إسلام ويب

لقاء الباب المفتوح [127]للشيخ : محمد بن صالح العثيمين

  •  التفريغ النصي الكامل
  • تحدث الشيخ رحمه الله في هذه المادة عن تفسير آيتين من سورة الحجرات بين فيهما أهمية الإيمان بالله تعالى، والإيمان برسوله صلى الله عليه وسلم وأن أهل هذه الصفة هم المؤمنون حقاً، ثم ألحق ذلك ببيان أهمية الجهاد في سبيل الله وأنه أمر مطلوب في الشرع وواجب على العباد، ثم ختم ذلك ببيان ما ذكره الله من توبيخ الأعراب الذين يعلمون الله بدينهم، فأدبهم الله بهذه الآية، ثم ختم المادة بأجوبة متفرقة.

    1.   

    تفسير آيات من سورة الحجرات

    الحمد لله رب العالمين، وصلى الله وسلم على نبينا محمد، وعلى آله وأصحابه، ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين.

    أما بعد:

    فهذا هو اللقاء السابع والعشرون بعد المائة من اللقاءات الأسبوعية المعبَّر عنها بـ(لقاء الباب المفتوح)، والتي تكون في كل يوم خميس.

    وهذا الخميس هو السابع والعشرون من شهر محرم عام (1417هـ) نسأل الله لنا ولكم التوفيق لما يحب ويرضى.

    لقاؤنا هذا يُفْتَتح بالكلام في تفسير آخر سورة الحجرات.

    تفسير قوله تعالى: (قالت الأعراب آمنا قل لم تؤمنوا ولكن قولوا أسلمنا ولما يدخل الإيمان في قلوبكم...)

    قال الله تعالى: قَالَتْ الأَعْرَابُ آمَنَّا قُلْ لَمْ تُؤْمِنُوا وَلَكِنْ قُولُوا أَسْلَمْنَا وَلَمَّا يَدْخُلْ الإِيمَانُ فِي قُلُوبِكُمْ [الحجرات:14] :-

    بيَّنَّا فيما سبق أن هؤلاء القوم لم يتحقق فيهم كمال الإيمان، أي: معهم أصل الإيمان فقالوا: آمنا، والإيمان المطلق لا يُعْطَى لمن لم يتم إيمانه، ولهذا قال الله عز وجل: وَلَكِنْ قُولُوا أَسْلَمْنَا وَلَمَّا يَدْخُلْ الإِيمَانُ فِي قُلُوبِكُمْ أي: لم يدخل الإيمان الكامل في قلوبكم ولكنه قريب، لأن (لما) تفيد قرب مدخولها.

    قال الله عز وجل: وَإِنْ تُطِيعُوا اللَّهَ وَرَسُولَهُ لا يَلِتْكُمْ مِنْ أَعْمَالِكُمْ شَيْئاً [الحجرات:14] :-

    أي: إن قمتم بطاعة الله ورسوله بامتثال أوامر الله ورسوله، واجتناب نهي الله ورسوله، فإن الله لن ينقصكم أعمالكم شيئاً، سيعطيكموها تامة بلا نقصٍ، وقد تقرر أن من جاء بالحسنة فله عشر أمثالها إلى سبعمائة ضعف إلى أضعاف كثيرة، وأن من جاء بالسيئة فإنه لا يجزى إلا مثلها وهم لا يظلمون.

    تفسير قوله تعالى: (إنما المؤمنون الذين آمنوا بالله ورسوله ثم لم يرتابوا...)

    ثم قال عز وجل: إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ آمَنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ ثُمَّ لَمْ يَرْتَابُوا [الحجرات:15] :-

    (إنما) أداة حصر تفيد إثبات الحكم في المذكور، ونفيه عما سواه، أي: ما المؤمنون إلا هؤلاء، والمراد بالمؤمنين حقاً: الذين تم إيمانهم الذين آمنوا بالله ورسوله، آمنوا: أقروا إقراراً مستلزِماً للقبول والإذعان، وليس مجرد الإقرار كافياً، بل لابد من قبولٍ وإذعان، والدليل على أن مجرد الإقرار ليس بكافٍ: أن النبي صلى الله عليه وسلم أخبر عن عمه أبي طالب أنه في النار، مع أنه مؤمن بالرسول عليه الصلاة والسلام مصدِّق به، يقول في لاميته المشهورة:

    لقد علموا أن ابننا لا مكـذَّبٌ     لدينا ولا يُعْنَى بقول الأباطلِِ

    ويقول عن دين الرسول:

    ولقد علمتُ بأن دين محمـد     من خير أديان البرية ديناً

    لكنه والعياذ بالله لم يقبل هذا الدين، ولم يذعن له، وكان آخر ما قال أنه على الشرك، على ملة عبد المطلب.

    فالذين آمنوا بالله ورسوله: هم الذين أقروا إقراراً تاماً بما يستحقه الله عز وجل، وبما يستحقه الرسول عليه الصلاة والسلام وقبلوا ذلك وأذعنوا له.

    ثُمَّ لَمْ يَرْتَابُوا : كلمة (ثُمَّ) هنا في موقع من أحسن المواقع، (ثم) تدل على الترتيب بمهلة، يعني: ثم استقروا وثبتوا على الإيمان مع طول المدة:

    (لَمْ يرتابوا): أي: لم يلحقهم شك بالإيمان بالله ورسوله.

    وهنا ننبه إلى مسألة يكثُر السؤال عنها في هذا الوقت وإن كان أصلها موجوداً في عهد الرسول عليه الصلاة والسلام وهي: الوساوس التي يلقيها الشيطان في قلب الإنسان، يلقي الشيطان في قلب الإنسان أحياناً وساوسَ وشكوكاً في الإيمان، في القرآن، في الرسول، في الرب عز وجل، وساوس يحب الإنسان أن يُمَزَّقَ لَحْمُه ويُكْسَرَ عَظْمُه ولا يتكلم بذلك، فما موقف الإنسان من هذا؟

    موقف الإنسان من هذا: أن يستعيذ بالله من الشيطان الرجيم، وينتهِ، ويُعرض عن هذا ولا يفكر فيه إطلاقاً، وقد أخبر النبي عليه الصلاة والسلام أن مثل هذه الوساوس صريح الإيمان أي: خالص الإيمان، هذا إنما كان صريح الإيمان؛ لأن الشيطان لا يأتي لإنسان شاكٍّ يشككه في دينه، وإنما لإنسان ثابتٍ مستقرٍ ليشككه في دينه فيفسده عليه، وأما المؤمن الذي استقر الإيمان في قلبه، واطمأن قلبه بالإيمان؛ فإنه هو الذي يأتيه الشيطان ليفسد عليه دينه، أما من ليس بمؤمن فإن الشيطان لا يأتيه بمثل هذه الوسواس لأنه مُنْتَهٍ منه.

