إسلام ويب

كنوز رمضانيةللشيخ : علي بن عمر بادحدح

  •  التفريغ النصي الكامل
  • لقد امتن الله سبحانه وتعالى علينا بشهر رمضان، فهو موسم عظيم للعبادة وعمل الطاعات، وفيه من الكنوز الإيمانية ما لا يعد ولا يحصى، ولا يُقدر بثمن، ولا يُوزن بشيء من حطام الدنيا، ومن هذه الكنوز: تلاوة القرآن وتدبر آياته وأحكامه، وقيام الليل بالصلاة والذكر والتسبيح والدعاء.

    1.   

    رمضان والصوم

    الحمد لله الذي خضعت لعظمته الرقاب، ولانت لجبروته الصعاب، أحمده سبحانه وتعالى ما تعاقب الليل والنهار، وما ذكره الذاكرون الأبرار، وما تلفظت الألسن بذكره، وما خفقت القلوب بحبه، وما عملت الجوارح بشكره، سبحانه هو أهل الحمد والثناء، لا نحصي ثناءً عليه هو كما أثنى على نفسه، فله الحمد ملء السموات والأرض وملء ما بينهما وملء ما شاء من شيء بعد، حمداً نلقى به أجراً، ويمحو الله به عنا وزراً، ويجعله لنا عنده ذخراً، له الحمد كما يحب ويرضى على آلائه ونعمه التي لا تعد ولا تحصى، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، له الملك وله الحمد وهو على كل شيء قدير، وأشهد أن نبينا وقائدنا وقدوتنا وسيدنا محمداً عبد الله ورسوله، علم التقى ومنار الهدى، شمس الهداية الربانية، ومبعوث العناية الإلهية، وأشهد أنه عليه الصلاة والسلام قد بلغ الرسالة، وأدى الأمانة، ونصح الأمة، وكشف الله به الغمة، وجاهد في الله حق جهاده، وتركنا على المحجة البيضاء ليلها كنهارها لا يزيغ عنها إلا هالك، فجزاه الله خير ما جازى نبياً عن أمته، ووفقنا لاتباع سنته، وحشرنا يوم القيامة في زمرته، وجعلنا من أهل شفاعته، وصلى الله وسلم وبارك عليه وعلى آله وصحابته أجمعين، وعلى من تبعهم واقتفى أثرهم ونهج نهجهم إلى يوم الدين، وعلينا وعلى عباد الله الصالحين.

    يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ [آل عمران:102]، يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالًا كَثِيرًا وَنِسَاءً وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي تَسَاءَلُونَ بِهِ وَالأَرْحَامَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيبًا [النساء:1]، يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَقُولُوا قَوْلًا سَدِيدًا * يُصْلِحْ لَكُمْ أَعْمَالَكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ فَازَ فَوْزًا عَظِيمًا [الأحزاب:70-71].

    أما بعد:

    فحديثنا عن (رمضان والصوم). وكنت -وما زلت- أحب دائماً الاستبشار والتفاؤل، والنظر إلى الجانب المضيء في أحوال أمتنا، فذلك مبعث عمل، ومقوي همة، ومنشط عزيمة، غير أن اعتدال الصورة يقتضي أن نعرف الواقع ونصف بعض خلله وشيئاً من انحرافه، أن نرى الصورة على حقيقتها بما فيها مما يؤلم ويحزن، وما فيها مما ينكي ويدمي؛ إذ الأمر لا بد أن يكون على بينة ووضوح تام.

    كنوز كثيرة في هذا الشهر الكريم الذي نرتقبه وننتظره، كنوز لا تعد ولا تحصى، وأثمانها لا تقدر بثمن، ولا توزن بشيء من حطام الدنيا وما فيها، غير أننا نريد أن ننظر هل تغتنم هذه الكنوز؟ هل تؤخذ هذه الخيرات؟ هل تجنى تلك الثمرات؟ هل يتغير المسار؟ هل تتبدل الأهواء وتختلف الآراء؟ هل تكون العودة من بعد الغفلة؟ وهل يكون التصحيح من بعد الخطأ؟ وهل يكون إقرار بالذنب واعتراف به؟ ليس ذلك على مستوى الفرد وحده، بل على مستوى الأمة بمجموعها.

    إننا اليوم نشهد أحداثاً متسارعةً تتجه تماماً في عكس الطريق الذي يدعونا إليه كتاب الله، وترشدننا إليه سنة رسوله صلى الله عليه وسلم.

    1.   

