جريمة، والله لو لم يكن في الهداية إلا هذه الثمرات فقط لكانت كافية، لكن كيف والثمرات ثمرات عظيمة لا يعلمها إلا الله في الدنيا والآخرة.

    البسط في الرزق

    ومن ثمار التقوى والهداية أن الله عز وجل يبسط في رزق عبده المؤمن.

    فالله عز وجل يوسع للملتزم في رزقه، وبالاستقراء لم نر عبر حياتنا الطويلة رجلاً صالحاً ضيق الله عليه في معيشته، هل سمعتم بهذا؟ أبداً، طبعاً في زماننا هذا والحمد لله زمن الرخاء بسط الله الرزق على الطيب والخبيث؛ لكن في الزمان الأول وفي كل مجتمع وبيئة لا يمكن أن نجد إنساناً ضيق الله عليه في معيشته، بل كلما ضاقت وسع الله عليه.

    فـحاتم الأصم وهو من التابعين: أراد أن يحج فقال لأهله ولأولاده: إنني أريد أن أحج، ولم يكن عنده نفقة ولا مئونة إلا ما كان معه، وأولاده ما كانوا يريدون أن يمنعوا والدهم من الإتيان بهذه الفريضة الكبرى والقربة العظيمة عند الله، فقالوا له: نحن ما عندنا شيء، فقالت البنت الكبيرة من بناته: أنا عندي شيء، فلما ذهب وودعهم مر عليهم اليوم الأول والثاني والثالث وما عندهم شيء، قالوا للبنت: أعطينا الذي عندك، أنت قلت أن عندك شيئاً، قالت: والله ما عندي شيء لكني ما أردت أن أحبس أبي عن الطاعة، ولكن إذا غاب أبونا فما غاب ربنا، تقول: الله عز وجل سوف ينفق علينا ولو كان أبونا ليس موجوداً.

    وفي الليل مر الوالي أو الحاكم الذي في البلد ومعه العسس يعس، وأمام البيت أحس بظمأ فطرق الباب عليهم، وقال لهم: أعطوني ماءً، فقامت الابنة -بنت حاتم الأصم- وتحجبت وحملت الماء وجاءت به إلى الوالي وهي لا تعرف أنه الوالي، فشرب، فلما شرب كان الماء بارداً والإناء نظيفاً فارتوى، حتى إذا ما انتهى أخرج ما في يده وجيبه من نقود، وأخرج الذي معه من الرجال كل ما في جيوبهم اقتداء بالأمير ووضعوه في الكأس وأعادوها، ولما رجعت الكأس وإذا بالكأس التي خرجت مليئة ماء قد رجعت مليئة بالنقود، فدخلت البنت إلى أهلها وهم لا يعلمون بالحادث هذا، وجاء اليوم الثاني وقالوا: أنت التي تركتي والدنا يذهب، ما عندنا شيء، قالت: بل عندي شيء، قالوا: أين؟ فقامت وجاءت بالكأس مملوءة بالنقود، قالت: هذا الذي عندي من الله الذي لا إله إلا هو وَمَنْ يَتَّقِ اللَّهَ يَجْعَلْ لَهُ مَخْرَجاً * وَيَرْزُقْهُ مِنْ حَيْثُ لا يَحْتَسِبُ [الطلاق:2-3] يقول ابن عباس : [أبى الله إلا أن يجعل رزق عبده المؤمن من حيث لا يحتسب] أنت تتوقع وتحتسب الرزق من كل طريق، ولكن بالتقوى يأتيك الرزق من كل طريق وَمَنْ يَتَّقِ اللَّهَ يَجْعَلْ لَهُ مَخْرَجاً * وَيَرْزُقْهُ مِنْ حَيْثُ لا يَحْتَسِبُ [الطلاق:2-3] وقد يقول قائل: ما هو الرزق المقصود في هذه الآية؟ يقول العلماء: ليس الرزق المقصود هو الرزق الكمي، أي: تأتيك كمية نقود كثيرة. لا. الرزق المقصود هو الرزق الكيفي، أي: أن الله تبارك وتعالى يجعل في رزقك بركة، وفي قلبك قناعة، فإذا كان راتبك ألفي ريال بالإيمان، وبالتقوى؛ تعدل هذه الألف ريال عشرة آلاف ريال، وإذا كان راتب العبد عشرة آلاف ريال لكن بالكفر، والنفاق والضلال، والمعاصي؛ تصبح قيمتها الورقية والاستعمالية أقل من ألف ريال، كيف؟!

    أولاً: يفتح الله عليك بصائر في حياتك، أي: بعض الناس يشتري سيارته وتمر عليه السنة، والسنتان، والثلاث، والأربع، والخمس سنوات ولم يغير فيها مسماراً؛ لأسباب بركة هدايته ودينه، حتى قال لي شخص: والله إن عندي سيارة موديل أربعة وثمانين إلى الآن، يقول: يمر عليها خمس سنوات ومشيت بها تسعين ألف كيلو متر، يقول: والله ما غيرت حتى عجلاتها، قلت: لا إله إلا الله .. سبحان الله! المعروف أن أقصى مسافة لعجلات السيارات ثلاثون أو أربعون أو خمسون ألف كيلو متر. وقليل هي التي تصل إلى ستين ألف كيلو متر، قلت: كيف يا أخي؟ قال: الحمد لله، يقول: والله ما غيرت عجلاتها ولا بنشر كفر واحد خلال تسعين ألف كيلو متر! قال: ولا بنشر ولا غيرت، قلت: ماذا تعمل؟ قال: فقط (أدق سلف) وأقول بسم الله الرحمن الرحيم في الصباح! فقط هذا هو السر! فحفظ الله سيارته.