    والمهم أن قوله: ثُمَّ لَمْ يَرْتَابُوا يدل على أنهم ثبتوا على الإيمان ولو طالت بهم المدة، فإذا قال قائل: ما هي الطريق التي توجب للإنسان ثبوت الإيمان واستقراره؟

    قلنا: أولاً: أن يتفكر في مخلوقات الله سبحانه وتعالى، وأن هذه المخلوقات العظيمة لم تكن وليدة الصدفة، ولم تكن وليدةً بنفسها، وأن يتفكر أيضاً في شريعة الله وكمالها، وأن يتفكر في سيرة النبي صلى الله عليه وسلم ومعجزاته، وما إلى ذلك، وكذلك أيضاً يُكْثِر من ذكر الله عز وجل، فإنَّ بذكر الله تطمئن القلوب، ويكثر من الطاعات والأعمال الصالحة؛ لأن الطاعات والأعمال الصالحة تزيد في الإيمان كما هو مذهب أهل السنة والجماعة رحمهم الله.

    وَجَاهَدُوا بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنفُسِهِمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ [الحجرات:15] :-

    هذا أيضاً معطوف على قوله: آمَنُوا أي: هم الذين مع إيمانهم بالله عز وجل، ويقينهم وعدم ارتيابهم يريدون أن يصلحوا عباد الله، بماذا؟ بالجهاد في سبيل الله، يجاهدون أعداء الله ليَرْجِعوا إلى دين الله، ويستقيموا عليه، لا للانتقام منهم، ولا للانتصار لأنفسهم، ولكن ليَدْخُلوا في دين الله عز وجل.

    والجهاد في سبيل الله: هو القتال لتكون كلمة الله هي العليا، لا للانتقام، القتال للانتقام ليس إلا مدافعة عن النفس أو أخذاً بالثأر فقط، لكن الجهاد حقيقةً: هو أن يقاتل الإنسان لتكون كلمة الله هي العليا، أما الجهاد انتصاراً للنفس، أو دفاعاً عن النفس فقط فليس في سبيل الله، لكن لا شك أن من قاتل دفاعاً عن نفسه فإنه إن قُتِل فهو شهيد، وإن قَتَل صاحبَه فصاحبُه في النار، كما جاء في الحديث عن النبي صلى الله عليه وسلم فيمن أراد أن يأخذ ماله قال: (لا تعطِه، قال: يا رسول الله! أرأيت إن قاتَلَني؟ قال: قاتِلْه، قال: أرأيت إن قتلني؟ قال: فأنت شهيد، قال: أرأيت أن قتلتُه قال: فهو في النار).

    إذاً: ما هو الجهاد في سبيل الله؟

    القتال لتكون كلمة الله هي العليا، هذا هو الذي حَدَّه النبي عليه الصلاة والسلام وفَصَلَه فَصْلاً قاطعاً.

    أُوْلَئِكَ هُمْ الصَّادِقُونَ [الحجرات:15] :-

    أولئك هم الصادقون في إيمانهم وعدم ارتيابهم، أما الذين قالوا من الأعراب: آمنا، ولكنهم لم يؤمنوا حقيقةً، ولكن أسلموا فإنهم ليسوا صادقين، ولهذا قال الله تعالى: قُلْ لَمْ تُؤْمِنُوا وَلَكِنْ قُولُوا أَسْلَمْنَا [الحجرات:14].

    تفسير قوله تعالى: (قل أتعلمون الله بدينكم ...)

    قال تعالى: قُلْ أَتُعَلِّمُونَ اللَّهَ بِدِينِكُمْ وَاللَّهُ يَعْلَمُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الأَرْضِ وَاللَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ [الحجرات:16] :-

    هذا إنكارٌ لقول الذين قالوا: آمنا، يعني: أتعلِّمون الله تعالى بأنكم آمنتم وهو عليم بكل شيء؟! و(تعلِّمون الله) أي: تخبرون الله، وليس المراد ترفعون جهله عن حالكم؛ لأنه يعلم حالهم عز وجل، ويعلم أنهم مؤمنون أو غير مؤمنين، لكن (تعلِّمون) هنا بمعنى تخبرون، وليس بمعنى: ترفعوا الجهل عن الله عز وجل؛ لأن الله ليس جاهلاً بحالهم، بل هو عالم.

    أَتُعَلِّمُونَ اللَّهَ بِدِينِكُمْ أي: حينما قلتم: آمنا.

    وَاللَّهُ يَعْلَمُ مَا فِي السَّمَوَاتِ وَمَا فِي الأَرْضِ أي: ومنه -أي: مِمَّا في السموات والأرض- حالكم إن كنتم مؤمنين أو غير مؤمنين.

    وفي هذه الآية إشارة إلى أن النطق بالنية في العبادات منكر؛ لأن الإنسان الذي يقول: أريد أن أصلي، يُعْلِم الله سبحانه وتعالى بما يريد من العمل، والله يعلم، والذي يقول: أريد أن أصوم كذلك، والذي يقول: نويت أن أتصدق كذلك، والذي يقول: نويت أن أحج كذلك أيضاً، وكذلك لا يُسَنّ النطق بالنية في العبادات كلها، لا في الحج ولا في الصدقة، ولا في الصوم، ولا في الوضوء، ولا في الصلاة، ولا في غير ذلك، لماذا؟

    لأن النية محلها القلب والله عالم بذلك لا حاجة أن تخبر الله به.

    وَاللَّهُ يَعْلَمُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الأَرْضِ وَاللَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ .

    (ما في السموات) عام، (وما في الأرض عام) كل شيء يعلمه الله، وقد تقدم لنا الكلام مراراً على هذه الصفة العظيمة من صفات الله، والتي هي من أوسع صفاته جل وعلا.

    وَاللَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ بكل شيء: خفيٌ أو بيِّنٌ، عامٌ أو خاصٌ، هو عالم به جل وعلا.

    1.   