    كنوز رمضان

    ونحن ننتظر هذا الشهر الكريم، لو وقفنا مع بعض دلائله وخصائصه ومعانيه، وقارنا هذا الواقع الذي نعيشه سنرى -ولا بد من أن نرى، ولا بد أن نكون صرحاء في كشف ما ينبغي ويجب أن يرى- سنرى شيئاً من التناقض والتعارض، وسنرى أن الكنوز يقابلها جحود أو صدود، ولعلنا لا نطيل الحديث في هذه المقدمات لنخلص مباشرةً إلى تلك الكنوز.

    تلاوة القرآن الكريم

    أولاً: كنز القرآن والتلاوة.

    قال تعالى: شَهْرُ رَمَضَانَ الَّذِي أُنزِلَ فِيهِ الْقُرْآنُ هُدًى لِلنَّاسِ وَبَيِّنَاتٍ مِنَ الْهُدَى وَالْفُرْقَانِ [البقرة:185].

    ويقول المصطفى صلى الله عليه وسلم: (الصيام والقرآن يشفعان للعبد يوم القيامة، يقول الصيام: أي رب! منعته طعامه وشهوته. ويقول القيام: أي رب! منعته النوم. فيشفعان فيه) هذه الخصيصة لهذا الشهر التي تذكرنا بكتاب الله عز وجل وبدوره في حياتنا وبواجبنا نحوه، وتذكر بأحكامه، وبخفقات قلوبنا، وخطرات عقولنا، وكلمات ألسنتا، وحركات جوارحنا، وأساس علاقاتنا ومعاهدتنا واتفاقياتنا، وسائر جوانب حياتنا.

    لم ينزل القرآن لتترطب به الألسنة فحسب، ولا لتشنف الآذان بحسن تلاوته فقط، ولا لتدمع العيون تأثراً ببعض معانيه، ثم تمضي ساهيةً لاهية، إنما أنزل ليغير واقع الحياة وفق منهج الله، ويغير النفوس في أعماقها والقلوب في سويدائها على ما يحب الله سبحانه وتعالى ويرضى، ونحن نعلم أن القرآن إنما أنزل للعمل: وَقُلِ اعْمَلُوا فَسَيَرَى اللَّهُ عَمَلَكُمْ وَرَسُولُهُ وَالْمُؤْمِنُونَ [التوبة:105]، ونعلم الشكوى التي جاءت في آيات القرآن: وَقَالَ الرَّسُولُ يَا رَبِّ إِنَّ قَوْمِي اتَّخَذُوا هَذَا الْقُرْآنَ مَهْجُورًا [الفرقان:30]، كنز عظيم تذكرنا به هذه الأيام المقبلة على ذلك الشهر الفضيل، وتذكرنا به أم المؤمنين عائشة يوم تقول: (كان خلقه صلى الله عليه وسلم القرآن)، فما أحق من علم كتاب الله أن يزدجر بنواهيه، ويتذكر ما شرح له فيه، ويخشى الله ويتقيه ويراقبه ويستحيي منه، كلمات قالها القرطبي في مقدمة تفسيره، ننتقل منها لندرك أن الواقع فيه شيء من المناقضة العجيبة، والمفارقة الغريبة، والصدود الذي لا يبعد أن يتصف به بعض المسلمين بهذا الهدي الوارد في كتاب الله عز وجل، ونحن نعلم أنه سبحانه وتعالى قد بين لنا الغاية فقال: وَهَذَا كِتَابٌ أَنزَلْنَاهُ مُبَارَكٌ فَاتَّبِعُوهُ وَاتَّقُوا لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ [الأنعام:155]، وقال جل وعلا: الَّذِينَ آتَيْنَاهُمُ الْكِتَابَ يَتْلُونَهُ حَقَّ تِلاوَتِهِ أُوْلَئِكَ يُؤْمِنُونَ بِهِ وَمَنْ يَكْفُرْ بِهِ فَأُوْلَئِكَ هُمُ الْخَاسِرُونَ [البقرة:121]، فمن أي الفريقين أنت؟ استمع لـابن مسعود رضي الله عنه وهو يقول في هذا المعنى: (إن حق تلاوته أن يحل حلاله، وأن يحرم حرامه، ويقرأه كما أنزل).

