إسلام ويب

جلسات رمضانية 1410ه [2-4]للشيخ : محمد بن صالح العثيمين

  •  التفريغ النصي الكامل
  • في هذه المادة تحدث الشيخ عن مسائل في الربا، وكيف يتم التخلص من الأموال الربوية، وذكر ما يشترط عند الذهب بالذهب، أو الفضة بالفضة، وكذلك الشروط في اختلاف الأصناف.

    1.   

    تفسير قوله تعالى: (يا أيها الذين آمنوا لا تأكلوا الربا أضعافاً مضاعفة...)

    الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، وعلى آله وأصحابه ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين.

    أما بعد:

    يقول الله عزَّ وجلَّ: يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَأْكُلُوا الرِّبا أَضْعَافاً مُضَاعَفَةً وَاتَّقُوا اللَّهَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ * وَاتَّقُوا النَّارَ الَّتِي أُعِدَّتْ لِلْكَافِرِينَ * وَأَطِيعُوا اللَّهَ وَالرَّسُولَ لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ [آل عمران:131-132].

    فقد صدَّر الله هذه الآيات الكريمة بقوله: يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا وقد قال ابن مسعود رضي الله عنه: [إذا سمعتَ الله يقول: (يا أيها الذين آمنوا) فأَرْعِها سمعَك، فإما خيراً تؤمر به، وإما شراً تُنهَى عنه] وصدق رضي الله عنه، فإن الله تعالى لا يصدِّر الآيات بهذا الخطاب وهذا النداء وبهذا الوصف؛ وصف الإيمان إلا لأمر هام، إما خيراً يؤمر به الناس، وإما شراً يُنهَون عنه.

    وفي هذه الآيات الكريمة الذي خاطبنا الله به شر نهانا عنه، فقال: لا تَأْكُلُوا الرِّبا أَضْعَافاً مُضَاعَفَةً .

    وكانوا في الجاهلية يأكلون الربا أضعافاً مضاعفة، بالصراحة والوضوح، كان الرجل إذا ديَّن شخصاً أرضاً أو ثمن مبيع أو غير ذلك مما يثبت في الذمة؛ لأن الدين في الشرع: كل ما ثبت في الذمة فهو دين، من ثمن مبيع، أو باقي صداق امرأة، أو أجرة بيت، أو دكان، أو غير ذلك، كل ما ثبت في الذمة فهو دين، كانوا في الجاهلية إذا حلَّ الدين المؤجل قال الدائن للمدين: إما أن تقضي الدين، وإما أن تربي، أي: أن تزيده، فإذا كان (10.000) مثلاً وحلَّ، وليس عند المدين شيء، قال له الدائن: إما أن توفيني العشرة آلاف بأي وسيلة كانت، وإما أن تُربي، أي: تجعل العشرة مثلاً أحد عشر ألفاً، أو اثني عشر ألفاً، حسب ما يفرضه هذا الدائن الظالم على المدين.

    والمدين المعسر يحرم على دائنه أن يتكلم معه بطلب الدين، يعني: لا يجوز أن يقول: أوفني وهو يعلم أنه فقير، فكيف بمطالبته؟! وكيف بحبسه؟! كما يفعل الآن بعض الناس الظلمة والعياذ بالله، يحل الدين على الفقير وهو يعلم أنه فقير لا يجد شيئاً، ثم يطالبه عند الجهات المسئولة، ويطلب حبسه، وهذا لا شك أنه معصية لله عزَّ وجلَّ، وأن الذي يفعل ذلك ربما يعاقب في الدنيا قبل الآخرة، ربما يُصاب بالإعسار والإفلاس، ويتسلط عليه الناس كما تسلط على هذا الفقير.

    المهم أنهم كانوا في الجاهلية إذا حل الدين قال: أوفني أو أرْبِ، يعني: زِدْ، فإذا حل مرة ثانية قال: أوفني أو زِدْ، فإذا حل مرة ثالثة قال: أوفني أو زِدْ، حتى يتضاعف الدين، وتكون المئات ألوفاً، فنهى الله المؤمنين عن ذلك.

    لا تَأْكُلُوا الرِّبا أَضْعَافاً مُضَاعَفَةً وَاتَّقُوا اللَّهَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ : اتقوا الله يعني: اتخذوا الوقاية من عذابه بفعل أوامره واجتناب نواهيه؛ لتنالكم رحمة الله عزَّ وجلَّ، وإذا لم تفعلوا فَاتَّقُوا النَّارَ الَّتِي وَقُودُهَا النَّاسُ وَالْحِجَارَةُ أُعِدَّتْ لِلْكَافِرِينَ [البقرة:24].

    وَاتَّقُوا النَّارَ الَّتِي أُعِدَّتْ لِلْكَافِرِينَ [آل عمران:131] يعني: اتقوا الله واتقوا عذابه بالنار التي أعدها الله للكافرين، وفي هذا دليل على أن الربا خصلة من خصال الكفر؛ لأنه قال: وَاتَّقُوا النَّارَ الَّتِي أُعِدَّتْ لِلْكَافِرِينَ [آل عمران:131] بعد أن نهانا عن الربا.

    1.   

    مسائل في الربا

    وقد بين رسول الله صلى الله عليه وسلم الربا فيما يكون، وكيف يكون؟

    الأشياء التي تجري فيها الربا

    أما ما يكون فيه الربا فقال صلى الله عليه وسلم: (الذهب بالذهب، والفضة بالفضة، والبر بالبر، والتمر بالتمر، والشعير بالشعير، والملح بالملح ... -كم هذه؟ ستة. ستة أصناف- مِثْلاً بمِثْل -يعني: بعتَ ذهباً بذهب، أو فضة بفضة، أو براً ببر، أو شعيراً بشعير، أو تمراً بتمر، أو ملحاً بملح، مِثْلاً بِمِثْل- سواءًَ بسواء, يداً بيد) فاشترط النبي عليه الصلاة والسلام المماثَلة والمقابَضة، إذا بِيْعَ شيء من هذه الأصناف بجنسه فلابد فيه من أمرين:

    المماثَلة: بحيث لا يزيد أحدهما على الآخر. والمقابَضة: يداً بيد.