    الأسئلة

    حكم من أوصى أن يُصلى عليه في المسجد الحرام ويدفن في مكة أو البقيع

    السؤال: فضيلة الشيخ: قررتُ أنا وكتبت في الوصية لأولادي أني إذا مت أن يُصَلَّى عليَّ في المسجد الحرام أو النبوي، وأُدْفَن في البقيع أو في مكة، هل هذا جائز؟

    الجواب: لا أرى أن توصي بذلك، ولا يجب على أولادك أن يفوا بهذه الوصية؛ لأنك إذا أوصيت بذلك ألحقتهم الحرج الشديد، وكلَّفتهم المال وفتحت على الناس أبواباً مغلقة؛ لأن الناس بعاطفتهم إذا سمعوا أن فلاناً أوصى أن يصلَّى عليه في المسجد الحرام وأن يدفن في البقيع تسارعوا إلى ذلك وحصل بذلك من الأمور التي لا تُحمَد عقباها ما لا يعلمه إلا الله، فلا توصِ بهذا، أرض الله واحدة، وكل من في الأرض سوف يبعث يوم القيامة من مكانه إلى المشهد، ولن يتخلف أحد، وكونك تُدْفَن في مكة أو البقيع لا تستفيد شيئاً، نعم إن كنت قريباً من مكة كما لو كنت في الشرائع مثلاً أو في جدة فربما يقال: إن هذا لا بأس به؛ لأن هذا قريب ولا يكلف، ولا يوجب أن الناس يقتدون بهذا، أما إذا كنت بعيداً فلا توصِ، ولا يلزم أولياءك أن يفوا بهذه الوصية.

    شركة كوكاكولا واستهتارها بالكعبة والمسلمين

    السؤال: فضيلة الشيخ! وفقكم الله: ذكَرَت جريدة المسلمون الأسبوع الماضي، (21/ محرم/ 1417هـ) عن شركة (كوكاكولا) أنها وضعت مجسماً على شكل الكعبة، وكتبت عليه: شارون كاكولا، ثم جاء رجل من أفريقيا يسجد لهذا الشكل، فما تعليقكم على هذا؟

    الجواب: والله! لابد أن ننظر في الأمر إن شاء الله، ويحصل الخير إن شاء الله.

    حكم استلاف المال بعملةٍ ورده بعملة أخرى

    السؤال: إذا استلف إنسان من آخر مبلغاً من المال، ورده بعملة أخرى، أخذه بالريال السعودي -مثلاً- وذهب إلى الكويت ، فرده بالدينار الكويتي! هل هذا جائز؟

    الجواب: هذا وقع في عهد الرسول عليه الصلاة والسلام، قال عبد الله بن عمر رضي الله عنهما: كنا نبيع الإبل بالدراهم ونأخذ عنها الدنانير، ونبيع بالدنانير ونأخذ عنها الدراهم، فسألت النبي صلى الله عليه وسلم عن ذلك فقال: (لا بأس أن تأخذها بسعر يومك، ما لم تتفرقا وبينكما شيء) فإذا أخذت دراهم من نقد السعودية واستوفيته في الكويت بالدينار الكويتي فلا بأس، لكن بشرط أن تكون بقدر القيمة هناك، يعني فيما يساوي الريال السعودي وتعطي بالقيمة بدون زيادة ولا نقص.

    حكم من خرج للنزهة أو كان مسكنه بعيداً يبلغ مسافة القصر في السفر

    السؤال: عفا الله عنك! بعض الموظفين يبعُد مقر عمله عن سكنه أكثر من مائة كيلو، وكذلك من يخرجون إلى النـزهة فيذهبون إلى مسافة مائةٍ وخمسين كيلو ويرجعون من يومهم، هل لاختصار الزمن تأثير في عدم الترخص برخص السفر؟

    الجواب: هذه المسألة من حدد المسافة بثلاثة وثمانين كيلو أو نحوها يقول: إن هؤلاء إذا ذهبوا ولو كان لعمل يرجعون منه في آخر اليوم فإنهم مسافرون، وهذا هو المشروع من مذهب الإمام أحمد رحمه الله.

    وأما من قال: إنه يعود إلى العادة والعرف فمثل هذا لا يُعَد سفراً.

    السائل: ما رأيك بالنسبة للمسافرين إذا ذهبوا للنـزهة؟

    الشيخ: إذا خرجت للنزهة مثلاً: بيوم ورجعت في نفس اليوم سفراً على القول بأن المرجع إلى العرف، اللهم إلا أن تبقى هناك يوماً أو يومين، فإن مثل هذا يُعدُّ سفراً؛ لأن السفر في عهد الرسول عليه الصلاة والسلام كما قُدِّر عند بعض العلماء مسافة يومين، ولأن الإنسان إذا نوى أن يقيم هناك يوماً أو يومين، يعني: يومين فأكثر فلابد أن يتأهب أُهْبَة السفر، فأنت إن أمكن أن تضبط هذا بالعرف فلا بأس، فهو أقرب للصواب، وإن لم يمكن كما لو اختلف العرف أو اضطرب، أو شككتَ فخذ بالمسافة، نعم.

    السنة في تشميت العاطس بعد الثلاث

    السؤال: فضيلة الشيخ: هل يلزم تشميت العاطس على صفة واحدة ولو تكرر العطاس ثلاث مرات فأكثر؟

    الجواب: إذا عطس ثلاث مرات وأنت تشمته في كل مرة فقل له بعد الثالثة: عافاك الله؛ لأن ذلك يكون زكاماً، فقل: عافاك الله، إنك مزكوم، وإنما تقول: عافاك الله وتقول: إنك مزكوم؛ لئلا يتوهم أنك دعوت له بأن يعافيه الله تعالى من معصية فَعَلَها أو ذنب فعله، فتقول: إنك مزكوم، تخبره أنك إنما سألت له العافية من أجل هذا فقط.

    حكم من مات وعليه صوم

    السؤال: فضيلة الشيخ: امرأة صامت شهر رمضان وأفطرت ثلاثة أيام منه، وتوفيت في شهر ذي الحجة، ولم تقضِ هذه الأيام بسبب مرض السكر ماذا نفعل؟

    الله يغفر لها ويرحمها، لو أطعمت عن كل يوم مسكيناً يكون طيباً، تطعم عن كل يوم مسكيناً مقدار صاع يكفي لثلاثة مساكين عن الأيام الثلاثة، صاعاً من الأرز.

    خطأ من قال: إن الكفر العملي لا يكون كفراً أكبر

    السؤال: فضيلة الشيخ: سمعت من أحد العلماء قوله: إن الكفر اعتقادي وعملي، وأن العملي يكون كفراً أصغر فقط لا يدخل فيه الكفر الأكبر، سواءً ترك الصلاة أو فعل أي فعل آخر؟

    الجواب: هذه قاعدة عند بعض العلماء أن الكفر لا يكون إلا عن اعتقاد، وأما كفر العمل فلا؛ لكن الصحيح خلاف ذلك، الصحيح أنه قد يكون الكفر عملياً كترك الصلاة مثلاً؛ لأن القرآن والسنة وأقوال الصحابة تدل على أن تارك الصلاة كافر كفراً مخرجاً عن الملة مع اعتقاده للوجوب، هذا هو القول الراجح.