    لكن من الناس من يركب السيارة وهو ضال -قليل دين والعياذ بالله- من يوم (يعشق) مباشرة قبل أن يقول: بسم الله، يضع الشريط ويشغل الاستريو، استريو من هنا ومن هنا، ومن أمامه ومن وراءه من أجل أن ترجه السيارة. أنا أقف أحياناً عند الإشارة فيأتي شخص بجانبي يغني فأقفل الزجاج؛ لأن سيارتي تهتز من رجة سيارته، يرج الإسفلت ويرجني معه، ما يقبل حتى بموسيقى، أي: بسيطة، بل يريد شيئاً يرجه من أجل أن تهز عقله -والعياذ بالله- فهذا لا تستمر معه سيارته مائة كيلو، ولا مائتين، ولا سنة إلا وقد خربت، فيذهب راتبه في تصليح السيارة، وبعضهم تذهب رواتبه في علاج زوجته وأولاده، وفي تغيير متطلباتهم، بأسباب ماذا؟ عدم هدايته، لكن لو كان مهتدياً لرزقه الله عز وجل القناعة في قلبه، والبركة في زوجته. فبعض النساء تقعد عشر سنوات ما تمرض.. مباركة، وأولاده ما يمرضون، وسيارته لا تخرب، وفرشه لا تبلى، و(موكيتاته) نظيفة، وكل حياته جيدة، لماذا؟ فيه دين، فيه بركة، فيه إيمان؛ ولذا تتوفر له هذه المبالغ، أما إذا لم يوجد دين ولا إيمان فكل شيء يخرب: ثوبه يلبسه الآن وبعد قليل يوسخه، ماذا بك؟! وبعض الناس يلبس الثوب أسبوعاً كاملاً ويأتي يخلعه كأنه ما لبسه، لماذا؟ لأنه نظيف ظاهراً وباطناً، لكن ذاك القذر قذر ظاهراً وباطناً، ويغسل ثوبه كل يوم ولكنه أيضاً ما تنظف؛ لأنه قذر من الداخل لا حول ولا قوة إلا بالله!

    فهنا الرزق المقصود في هذا هو الرزق الكيفي لا العددي، فقد ترزق مالاً كثيراً لا بركة فيه فتشقى به، وقد ترزق مالاً كثيراً فيه بركة فيبارك الله عز وجل فيه، وهذه لا تأتي البركة إلا عن طريق الدين.

    محبة الخلق للعبد الصالح

    الثمرة الرابعة من ثمار الإيمان والدين: ثمرة محبة الخلق لك.

    وهذه تأخذها انتزاعاً تنتزعها من الناس، من الذي يستطيع في الدنيا أن يفرض على الناس أن يحبوه؟ هل يستطيع أحد؟ الجواب: لا. لماذا؟ لأن القلوب ليست بيده، القلوب بيد الله: (قلوب العباد بين إصبعين من أصابع الرحمن يقلبها كيف يشاء) فقد تفرض على شخص أن يحبك. طيب.. أحبك وهو يكرهك مثل الشيطان الرجيم؛ لأن القلب ما تستطيع أن تدخله من أجل أن تعرف أهو يحبك أو لا؟ لكن بالإيمان وبمحبة الله لك يلقي الله لك المحبة في قلوب الناس أجمعين، كما جاء في الحديث الصحيح، يقول رسول الله صلى الله عليه وسلم: (إذا أحب الله عبداً نادى جبريل: يا جبريل! إني أحب فلاناً فأحبه، فيحبه جبريل، ثم ينادي في السماء: يا أهل السماء! إن الله يحب فلاناً فأحبوه، فيحبونه، ثم يلقى له القبول في الأرض، وإذا أبغض الله عبداً نادى جبريل: يا جبريل! إني أبغض فلاناً فأبغضه، فيبغضه، ثم ينادي جبريل في السماء: إن الله يبغض فلاناً فأبغضوه، فيبغضونه، ثم يلقى له البغض والكراهية في الأرض) فترى كل شيء يبغضه حتى جلده وثوبه الذي على ظهره، ولقمته التي يأكلها، وحتى بيته الذي يسكنه، وزوجته، ودابته، وأولاده، فمن يوم أن أبغضه الله كل شيء يبغضه.

    أما ذاك المؤمن إذا أحبه الله فإن كل شيء يحبه، حتى أعداءه وأهل الشر يحبونه، ولعلكم تعرفون قصة يوسف عليه السلام لما دخل معه السجن شابان فرأى كل واحد منهما رؤيا من الذي ذهبوا إليه وقالوا: نَبِّئْنَا بِتَأْوِيلِهِ إِنَّا نَرَاكَ مِنَ الْمُحْسِنِينَ [يوسف:36] وصفوه: مِنَ الْمُحْسِنِينَ [يوسف:36] ما ذهبوا للخمارين ولا للزناة ولا للقتلة.. ذهبوا لمن؟ للصالح يوسف عليه السلام، محبة وإكراماً له واعترافاً بأنه من الصالحين الذين لا يمكن أن يوجد العلم إلا عندهم.

    فإذا اهتديت -يا أخي- فهي نعمة أن تكون محط تقدير وموضع محبة الناس كلهم، أليست هذه نعمة؟ لأنك إذا أحبك الناس أولاً: إذا مت شهدوا لك، فلو مات رجل فاضل من فضلاء المجتمع: عالم أو داعية أو صالح، وسمع الناس في مدينة أبها أو في خميس مشيط أو في المنطقة الجنوبية أو في المملكة كلها أن فلاناً مات وهو رجلٌ صالح، فماذا تتوقعون أن يقول الناس عند موته؟ كلهم يدعون له ويثنون عليه، ويقولون: رحمه الله رحمة واسعة.. غفر الله له.. أسكنه الله فسيح جناته.. كان رجلاً عابداً.. كان قواماً.. كان صواماً.. كان صالحاً.. كان داعيةً.. كان عالماً.. كان معلماً للناس الخير.. هذه الدعوة تأتيه في قبره، وتجمع الأمة على أن تدعو له، والله عز وجل يمضي شهادة الناس؛ لأن الله تعالى يقول: لِتَكُونُوا شُهَدَاءَ عَلَى النَّاسِ وَيَكُونَ الرَّسُولُ عَلَيْكُمْ شَهِيداً [البقرة:143] ومر على النبي صلى الله عليه وسلم بجنازةٍ فقال: (وجبت) بعد أن أثنى الناس عليها خيرا، ثم مر عليه بجنازة مرةً أخرى فقال: (وجبت) بعد أن أثني عليها شراً، ثم قال عمر : يا رسول الله! قلت: وجبت في الأولى والثانية، قال: (أثنيتم على الأولى خيراً فوجبت لها الجنة، وأثنيتم على الثانية شراً فوجبت لها النار، أنتم شهداء الله في أرضه).