    وعن ابن عباس : ( يَتْلُونَهُ حَقَّ تِلاوَتِهِ [البقرة:121]: (يتبعونه حق اتباعه). وننظر إلى هذا الواقع على مستوى الفرد والأمة فنرى ما نرى من أمور ظاهرة جلية، فالهجر بأنواعه كلها يكاد يكون ظاهراً جلياً، فلا القرآن يتلى، ولا آياته تقرأ على الوجه الذي أنزل على محمد صلى الله عليه وسلم، ولا الحفظ في القلوب كما ينبغي عند جمهور المسلمين، وأما التدبر والتفكر والاتعاظ والاعتبار فدون ذلك بمراتب، وأما العمل والالتزام والتطبيق فدونه كذلك، فضلاً عن التعليم والدعوة والنشر والجهاد لنشر أنور القرآن وبيان معانيه، لست أقول ذلك تأييساً، ولا أقوله نظراً للصورة السوداء دون البيضاء، غير أننا اليوم نحتاج إلى مثل هذه المفارقة والمصارحة التي ذكرها لنا علماؤنا وأئمتنا في الصلة بكتاب الله عز وجل، فهذا الفضيل بن عياض رحمه الله يقول: (حامل القرآن- حامل رسالة الإسلام- لا ينبغي أن يلهو مع من يلهو، ولا أن يسهو مع من يسهو، ولا أن يلغو مع من يلغو، تعظيماً لحق القرآن) فهل ذلك ظاهر في واقعنا وحياتنا؟

    ولنتحدث أيضاً بصورة أجلى وأوسع، قال تعالى: يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَتَّخِذُوا الْيَهُودَ وَالنَّصَارَى أَوْلِيَاءَ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ وَمَنْ يَتَوَلَّهُمْ مِنْكُمْ فَإِنَّهُ مِنْهُمْ [المائدة:51] أليست هذه آيات قرآنية؟ أليست نداءات إيمانية؟ أليست أوامر ربانية؟ أين هي في واقع مسيرة الأمة اليوم وهي تسارع إلى اعتبار الأعداء أصدقاء وإلى اعتبار المحاربين المعتدين من اليهود وأحلافهم أصحاب قلوب رحيمة وأصحاب اتفاقيات ومعاهدات للصلح والسلم؟ بل نرى ما هو أكثر من ذلك، نرى التهاوي والتسارع إلى المصطلح البغيض الذي كله شر وضر يجوس خلال الديار، وينخر في العقول والأفكار، ويدمر في قوة الأمة وتماسكها، التطبيع وما أدراك ما التطبيع؟

    القرآن يدعونا أن نتجه إلى أمتنا، إلى إخواننا، إلى توحد صفوفنا وترابط قلوبنا وتماسك صفوفنا: إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ إِخْوَةٌ [الحجرات:10]، وَإِنَّ هَذِهِ أُمَّتُكُمْ أُمَّةً وَاحِدَةً [المؤمنون:52]، ويوم تتقطع الأوصال بين بلاد العرب وبلاد المسلمين، وتمد الجسور وتفتح الأسواق بيننا وبين أعدائنا الذين ما زالوا إلى يومنا هذا تنطق بالعداوة وتصرح بها ألسنتهم، وتظهر في أعمالهم، والدماء ما زالت تسفك، والدور والبيوت ما زالت تهدم، والأرض ما زالت تسلب، والأعراض ما زالت تغتصب، بل الأمر متضاعف متزايد لا في رقعة هي قلب قضايانا الإسلامية في فلسطين، بل فيما وراء ذلك، في العراق وغير العراق، ثم من بعد ذلك نستقبل الشهر لنستعد بمزيد من التلاوة والقراءة دون عقل مفكر، ودون قلب متعظ، ودون سلوك متغير، ودون أمة تعود إلى الله عز وجل وتحقق المعاني القرآنية التي جاءت في هذا الكتاب العظيم.

    أي أمر أمر هذا؟ أين غيبت العقول؟ وأين ماتت القلوب؟ لقد ذلت النفوس يوم أعرضت عن كتاب الله وعن هدي رسول الله صلى الله عليه وسلم.