    فإن زِدتَ أو تأخرت في القبض فإنك مرابٍ، قال النبي صلى الله عليه وسلم: (فمن زاد أو استزاد فقد أربى) أي: دخل في الربا، فإذا بعتَ ذهباً بذهب، إذا بعت عشرة غرامات بأحد عشر غراماً فهذا حرام؛ لأجل الزيادة، وإذا بعتَ عشرة غرامات بعشرة غرامات لكن لم تقبض فهذا حرام من أجل عدم القبض.

    والربا الذي يكون بعدم القبض يسميه العلماء: ربا النسيئة؛ لأنه تأخر في القبض.

    والذي يكون فيه الزيادة يسميه العلماء: ربا الفضل.

    فقد ينفرد ربا الفضل، وقد ينفرد ربا النسيئة، وقد يجتمعان.

    إذا اختلفت الأصناف، لم يكن إلا ربا النسيئة.

    فإذا بعتَ ذهباً بفضة فلا بأس بالزيادة والنقص ولكن لابد من التقابض قبل التفرق.

    إذا بعتَ تمراً ببُر، فلا بأس من التفاضل؛ ولكن لابد من التقابض قبل التفرق.

    إذا بعتَ شعيراً بملح، لا بأس بالزيادة؛ ولكن لابد من التقابض قبل التفرق.

    لقول النبي صلى الله عليه وسلم: (فإذا اختلفت هذه الأصناف فبيعوا كيف شئتم، إذا كان يداً بيد) .

    فإن قلتَ: لو بعتُ ذهباً ببُر، هل يجب التقابض؟

    فالجواب: ظاهر الحديث أنه يجب التقابض؛ لأنه قال: (إذا اختلفت هذه الأصناف فبيعوا كيف شئتم)، وذهبٌ ببُر اختلفت الأصناف، فيجوز أن نبيع كيف شئنا؛ ولكن يجب أن يكون يداً بيد، هذا هو ظاهر هذا الحديث؛ لكن قد دلت السنة أنه إذا كان أحد الصنفين نقداً، يعني: ذهباً أو فضة فلا بأس من التأخير في القبض، إذا كان أحد العوضين ذهباً أو فضة فلا بأس من التأخير في القبض. بأي دليل؟

    بحديث ابن عباس رضي الله عنهما قال: (قَدِم النبي صلى الله عليه وسلم المدينة وهم يُسْلِفون في الثمار السنة والسنتين -يعني: يعطون دراهماً بتمر بعد سنة أو بعد سنتين- فقال النبي صلى الله عليه وسلم: من أسلف في شيء فليُسْلِف في كيل معلوم، ووزن معلوم، إلى أجل معلوم) وهذا يتأخر في القبض، وقد جاءت به السنة صريحة.

    فدل ذلك على أن قول النبي صلى الله عليه وسلم: (إذا اختلفت هذه الأصناف) يعني: الأربعة فقط، وهي: البر، والشعير، والتمر، والملح.

    إذا بِيْع جنسٌ بغير جنسه فلابد من التقابض قبل التفرق، ولا يُشترط التساوي، أما إذا بيع جنس من هذه الأصناف الأربعة بذهب أو فضة، فإنه لا يُشترط فيه التساوي، ولا يُشترط فيه التقابض أيضاً؛ لكن إذا بيع ذهب بفضة، فإنه لابد فيه من التقابض، أما التساوي فليس بشرط؛ لأن الذهب لا يساوي الفضة؛ لكن لابد من التقابض.

    ودليل ذلك أحاديث وردت في هذا أن النبي صلى الله عليه وسلم بيَّن بأن الذهب بالفضة لابد أن يكون فيه التقابض قبل التفرق.

    بيع وشراء العملات الورقية

    إذا قال قائل: ما تقولون في هذه العملات الورقية؟! الذهب والفضة معلومان بالسنة؛ لكن هذه العملات الورقية ماذا نقول فيها؟

    فقد اختلف العلماء فيها؛ لأنها خرجت متأخرة، ما كانت معروفة عند العلماء السابقين، خرجت متأخرة، والمتأخرون اختلفوا فيها على ستة أقوال، وأقرب الأقوال فيها: أنه يجري فيها ربا النسيئة دون ربا الفضل، يعني: إذا بعت شيئاً بشيء متفاضلاً فلا بأس، لكن لابد من التقابض قبل التفرق، وهذا قول وسط بين من يقول: إنه لا يجري فيها ربا فضل ولا ربا نسيئة، وبين من يقول: إنه يجري فيها ربا الفضل وربا النسيئة، فهذا قول وسط، أنه يجري فيها ربا النسيئة؛ لأن ربا النسيئة هو الأشد والأعظم؛ حتى ذهب بعض السلف قديماً إلى أنه لا ربا إلا في النسيئة، بناءً على حديث أسامة بن زيد رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (إنما الربا في النسيئة).

    لكن انعقد الإجماع بعد ذلك على مقتضى السُّنَّة الأخرى التي فيها إثبات ربا الفضل، وإثبات ربا النسيئة.

    فأقرب الأقوال عندي في مسألة الأنواط، يعني: الأوراق، أوراق العملة أنه يجري فيها ربا النسيئة دون ربا الفضل، وأن ربا الفضل فيها جائز، بل هو ليس رباً شرعياً؛ لأنه مثلما لو بعتُ عليك ثوباً بثوبين لا بأس به بالاتفاق، أو بعتُ عليك بعيراً ببعيرين، لا بأس به أيضاً، كذلك لو بعتُ ورقةًَ بورقتين لا بأس به؛ لكن إذا كانت الدولة واحدة، فإن كان ورقة بما يقابلها من معدن آخر فلا بأس بالزيادة، وليس فيه إشكال عندي؛ لكن إذا كانت ورقة بورقة؛ لكن ورقة جديدة نظيفة وأخرى فيها تمزق فهذه في نفسي تردُّد، هل تجوز الزيادة في هذا أو لا تجوز، والاحتياط: ألا يكون فيها زيادة.