    فهل تريد أن يشهد لك الناس بالخير؟ هل تريد أن يدعو لك الناس إذا مت؟ هل تريد أن يحبك الناس إذا ذكرت؟ ذلك هدف من أهداف كل عاقل، وغاية نبيلة يسعى إليها كل إنسان فاضل، لكنك لا يمكنك أن تحصل عليها إلا بالدين، والإيمان، والهداية، وهنا تنتزعها وتجعل الناس كلهم يحبونك؛ لأنه إذا أحبك الله أحبك كل شيء، وإذا أبغضك الله أبغضك كل شيء، وهذه نعمة لا تعدلها نعمة من نعم هذه الدنيا.

    قوة البدن في العبادة

    ومعطىً خامس أختم به هذا المقام وهو: أن الله عز وجل يرزق المؤمن قوة في بدنه، والمراد بالقوة هنا القوة في العبادة، فتراه قوياً في الصلاة، والصيام، والحج، والجهاد، والعلم وطلبه.. وكل ما يحبه الله ويرضاه، وتراه جباناً في الشر، ضعيفاً في مواطن الشر، هذا بأسباب ماذا؟ بأسباب الهداية والإيمان.

    وكن عن كل فاحشة جباناً     وكن في الخير مقداماً نجيبا

    وبالضلال وبالكفر تنعكس المسألة، فترى الضال والعاصي -والعياذ بالله- قوياً في كل شيء إلا في الدين، قوياً في الكرة: يلعب من العصر إلى المغرب .. يصول ويجول ولا يتعب ولا يكل ولا يفتر، لكنه إذا أتت الصلاة بدا كسلاناً لا ترى فيه أي قوة ولا قدرة على الصلاة، وإذا جاء الصوم تنهار قواه ويتعب، ويطلب إجازة، وينام من صلاة الفجر إلى المغرب، هذا كثير من صوام زمانك: يأخذ إجازة وينام من حين أن يتسحر في الساعة الرابعة، يقال له: صل، فيقول: ليس الآن، وينام -قال: لا توقظني حتى أقوم- ولا يستيقظ إلا قبل الفطور، وصلاة الفجر والظهر والعصر لم يؤدها، وقام يغسل وجهه، ثم يتقدم السفرة من أجل أن يلتهم الفطور، وبعد الفطور يلعب: (بلوت) و(ورقة) و(سمرة) إلى السحور، وجاء وتسحر ونام إلى الفطور، هذا صيام أهل هذا الزمان! لماذا؟ لأنه لا يستطيع أن يقاوم، فيقضي الصوم كله في النوم، وطبعاً النائم لا يحس بالجوع ولا بألم الجوع، فإذا استيقظ وبقي على وقت الفطور نصف ساعة أو ساعة فإنه يتوضأ فيها يقوم ليأكل، فتجد العاصي ضعيفاً في الصلاة ولا يستطيع أن يأتي إلى المسجد كل يوم، بل بعضهم يرحمه إذا نظر إليه أحد الناس، واحد من الشباب يقول لي: إنه كان قبل هدايته يقول: كنت والله إذا نظرت إلى فلان من الناس وهو طالع إلى المسجد أرحمه، أقول: هذا المسكين عذب نفسه، يذهب ويأتي إلى المسجد، وفي الظهر طالع ونازل، وفي العصر طالع ونازل، يقول: والله إني أشفقت عليه ورحمته، رحمته من الصلاة والصوم ومن الذهاب إليها، قلت: والآن؟ قال: والآن الحمد لله الذي هداني للإيمان.

    وشخص يقول: ذهب إلى الرياض يقول: فمر على شارع اسمه شارع (السبيبري) يمكن طبعاً الآن ليس موجوداً أو تغير، هو آتٍ من شارع (البطحاء) ذاهب (للديرة)، فمر على مسجد بشارع (الفليلي)، وفي هذا المسجد إمام بارك الله فيه ووفقه يطيل الصلاة ويصلي بالناس التراويح صلاةً متأنية يطيل فيها، ولا يصلي معه إلا الذين يحبون الصلاة الجيدة، فمر عليهم هذا الشخص فرآهم يصلون، ثم ذهب إلى (الديرة) واشترى حاجاته وعاد وهو أيضاً يصلي للشيطان إلى أن تعبت رجلاه وهو واقف، ثم رجع وإذا بهم وقوف يصلون، يقول: والله إني رحمتهم، يقول: يا لله! هم من تلك الساعة وقوف يصلون؟ وهو نفسه يقول: والله ما ثنيت رجلي لجلوس وإنما بقيت واقفاً؛ لأنه لا يوجد مكان في السوق، لكن هو يصلي للشيطان في الأسواق، وهم يصلون للرحمن في المسجد فيرحمهم، يقول: فجلست وشربت ماء من ثلاجة المسجد، ويقول: انتظرت حتى سلموا من أجل أن أنظر إلى وجوههم كيف تبدوا وقد تعبوا. يقول: أتيت وإذا بهم كلهم كهول ليس فيهم شاب، أما الآن فالحمد لله الذي يملأ المساجد هم الشباب بارك الله فيهم وكثر الله من أمثالهم، هذه نعمة من نعم الله تبارك وتعالى، وهي القوة في دين الله عز وجل.

