إسلام ويب

لقاء الباب المفتوح [55]للشيخ : محمد بن صالح العثيمين

  •  التفريغ النصي الكامل
  • افتتح الشيخ رحمه الله اللقاء بذكر شروط الحج، وأنه لا يجب إلا على: المسلم، البالغ، العاقل، المستطيع، وتحدث عن كل شرط بما يوضحه، وفي الشرط الخامس قسم الاستطاعة إلى قسمين: بدنية، ومالية، وذكر ضمن شرحه لهذا الشرط نصيحة وتحذيراً في شأن الدين من أجل الحج.

    1.   

    شروط الحج

    الحمد لله رب العالمين، وصلى الله وسلم على نبينا محمد، وعلى آله وأصحابه ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين.

    أما بعد:

    فهذا هو اللقاء الثاني من لقاءاتنا الأسبوعية، والذي يتم في يوم الخميس من كل أسبوع، وهذا اليوم هو اليوم العاشر من شهر ذي القعدة عام (1414هـ).

    نستهل هذا اللقاء بمقدمة نتحدث فيها عن شروط وجوب الحج، فنقول: يجب الحج على كل مسلم، حر، بالغ، عاقل، مستطيع.

    الإسلام

    فأما المسلم فضده الكافر، فلا يجب عليه الحج، وليس معنى قولنا: لا يجب الحج على الكافر أنه لا يعاقب على تركه، وإنما معناه: ألا نأمره به؛ لأننا نأمره أولاً أن يسلم، ثم بعد ذلك نأمره ببقية شرائع الإسلام، أما في الآخرة فإنه يعذب ويعاقب عليه، ولهذا يتساءل أصحاب اليمين عن المجرمين: مَا سَلَكَكُمْ فِي سَقَرَ * قَالُوا لَمْ نَكُ مِنَ الْمُصَلِّينَ * وَلَمْ نَكُ نُطْعِمُ الْمِسْكِينَ * وَكُنَّا نَخُوضُ مَعَ الْخَائِضِينَ * وَكُنَّا نُكَذِّبُ بِيَوْمِ الدِّينِ [المدثر:42-46] فذكروا الصلاة مع أن الصلاة لا تلزمهم إلا إذا أسلموا.

    الحرية

    أما الحر فضده الرقيق المملوك، فلا يجب عليه الحج لأمرين:

    الأول: لأنه ليس عنده مال، إذ أن ما بيده من المال لمالكه.

    الثاني: أنه مرهون لسيده في الواقع ولا يملك نفسه، فلا يستطيع أن يحج؛ لأنه مملوك لسيده.

    البلوغ

    البالغ ضد الصغير، فلا يجب عليه الحج، كما أنه لا يجب عليه سائر العبادات؛ لأنه مرفوع عنه القلم، لكن لو حج الصبي فإنه يصح منه ولا يجزئه، فإذا بلغ أدى فريضة الإسلام.

    وهنا ربما نتساءل: هل الأفضل في أوقاتنا هذه أن نحجج أولادنا الصغار، أم لا؟

    نقول: الأفضل ألا نحججهم في هذه الأوقات؛ لأنه يحصل بذلك مشقة عظيمة على الطفل، وإشغال أبيه عن إتمام مناسكه، والمشقة مدفوعة ومرفوعة، فإن هذا ليس واجباً حتى نقول: نتحمل ونصبر، وإشغال الأب ينافي كمال حجه، والأب جاء ليحج حجاً كاملاً ويعتمر عمرة كاملة، وإذا كان مشغولاً بهؤلاء الأطفال ألهاه ذلك عن كمال حجه وعمرته.

    أما في أيام السعة فإن النبي صلى الله عليه وسلم سألته امرأة حين رفعت إليه صبياً وقالت: (ألهذا حج؟ قال: نعم، ولك أجر) لكن في أيامنا هذه حيث الزحام الشديد الذي يكاد الرجل القوي أن يتعب منه، بل ربما يهلك بعض الناس، فإننا لا نرى أن يحجج الإنسان أطفاله، بل يريحهم ويستريح من عنائهم وتعبهم.