    والمهم -أيها الإخوة- أن الربا إثم عظيم وجُرم كبير، وقد قال الله تعالى في من لم ينتهِ عن الربا قال: فَإِنْ لَمْ تَفْعَلُوا فَأْذَنُوا بِحَرْبٍ مِنَ اللَّهِ وَرَسُولِهِ وَإِنْ تُبْتُمْ فَلَكُمْ رُؤُوسُ أَمْوَالِكُمْ لا تَظْلِمُونَ وَلا تُظْلَمُونَ [البقرة:279].

    ومع الأسف الشديد أننا نحن معشر الأمة الإسلامية الذين فُضِّلنا على كل الأمم -ولله الحمد- فينا اليوم من يتعاطى الربا وكأنه بيع حلال، ففينا بعد ذلك شبه من اليهود؛ لأن اليهود هم المشهورون بأكل الربا، فمن أكل الربا فإن فيه شبهاً من اليهود، إخوان القردة والخنازير والعياذ بالله.

    نسأل الله لنا ولكم الحماية والوقاية من الشر، إنه جواد كريم.

    1.   

    الأسئلة

    كيفية التخلص من الأموال الربوية

    السؤال: شخص له مبلغ كبير في بنك من البنوك بلغت فوائده الربوية (10.000) ريال تقريباً، فهل يأخذها ويتصدق بها؟ أو يصرفها في أعمال البر العامة؟ أم يتركها للبنك يتاجرون بها ويربحون بسببها، فيحس بالذنب يلاحقه؟ نرجو توضيح هذه المسألة، وفقكم الله للصواب؟ الجواب: لا شك أن بقاء هذا الشيء الذي يسميه السائل: فائدة، لا شك أن بقاءه في البنك ينمِّي ماله ويزيده؛ لكن إذا كان هذا الرجل لا يحب أن ينمِّي مال البنك فلماذا يعطي البنك ماله؟! إذا كان صادقاً في أن يبتعد عن البنوك وعن فوائدها الربوية فلماذا يضع دراهمه في البنك أصلاً؟! لو أن الناس هجروا البنوك ولم يضعوا أموالهم فيها لأفلست البنوك؛ لأن أموال البنوك وأرباح البنوك من أموال الشعب، تَرِدُ عليهم وينتفعون بها، وهذا الربح الذي يعطونك إياه ليس فائدة مالك أبداً حتى تقول: إني تركتُ فائدة مالي لهم، بدليل أن هذا الربح مُطَّرِد، يزيد بزيادة الدقائق، ليس بزيادة الأيام فحسب، وليس هناك ربح يكون بهذا الوجه. ثم إن مالك الذي هو مالك ربما يتَّجر بها البنك ويخسر، وربما يتلف، ربما يصيب البنك حريق فتتلف أموال عظيمة من جملتها مالك، ومع هذا يعطونك الفائدة، فالفائدة هذه ليست فائدة مالك، ولكنها رباً صريح يعطيه البنك لمن جعل ماله عنده، وبعبارة أصح: يعطيه البنك لمن أقرضه ماله؛ لأنك أنت إذا أعطيت البنك فقد أقرضتَه المال؛ لأن البنك يضعه في صندوقه وينتفع به، ليس وديعة، وإن كان الناس يسمونها وديعة؛ لكنها كذب، ما هي وديعة، الوديعة أن يبقى مالك بعينه محفوظاً بكيسه، لا يتصرف فيه المودَع أبداً، هذه الوديعة. أما شيء تعطيه إياه ويضعه في صندوقه ويتصرف فيه فهذا يسميه الفقهاء: قرضاً، وليس وديعة، والمعاني لا تتغير بتغيُّر الأسماء أبداً، ولهذا أخبر النبي عليه الصلاة والسلام أنه في آخر الزمان يشرب أقوام الخمر ويسمونها بغير اسمها، فهل تنتقل عن الخمر إلى الاسم الجديد؟ لا. هي خمر، هكذا أيضاً هذه التي نسميها ودائع وهي عند البنوك ليست وديعة أبداً، بل هي قرض ينتفع بها البنك. فنقول لهذا السائل: أولاً: لماذا تضع مالك عند البنك وأنت تشعر بأن في هذا تنمية لأموالهم وزيادة فيها؟! فإذا قلت: إنني مضطر إلى ذلك؛ قلنا: الضرورة لا تبيح لك أخذ الربا أبداً، وبيننا وبينك كتاب الله: يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَذَرُوا مَا بَقِيَ مِنَ الرِّبا إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ * فَإِنْ لَمْ تَفْعَلُوا فَأْذَنُوا بِحَرْبٍ مِنَ اللَّهِ وَرَسُولِهِ [البقرة:278-279] أي: اتركوا الربا الذي أنتم عقدتموه من قبل، حتى ربا الجاهلية الذي تم العقد عليه قبل الإسلام قال فيه النبي عليه الصلاة والسلام: (ربا الجاهلية موضوع، وأول رباً أضع من ربانا: ربا العباس بن عبد المطلب ). والشرع لا يتغير باستحسان العقول، بعض الناس يقول: لماذا أخلِّي هذا المال الكثير عند البنك يربحُه؟ نقول: ما ربحه، مالك ما ندري هل ربح أم خسِر؟! وهل ربح أضعاف أضعاف الذي أعطاك أو أقل؟! لا ندري، هذا ليس ربحاً، ولا يجوز أن نسميه ربحاً؛ هذا رباً، رباً صريح، ولهذا -كما قلتُ- يزيد بزيادة الساعات والدقائق والأيام، إذا تأخر أضيف إليه زيادة، كلما تأخر، يُحسب بالدقيقة، كيف يقال هذه فائدة؟! أين الفائدة؟! فإذا كان ربك يقول لك: يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَذَرُوا مَا بَقِيَ مِنَ الرِّبا [البقرة:278] اتركوا الباقي، كيف تأخذه أنت؟! أليس الله يعلم أنك لو قبضته وتصدقت به أو صرفته في منفعة عامة أليس الله يعلم أن ذلك يكون؟ الجواب: بلى، يعلم هذا، لماذا لم يقل للعباد: خذوه وتصدقوا به أو اصرفوه في المصالح العامة؟! الله عزَّ وجلَّ لا يمكن أن يحرم عباده مما فيه الخير أبداً، وأن يأمرهم بما فيه الشر! لا يأمر إلا بالصالح أو الأصلح، ولولا أن الصالح أو الأصلح في تركه ما قال: وَذَرُوا مَا بَقِيَ مِنَ الرِّبا ثم في تركه له فوائد عظيمة؛ خلافاً لما يتراءى لبعض الناس من سطح المسألة وظهرها: من أكبر فوائده: أن الناس إذا علموا أو إذا شعروا بأن هذه التي يسمونها فوائد كثيرة تبلغ ملايين ما هي (10.000) كما قال السائل، فإن هذا سيضطَّرهم إلى أن يوجدوا معاملات بديلاً عن هذا، أما إذا استمروا على هذا أو استمرءوه، قال: آخذ، وأصرفه في مصالح عامة، وربما يشح بها أيضاً، ربما تمنعه نفسه، هو أخذها بهذه النية؛ ولكن مع كثرتها إذا صار يقلِّبها يقول: والله! هذه مليون، مليونان، عشرة ملايين، لا، خلِّها وسننظر فيما بعد، يموت وهو ما صرفها في شيء، أو ربما يغلبه الشح وتبقى، ثم هو لو فرضنا أن الرجل أخذها وصرفها فوراً إلى شيء نافع فغيره لا يدري هل أخذها وصرفها أم لا؟! فيقتدي به، يحصل في هذا شر كبير. فالمهم أن تركها امتثالاً لأمر الله عزَّ وجلَّ وتحسُّباً للفوائد العظيمة التي ستكون في تركها، لا شك أنه متعيِّن. وما استحسنه بعض الناس من أن تأخذها وتصرفها في المصالح العامة هذا استحسان في مقابلة النص، ولا -والله- أعلم لأحد حجة إذا وقف بين يدي الله يوم القيامة، وقد قال الله: وَذَرُوا مَا بَقِيَ مِنَ الرِّبا لا أعلم له حجة أن يقول: يا رب! أخذته لأني أرى أن فيه مصلحة، المصلحة كلها في طاعة الله ورسوله، ليست في شيء سواهما، طاعة الله ورسوله فوق كل شيء. وثِق أيضاً بأنك إذا تركت هذا طاعة لله ورسوله فستكون العاقبة حميدة لك، وستجد لذة طعم هذا الترك إلى أن تموت، لا سيما إذا كثر المال المتروك. فعلى كل حال نقول: لا تأخذه، ولا تصرفه في المصالح؛ لأنك إن صرفته في المصالح أو تصدقت به تقرباً إلى الله لم يُقبل منك، وبُؤت بالإثم، كسبت الإثم ولم يقبل منك هذا، وإن أنفقته في المصالح أو تصدقت به تخلصاً منه صرت كمن تلوث بالنجاسة ثم حاول أن يغسلها، ما الفائدة؟ إذا كنتَ تعرف أن هذا لا يحل لك ما الفائدة أنك تأخذ وتصرف، قال: والله! الفائدة أنني أحرمهم إياه؛ لأنه ربما يأخذونه ويضعونه في الكنائس، أو يضعونه في أسلحة يقاتلون بها، نقول: إذا كان هذا الاحتمال وارداً عندك، فأصل إدخالك المال محرم؛ لأنهم سيستعينون به على ذلك.