    ولكن بهذه المناسبة أنا لا أود من إخواننا وشبابنا أن يكون أكبر همهم أن يبحثوا عن كفر الحكام أو غير الحكام؛ كأنهم لم يُخْلَقوا إلا للبحث عن هذا كافر أو غير كافر، عليهم أن يبحثوا في بيان حدود ما أنزل الله على رسوله، من العبادات وغير العبادات، أما مسألة أن يشغلوا أنفسهم بأن هذا كافر، أو غير كافر فهذا غلط، وإضاعة للوقت ولا فائدة فيه، حتى لو وصلوا في النهاية إلى كفر حاكم من الحكام فماذا يفعلون؟ لن يستطيعوا أن يعملوا شيئاً إلا الفتنة، وزوال الأمن، وحصول الشر الذي لا نهاية له، مع أنهم أيضاً ربما يكفرون الحاكم بأهوائهم لا بمقتضى الدليل، عندهم -مثلاً- عاطفة دينية أو غير دينية يقولون: هذا كافر، وليس من قال الكفر أو فعل الكفر؛ يكون كافراً، دلَّ على ذلك القرآن والسنة.

    ففي القرآن: يقول الله عز وجل: مَنْ كَفَرَ بِاللَّهِ مِنْ بَعْدِ إِيمَانِهِ إِلَّا مَنْ أُكْرِهَ وَقَلْبُهُ مُطْمَئِنٌّ بِالْأِيمَانِ وَلَكِنْ مَنْ شَرَحَ بِالْكُفْرِ صَدْراً فَعَلَيْهِمْ غَضَبٌ مِنَ اللَّهِ وَلَهُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ [النحل:106] فرفع حكم الكفر عن المكره مع أنه يقول كلمة الكفر، ويفعل فعل الكفر.

    وفي السنة: أخبر النبي صلى الله عليه وسلم عن (رجل كان مسرفاً على نفسه فأوصى أهله إذا مات أن يُحْرِقوه ويذروه في اليم وقال: لئن قَدِرَ الله عليَّ لَيُعَذِّبَنِّي عذاباً لا يُعَذِّبُه أحداً، فلما فعلوا جمعه الله عز وجل وسأله لماذا فعلت؟ قال: يا رب! فعلت ذلك خوفاً منك) مع العلم بأنه في هذه الحال حين أوصى كان شاكاً في قدرة الله، يظن أن الله لا يقدر أن يعيده.

    وكذلك أخبر أن: (الله يفرح بتوبة عبده المؤمن كفرح الرجل الذي أضاع ناقته وعليها طعامه وشرابه، فاضطجع تحت شجرة ينتظر الموت فإذا بالناقة، فأخذ بخطامها وقال: اللهم أنت عبدي وأنا ربك، أخطأ من شدة الفرح) وهذه الكلمة: (اللهم أنت عبدي وأنا ربك) كلمة كفر لا شك فيها؛ لكن لما كانت خطأ من شدة الفرح عُفِي عنه.

    فنصيحتي التي أدين الله بها، وأرجو لأبنائنا وشبابنا أن يعملوا بها: ألا يكون أكبر همهم وشغلهم هو هذا، أي: ما تقول في الحاكم الفلاني؟ والحاكم الفلاني كافر، وما أشبه ذلك؛ لأن هذا لا يغني شيئاً، ولنا مثل قريب فيما حصل في الجزائر مثلاً ما الذي حصل في الجزائر ؟ حصل أن قُتِل خمسون ألفاً في ثلاث سنوات، بغير حق، سواءً من الحكومة تقتُل هؤلاء أو منهم يقتلون من هو معصوم الدم، كل هذا من الشر والبلاء.

    فلذلك يجب أن يُعرِض الشباب وأهل الخير عن هذا إطلاقاً؛ لأنه لا يفيد أبداً وإنما يُحْدِث الشر والفتنة والفوضى، والحمد لله ما دمنا لا نستطيع أن نغير شيئاً حتى لو رأينا كفراً بواحاً عندنا فيه من الله برهان، فما الفائدة؟!

    ثم علينا أن نفكر وننظر إلى كل البلاد التي حصلت فيها الثورة ما ازدادت بعد الثورة إلا شراً في دينها ودنياها.

    السائل: ما حكم تارك الصلاة يا شيخ؟

    الشيخ: تارك الصلاة عندي لا شك فيه أنه كافرٌ كفراً مخرجاً عن الملة، حتى لو قال: أنا أشهد أنها فرض، وأنها ركن من أركان الإسلام؛ لكنه لا يصليْ فهذا كافر.

    حكم اللقطة التي تسقط في الطريق من سيارات التجار

    السؤال: فضيلة الشيخ: ما يسقط من سيارات التجار البائعين ويوجد على الطرق إذا وجده الإنسان هل يعتبر لقطة ينشد عليه سنة كاملة، أو يأخذه وينتفع به، أو يتركه؟

    الجواب: هذا يقع كثيراً، يسقط من السيارات، كرتون أوانٍ، أو كرتون فاكهة، أو ما أشبه ذلك فإذا وجده الإنسان فهو لقطة؛ لأنه مال ضائع عن ربه، وهذه هي اللقطة، فإن كان يعلم من نفسه أنه قادر على أن ينشده فليأخذه وينشده، وإذا كان فواكه لا يمكن أن تبقى لمدة سنة يبيعها بعد أن يعرف أوصافها ويحتفظ بثمنها إذا جاء صاحبها وإلا فهي له، وإن كان لا يثق من نفسه ويعرف أنه غير قادر على أن يبقى ينشدها سنة كاملة فليتركها.

    جواز قتل النمل إذا كان مؤذياً

    السؤال: فضيلة الشيخ: عندنا في البيت نمل صغير يؤذينا، ما رأيك فيها؟

    الجواب: أقول: النمل وغير النمل إذا آذى ولم يندفع إلا بقتله فليُقتل، أما إذا لم يكن منه أذية، لا إفساد البناء، ولا إفساد الطعام، ولا تنكيد النوم على الصبيان أو على الإنسان فليتركه؛ لكن إذا حصل منه أذية ولم يندفع إلا بالقتل، فله ذلك، ويقتل بسُمِّ (كالفليت) أو غيره.