    ومرة في هذا المسجد أذكر لكم هذه القصة: سكن رجل في هذا الحي بجوار المدرسة، وبعد ذلك لم يأت ليصلي معنا، فجاءني الجيران، فقالوا: يا شيخ سعيد : عندنا جار لا يصلي معنا في المسجد، فنريدك أن تذهب وتكلمه، قلت: حسناً، فذهبت أنا وهم إليه وزرناه بعد المغرب.. فرحب بنا وجلسنا عنده، وقلنا: أنت ضيف جديد في الحي وجزاك الله خيراً، ومنذ أن سكنت انتظرناك لتصلي معنا في المسجد؛ لأنك تعرف أن الصلاة فريضة الله على عباده، ولكنك لم تأت فأتينا نرحب بك أولاً، ثانياً: ندعوك إلى الصلاة معنا إن شاء الله، وإن شاء الله تصلي ولا تتأخر حتى لا نضطر أن نرفع بك إلى المسئولين قال: جزاكم الله خيراً! إن شاء الله أصلي، ولما جاء صلى العشاء في تلك الليلة وجزاه الله خيراً فلم يقصر في الإجابة، وبعد فترة لم يصل! لا اليوم الأول ولا الثاني ولا الثالث ولا الرابع.. المهم.. مرت عليه فترة طويلة، قال الجيران: صلى ذلك اليوم فقط، ولم يأت بعد ذلك، فذهبنا له، ولما أتينا عنده قلنا له: المسألة أنا أتيناك في ذلك اليوم وقلنا: صل وما صليت معنا، قال: بل صليت، والله إني صليت معكم.

    قلنا: كم صليت؟

    قال: صليت ذلك اليوم.

    وقلنا: لا. الصلاة كل يوم تأتي تصلي.

    قال: ماذا؟! .. كل يوم؟!

    قلنا: كل يوم!

    قال: كل يوم خمس مرات ذاهب وخمس مرات راجع وكل يوم؟

    قلنا: كل يوم خمس مرات ذاهب وخمس مرات راجع -لا يتصور هو- قال: والله إن شاء الله، لكن في نفسه يقول: ما يخارجني هذا الكلام، يقول: كيف أطلع وأنزل كل يوم للمسجد خمس مرات، شيء صعب ما تعوده في حياته، المهم جاء اليوم الثاني فأخبرني جيرانه وقالوا: والله إنه لم يمس في هذا البيت، وأتى بسيارة كبيرة وأخذ عفشه وذهب في مكان ليس فيه مسجد.. لا حول ولا قوة إلا بالله! لماذا يستكثر الصلاة؟ ضعف بدني وإلا فهو ما شاء الله مثل الحصان.. عضلات، أي: يأخذ عشرة بيده، لكن الصلاة ثقيلة على النفس، والله تعالى يقول: وَإِنَّهَا لَكَبِيرَةٌ إِلَّا عَلَى الْخَاشِعِينَ [البقرة:45] بينما تجد كبير السن الضعيف يأتي بعصاه من البيت إلى المسجد، ومن المسجد إلى البيت، ومن البيت إلى المسجد.. وهكذا، ما الذي قوى هذا؟ إيمانه وخوفه من الله قواه، والله إن بعض الكهول لو أتيت عليه في فراشه وكبلته وقيدته وضربته لا يمكنه أن يجلس إلا في المسجد، وبعض الشباب عضلاته مثل عضلات الحصان ولا يأتي يصلي، هذا ضعيف في دين الله فأضعف الله بدنه، وهذا قوي في دين الله فقوى الله بدنه.

    فمن ثمار دينك وثمار هدايتك أن الله يقويك ويحفظ لك جوارحك ويقويك على طاعة الله.

    هذه خمس معطيات وخمس ثمرات تجنيها ثمرة الإيمان في الدنيا، أهي خير -يا أخي المسلم- أم الضلال والفساد الذي يزرع في قلب العبد القلق والاضطراب؟ وأيضاً لا يضبط سلوكه؛ فيهلكه في أي مصيبة، ولا يوسع الله عليه في رزقه، ولا يجعل له محبةً في قلوب الناس، ويجعله ضعيفاً في كل شيء إلا في معصية الله فهو قوي، ومن كان في هذه الدنيا قوياً في معصية الله كانت قوة الله عليه عظيمةً يوم لا حول ولا قوة إلا بالله عز وجل في عرصات القيامة.

    أسأل الله الذي لا إله إلا هو أن يرزقنا وإياكم قوة في دينه، وبصيرة في شرعه، وتوفيقاً في هدايته إنه على كل شيء قدير. والله أعلم.

    وصلى الله على نبينا محمد وعلى آله وصحبه وسلم.

    1.   

    الأسئلة

    .

    اللباس .. أحكامه وشروطه

    السؤال: إني أحبك في الله، أرى بعض الشباب الملتزم لا يلبسون العقال، فهل ورد دليل في ذلك؟ وإن لم يوجد فلم لا تلبسه أنت؟

    الجواب: أحبك الله الذي أحببتني فيه، وأسأل الله أن يجمعنا وإياكم في ظل عرشه يوم لا ظل إلا ظله ببركة الحب فيه والبغض فيه فإنه كما جاء في الحديث: (عن يمين الرحمن وكلتا يديه يمين أناس ليسوا بأنبياء ولا شهداء يغبطهم الأنبياء والشهداء، قيل: من هم يا رسول الله؟! قال: هم الذين يجتمعون على الذكر؛ ينتقون من الذكر أطايبه كما ينتقي آكل التمر من التمر أطايبه).

    وفي الحديث الآخر: (ورجلان تحابا في الله اجتمعا عليه وافترقا عليه) هؤلاء يظلهم الله في ظل عرشه.. نسأل الله من فضله.