    حكم المسابقات

    السؤال: هذا سؤال قد طُرح على فضيلة الشيخ في الحلقة الماضية، وهو عن فوازير رمضان، وورد إلينا الآن تنبيه وهو: قضية اصطحاب هذه الفوازير للموسيقى والغناء وظهور بعض البنات ونحو ذلك! والسؤال يتجدد عن حكم هذه الفوازير! قضية فوازير رمضان يحصل فيها غناء وموسيقى؟ الجواب: حسناً! الفوازير هذه، وهو اسم والله! ما أدري إِيْشْ هذه الفوازير! جمع فزُّورَة؟ جمع فزُّورة. الفزُّورة إِيْشْ هي؟! أََلْغاز. لكن ما هي لغة عربية الظاهر. الجواب: على كل حال أنا أقول: إذا كان يصحبها ظهور بنات جميلات فالواجب الإعراض عنها، ولا يجوز الاستماع إليها وفيها موسيقى، ولا يجوز النظر إليها وفيها بنات يفتنَّ الناظر، فيجب الإعراض عنها. ولكن هذا يمكن أن يستمع الإنسان إليها من جهة أخرى؛ لكن قيل لي: إن فيها مفسدة ثانية، وهي: أنه لا يقبلون الإجابة إلا بعد أن يسلم الإنسان دراهم -قسيمة- يقولون: ما نقبل إلا إذا سلمت دراهم -والله ما أدري- خمسة ريالات، أو خمسة عشر ريالاً، ما أدري، هل منكم يعرفها؟ أو أنهم لا يقبلون الإجابة إلا بشراء كتيب أو دفتر تكتب عليه الإجابة. إذا كان كذلك وهو أن الإجابة لا تقبل إلا بشراء هذا الكتيب، ولنقل: إنه بخمسة ريالات، هذا الذي سلم خمسة ريالات ما سلَّم لأجل الكتيب، يمكن الكتيب لا يساوى ريالاً واحداً؛ إنما سلَّم لأجل الجائزة، أو سلَّم أيضاً لأجل أن يُقبل فقط حتى نقول: إن العوض هنا معلوم، وهو قبول إجابته، هو لولا هذه الجائزة التي قدِّرت ما تقدم في الإجابة، وحينئذ يكون سلَّم خمسة ريالات بناءً على أنه سيحصل على جائزة، وهذه الجائزة ربما تحصل وربما لا تحصل، وربما تكون أضعاف أضعاف الخمسة ريالات، وربما تكون -ما أدري- أقل. عل كل حال: إذا بنيتَ هذا على القاعدة المعلومة عند أهل العلم وهي: أن كل عقد يكون دائراً بين الغُنم والغُرم فإنه داخل في الميسر، علمتَ أن هذا من الميسر. قد يقول قائل: مصلحة أو ريع هذا الكتيب لن يدخل على الذين وضعوا هذه المسابقة، ووضعوا هذه الجائزة، حتى نقول: إنه من باب الميسر، وإنما سيُصرف إلى جهات أخرى، فيقال: هذا صحيح؛ لكن أصل المعاملة بالنسبة للمتقدم هي ميسر؛ لأن يعرف أنه مُخاطِرٌ الآن، إما أن تروح عليه الخمسة ريالات التي صرفها، وإما أن يحصِّل أكثر، فهي في الحقيقة وإن كانت أهون مما إذا كان الذي يأخذه مَن وضَع الجائزة؛ لكن هي داخلة في الميسر، وهذه مشكلة في الحقيقة حصلت من المسابقة في هذا العام.