    لنستمع إلى هذا القرآن الذي ننتظر شهره ونستعد لننفض الغبار عن المصاحف ونتلو الآيات دون ما هو أكثر من ذلك، لنستمع إلى قوله عز وجل: فَخَلَفَ مِنْ بَعْدِهِمْ خَلْفٌ وَرِثُوا الْكِتَابَ يَأْخُذُونَ عَرَضَ هَذَا الأَدْنَى وَيَقُولُونَ سَيُغْفَرُ لَنَا وَإِنْ يَأْتِهِمْ عَرَضٌ مِثْلُهُ يَأْخُذُوهُ أَلَمْ يُؤْخَذْ عَلَيْهِمْ مِيثَاقُ الْكِتَابِ أَنْ لا يَقُولُوا عَلَى اللَّهِ إِلَّا الْحَقَّ وَدَرَسُوا مَا فِيهِ وَالدَّارُ الآخِرَةُ خَيْرٌ لِلَّذِينَ يَتَّقُونَ أَفَلا تَعْقِلُونَ * وَالَّذِينَ يُمَسِّكُونَ بِالْكِتَابِ وَأَقَامُوا الصَّلاةَ إِنَّا لا نُضِيعُ أَجْرَ الْمُصْلِحِينَ [الأعراف:169-170]، تأمل الآيات التي تروي لنا شأن بني إسرائيل، وكأن حديث النبي صلى الله عليه وسلم ونحن نتأمل دلالة الآيات نستحضره، ويهجم علينا نصه: (لتتبعن سنن من كان قبلكم شبراً بشبر وذراعاً بذراع حتى لو دخلوا جحر ضب لدخلتموه).

    من هؤلاء؟ هم الذين يسير بعض أبناء أمتنا خلفهم حذو القذة بالقذة، الخطوة وراء الخطوة، والتصريح هو رجع لذلك التصريح، والموقف هو تأييد لذلك الموقف.

    تعجب الصحابة أهل الإيمان واليقين وأهل العزة والقوة فقالوا: من يا رسول الله؟! اليهود والنصارى؟ فما زاد سيد الخلق على أن قال: (فمن) أي: من غيرهم؟

    ألسنا نرى اليوم ذلك؟ وَرِثُوا الْكِتَابَ يَأْخُذُونَ عَرَضَ هَذَا الأَدْنَى [الأعراف:169]، اشْتَرَوْا بِآيَاتِ اللَّهِ ثَمَنًا قَلِيلًا [التوبة:9]، أرادوا أن يأخذوا بدل منهج القرآن والاستمساك به شئوناً دولية وعولمةً عالمية، ومعاهدات واتفاقات ومنظمات لا تغني من الله شيئاً، وكلها لا تساوي حرفاً من كتاب الله عز وجل، ومع ذلك تقدم عليه وينظر إليها ويتعلق بها وتشترى ويستبدل القرآن بها.

    تأمل هذا المعنى: وَإِنْ يَأْتِهِمْ عَرَضٌ مِثْلُهُ [الأعراف:169] تتكرر المساومات وتتعدد الجولات، وفي كل مرة تزداد مبادرات، والأمر سائر: وَإِنْ يَأْتِهِمْ عَرَضٌ مِثْلُهُ يَأْخُذُوهُ [الأعراف:169]، هاتوا ما عندكم، قولوا ما لديكم، خطوا الطريق ونحن نسير، ارسموا ونحن نطبق كأن حالنا يصف هذا المعنى تماماً: أََلَمْ يُؤْخَذْ عَلَيْهِمْ مِيثَاقُ الْكِتَابِ أَنْ لا يَقُولُوا عَلَى اللَّهِ إِلَّا الْحَقَّ [الأعراف:169]، أليسوا يقولون اليوم: إن هذا الذي يفعلونه لا أقول فيه: إنهم يقولون: لا يتعارض مع الإسلام بل يقولون هو روح الإسلام، إسلامنا دين المحبة والسلام، إسلامنا دين المودة والوئام، إسلامنا دين الجسور المبنية، والصلات الممدودة، إسلامنا لا يميز بين عقيدة وعقيدة، إسلامنا لا يفرق بين دين ودين، إسلامنا لا يجعل مزيةً لملة على ملة.