    العقل والاستطاعة

    العاقل ضده المجنون، فالمجنون لا يجب عليه الحج، ولا يصح منه؛ لأنه فاقد الوعي ولا نية له.

    وأما المستطيع، فالاستطاعة نوعان:

    استطاعة بالبدن، واستطاعة بالمال، فمن لم يكن مستطيعاً بماله فإنه لا يلزمه الحج كالفقير، والمدين، وما أشبههما، ولهذا نُطمئن المدينين بأنه لا حج عليهم، ولم يفرضه الله عليهم، وهم حتى الآن لم يكونوا أهلاً لفريضة الحج عليهم، ونقول: لا تقلقوا، أليس الرجل الفقير لا تلزمه الزكاة؟

    الجواب: بلى. لا تلزمه الزكاة، ومع ذلك لا يقلق، ولا يقول: ليتني كنت غنياً حتى أؤدي الزكاة، وكذلك أيضاً الإنسان الذي لا يستطيع الحج لوجود دين عليه، نقول له: لا تقلق يا أخي، حتى الآن لم تكن أهلاً للفريضة، ولو مت للقيت الله عز وجل غير آثم؛ لأنها لم تجب عليك، ولكن مع الأسف أن بعض الناس اليوم يرتكبون خطأ، فتجده مغرقاً بالدين، وربما يكون دينه حالاً فيذهب ويحج، مع أن الحج في هذه الحالة غير واجب عليه، فيأتي شيئاً غير واجب، ويدع شيئاً واجباً، والريال أو الدرهم الذي تنفقه في الحج أنفقه في قضاء الدين فهو خير لك.

    والدين ليس بالأمر الهين حتى يتهاون به الإنسان، فإنه قد روي عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: (إن نفس المؤمن معلقة بدينه حتى يقضى عنه) وكان النبي صلى الله عليه وسلم إذا قدم إليه ميت وعليه دين ولم يخلف قضاءً امتنع من الصلاة عليه ولم يصل عليه، وسئل عن الشهادة -يعني: عن الرجل يقتل في الجهاد شهيداً- هل يكفر عنه بالشهادة؟ فقال: (نعم، وأنت صابر محتسب مقبل غير مدبر إلا الدين، فإن جبريل قال لي ذلك).

    فالشهادة على فضلها لا تكفر الدين، لهذا يجب على الإنسان ألا يتهاون به، وإذا كان النبي صلى الله عليه وسلم لم يرشد الفقير الذي قال: (ليس عندي مهر فلم يقل له: استلف للمهر، وإنما قال له: التمس ولو خاتماً من حديد، قال: لا أجد. قال: هل معك شيء من القرآن؟ قال: نعم. قال: اذهب فقد ملكتها بما معك من القرآن) فلم يأذن له ولم يرشده إلى أن يستدين من أجل أن يتزوج مع أن الزواج واجب على الإنسان إذا كان ذا شهوة، ويخاف على نفسه.

    فالذي أرجوه من إخواني أن يحرصوا غاية الحرص على إبراء ذممهم وعدم إشغالها بالدين، فإن ذلك من السفه في التصرف، ومن الخطأ في الناحية الدينية، ولا ينبغي للإنسان أن يستدين سلفاً أو غير سلف إلا إذا كانت هناك ضرورة أو شيء لا بد منه، أو إنسان يعلم أنه سيوفي عن قرب، كرجل يحتاج في أثناء الشهر شيئاً ويعلم أنه في آخر الشهر سيحصل على الراتب مثلاً ويوفي دينه، فهذا أمر سهل.