    حكم الرسوم المتحركة التي تسمى بالرسوم الإسلامية

    السؤال: فضيلة الشيخ: ظهر الآن في بعض التسجيلات الإسلامية رسوم متحركة يقولون: إنها إسلامية يعني: ظهر منها مثلاً فتح القسطنطينية أو رحلة السلام، وأخيراً ظهر غلام نجران الذي ذكر في سورة البروج، أو في الحديث الذي في صحيح مسلم، وهذه الرسوم المتحركة يجعلونها بديلاً عن الرسوم المتحركة الفاسدة، ما هو الحكم في ذلك يا شيخ؟!

    الجواب: والله! أنا أرى أنها إن شاء الله ما فيها بأس؛ لأن الواقع أنك كما تفضلتَ أنها تحمي الصبيان عن الأشياء المحرمة، فأقل ما فيها إذا كان ولابد أن نقول بالتشديد أنها أسهل من الرسوم الأخرى التي يسمونها أفلام الكرتون، يعني: تلك كما سمعنا فيها التشكيك في العقيدة، وتمثيل -والعياذ بالله- للرب عز وجل عند إنزال المطر وما أشبه ذلك، فعلى كل حال لا أرى فيها بأساً.

    السائل: من حيث كونها مرسومة باليد -يا شيخ- أما تأخذ حكم التصوير؟

    الشيخ: الكلام على الذي رسمها إن كان هناك شيء من الإثم فعليه هو، أما نحن فنشاهد شيئاً مكتوباً منتهياً، ثم إن الظاهر أنها لا ترسم على صفة إنسان.

    -على صورة إنسان! إنسان عادي؟

    -إنسان عادي، ولِحَى، وعمائم، وكل شيء.

    -يبقى للنظر، لا ينسبون إلى أحد من قواد هذه الفتوحات ما لم يقله، هذه هي المشكلة، فأرى أنه إذا كانت ليس فيها إلا الخير ما فيها شيء إن شاء الله.

    وإذا كانت مصحوبة بموسيقى فهذا لا يجوز؛ لأن الموسيقى من المعازف المحرمة.

    حكم رقص المرأة بين النساء

    السؤال: حكم رقص المرأة بين النساء؟

    الجواب: كنا لا نشدد فيه ونقول: هذه ألعاب في مناسبة الزواج ولا بأس بها، لكن سمعنا أنه يحصل فيها فتنة وأن بعض النساء أو بعض الفتيات الشابات لا سيما إذا كانت جميلة تهيج النساء الأخريات، حتى قيل لي: إنه أحياناً تقوم المرأة من الحاضرات تَضُمُّ المرأة التي ترقص، ويحصل بذلك إثارة شهوة، فرأيت أن يمنع الرقص.

    أما رقص البنات الصغار بين الفتيات هذا قد يقال: إنه لا بأس به؛ لأنه يُرَخَّص للصغار في مثل هذا ما لا يُرَخَّص للكبار.

    المراد من الجمع بين الصلاتين من غير خوف ولا مطر

    السؤال: فضيلة الشيخ! متى كان قول ابن عباس رضي الله عنه (أن النبي صلى الله عليه وسلم جمع من غير خوف ولا سفر)؟ وهل نعمل بهذا الحديث أم لا؟

    الجواب: كان هذا في المدينة ، والحديث روي على ما ذكرت: (من غير خوف ولا سفر) ورُوِي: (من غير خوف ولا مطر) وهذا أَسَدُّ من اللفظ الأول؛ لأن قوله: ( في المدينة ) يغني عن قوله: (من غير سفر) ؛ لكن ابن عباس رضي الله عنهما سُئل: [ما أراد بذلك -يعني: لماذا الرسول جمع؟- قال: أراد أن لا يُحَرِّج أمته] فدل هذا على أن الجمع إنما يجوز إذا كان في تركه حرج ومشقة، وأما إذا لم يكن هناك حرج ومشقة فلا يجوز الجمع؛ لأن الله قال في القرآن الكريم: إِنَّ الصَّلاةَ كَانَتْ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ كِتَاباً مَوْقُوتاً [النساء:103] ، والنبي صلى الله عليه وسلم وقَّت الصلوات الخمس، وجعل لكل صلاة وقتاً محدداً بأوله وآخره؛ لكن إذا كان الإنسان يلحقه حرج، كمريض يلحقه الحرج، أو من به سلس البول، أو المستحاضة، أو الإنسان الذي أصابه نومٌ شديد جداً لا يستطيع مدافعته، ويريد أن يجمع العشاء مثلاً إلى المغرب لأجل أن ينام، أو غير ذلك من الأمور التي ذكرها الفقهاء رحمهم الله، فإنه لا بأس بذلك.

    المهم أن يكون هناك حرج ومشقة، ومن ذلك الجمع لإدراك الجماعة، فلو فُرِض أن جماعة يعرفون أنهم إذا وصلوا البلد تفرقوا ولم يصلوا جماعة، وأرادوا أن يجمعوا قبل التفرق فلا بأس، والدليل على هذا: أن الجمع في المطر في البلد المقصود اجتماع الجماعة وإلا لكان كل إنسان يذهب إلى أهله، وإذا دخل وقت العشاء صلى في بيته؛ لأنه معذور بواسطة المطر، فالمقصود ألا يحرِّج الأمة، لا أن يبقي الباب مفتوحاً من شاء جمع ومن شاء لم يجمع، فالجمع مربوط بالمشقة والحرج.

    حكم مقولة: ( سوف آخذك أخذ عزيز مقتدر)

    السؤال: هذا سائل يقول: كنت جالساً في مجلس، ثم قام رجل فقال لزميله: سوف آخذك أخذ عزيز مقتدر، ما حكم هذا التلفظ بهذا الكلام شرعاً؟ وهل هناك فرق حينما أقول: سوف آخذك أخذ عزيز مقتدر، أو بأخذ عزيز مقتدر أرجو التوضيح؟

    الجواب: هذا لا يجوز من حيث اللغة والشرع؛ لأن (أخذ عزيز مقتدر) الوصف هذا لا يكون إلا لله عز وجل، هو العزيز المقتدر، أما الآدمي فهو ذليل وعاجز كيف يصف نفسه بهذا؟!

    ثم إن هذا القول لا يصدر إلا من شخص مملوء قلبه بالكبرياء والتسلط والعياذ بالله والتسلط، فالواجب على هذا الذي قالها أن يتوب إلى الله، وألا يعود لمثلها، وأن يعلم أنه ما من يد إلا يد الله فوقها.