    وإجابة على السؤال أقول: أولاً: لم يرد في دين الله عز وجل بأن يلتزم المسلم لباساً معيناً، أي: لابد أن يلبس المسلم هيكلاً أو أمراً معيناً، لا. إنما يلبس المسلم ما يريد على ألا يقع في شيء من المحذورات الأربع:

    أولاً: ألا يلبس حريراً.

    ثانياً: ألا يتشبه بالكفار وأعداء الله، بمعنى: اللباس الذي اختص به الكفار نحن نتركه؛ لأن: (من تشبه بقومٍ فهو منهم) لا لأنه في ذاته حرام، ولكنه أصبح شعيرة من شعائرهم ودلالة من دلالاتهم فنحن نبغضه في بغضهم.

    ثالثاً: ألا يتشبه بالنساء؛ لأن الرسول صلى الله عليه وسلم: (لعن المتشبهين من الرجال بالنساء، ولعن المتشبهات من النساء بالرجال).

    رابعاً: ألا يكون فيه خيلاء ولا كبرياء، أي: لا تلبس شيئاً فيه كبر أو غطرسة أو خيلاء.

    وما لم تتوفر فيه أحدى هذه الأشياء فالبس ما شئت.

    أما موضوع العقال فهو من الأشياء التي تعارف الناس على لبسها، وتعارف أقوامٌ على عدم لبسها، وطلبة العلم غالباً لا يلبسونها؛ لأنه لا ضرورة لها عندهم؛ لأنها جزءٌ من الشكل الجميل الذي يهتم به بعض الناس فيريد أن يكون شكله مرموقاً، وهذه الأشياء بالنسبة لطلبة العلم أشياء ثانوية في حياتهم، فهم يهتمون بشيء أكبر من ذلك وأعظم وهو إن شاء الله صلاح قلوبهم، وأما الشكل الظاهري فأي ثوب وأي غترة وأي عقال.. المهم أن الإنسان لا يبتذل ولا (يتدروش) ويلبس أشياء لا تليق به كما يصنع بعض الناس؛ إذا رأيته ترى أن شكله غير جيد، لماذا؟ لأنه يتساهل، والنبي صلى الله عليه وسلم قد قال: (إن الله يحب أن يرى أثر نعمته على عبده) ويقول: (إن الله جميل يحب الجمال) وكان له جبة يلبسها ويقابل بها الوفود، وكان صلى الله عليه وسلم يسرح شعره ويطيب مفرقه، وكان يكتحل ويدهن، ويحب أن يخرج إلى الناس ورائحته طيبة وشكله طيب، فالاهتمام بالشكل مرغوب فيه ومطلوب في الشرع لكن في حدود، ليس إلى الحدود التي تخرج الإنسان عن حد المعقول، ويظل فقط أمام المرآة، فبعضهم يظل أمام المرآة ساعة وهو يضبط مظهره ويتلفت لكن داخله خراب، فالمغالاة والتجاوز في الحدود ينقلب إلى أضدادها. فهذا يعني: عدم لبس العقال عند الكثير من طلبة العلم.

    وبعضهم يقول: إن العقال مأخوذ من العقل، يقول: فإذا نقص العقل زاد العقال، وكلما نقص تشاهده يزيد من حجم العقال من أجل أن يمسك العقل حتى لا يطير. وهذه طبعاً على سبيل النكتة وليس على سبيل الحقيقة!

    أما أنا فلا أحب أن ألبس العقال؛ لأن العقال لا يصلح لي؛ لأن رأسي مفلطح من فوق، فإذا لبسته فإنه يسقط وإلا ليس هناك أي سبب آخر.

    التشبيه في صفات الله

    السؤال: قلت: إن (قلوب العباد بين إصبعين من أصابع الرحمن) ومثلت بإصبعك وهذا تشبيه؟

    الجواب: صدق! وأنا أستغفر الله العظيم وأتوب إليه، إن قلوب العباد بين أصبعين من أصابع الرحمن يقلبها كيف يشاء ولا أشبه؛ لأن التشبيه ممقوت ومحذور في شرع الله.

    التوبة وشروطها

    السؤال: كيف يبدأ الإنسان بالتوبة؟

    الجواب: هذا سؤال هام جداً، يحتاج إلى وقت طويل، لكن يقول العلماء: العتبة نصف الطريق، إذا أراد الإنسان أن يسافر هل يسافر وهو في البيت؟ الجواب: لا. لكن متى يقطع الطريق؟ إذا خرج من البيت، من أول ما يقطع عتبة البيت اعتبر أن الطريق نصفها ذهب؛ لأنه شرع في الطريق، وكذلك الذي يريد أن يتوب فالعتبة في طريق التوبة نصف الطريق، وهي ثلاثة أشياء:

    أولاً: الإقلاع من الذنب الذي أنت فيه.

    الثاني: الندم على ما فات فيه.

    ثالثاً: العزم على ألا تعود في الذنب.

    هذه هي التوبة.

    والأوقات ثلاثة:

    الأول: وقتٌ مضى، فاستغفر الله فيه.

    الثاني: وقتٌ مستقبل، فاطلب الله أن يعينك فيه على الهداية.

    الثالث: وقت حاضر، املأه بالطاعة، وحينها تكون من التائبين إن شاء الله!

    فتأتي إلى عينك التي تنظر إلى الحرام، وتقول: قفي يا عين! فأنا تائب، وتأتي إلى أذنك التي تسمع الغناء والحرام، تقول: والله لا أسمع، وتأتي إلى يدك التي كانت تمسك الحرام، تقول: تبت، ورجلك التي تسعى إلى الحرام تابت، وبطنك التي تأكل الحرام تابت، وفرجك إذا كان يرتكب الحرام تاب .. المهم أنك بالتوبة، لا تعمل شيئاً يغضب الله، وبعد ذلك إذا سمعت أمراً لله تذهب إليه.. إلى الصلاة في المسجد.. وإلى قراءة القرآن، وحلق العلم، وحفظ كتاب الله، والحب في الله.. وأصبحت من المهتدين، وعندما تمشي يوماً ويومين وثلاثة تكون قد قطعت نصف الطريق وأنت لا تدري إلا وأنت مع أهل الإيمان في روضة لا يجدها إلا هم في هذه الحياة.