    حكم الزكاة على المدين

    السؤال: هذه سائلة تقول في سؤالها: عندي بضاعة أبيع وأرتزق منها، فهل تجب عليَّ الزكاة، علماً بأنني مدينة؟ الجواب: نعم. القول الراجح من أقوال أهل العلم: أن الزكاة واجبة على من عنده مال زكوي، وإن كان مديناً؛ لأن النصوص التي دلت على وجوب الزكاة في الأموال الزكوية نصوص عامة ما فيها استثناء، ولم يأت عن رسول الله صلى الله عليه وسلم حديث واحد؛ لا صحيح ولا ضعيف، في أن ما يقابل الدين يُسقَط ولا تجب فيه الزكاة أبداً، بل كان الرسول عليه الصلاة والسلام يبعث الناس إلى أخذ الزكاة من أهل المواشي ومن أهل الثمار ولم يقل لهم: اسألوا أهل الثمار: هل عليهم ديون أم لا؟! مع أنه كما سمعتم كانوا يسلفون في الثمار السنة والسنتين، غالبهم يصير عليه دين، ولا تقوم فلاحته إلا بالتديُّن لها، ومع ذلك ما كان الرسول صلى الله عليه وسلم يقول للناس الذين يقبضون الزكاة يقول: اسألوهم: هل عليهم ديون؟ فأسقِطوا عنهم ما يقابل الدين! فلما لم يقل ذلك مع دعاء الحاجة إليه عُلِم أن الدين ليس بمانع من وجوب الزكاة فيمن عنده مال زكوي. وقول بعض الفقهاء رحمهم الله: إن الزكاة وجبت مواساة، وأن المدين ليس أهلاً للمواساة، هذا من جملة ما أشرنا إليه، من جملة التحسين المعارِض للنص، وكل شيء يعارض النص فإنه مرفوض وغير مقبول. فالصحيح أن الإنسان الذي عنده مال زكوي سواءً كان دراهم أو كان تجارةً أو كان سائمةً من بهيمة الأنعام، أو كان ثماراً؛ فإنه يجب عليه أن يزكيه إذا وجبت فيه الزكاة, ولو كان عليه دين، فإذا قدَّرنا أن رجلاً عنده بضاعة تساوي [10.000] ريال، وهو مدين بعشرة آلاف ريال، عليه دين (10.000) ريال وجب عليه أن يزكي التجارة التي عنده، وإذا احتاج إلى قضاء الدين أعطيناه نحن من الزكاة، وقضينا دينه؛ لأنه غارم، فالحمد لله! الله لن يضيع أحداً، فالذي يؤدي الزكاة وعليه دين نقول له: إذا اضطررت يوماً من الأيام إلى أن نقضي دينك قضيناه من الزكاة. وعلى هذا فنقول في جواب سؤال المرأة: إنه يجب عليها أن تزكي هذا المال الذي تتجر به ولو كان عليها دين.