    حكم الصلاة خلف إمام يخل بالأركان

    السؤال: فضيلة الشيخ: إمامٌ كبيرٌ في السن يكبِّر للسجود قبل أن يصل إلى الأرض، وكذلك يقرأ الفاتحة قبل أن يقيم صلبه، يعني: وهو قائم، وقد نصح لكن عاد مرة ثانية إلى حالته الأولى، فما حكم صلاتنا خلفه؟

    الجواب: أما إذا كان يشرع في الفاتحة قبل أن يستتم قائماً فإن صلاته لا تصح، ولا تصلوا خلفه، وعليكم أن تبلغوا بذلك الجهات المسئولة، حتى يعدِّلوه أو يبدِّلوه.

    وأما تكبيره للسجود قبل أن يَصِل إلى السجود أو يقارب السجود فهذا بالنسبة له لا يُخِل بصلاته؛ لكن بالنسبة للمأمومين ربما يستعجل بعضهم إذا سمع التكبير فيَصِل إلى الأرض قبل أن يصل هذا الإمام، فهذا الذي يُحْذَر منه، أما الأول فهو المحذور العظيم؛ لأنه لا يجوز للإنسان القادر على القيام أن يشرع في قراءة الفاتحة إلا إذا استتم قائماً.

    فأنتم بارك الله فيكم بين أمرين:

    إما أن تدخلوا المسجد وتصلوا خلف إنسان يتم الأركان.

    وإما أن تبلغوا الجهات المسئولة وتقولوا: ائتوا وصلوا خلفه، وانظروا ماذا يفعل.

    وإذا كان مأموماً فكل إنسان يقدر أن يقوم لا يمكن أن يقرأ الفاتحة حتى يستتم قائماً.

    وجوب إعادة الهدي إذا ذبح خارج الحرم

    السؤال: قال لنا أحد الإخوة ونحن في الحج: إنه ليس في منى غنمٌ جيد يجزئ في الحج، فذهبنا شمال شرق مكة وذبحنا هناك، هل يجوز الذبح هناك أم لابد أن يكون الذبح في منى؟ وهل فيه شيء وجزاك الله خيراً؟

    الجواب: إذا كان هذا داخل حدود الحرم فلا بأس؛ لأن جميع الحرم محل للذبح، وأما إذا كان خارجاً فغير صحيح، لابد أن تعيدوها الآن، ويكون ذاك تطوعاً، وتعيدوا الآن بدله؛ لأنه يشترط هدي التمتع والقران أن يكون في مكة يعني: في الحرم، في مكة، أو في منى، أو في مزدلفة.

    حكم التطيب بعد لبس الإحرام وعقد النية في الميقات

    السؤال: بعدما لبستُ ملابس الإحرام وعقدت النية وأنا في الميقات جاء أحد الإخوان وناولني المسك وطيبَّنا، فقلت له: قد لبست الإحرام وعقدت النية فقال: مازلنا في الميقات هل في ذلك بأس، وكان بعد لبس الإحرام بساعة أو ساعتين تقريباً؟ وجزاكم الله خيراً.

    الجواب: لا بأس أن يتطيب الإنسان بعد لبس الإحرام إذا كان لم يعقد النية، أما إذا عقد النية فإنه لا يتطيب.

    والعبرة في النية إذا كنتَ نويتَ الدخول في النسك لا تتطيب، أما في مسألتك هذه فليس عليك شيء؛ لأن الله يقول: رَبَّنَا لا تُؤَاخِذْنَا إِنْ نَسِينَا أَوْ أَخْطَأْنَا [البقرة:286] وأنت لم تتعمد أن تأخذ الطيب، وظننتَ أن هذا جائز، فلا شيء عليك؛ لكن في المستقبل متى نويتَ فلا تتطيب، حتى ولو أنك في الميقات.

    قاعدة في نقد الرجال والرد على أخطائهم

    السؤال: أخذنا معكم في الدرس: أن الإنسان إذا رد على خطأ إنسان آخر لا يلزمه أن يذكر مع أخطائه محاسنه؛ لأن ذلك يضعف جانب الرد؛ بل يغتر بذلك من يسمع هذه المحاسن فيُعجب ويغتر بهذا المخطئ، فهل يقال كذلك أنه ينبغي ألا يُسمع لهذا المخطئ في كل أقواله وكلامه؛ حتى في التي لم يخطئ فيها، بل أصاب، وذلك لكي لا يُعجب به الغير، ويكون ذلك مدعاة لأخذهم أخطاءه؛ وتبنيهم إياها، وهذا في طبيعة الحال في الذي أخطاؤه كبيرة كأخطاء في العقيدة، ومنهج الدعوة إلى الله، وفي الأمور التي تترتب عليها الفتن وإراقة الدماء وانتقاص العلماء مثلاً؟

    الجواب: ذكرنا ما قاله الأخ في الدرس، قلنا: إن الإنسان إذا كان يريد أن يقوِّم الشخص من حيث هو، فالواجب أن يذكر المحاسن والمساوئ؛ لقول الله تبارك وتعالى: يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُونُوا قَوَّامِينَ لِلَّهِ شُهَدَاءَ بِالْقِسْطِ وَلا يَجْرِمَنَّكُمْ شَنَآنُ قَوْمٍ عَلَى أَلَّا تَعْدِلُوا اعْدِلُوا هُوَ أَقْرَبُ لِلتَّقْوَى [المائدة:8] ولهذا كان العلماء عندما يتكلمون عن حياة الرجل، يذكرون محاسنه، ومثالبه.

    أما إذا كنتَ في معرِض الرد عليه فلا تذكر مَحاسنه؛ لِمَا ذكرنا -فيما سَمعتم في السؤال- أنك إذا ذكرت المَحاسن ضعُف جانب الرد عليه، وربما يُعجب الإنسان بما عنده من المحاسن ويترك الأخطاء جانباً، هذا هو الطريق في ذكر محاسن الناس ومساوئهم.

    ولكن إذا تحدثتَ عنه في أي مجلس من المجالس فإن رأيتَ في ذكر محاسنه فائدة فلا بأس أن تذكرها، وإن خفتَ من مضرة فلا تذكرها؛ لأنه ليس بواجب علينا أن نعرف أن هذا الشخص معه حق أو باطل.

    أما ما يقوله من الحق بقطع النظر عن إضافته إليه فيجب قبوله؛ لماذا؟ لأن الحق يجب أن يُقبَل من أي أحد تكلم به، فالله عز وجل قَبـِل قول المشركين لما قالوا حين يفعلون الفاحشة: وَجَدْنَا عَلَيْهَا آبَاءَنَا وَاللَّهُ أَمَرَنَا بِهَا [الأعراف:28] قَبِل قولهم: وَجَدْنَا عَلَيْهَا آبَاءَنَا [الأعراف:28] ؛ لأنه حق، فقال الله تعالى في جوابهم: قُلْ إِنَّ اللَّهَ لا يَأْمُرُ بِالْفَحْشَاءِ [الأعراف:28] ، وسكت عن قولهم: a= 6000981>وَجَدْنَا عَلَيْهَا آبَاءَنَا [الأعراف:28].