    وأين ذلك من كتاب الله؟ وأين هو من هدي رسول الله صلى الله عليه وسلم؟ عندما نقول: إن ثمة كنوزاً وخيرات فثمة صدود وجحود، وثمة إعراض وإنكار، فينبغي لنا معه أن نقر به وأن ننظر إليه، وأن نتأمل فيه، وأن نصحح موقفنا منه لنبرأ ونبرأ ذمتنا أمام الله جل وعلا؛ فإن كل واحد مسئول بقدر ما عنده من قدرة وطاقة: كُلُّ نَفْسٍ بِمَا كَسَبَتْ رَهِينَةٌ [المدثر:38]، والنبي صلى الله عليه وسلم أوجز فقال (.. ولكن من رضي وتابع) لا تقل: ليس لي في هذا يد، وليس لي به شأن، وليست لي فيه قدرة أقل الأمور أن تكون من أمرك على بصيرة، ومن دينك على بينة، وأن تقول الحق، وأن تدخل في عموم قوله جل وعلا: وَالَّذِينَ يُمَسِّكُونَ بِالْكِتَابِ وَأَقَامُوا الصَّلاةَ [الأعراف:170]، وزيادة المبنى دليل على زيادة المعنى، لم يقل: (يُمْسِكُون) بل: يُمَسِّكُونَ [الأعراف:170] أي: يحرصون أشد الحرص، ويتشبثون أقوى التشبث بكتاب الله، لا يحيدون عنه وإن حادت الدنيا كلها، ولا يغيرون نهجه وإن تعددت المناهج والآراء مهما كان الأمر، كما كان على ذلك صحابة محمد صلى الله عليه وسلم، وكما شهدت اللحظات الأخيرة من حياة عدد وافر منهم يوم قال أنس بن النضر في يوم أحد: (واه لريح الجنة، والله إني لأجد ريحها دون أحد).

    ولما قالوا: مات رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: فعلامَ الحياة بعده؟ موتوا على ما مات عليه رسول الله عليه الصلاة والسلام.

    وعندما نظر سعد بن الربيع بعد انجلاء غبار أحد وفيه رمق في آخر حياته وبلغه سلام المصطفى صلى الله عليه وسلم قال: ليس فيكم خير قط إن خلص إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم وفيكم عين تطرف.

    وتلك الوصية العظيمة، تلك الكلمات الحية، ذلك الثبات الأصيل الذي كان لـحبيب بن زيد يوم وقف أمام مسيلمة الكذاب وهو يقول: (لا إله إلا الله، محمد رسول الله) فيعيد عليه الكذاب مسيلمة: أتشهد أني رسول الله؟ فيقول: لا أسمع. فيقطع أذنه، ويجدع أنفه، وقطع إرباً إرباً، وهو ثابت على دينه ومعتقده، معظماً لرسوله صلى الله عليه وسلم، جاحداً بالكذابين والدجالين جميعهم بلا استثناء.

    ويوم وقف خبيب بن عدي بين يدي من صلبه فقالوا له: أتود أن محمداً مكانك وأنت آمن في أهلك؟ قال: والله ما أود أن يشاك محمد صلى الله عليه وسلم بشوكة وأنا في أهلي وبيتي. وأنشأ يقول:

    ولست أبالي حين أقتل مسلماً على أي جنب كان في الله مصرعي

    كيف رضي بعض أهل الإسلام أن يعطوا الدنية في دينهم؟ وأن يساوموا بكتاب ربهم؟ وأن يتركوا وراء ظهورهم سيرة وميسرة رسولهم صلى الله عليه وسلم؟ وإن الأمر لأخطر مما نظن، فإنه ليس فتح أسواق، ولكنه تخريب عقول وأفكار، ودخول إلى الديار والصفوف لاختراقها، وبذر بذور الشقاق التي نرى ثمارها للأسف الشديد في واقع أمتنا، فالأمر جد خطير، وكلما تهيأنا لاستقبال شهرنا وجدنا الصور التي ينبغي أن تلفت نظرنا وأن نقف عندها متأملين متدبرين، والأمر في هذا أكثر من أن يذكر، وأشهر من أن يعاد ويكرر.

    الصلاة والقيام

    وكنز آخر في هذا الشهر الكريم الذي ننتظره يحتاج إلى تأمل، وهو كنز الصلاة والقيام.

    فهي سمة بارزة، وشعيرة ظاهرة، وأمر ملفت يميز هذا الشهر الذي ننتظره، كثرة الصلاة، عمران المساجد، المسارعة إلى الصفوف الأولى، إحياء الليل وقيامه بالتراويح، واستمرار ذلك في الأواخر إلى انشقاق الفجر، صورة بديعة رائعة تدلنا على أثر في القلوب والنفوس، وعلى تغير ينبغي أن نحرص عليه وأن نعمقه ونزيده، وأن نثبته في واقع حياتنا، ذلك الأثر المهم وَمِنَ اللَّيْلِ فَتَهَجَّدْ بِهِ نَافِلَةً لَكَ عَسَى أَنْ يَبْعَثَكَ رَبُّكَ مَقَامًا مَحْمُودًا [الإسراء:79]، ويقول المصطفى صلى الله عليه وسلم: (من قام رمضان إيماناً واحتساباً غفر له ما تقدم من ذنبه).