    حكم تتبع المساجد لطلب الصوت الحسن

    السؤال: أرشدونا فيما هو الأفضل: تتبُّع المساجد لطلب الصوت الحسن، أم الذهاب إلى من يطبق السنة ويحافظ على الخشوع؛ ولكنه لا يمتاز بصوت حسن، مع أن الحاجة داعية إلى ذلك؟ الجواب: لا شك أن الصوت الحسن مرغوب، والإنسان يحب أن يستمع القرآن من صوت حسن، بل قد قال النبي صلى الله عليه وسلم: (ما أذن الله لشيء إِذْنَه لنبي حسن الصوت يتغنى بالقرآن) أي: ما استمع الله تعالى لشيء مثلما يستمع لنبي حسن الصوت يتغنى بالقرآن. وسمع النبي صلى الله عليه وسلم ذات ليلة أبا موسى الأشعري يقرأ القرآن، واستمع لقراءته، ثم قال له النبي عليه الصلاة والسلام في الصباح، قال: (لقد استمعتُ إلى قراءتك الليلة، وقد أوتيتَ مزماراً من مزامير آل داوُد -أي: صوتاً حسناً- فقال: أوَسَمِعْتَ ذلك يا رسول الله؟ قال: نعم. قال: لو علمتُ لحبَّرتُه لك تحبيراً) يعني: زينتُه أحسن. وفي هذا دليل على أن الإنسان لا بأس أن يحسِّن صوته من أجل أن يستمع الناس إليه؛ لأن الرسول صلى الله عليه وسلم لم ينكر على أبي موسى لما قال هذا. لكن إذا كان الذهاب -أي: ذهاب الرجل- يؤدي إلى هجران المساجد الأخرى، وضعف همم أصحاب الحي، فإن بقاء الإنسان في مسجده أفضل، وكذلك أيضاً لو كان مسجد حيه يطبق السنة أكثر صار أيضاً صلاته في مسجد حيه أفضل. وهذا القارئ الذي يقرأ يمكن للإنسان أن يستمع إلى قراءته في مسجل ويخشع لها، ثم الخشوع في الحقيقة هو حضور القلب بين يدي الله عزَّ وجلَّ، وليس هذا البكاء الطويل العريض الذي أحياناً يصل إلى إزعاج لبعض الناس، فالرسول صلى الله عليه وسلم أشد الناس خشوعاً، وكان إذا سجد يُسمع لصدره أزيز كأزيز المِرْجَل، خفي، ليس بهذا الصراخ الذي يُسمع من بعض الناس. فالذي أرى أنه لا بأس أن الإنسان يذهب إلى مسجد حسن الصوت، إذا كان هذا ألذ وأطيب لقلبه وأخشع؛ ولكن يُلاحظ أنه إذا كان هناك من يطبق السنة أكثر فهو أولى، وكذلك إذا ذهب إلى هذا المسجد تخلو مساجد الحي أو تضعف همم الناس، فإن وجوده في مسجده أفضل ليكثِّر الناس، ولا سيما إذا كان رجلاً له قيمة في المسجد، فإن هذا أيضاً ربما يُحدث شيئاً في قلب الإمام. أما أولئك الذين سمعنا أنهم يأتون من نحو ثمانين كيلو، ومائة كيلو، وما أشبه ذلك، فهذا لا شك أن هذا تصرف خاطئ، خاطئ جداً؛ لأن هذه المسافة؛ ثمانين كيلو، ساعة ذهاب، وساعة إياب، بدون فائدة، إلا مجرد الاستماع لهذا الصوت، هذا إضاعة وقت، والوقت أشرف من أن يُضاع في مثل هذا الشيء، صحيحٌ أن قصد العبادة فيه أجر لا شك؛ لكن إلى هذا الحد؟! تضيع عليك ساعتان من هذه الليالي الشريفة؟! هذا -في رأيي- أنه تصرفٌ خاطئ، وكلامنا على الشخص الذي يكون في البلد نفسه.

    حكم نزول السائل الأصفر من المرأة الحامل

    السؤال: هذه سائلة تقول: إذا نزل من المرأة الحامل سائل أصفر، فهل تقضي هذا اليوم علماً بأنها في الشهر الثامن؟ الجواب: لا، الحامل لا يضرها ما نزل منها من دم أو صُفرة؛ إلا إذا كان عند الولادة أو قبلها بيوم أو يومين مع الطلق، فإنه إذا نزل منها دم صار نفاساً، وكذلك في أوائل الحمل، فإن بعض النساء في أوائل الحمل لا تتأثر عادتهن، تستمر على طبيعتها وعادتها، فهذه أيضاً دمُها يكون دمَ حيض. وأما ما يحدث أحياناً في أثناء الحمل فهذا لا يضر ولا يؤثر، تصوم المرأة وتصلي إلا أنها عند الصلاة تتحفظ لئلا يخرج شيء منها أثناء الصلاة، بقدر الإمكان، وكذلك أيضاً تتوضأ لوقت كل صلاة.

    التحذير من خروج النساء إلى الأسواق

    السؤال: تشكو النساء من فراغ كثير خصوصاً في مثل هذه الليالي؛ لا يجدن أمامهن إلا التلفاز أو الفيديو، فما نصيحتكم لهنَّ في قضاء هذه الأوقات؟ وآخر يشتكي من كثرة خروج النساء إلى الأسواق، نرجو التوجيه؟ الجواب: أما خروج النساء إلى الأسواق فلا شك أنه محزن ومؤسف، والمسئولية تقع أول ما تقع على الرجال أولياء الأمور؛ لأنهم هم الذين نصبهم الله تعالى قوَّامين على النساء، فقال: الرِّجَالُ قَوَّامُونَ عَلَى النِّسَاءِ بِمَا فَضَّلَ اللَّهُ بَعْضَهُمْ عَلَى بَعْضٍ وَبِمَا أَنْفَقُوا مِنْ أَمْوَالِهِمْ [النساء:34]، وقال: وَلِلرِّجَالِ عَلَيْهِنَّ دَرَجَةٌ [البقرة:228] . ولا يجوز للإنسان أن يدع نساءه هكذا طلقاً، يذهبن حيث شئن، لا في الليل ولا في النهار، لا في رمضان، ولا في غيره، بل الواجب عليه الملاحظة والمراقبة، لا سيما مع خوف الفتنة، بأن تخرج المرأة متطيبة أو متبرجة أو ما أشبه ذلك. فأنا أجعل المسئولية الكبرى على أولياء الأمور، يجب أن تُمنع المرأة من الخروج من البيت إلى الأسواق في الليل، حتى لو أدى ذلك إلى منعها من المسجد؛ ولا يعارض هذا قول النبي صلى الله عليه وسلم: (لا تمنعوا إماء الله مساجد الله) لأني أمنعها من الخروج إلى المسجد حيث إنها إذا خرجت إلى المسجد مرت على السوق، وقامت تتجول فيه بلا فائدة، فأنا أمنعها لا عن المسجد؛ ولكن عمَّا يكون بعد المسجد، وإلا أحرصُ عليها بأن أتلقاها من حينِ ما تخرج من المسجد وأذهب بها إلى البيت. وأما فراغ النساء في البيوت، فالمرأة هي التي جعلت الفراغ لنفسها، وعندي أنه لا فراغ، أما بالنسبة للفتيات الصغار فغالبهنَّ في المدارس، وهي عليها مسئولية للمدرسة، يمكنها أن تُمضي ليلها في مطالعة الدروس، ما دامت لم تَنَمْ. وأما الكبار فشئون البيت كثيرة، يمكنها أن تسعى في أمور بيتها أو تنام كما كانت النساء من قبل، كانت النساء من قبل ليس عندهن تلفاز، وليس عندهن فيديو، ولا راديو، ولا شيء، وأمورهن قائمة، بل هي والله أحسن من الوقت هذا، تجد المرأة الفارغة قلبها متعلق بعبادتها وشئون بيتها، وليس لها نظر ولا التفات إلى أي شيء آخر؛ لكن النساء هنَّ اللاتي أشغلن أنفسهن بهذه المشاهد، أو هذه المسامع، وهنَّ في غنى عنها، فبإمكانها إذا انتهت صلاة التراويح أن تبقى في البيت إن كانت تدرس، تراجع دروسها، إن كانت مدرِّسة تراجع ما تريد أن تدرِّسه، إن كانت تقرأ القرآن قرأت القرآن، إن كانت لا تقرأ اشتغلت بشئون بيتها، إذا لم يكن شغل وانتهى الشغل تنام، وليس بإشكالٍ المسألةُ، المسألةُ ليس هنالك إشكال، وليس هناك فراغ؛ لكن النساء هنَّ اللاتي يخلقن هذا الإشكال، ويطلبن حلَّه وحله -والحمد لله- يسير وسهل.