    حكم من قال بعد قراءة القرآن: صدق الله العظيم

    السؤال: ما حكم من قال بعد قراءة القرآن: صدق الله العظيم؟

    الجواب: اختلف أهل العلم في هذه الكلمة:

    فبعضهم يقول: لا شيء فيها، وبعضهم يقول: الأولى تركها، والراجح أن الأولى تركها؛ لأدلة:

    الدليل الأول: أنها لم تؤثر عن رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقد أمر عبد الله بن مسعود رضي الله عنه أن يقرأ عليه والحديث في الصحيحين فقال له: (اقرأ، قال: أأقرأ وعليك أنزل؟ قال: نعم. فإني أحب أن أسمع من غيري، قال: فقرأت من سورة النساء حتى بلغت قول الله عز وجل: فَكَيْفَ إِذَا جِئْنَا مِنْ كُلِّ أُمَّةٍ بِشَهِيدٍ وَجِئْنَا بِكَ عَلَى هَؤُلاءِ شَهِيداً * يَوْمَئِذٍ يَوَدُّ الَّذِينَ كَفَرُوا وَعَصَوُا الرَّسُولَ لَوْ تُسَوَّى بِهِمُ الْأَرْضُ وَلا يَكْتُمُونَ اللَّهَ حَدِيثاً [النساء:41-42] قال: فقال لي: حسبك، فنظرت إليه فإذا عيناه تذرفان بالدمع) صلوات الله وسلامه عليه، ولم يأمره بأن يقول: صدق الله العظيم.

    وكان يقرأ صلى الله عليه وسلم وينهي قراءته ولم ينقل أنه كان يقول: صدق الله العظيم، ولو قيل لنقل، ولم ينقل عن الصحابة ولا عن سلف هذه الأمة وإنما جاء في القرون المتأخرة.

    الدليل الثاني: قال العلماء: إن التصديق إنما يكون لمن يحتمل ويتوقع منه الكذب، فأنت تقول: صدق الله العظيم، لكن الذي لا يتوقع منه إلا الصدق ليس بحاجة إلى تصديقك أليس كذلك؟ فأنت إذا كنت مدرساً وسألت الطالب سؤالاً، ثم أجاب الطالب بعد أن سألته -أي: أعطاك الجواب الصحيح- ما هو موقفك أنت؛ لأنك أعلم من الطالب، ماذا تقول؟ هل تقول: صدقت أم لا؟ لكن إذا جاء الطالب وسألك وقال لك: يا أستاذ: كم أركان الإسلام؟ فقلت أنت: أركان الإسلام خمسة، قال لك الطالب: صدقت، ماذا تقول له؟ تصفعه على وجهه، وتقول: ليس لك دخل صدقت أو ما صدقت، أنت تصدقني أنت، أنا أعرف بالعلم منك. لا تقبل أنت أن يصدقك أحد وهو دونك؛ يقول:

    ألم تر أن السيف ينقص قدره     إذا قيل إن السيف أمضى من العصا

    إذا قلت: والله إن هذا السيف أحسن من هذه العصا، ما رأيك.. تمدحه أم تذمه؟ تذمه؛ لأنك فاضلت بينه وبين العصا التي ما تنفع، فكيف تجعله أحسن من العصا، وبدون شك أنت ذممته، فتصديقك لله وهو لا يتوقع منه إلا الصدق كأنه معرض ذم، ولذا إذا انتهيت لا تقل: صدق الله العظيم.

    وقال الشيخ عبد الله بن حميد رحمة الله تعالى عليه وقد سمعته بأذني وقد سأل في مكة عن هذه المسألة، قال: إن قاله إنسان فلا حرج إن شاء الله. والله أعلم.

    الرياء .. حكمه وكيفية العلاج منه

    السؤال: يقول الأخ الكريم: إنني أريد أن أعمل أعمال الخير، ولكني أحياناً أحب المدح من الناس، فما هو العلاج بارك الله فيكم؟

    الجواب: الذي يعمل العمل من الخير ويحب أن يثني عليه الناس هذا هو المرائي بعينه، وهذا هو الرياء، وعلامة المرائي أمران:

    أولاً: أنه ينشط في الملأ ويكسل في الخلوة.

    ثانياً: أنه يزيد في العمل إن أثني عليه، وينقص إن لم يثن عليه.

    ومعنى هذا: أن عمله ليس خالصاً لوجه الله، وهذا هو الرياء.

    وطريق العلاج أن تعمل لوجه الله، وأن يستوي في نظرك المادح والذام، فإنه والله إن مدحك الناس كلهم لن ينفعوك، وإن ذمك الناس كلهم لن يضروك؛ لأن الذي ينفع مدحه ويضر ذمه هو الله، فإذا مدحك الله تعالى ولو ذمك الناس كلهم فحسبك الله، وإذا ذمك الله تعالى وقد مدحك الناس كلهم فإن الناس لن ينفعوك وقد ذمك الله تعالى، فعليك أن تخلص لوجه الله، وأن يستوي عندك الذام والمادح في دين الله عز وجل.

    داعية يذكر قبراً يشتعل ناراً

    السؤال: يقول: أحد الدعاة نحسبه والله حسيبه من خيار الدعاة في جدة ألقى محاضرة بعنوان: اليوم الآخر، وأقسم بالله إنه يوجد في البلدة التي يسكن فيها قبر يشتعل ناراً كل صلاة مغرب، يقول: كلما أذن للمغرب يشتعل هذا القبر ناراً.