    ولست أريد أن أنظر إلى الجانب المظلم، ولكني أشير إلى هذه الوقائع، قال تعالى: إِنَّ الصَّلاةَ تَنْهَى عَنِ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنْكَرِ [العنكبوت:45]، فهل واقع الأفراد وواقع حياتنا كمجتمعات وواقع أمتنا كدول ورقعة مترامية الأطراف يشهد هذا الانتهاء عن المنكر سواء في الأمور الشخصية أو في الأمور الكلية؟

    هذا موضع تأمل وتدبر نحتاج إليه، حَافِظُوا عَلَى الصَّلَوَاتِ وَالصَّلاةِ الْوُسْطَى وَقُومُوا لِلَّهِ قَانِتِينَ [البقرة:238]، المحافظة تعني القيام بالأركان، والأداء للواجبات، والحرص على السنن، والإتيان بجوهر العبادة خشوعاً في القلب وتدبراً بالعقل وخضوعاً بالجوارح واستمراراً للتطهر، ففي الحديث عنه صلى الله عليه وسلم: (أرأيتم لو أن نهراً غمراً يجري بباب أحدكم يغتسل منه كل يوم خمس مرات، هل يبقى من درنه شيء؟ قالو: لا يا رسول الله. قال: فذلك مثل الصلوات الخمس يمحو الله بهن الخطايا)، ومرةً أخرى نقف مع قوله جل وعلا: وَاسْتَعِينُوا بِالصَّبْرِ وَالصَّلاةِ [البقرة:45]، وكان المصطفى صلى الله عليه وسلم (إذا حزبه أمر فزع إلى الصلاة).

    وإن الأمر هنا دلالة واضحة على أن مواجهة الكروب ومجابهة الخطوب لا تكون إلا بالرجوع إلى الله، والاستعانة به، ومد حبال الوصل معه، ورفع أكف الضراعة إليه، وإخضاع الجباه سجوداً فيه التعظيم والخضوع له، ليس كلما ادلهمت الخطوب لجأنا إلى الشرق والغرب، والتمسنا أنظمةً دولية ومعاهدات عالمية؛ فإن هذا المسلك هو الذي فرق الأمة وأضعفها، وجعلها في ذيل القافلة، وجعلها في غاية الذل، يطلب منها اليوم أمر ويقال: هو المنتهى. فإذا أجابت جاء بعد الأمر ثان وثالث، وأصبحت الأمور كأن لا تصور لمنتهاها، وكأننا في يوم من الأيام -لا على سبيل المبالغة، ولكن على سبيل المعنى الذي يصور المآلات الخطيرة- قد تقرأ فيه التوراة في المحاريب، لشدة التغلغل الذي يسري في أوطاننا وديارنا وعالمنا الإسلامي إلا ما رحم الله عز وجل، ولعلنا نتذكر هذا المعنى عندما تستمع لقوله جل وعلا: إِنَّمَا يُرِيدُ الشَّيْطَانُ أَنْ يُوقِعَ بَيْنَكُمُ الْعَدَاوَةَ وَالْبَغْضَاءَ فِي الْخَمْرِ وَالْمَيْسِرِ وَيَصُدَّكُمْ عَنْ ذِكْرِ اللَّهِ وَعَنِ الصَّلاةِ [المائدة:91]، وليس بالضرورة أن ننظر إلى الخمر المعروفة، فاليوم خمور مختلفة، خمر العولمة، خمر العصرانية، خمر الزمن الذي لا بد من مراعاته، والظروف التي لا بد من موفقتها، هذه خمر لعبت برءوس الكثيرين فصاروا يتكلمون ويقررون ويحكمون بأمور تتناقض وتتعارض مع ما جاء في كتاب الله وسنة رسوله صلى الله عليه وسلم، ولعلي أختم هذا الكلام بتذكير لنفسي ولك ننظر فيه إلى الفوارق الكبيرة.

    فقبل نحو خمسة عشر عاماً- ولعل الزمان يعتبر ليس بقصير- وقفت في خطبة ذرفت فيها دمعة حزن من أجل فلسطين، يوم كان مؤتمر مدريد، واليوم لعلي أجد أن الدمعة شحيحة ليست كذلك الوقت، وأجد أن حزن قلبي وأسى نفسي لا يبلغ مبلغه كما كان؛ لأن التدجين والتهجين والتطبيع يسري إلى نفوسنا، لم نعد اليوم نسمع في الأخبار تلك المصطلحات، مصطلح (العدو)، ومصطلحات الهجوم، ومصطلح (الكيان الغاصب)، أصبحنا اليوم نستمع إلى أمور أخرى، وأصبحنا نرى صوراً ما كنا نراها، حتى ألفت ذلك العيون وتقبلته النفوس.