    حكم العمل بجهاز الكمبيوتر في معرفة ما في بطون الأمهات وغير ذلك

    السؤال: سائل يسأل عن حكم العمل بجهاز الكمبيوتر؛ حيث أنه يحكم على ما في بطون الأمهات بالذكورة أو الأنوثة ويخبر قبل شهر بالطلوع والغروب والسحاب والمطر؟! الجواب: نعم، الاشتغال بهذا لا بأس إذا لم يشغل عما هو أهم منه؛ لأن هذا داخل في عموم قوله تعالى: وَيُعَلِّمُكُمُ اللَّهُ [البقرة:282] وفي قوله تعالى: وَسَخَّرَ لَكُمْ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ جَمِيعاً مِنْهُ [الجاثية:13] وفي قوله تعالى: هُوَ الَّذِي خَلَقَ لَكُمْ مَا فِي الْأَرْضِ جَمِيعاً [البقرة:29] . فهذه المسائل لا بأس بتعلُّمها؛ إلا إذا أشْغَلَت عما هو واجب وأهم منها فهذا شيء آخر؛ لكن إذا لم تشغل فإنها مفيدة جداً، وفيها مصلحة أيضاً حتى للمسلمين عموماً، حتى لا يبقى الشعب المسلم أبله؛ يترقى الناس إلى الصنائع العظيمة التي تخدمهم خدمة لا يتصورها العقل. ولقد جاءتني ورقة من امرأة، تقول لي: لماذا تقول: الكمبيوتر؟! لأن الكمبيوتر لغة إنجليزية، ولكن قل: العادُّ، أو الحاسِبُ، أو ما أشبه ذلك، فأنا تعجبتُ! سبحان الله! عندي رجال كثير ما قالوا في هذا شيء، وهذه المرأة تنتقدني، والانتقاد في محله يُشكر الإنسان عليه، ولهذا هل يمكن أن نغيره؟ أقول: إن غيرناه فذاك هو الأحسن، وإن لم نغيِّره فلا حرج؛ لأن اللغة العربية الفصحى فيها كلمات مترجمة منقولة من لغة أخرى، حتى في القرآن الكريم كلمات أصلها أعجمية؛ لكن استعملها العرب فكانت من كلامهم، وتسمى هذه الكلمات كلمات معرَّبة، فلا حرج أن نسمي هذه الأسماء بما سماها أصحابها، وليس في هذا بأس. على كل حال أقول: إن الاشتغال بالكمبيوتر لا بأس به إذا لم يشغل عن واجب أو ما هو أهم؛ لأن فيه مصلحة. وأما العلم بما في بطن الأنثى بعد أن يُخَلَّق فهذا أمر وقع الآن وعُلم، ولا يعارض قول الله عزَّ وجلَّ: وَيَعْلَمُ مَا فِي الْأَرْحَامِ [لقمان:34] لأن هذا العلم إنما يكون بعد الوجود، وعلم الله تعالى لما في الأرحام كائن قبل الوجود، يعلم ما سيكون في رحم هذه الأنثى وإن لم تحمل، ويعلم أيضاً ما في بطنها قبل أن يُخَلَّق، ويعلم مآل هذا الحمل، ويعلم حياته وعمله وكل أحواله، وهم لا يتوصلون إلا إلى علم شيء محسوس بعد وجوده، وبعد وقوعه، وهو: الذكورة والأنوثة. وكذلك أيضاً علمهم بما سيكون من المطر، هو علم يُدرك؛ لكنه بآلات قوية الحساسية، والله عزَّ وجلَّ جعل لكل شيء سبباً، فالأمطار لها أسباب، والغيوم لها أسباب، كله في هذا الغلاف الجوي، فهناك آلات دقيقة جداً جداً يتبين بها بعد دراستها وإجراء الاختبار عليها أن الجو متكيِّف لأن يكون المطر قريباً أو بعيداً وهو يقول إنه إلى شهر، وهذا علم جديد؛ لأن الذي أعرف أنه إلى (24) ساعة، وأنهم وصلوا الآن إلى ثلاثة أيام، ما أدري هل زاد ذلك أم لا. فهذه أيضاً أمور تُدرك بالحس، وليست من أمور الغيب، ولا بأس أن يصدقها الإنسان؛ لكن لو قال قائل لإنسان: إنه سيكون لك كذا، وسيكون لك كذا، هذا هو الذي من علم الغيب، ولا يجوز لأحد أن يصدقه، ولهذا أحذركم من قراءة بعض المجلات التي تَرِدْ إلى المملكة فيها الطالع المنحوس، والطالع المسعود، وما أشبه ذلك، ويذكرون طالع الإنسان: أنت في أي نجم ولِدْت؟ إن ولدت في كذا سيحصل كذا وسيحصل كذا، هذا حرام ولا يجوز أن نصدقه، والتصديق به من الكفر.