    والنبي عليه الصلاة والسلام لما أخبره أبو هريرة بما أوصاه به الشيطان أن يقرأ آية الكرسي كل ليلة؛ ولا يزال عليه من الله حافظ؛ ولا يقربه شيطان حتى يصبح قال النبي عليه الصلاة والسلام: (صَدَقَكَ وهو كَذُوب).

    ولما حدَّث حبر اليهود أنهم وجدوا في التوراة: أن الله يضع السماوات على إصبع، والأرضين على إصبع ضحك النبي عليه الصلاة والسلام مقرراً هذا القول ومصدقاً له.

    فالمهم أن الحق يجب قبوله من أي شخص؛ لكن إذا خفتَ أن تنسب هذا إلى قائله وهو رجلُ بِدْعَةٍ وخِفْتَ أن يَغْتَرَّ الناس به ويُعجَبوا به فلا تفعل؛ لأن درء المفاسد أولى من جلب المصالح.

    حكم القراءة للمريض وإهداء ثوابها وأخذ الأجرة عليها

    السؤال: فضيلة الشيخ: هل يجوز قراءة القرآن لمريض لوجه الله تعالى تقول: اللهم اجعل ثوابه لفلان، أو القراءة له بأجرة؟

    الجواب: هذا ينبني على إهداء القرَّاء، هل يجوز أم لا، والمسألة فيها خلاف، والذي ينبغي للإنسان ألا يهدي حسناته لأحد كائناً من كان، بل يجعل حسناته لنفسه ويدعو لإخوانه الذين يستحقون الدعاء.

    ولا أستطيع أن أقول: لعلك تريد القراءة على المريض ليُشْفَى لأنك تقول: لا أريد هذا.

    وأما الأجرة إذا كان الإنسان يريد أن يقرأ على مريض وقال للمريض: أنا أقرأ بكذا وكذا على الشفاء والبرء؛ فهذا لا بأس به؛ لأن الصحابة الذين نزلوا ضيوفاً على قوم من العرب ولم يضيفوهم سلط الله على رئيسهم عقرباً شديدة اللسع، لدغته العقرب، فطلبوا من يقرأ، وجاءوا إلى الصحابة فقال الصحابة: لا نقرأ إلا بكذا وكذا، وذكروا من الغنم، فأعطوهم إياها، فقام أحد الصحابة على هذا اللديغ، وجعل يقرأ عليه سورة الفاتحة، فقام كأنَّما نُشِط من عقال، فلما وصلوا إلى المدينة وأخبروا النبي عليه الصلاة والسلام بذلك، وكأنهم رضي الله عنهم شكَّوا في جواز هذا العوض، قال: (خذوا واضربوا لي معكم بسهم) قال عليه الصلاة والسلام، هذا تطييباً لقلوبهم وإلا فليس بحاجة إلى أن يسألهم أن يعطوه؛ لكن تطييباً للقلب، وهذا نأخذ منه قاعدة مفيدة وهي: أن صاحبك الذي تخاطبه إذا كان لا يقتنع أو لا تطيب نفسه إلا بفعلك ما قلتَ له فافعل؛ فإن هذا من الخير.

    معنى التوسل في حديث الأعمى الذي جاء إلى النبي صلى الله عليه وسلم

    السؤال: فضيلة الشيخ! ذكرنا في حديث توسُّل الأعمى أنه حديث مُتَكَلَّمٌ فيه، وهو (اللهم إني أتوجه إليك ...) ؛ لأن بعض العلماء صحح هذا الحديث فنريد الجواب عن قوله حينما علم الأعمى الدعاء في بعض الحديث قال: (يا محمد! إني أتوجه بك إلى ربك) وفي نهاية الحديث ذكر الراوي قال: (فدخل علينا الرجل كأن لم يكن به شيء) فهذا يفيد أن الرجل كان في الخارج، أو لم يكن مع النبي صلى الله عليه وسلم ومع ذلك دعاه، فقال: (يا محمد)، ما الجواب عن ذلك؟

    الجواب: الجواب على هذا أنه كما ذكر شيخ الإسلام في التوسل والوسيلة وارجع إلى كلامه في هذا الكتاب، أن قوله: (أتوسل إليك بنبيك) له معنيان:

    المعنى الأول: أتوسل إليك بالإيمان بنبيك.

    والمعنى الثاني: أتوسل إليك بنبيك، إي: بدعائه، وأنه طلب من الرسول عليه الصلاة والسلام أن يدعو له، وهذا هو المتعيِّن؛ لأجل أن نوافق الأدلة الأخرى.

    السائل: هو قال: (يا محمد)؟!

    الشيخ: يا محمد، بِمَعْنَىً وهو موجود، راجع الكتاب الذي قلتُ لك، التوسل والوسيلة، حتى يتبين لك الأمر.

    حكم قتل الصيد في رأسه بعد إمساكه حياً

    السؤال: فضيلة الشيخ: رجل جرح صيداً وأمسكه حياً ولم تكن معه شفرة، فصوب البندقية على رأس الصيد وقتله، هل يحل مثل هذا الشيء؟

    الجواب: هذا لا يحل لكن لو أنه صوبها على محل الذبح، لكانت حلالاً؛ ولذلك لو فرضنا أن إنساناً معه شاة، وانكسرت أو جُرِحَت وخاف أن تموت، وليس معه سكين، ومعه بندقية، فإنه يصوبها على أوداجها، فإذا أَنْهَرَ الدمَ حلَّت.

    حكم القراءة على الحشرات في البيوت

    السؤال: سمعت منكم أن بعض السلف كانوا يقرءون على الحشرات التي تؤذيهم في البيوت فتذهب، وفعلاً في شقتنا كانت هناك وزغة آذاتنا لمدة ستة شهور كانت دائماً تصيح، ثم جلستُ أقرأ القرآن، وتذكرت قولك، فقرأتُ القرآن وفكرتُ في نفسي الآن، وكنت شاكاً، والآن لمدة أسبوعين ما سمعتُ هذه الوزغة، هل عليَّ شيء؟

    الجواب: ليس عليك شيء؛ لكن لو تخبر الأخ موسى بالآيات التي قرأتَ لأجل أن ينتفع بها، أو لعل الوزغة التي ذكرتَ يسر الله لها من يقتلها، على كل حال كفاك الله شرها، والحمد لله.