    نسأل الله عز وجل أن يحفظ علينا إيماننا وإسلامنا وغيرتنا وعزتنا، وأن يقينا الشرور والآثام، إنه سبحانه وتعالى ولي ذلك والقادر عليه.

    1.   

    الذكر والدعاء

    أخي الحبيب! أوصيك ونفسي الخاطئة بتقوى الله؛ فإن تقوى الله أعظم زاد يقدم به العبد على مولاه، ورمضان موسم التقوى العظيم، قال تعالى: يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيَامُ كَمَا كُتِبَ عَلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ [البقرة:183]، ويقول المصطفى صلى الله عليه وسلم: (الصوم جنة وحصن حصين من النار) رواه أحمد في مسنده.

    تقوى الله سبحانه وتعالى هي لب وجوهر تلك الفريضة العظيمة التي نرتقبها وننتظرها.

    تقوى الله عز وجل -كما أثر عن علي رضي الله عنه- هي الخوف من الجليل، والعمل بالتنزيل، والرضا بالقليل، والاستعداد ليوم الرحيل.

    ولما سئل كعب عنها قال: (أرأيت لو كنت تسير في أرض ذات شوك فما أنت صانع؟ قال: أشمر وأجتهد. قال: فتلك التقوى).

    هذا المعنى العظيم، وهذه الغاية الجليلة تستدعي منا أن نتأمل أكثر وأكثر؛ فإن في خصائص هذا الشهر أموراً كثيرةً.

    فيه القرآن، والصلة به، وفيه القيام والإكثار منه، وفيه كذلك كنز الذكر والدعاء، فلا أظننا نشهد عنايةً بالدعاء وكثرةً فيه في أيام مثل رمضان، نسمعه في دعاء القنوت، ونرفعه في وقت الأسحار بعد السحور، ونكاد لا نغفل عنه في كل يوم وليلة من ليالي شهر رمضان، وفي سياق آيات الصوم وفي أثنائها وفي ضمنها جاء قوله عز وجل: وَإِذَا سَأَلَكَ عِبَادِي عَنِّي فَإِنِّي قَرِيبٌ أُجِيبُ دَعْوَةَ الدَّاعِ إِذَا دَعَانِ فَلْيَسْتَجِيبُوا لِي وَلْيُؤْمِنُوا بِي لَعَلَّهُمْ يَرْشُدُونَ [البقرة:186].

    إن الدعاء -كما ذكر بعض السلف- إذا سد طريقه بالمعاصي لم تكن له إجابة، وسنة الله عز وجل ماضية، والنبي صلى الله عليه وسلم قد أخبرنا بموجبات قبول الدعاء، فقال لـسعد : (أطب مطعمك تكن مجاب الدعوة)، وفي الحديث المشهور: (ثم ذكر الرجل يطيل السفر أشعث أغبر، يمد يديه إلى السماء يقول: يا رب! يا رب! ومطعمه حرام، وملبسه حرام، وغذي بالحرام، فأنى يستجاب له؟!)، وكيف نحن والحرام يدخل إلينا ويجوس في ديار المسلمين من خلال كثير وكثير من الصور والأحوال، وآخرها ذلك التغلغل الذي يدمر بلادنا وديارنا، ونحن نعلم أن بلاداً من بلاد المسلمين تصنع الخمور وتعتبرها تجارة.

    وأن بلاداً من بلاد المسلمين تصرح بالخنا والفجور ومهنة الدعارة.

    وأن بلاداً من بلاد المسلمين فيها كذا وكذا، والبلاد التي نأت بنفسها عن ذلك تطرق اليوم أبوابها، وتأتيها من كل حدب وصوب رسل الغواية لتدخلها فيما نأت به عن نفسها، ولتزلق أقدامها في الهاوية التي وصلت إليها غيرها، فنسأل الله عز وجل السلامة والحفظ، والله سبحانه وتعالى يحفظنا إذا حفظناه، وينصرنا إذا نصرناه: إِنْ تَنصُرُوا اللَّهَ يَنصُرْكُمْ وَيُثَبِّتْ أَقْدَامَكُمْ [محمد:7]، وصدر المصطفى صلى الله عليه وسلم وصيته لـابن عباس بقوله: (احفظ الله يحفظك)، فمن أراد الأمر والغاية والثمرة فطريقها معلومة ومنهجها واضح، والآيات تضيء، والأحاديث ترشد، والسنة والسيرة تبين، والتاريخ ينطق ويشهد، والواقع يثبت ويدلل، فعسى الله عز وجل أن يردنا إلى ديننا رداً جميلا، وأن يمسكنا بكتاب ربنا، وأن يلزمنا نهج نبينا.