    حكم الصور على الفرش والبطانيات

    السؤال: ابتلينا بالصور في الثياب والكتب والمجلات والفُرُش، فما حكم الفُرُش والبطانيات التي يكون فيها رسماً لحيوانات، وهل تجوز الصلاة في الغرف التي فيها مثل هذه البطانيات؟ الجواب: الواقع أننا كما قال السائل ابتلينا بهذه الصور، وقد ثبت عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: (لا تدخل الملائكة بيتاً فيه صورة) وإذا أخذنا بعموم هذا الحديث شمل كل شيء فيه صورة؛ ولكن جمهور أهل العلم يقولون: إن الصورة التي تُمْتَهَن -وهي: التي في الفرش- لا بأس بها، ويجوز أن يستعملها الإنسان؛ ولكن مع ذلك أنا أشير أن الإنسان يدعها حتى في الأشياء التي تُمْتَهَن؛ لأن النبي صلى الله عليه وسلم جاء ذات يوم إلى بيت عائشة ورأى نمرقة -يعني: وسادة- فيها صورة، فوقف، وعُرِفَت الكراهية في وجهه، فقالت عائشة رضي الله عنها: (إني أتوب إلى الله ورسوله، ماذا صنعتُ يا رسول الله؟ فقال النبي صلى الله عليه وسلم: إن أصحاب هذه الصور يُعَذَّبون، يقال: أحيوا ما خلقتم) ثم أمرها صلى الله عليه وسلم أن تشقها نصفين، فهذا يدل على أنه حتى وإن كانت في الأشياء التي تُمْتَهَن فإن تجنبها أولى، فتجنب هذه الصور أولى بكل حال؛ حتى في الفرش والمَخاد والمساند. لكن هناك شيء أيضاً ابتلي الناس به، وهو ما يكون في المجلات والجرائد، وعندي أنه لا يلزم الإنسان أن يطمس كل ما يجد في المجلات والجرائد من أجل المشقة، والله سبحانه وتعالى يقول: وَمَا جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي الدِّينِ مِنْ حَرَجٍ [الحج:78] والإنسان لم يشترِ هذه المجلات والجرائد من أجل صورها، بل من أجل ما فيها من الأخبار والعلوم، ولهذا يوجد مجلات مخصوصة للصور، تجدها مشتملة على هذه الصور، هذه لا شك أنها حرام، ولا يجوز للإنسان أن يدخلها بيته. وبهذه المناسبة أقول: إنه يجب على الرجال أن يلاحظوا النساء الناقصات في العقول والدين، فإن النساء ابتلين الآن بشراء مجلات الأزياء، تجد المرأة عندها مجلة أو مجلتان من مجلات الأزياء تنظر إليهم، وهذا من الغزو الفكري الذي غزا به أعداءُ المسلمين المسلمين في عقر دارهم وهم لا يعلمون، ما بالنا وبال هذه الألبسة التي قد تكون محرمة في ذاتها، وقد تكون محرمة من أجل ما اشتملت عليه من التشبُّه، ثم هي أيضاً تُعرض في صور -والعياذ بالله- شبه عارية، في صور فاتنة، تلقى الصورةَ طويلةً وجميلةً ومتخصِّرةً وواضعةً يدها على خصرها، وعليها هذا الزي، كأنما تقول لنسائنا: افعلن مثلما فعلتُ، فالواجب على الرجال إذا رأوا مثل هذه المجلات بأيدي النساء أن يأخذوها ويحرقوها، وأن يوبخوا النساء في اقتنائها؛ حتى لا ينتشر الشر بيننا، أنا أقول: إن البلاد الإسلامية التي تحلل كثير منها من الأخلاق أول ما ابتُليَت به مثل هذه المجلات، دُخِّلت على الناس في البيوت، فاقتدى الناس بها، وأخذوها شيئاً فشيئاً، حتى أصبحت الأزياء في كثير من بلاد الإسلام أصبحت مزرية، لا يجيزها ذو عقل سليم، فضلاً عن صاحب الدين. أما الصلاة في الأماكن التي توجد فيها مثل هذه الصور فإن كانت من الأشياء المباحة كالذي يُمْتَهَن على قول جمهور أهل العلم فلا بأس بها، وإن كانت من الأشياء التي غير مباحة، مثل الصور المعلقة فإنه لا يُصلى في هذا المكان حتى تُنَزَّل الصور، مع أن هذه الصور المعلقة لا يجوز أن تعلَّق أبداً مهما كان المصوَّر، بعض الناس يضع صورته في برواز ويعلقها في المجلس، أو يضع صورة والده، أحياناً يضعون صورة الوالد وهو ميت، نسأل الله العافية، وبعض الناس يضع صور اللاعبين؛ لاعبي الكرة، وللناس إرادات وأهواء، المهم كل الصور المعلقة لا تجوز أياً كان المعلَّق. والصلاة على تلك البُسُط لا شك أنها تشغل المصلي، الشيطان حريص على إشغال المصلي لا سيما إذا كان أمامه صورة، فسوف تشغله، ورسول الله صلى الله عليه وسلم صلى ذات يوم في خميصة -ثوب مُعَلَّم له أعلام- فنظر إلى أعلامها نظرة -كما جاء في الحديث- نظرة واحدة فلما انصرف من صلاته أمر بأن تؤخذ هذه الخميصة وتُعطى أبا جهم ، وتؤخذ أمبجانية أبي جهم بدلاً عنها، فتأمَّلَ الرسول عليه الصلاة والسلام، ونظر إليها نظرة، فكيف بمن يجلس وينظر الصور، وينظر الرأس واليدين والرجلين، ويخطط ويزين، الشيطان أيضاً يجيء له بتخيلات أخرى غير الموجودة في الفراش، فالواجب أو الذي ينبغي للإنسان أن يتجنب كل ما يشغله عن صلاته. إن شاء الله تعالى إلى جلسة قادمة. والحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على نبينا محمد، وعلى آله وأصحابه أجمعين.

    مكتبتك الصوتية

    البث المباشر

    المزيد

    من الفعاليات والمحاضرات الأرشيفية من خدمة البث المباشر

    عدد مرات الاستماع

    2994036981

    عدد مرات الحفظ

    717452134