    الجواب: هذا الأخ صادق، فقد ذكر ابن القيم قصصاً كثيرة جداً في هذا الموضوع، من ضمن القصص التي ذكرها: أن رجلاً صالحاً في قرية من قرى العراق في زمنه، كان ماراً في الليل من أمام المقبرة فوجد حماراً ينهق في المقبرة، فدار على القرية وصلى الفجر مع أهلها، وقال لهم: يا جماعة! مقبرتكم الآن أصبحت مزبلة للحمير، وحرمة الأموات كحرمة الأحياء، فاجعلوا عليها سوراً واحموها من الحمير حتى لا تؤذي الأموات في المقبرة، قالوا: لماذا؟ قال: لأني سمعت عندما أذن الفجر حماراً ينهق في المقبرة، قالوا له: إنه ليس حماراً، ولكن هذا شاب مات منذ أيام، وهذا الشاب كانت أمه إذا أيقظته للصلاة، تقول له: قم صل، فكان ينزعج منها ويقول لها: انهقي ، ولا يقوم ليصلي، فلما مات كان كلما أذن للفجر سمع له نهيقاً من قبره كنهيق الحمار -والعياذ بالله- ينهق كما ينهق الحمار وهو معذب، فهذه القصص كثيرة جداً، وقد ذكرنا الكثير منها.

    شرح أثر عن أحد السلف: (كيف وجدت الموت ... إلخ)

    السؤال: يقول الأخ السائل: سئل أحد الصالحين: كيف وجدت الموت؟ قال: كأن السماء قد انطبقت على الأرض، وكأني أتنفس من ثقب إبرة، أذكر لنا هذا الوضع أو الشرح؟

    الجواب: لا يحتاج الموضوع إلى شرح، فإنه أحد السلف لا يحضرني الآن اسمه، لما حصلت له الحشرجة وسكرات الموت ثم فرج عنه سأله أحد أولاده، قال: كيف وجدت الموت؟ قال: والله لقد رأيت كأني أتنفس من ثقب إبرة، وكأن السماوات قد أطبقت على الأرض من شدة الضيق والعذاب، وكأني أتنفس ليس من أنفي ولا من حنجرتي وإنما من خرق إبرة، ضاق نفسه! وهذا واقع؛ لأن الحشرجة والسكرات قوية، نسأل الله أن يخفف عنا وعنكم سكرات الموت.

    علاج الانتكاسة بعد الصلاح

    السؤال: يقول: أنا في بداية طريقي اجتهدت في عبادة ربي من قيام الليل، وركعتي الضحى، وصيام يوم الإثنين والخميس، ولكن بعد ذلك أخذت أتركها واحدةً واحدةً؛ وذلك بسبب مصاحبتي للأشرار، أرجو منك أن تنقذني قبل أن أذهب للهاوية؟

    الجواب: لا إله إلا الله! هذه المصيبة -يا إخواني- أن ينتكس الإنسان بعد أن يذوق طعم الهداية والطاعة، يقول الله عز وجل: ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ آمَنُوا ثُمَّ كَفَرُوا فَطُبِعَ عَلَى قُلُوبِهِمْ فَهُمْ لا يَفْقَهُونَ [المنافقون:3] وإن من أسوأ الأشياء -يا أخي- أن تذوق طعم الدين ثم تنتكس -والعياذ بالله- ولكن طالما وأنت تسأل هذا السؤال وأنت في هذا المسجد فطريق العلاج -يا أخي- وطريق النجاة والإنقاذ لنفسك: أن تعود إلى طاعة الله عز وجل، وأن تعرف أن هذه الدنيا فانية وأنك سوف تموت، وربما تموت هذه الليلة، أو غداً، أو بعد غدٍ، أو بعد سنة، أو بعد شهر، فعليك أن تسارع بالتوبة قبل أن يأتيك الموت وأنت على غير الهداية، فتندم ندامة لا تسعد بعدها أبداً.

    حكم التصوير

    سؤال: يقول: ما حكم التصوير؟ وهل تصوير نصف الجسم جائز؟ وهل يقصد بالتصوير النحت أو صورة الكاميرا؟

    الجواب: يقصد بالتصوير: التصوير اليدوي بالقلم والريشة ولا يقصد به النحت، فالنحت هو التمثيل؛ لأن حديث علي الذي فيه بعث أبي الهياج، قال: [ألا أبعثك على ما بعثني رسول الله صلى الله عليه وسلم عليه؟ قال: نعم. قال: بعثني على ألا أدع تمثالاً إلا كسرته، ولا صليباً إلا حطمته، ولا قبراً مشرفاً إلا سويته، ولا صورةً إلا طمستها].

    فالصورة التي تكتب باليد هذه هي المحرمة، ولا يجوز للمسلم أن يصور ذوات الأرواح، وإذا كان رساماً أو فناناً أو ممن يشتغل في التربية الفنية فعليه أن يرسم ما لا روح له، مثل: الجبال، والأشجار، والأنهار، والسيارات، والطائرات، والدكاكين، والعمارات، والشوارع، والسماوات.. كل هذه يجوز تصويرها؛ لأنه لا روح لها، وهذا مباح إن شاء الله، أما غيرها فلا.

    أما التصوير الفوتغرافي فقد اختلف أهل العلم فيه:

    فقال بعضهم: إنه لا يدخل ضمن دائرة التحريم.

    وقال البعض الآخر: إنه محرم.

    ودليل القول الأول: أن الإنسان لا يد له فيه، وإنما هو تثبيت للظل وحبس للصورة في الورق، كالمرآة إذا وقفت أمامها فإنك ترى صورتك، والوقوف أمام المرآة لم يقل أحد من أهل العلم أنه محرم، بل الرسول صلى الله عليه وسلم نظر إلى المرآة وقال: (اللهم كما زينت خلقي فزين خلقي) ولكن هذه المرآة مثل الكاميرا غير أنها تختلف عنها بأنك إذا ذهبت من أمام المرآة تذهب الصورة، أما الكاميرا فتثبت الصورة التي خلقها الله عز وجل، هذا دليل القائلين بالجواز.