    اللهم! اجعلنا بكتابك مستمسكين، ولهدي نبيك صلى الله عليه وسلم متبعين، ولآثار سلفنا الصالح مقتفين، اللهم! إنا نسألك العفو والعافية، والمعافاة الدائمة في الدين والدنيا والآخرة.

    اللهم! تول أمرنا، وارحم ضعفنا، واجبر كسرنا، واغفر ذنبنا، وبلغنا فيما يرضيك آمالنا، اللهم! إنا نسألك العفو والعافية والمعافاة الدائمة في الدين والدنيا والآخرة.

    اللهم! أحسن ختامنا وعاقبتنا في الأمور كلها، وأجرنا من خزي الدنيا وعذاب الآخرة يا رب العالمين.

    اللهم! مكن في الأمة لأهل الخير والرشاد، واقمع أهل الزيغ والفساد، وارفع في الأمة علم الجهاد، وانشر رحمتك على العباد، اللهم! أبرم لهذه الأمة أمر رشد يعز فيه أهل طاعتك، ويذل فيه أهل معصيتك، ويؤمر فيه بالمعروف، وينهى فيه عن المنكر يا سميع الدعاء.

    اللهم! إنا نسألك أن تجعل خير أعمالنا خواتيمها، وخير أيامنا يوم نلقاك وأنت راض عنا.

    اللهم! أعز الإسلام والمسلمين، وارفع بفضلك كلمة الحق والدين، ونكس رايات الكفرة والملحدين.

    اللهم! من أرادنا وأراد الإسلام والمسلمين بسوء فاجعل دائرة السوء عليه، واجعل تدبيره تدميراً عليه، ومن أرادنا وأراد الإسلام والمسلمين بخير فوفقه لكل خير، وأعنه عليه يا سميع الدعاء.

    اللهم! احفظ بلاد الحرمين من كل سوء ومكروه، اللهم! احفظ عليها أمنها وإيمانها، وسلمها وإسلامها، وسعة رزقها ورغد عيشها، واحفظها -اللهم- من عدوان المعتدين يا رب العالمين.

    اجعل -اللهم- بلاد المسلمين بلاد أمن وطمأنينة وصحة وسلامة وعافية، ورد المسلمين -اللهم- إلى دينك رداً جميلا، وخذ بنواصيهم إلى طريق الحق والسداد، وألهمهم الرشد والصواب.

    اللهم! أرنا الحق حقاً وارزقنا اتباعه، وأرنا الباطل باطلاً وارزقنا اجتنابه، واهدنا -اللهم- لما اختلف فيه من الحق بإذنك، واجعلنا -اللهم- هداةً مهديين مهتدين هادين يا رب العالمين.

    اللهم! أحسن ختامنا وعاقبتنا في الأمور كلها يا رب العالمين.

    اللهم! انصر عبادك وجندك المجاهدين في كل مكان يا رب العالمين، اللهم! ثبت خطوتهم، ووحد كلمتهم، وسدد رميتهم، وقوِ شوكتهم، وانصرهم -اللهم- على عدوك وعدوهم عاجلاً غير آجل يا رب العالمين.

    اللهم! ارحم إخواننا المستضعفين والمشردين والمبعدين والأسرى والمسجونين والجرحى والمرضى في كل مكان يا رب العالمين.

    اللهم! امسح عبرتهم، اللهم! امسح عبرتهم، اللهم! امسح عبرتهم، وفرج همهم، ونفس كربهم، وعجل فرجهم، وقرب نصرهم، وزد إيمانهم، وعظم يقينهم، واجعل ما قضيت عليهم زيادةً لهم في الإيمان واليقين، ولا تجعله فتنةً لهم في الدين، برحمتك يا أرحم الراحمين.

    اللهم! أصلح أئمتنا وولاة أمورنا، واجعل ولايتنا فيمن خافك واتقاك واتبع رضاك يا رب العالمين، وفق -اللهم- ولاة أمرنا لما تحب وترضى، وخذ بنواصيهم إلى البر والتقوى، وارزقهم البطانة الصالحة التي تحثهم على الخير وتعينهم عليه يا سميع الدعاء.

    وصلى الله وسلم على سيدنا محمد وعلى آله وأصحابه أجمعين.