    حكم الرد على المخالف في المسائل الاجتهادية

    السؤال: بعض الناس يقول: إنه لا يرد على كل واحد؛ لأنه لو رُدَّ على هذا وعلى هذا فمن يبقى للمسلمين ينصحهم؟! فهل هذا صحيح؟

    الجواب: المسائل الاجتهادية لا يرد الناس بعضهم على بعض، المسائل الاجتهادية مثل شخص يقول: إن الإبل لحمها ينقض الوضوء، والثاني لا يرى هذا، لا يرد عليه، أما أن يكون مبتدعاً يدعو إلى بدعة فلابد أن يُرَدَّ عليه؛ لأن البدع ليس فيها محل للاجتهاد، لأن السلف كلهم مجمعون على نبذ البدع، هذه ما فيها محاباة؛ لكن كونها مسائل فقهية -مثلاً- يختلف الناس فيها وهي محل للاجتهاد لا يمكن أن نقول: كل من خالفك باجتهادك ارْدُد عليه، وكما قلتُ: لو فتحنا هذا الباب أصبحت الدنيا كلها راد ومردود عليه.

    جواز الجمع والقصر قبل الوصول إلى البلد بقليل

    السؤال: يا شيخ! أحسن الله إليك! بالنسبة للقادم من السفر ووصل البلد وأدرك المغرب -مثلاً- قبل وصوله إلى البلد بثلاثين كيلو، فهل يجمع في هذه الحالة خشية أن إذا وصل البلد يكون مرهقاً ولا يستطيع أن يصلي مع الجماعة؟

    الجواب: نعم؛ يعني: إذا أقبل المسافر على بلده، ولم يبقَ عليه إلا قليل، وقد حان وقت صلاة المغرب، فهل يجوز أن يجمع إليها العشاء؟

    نقول: نعم؛ ما دام لم يدخل البلد فهو مسافر، وله أن يقصر ويجمع.

    حال حديث: (إن أبغض الحلال إلى الله الطلاق)

    السؤال: ما صحة حديث: (إن أبغض الحلال عند الله الطلاق

    الجواب: نعم، هذا الحديث: (أبغض الحلال عند الله الطلاق) ضعيف؛ لكن لا شك أن الإنسان لا ينبغي له أن يطلق، وأن الأصل في الطلاق أنه مكروه؛ لأن الله تعالى حثنا على إمساك الزوجة ولو كرهناها، فقال: فَإِنْ كَرِهْتُمُوهُنَّ فَعَسَى أَنْ تَكْرَهُوا شَيْئاً وَيَجْعَلَ اللَّهُ فِيهِ خَيْراً كَثِيراً [النساء:19] ، والنبي عليه الصلاة والسلام أمر بالإمساك، وإن كان على عوج، قال: (إن ذهبت تقيمها كسرتها وكسرها طلاقها).

    حكم قتل من كَذَّبَ الرسول صلى الله عليه وسلم

    السؤال: فضيلة الشيخ: شخص في المجلس يخطب ويقول: قال الله تعالى كذا .. قال رسوله صلى الله عليه وسلم كذا... ثم في المجلس أحد المبتدعة قال: هذا كذاب، ثم كذَّب الرسول صلى الله عليه وسلم، فهذا أخذ سكيناً وطعنه، هل عليه إثم؟

    الجواب: الأولى أن يتحاكم أولياء المقتول والقاتل إلى القاضي.

    السائل: أخطأ على الرسول!

    الشيخ: أقول: ليس للإنسان أن يفتئت على ولي الأمر ويقتل كل شخص.

    السائل: هو كذَّب الرسول!

    الشيخ: لكن طيب كذَّب الرسول، يُرْفَع إلى الجهات المسئولة.

    السائل: الجهات المسئولة أحياناً لا يبالوا!

    الشيخ: ما أرى أنه يُقْتَل أبداً، يخوف بالله، ويقال له: عليك أن تتوب؛ لأنه حتى لو قتله الآن ألا يكون في هذا فتنة، يأتي أولياؤه ويقتلون هذا الرجل.

    السائل: هو كذَّب الرسول صلى الله عليه وسلم.

    الشيخ: لا، لا، ولو قال، أنت في عصر الفتن، ولا يقبل قولك: إن الرجل كذَّب الرسول، ثم لاحظ أن بعض الناس يكون عنده غضب شديد، وربما ينطق بهذه الكلمة من شدة الغضب لا يملك نفسه.

    السائل: هل عليه إثم، أم لا؟

    الشيخ: على القاتل؟

    على الثاني.

    الشيخ: قُتل الآن!

    السائل: لا، ما قُتِل، القاتل.

    الشيخ: أنتَ تقول: هل عليه إثم؟ أسألك أقول لك: القاتل؟ تقول: لا!

    السائل: القائل، القائل.

    الشيخ: ما ندري، هذا يرجع إلى هذا القائل، هل إنه قاله بانفعال وغضب شديد لم يملك نفسه فعليه إثم.

    حكم اختلاف المطالع في هلال ذي القعدة

    السؤال: فضيلة الشيخ: إذا اختلفت مطالع الهلال بين المملكة العربية السعودية وبلد آخر مثل: الأردن، فمثلاً في شهر ذي القعدة لم يُرَ الهلال في المملكة العربية السعودية فأتموا ثلاثين يوماً، وفي الأردن مثلاً تسعة وعشرين يوماً، فمتى يصوم أهل الأردن يوم عرفة، خصوصاً إذا وافق يوم العيد؟

    الجواب: نعم، من المعلوم أن المسلمين فيما أعلم بالنسبة لعيد الأضحى يتفقون، ما أظن -مثلاً- أن الأردن يضحون في اليوم التاسع في المملكة، في رمضان صحيح يختلفون؛ لكن في الأضحى ما أظن أنهم يختلفون.

    السائل: أكثرهم يوافقون.

    الشيخ: ما أدري، اسأل الآن: هل الأردنيون ذبحوا ضحاياهم يوم (9) بالنسبة للمملكة؟!

    السائل: لا، هم يشترطون أنهم يوافقون المملكة ...

    الشيخ: مسألة الشرط هذا شيء آخر؛ لكن أنا أتكلم عن الواقع، أن الناس في عيد الأضحى لا يختلفون أبداً، تجد يوم التاسع هنا هو يوم التاسع في كل البلاد الإسلامية.

    إلى هنا ينتهي هذا اللقاء.

    ونسأل الله تعالى أن يوفقنا وإياكم، ويتقبل منا ومنكم.

    مكتبتك الصوتية

    البث المباشر

    المزيد

    من الفعاليات والمحاضرات الأرشيفية من خدمة البث المباشر

    عدد مرات الاستماع

    2994353205

    عدد مرات الحفظ

    717513997