    ودليل القول الآخر ودليلهم أقوى: إنه لا يمكن أن يحصل التثبيت للصورة إلا بفعل من الإنسان، فالإنسان هو الذي يضبط المسافات وهو الذي صنع العدسات وأدخل الفيلم ثم طبعه، وحمضه، وصور كل شيء، فأما الآلة فليست إلا وسيلة في سبيل هذا التثبيت، ولذا فإنه ينبغي للمسلم ألا يعمل هذا.

    وبعضهم اعتدل في ذلك وقال: إن كانت الصورة للضرورة فلا بأس، مثل صورة: (الحفيظة) وصورة التابعية، والجواز، والرخصة للسيارة والتي تدعو إليها الحاجة.. فهذا لضرورة الأمة، ولا شيء فيه إن شاء الله، وهذا هو الذي يميل إليه الشيخ: محمد بن عثيمين ، والشيخ: عبد العزيز بن باز بارك الله فيهما وحفظهما ومتع المسلمين بحياتهما.

    وكذلك صور المجرمين فلو لم نعرف صور المجرمين ولم يعلن عنهم من أجل متابعتهم أو القبض عليهم أو التشهير بهم لما عرفنا ذلك، فهذه فيها مصلحة إن شاء الله.

    الجراد.. تارة يأتي عذاباً وتارة رحمة

    السؤال: يقول: انتشر الجراد وخيم على كثيرٍ من مناطق الجنوب، وخيم ضحى هذا اليوم على عددٍ من المناطق فنخشى، أن يحل بنا قارعة كقارعة اليمن الشقيق في الزلزال، أو السودان في الفيضانات وغيرها من بلاد العالم؟

    الجواب: نقول يا أخي الكريم! نحن فعلاً كنا نخشى أن تصيبنا أو أن تصيب أي مسلم في كل بقعة من بقاع الأرض أي مصيبة أو قارعة أو زلزلة؛ لأن الناس عرضة لهذه المصائب، خاصة إذا أعرضوا عن دين الله عز وجل، فكلما أنعم الله على العباد ولم يشكروه فإنما يعرضون أنفسهم لسخط الله وغضبه، ولكن الجراد كما يقول أهل العلم: الجراد مثل المطر، يأتي أحياناً رحمة ويأتي أحياناً نقمة، فإذا جاء الجراد والناس جائعون فهو رحمة من الله بهم، وقد كان الناس في الماضي يعرفون هذا، وأنا أذكر أننا كنا نعتبر مجيء الجراد من أعظم نعم الله علينا -كان غوثاً من الله تعالى- يتابعه الناس ويمسون حيث أمسى ويسيرون كلهم برجالهم وحميرهم ودوابهم وجمالهم، ويعبئون الأكياس والبطانيات.. وكل شيء، وبعد ذلك يطبخونه في اليوم الثاني.. أعياد في البيوت، انظروا القدور مليئة بالجراد، ثم بعد ذلك يضعونه في المجالس -يفرغون المجالس كلها للجراد المطبوخ- ثم يقفلون عليها بالأقفال، ثم يأكلون سنة وسنتين وثلاث سنوات جراداً، هذه نعمة من الله عز وجل أحياناً، وأحياناً يأتي عذاباً، أي: عندما تكون الثمار جيدة وكل شيء ناضج ساقه الله فأكل الأخضر واليابس.

    وأذكر أنه جاءنا مرة تقريباً قبل خمسة وعشرين سنة جاءنا في وقت الظهر وما أتى المغرب إلا وما تجد في أبها ورقة خضراء! أكل الشجر حتى تركها مثل الحطب، وأكل المزارع والقضبان وأكل الأشجار، حتى الريحان الذي في البيوت والله إنه أكله، ولا ترك على عودٍ ورقة.. فهو عذاب مرة ورحمة مرة.. بحسب وضع الناس، مثل المطر: يأتي غيثاً ويأتي تدميراً، فلا يحكم به على كل حال بأنه عذاب.

    حكم من قتل نفسه متعمداً

    السؤال: يقول: يوجد لي صديق عزيز عليَّ وقد قتل نفسه متعمداً نظراً لفشله في الدراسة، ونعلم من الحديث الصحيح: (أن من قتل نفسه فهو خالدٌ مخلدٌ في النار) فهل يجوز لي أن أترحم عليه، وأن أدعو له بالرحمة؟

    الجواب: من قتل نفسه -أيها الإخوة- فهو كافر في النار لما روي في صحيح البخاري وصحيح مسلم قال عليه الصلاة والسلام: (من تردى من جبلٍ فهو في نار جهنم يتردى إلى أم رأسه إلى يوم القيامة، ومن احتسى سماً فهو يحتسيه في نار جهنم، ومن طعن نفسه بحديدة فهو يتوجأ بها في النار إلى يوم القيامة).

    وفي صحيح البخاري من حديث جندب بن جنادة رضي الله عنه: (أن رجلاً خرج فجرح في المعركة فما صبر، فقطع يده من أكحله حتى سال دمه ومات، فقال الله عز وجل: عبدي ابتليته فما صبر بادرني بروحه فهو للنار) والعياذ بالله.

    فهذا الذي قتل نفسه يقول العلماء: إن كان موحداً مصلياً مات على الإسلام وقتل نفسه فإنه سيعذب بمشيئة الله عز وجل، أو يغفر الله له بمشيئته، ولكن نهايته إلى الجنة، فيجوز لك أن تترحم عليه.

    أما إذا علمت أنه كان كافراً لا يصلي، وكان -والعياذ بالله- في دينه قدح فإنه لا يترحم عليه؛ لهذا السبب؛ ولأنه في الأصل كافر، هذا هو تحقيق أهل العلم في هذا الموضوع.

    أسأل الله الذي لا إله إلا هو أن يرزقنا وإياكم الإيمان والهداية.

    والله أعلم، والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.