    أما الاستطاعة بالبدن في الحج: فأن يكون الإنسان قادراً على أداء الحج بلا مشقة شديدة، فإن كان عاجزاً نظرنا؛ إن كان عجزه يرجى زواله، كإنسان جاء في وقت الحج وهو مريض مرضاً عادياً، فلينتظر حتى يبرأ ويحج، وإن كان عجزاً لا يرجى زواله كمرض السرطان مثلاً -نسأل الله لنا ولكم السلامة- فهنا نقول له: استنب من يحج عنك ما دام عندك المال، فيوكل شخصاً يحج عنه وتبرأ ذمته بذلك إذا حج عنه.

    هذا ما أردنا أن نتكلم عليه حول هذا الموضوع، ونسأل الله تعالى أن يجعلنا وإياكم من دعاة الحق وأنصاره، ونسأله تعالى أن ينصر إخواننا المسلمين في كل مكان على أعدائهم، وصلى الله وسلم على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.

    تنبيه: بالنسبة للسلام هل هو مشروع أن يسلم الإنسان وهو حاضر؟ وهل كان الصحابة إذا أراد أحد منهم أن يسأل الرسول عليه الصلاة والسلام عن شيء قال: السلام عليك يا رسول الله، ثم يسأل؟

    الجواب: لا. ولهذا لا حاجة للسلام لأن المسلم معنا، وإنما يسأل، فلا حاجة إلى أن يستفتح سؤاله بالسلام.

    1.   

    الأسئلة

    حكم المعانقة والتقبيل عند الملاقاة

    السؤال: انتشرت بين المسلمين في هذه الأزمنة بعض العادات مثل المعانقة والتقبيل عند الملاقاة، فما حكم ذلك؟

    الجواب: لا أصل للمعانقة أو التقبيل عند الملاقاة، إلا إذا كان لها سبب كقدوم من سفر ونحوه، وكلنا نعلم أن أشد الناس محبة هم الصحابة رضي الله عنهم للنبي صلى الله عليه وسلم، وإن أحق الناس بالاحترام هو رسول الله صلى الله عليه وسلم، ومع ذلك فقد كان الصحابة رضوان الله عليهم إذا لاقوه لا يقبلونه، لا يقبلون رأسه ولا يديه ولا شيئاً من جسده -كالأكتاف مثلاً- إنما كانوا يصافحونه، بل إن النبي صلى الله عليه وسلم: (سئل عن الرجل يلقى أخاه أينحني له؟ قال: لا. قالوا: أيعانقه ويلتزمه؟ قال: لا. قالوا: أيصافحه؟ قال: نعم) هذا هو المشروع.

    وما ذكره السائل من أنه في عصرنا هذا أصبح الناس يتخذون التقبيل بدلاً عن المصافحة فهو حق، وما أكثر الناس الذين يقابلوننا فيأخذون برءوسنا لتقبيلها، ثم قد يصافحون وقد لا يصافحون، والسنة أن تصافح، وأما تقبيل الرأس فإن كان لسبب كما أشرنا آنفاً فهذا مما جاء في السنة كقدوم الغائب، وإن كان بغير سبب فإنه من الأمور المباحة، إذا كان الذي تقبل رأسه أهلاً لذلك؛ لكونه نافعاً للمسلمين بماله أو بعلمه فلا بأس أن تقبل رأسه، وكذلك الأب والأخ الكبير ونحو ذلك.

    جواز كتابة القرآن بمداد ثم وضعه في ماء ليشرب

    السؤال: بعض الناس يكتبون آيات من القرآن ويمحونها بالماء ويشربونها، وإذا اعترض عليهم قالوا: إنه كلام الله نستشفي به. هل يجوز هذا العمل؟ أفيدونا أثابكم الله.

    الجواب: هذا العمل جائز، يجوز للإنسان أن يكتب القرآن بمداد يجوز شربه، ثم يوضع هذا المكتوب في ماء ويرج ثم يشرب، وقد كان بعض السلف يفعلون هذا، ويفعلونه في الأواني كالصحون وما أشبهها، إذا فعل الإنسان ذلك فله سلف فيه، وقد يستدل لهذا بعموم قول الله تبارك وتعالى: وَنُنَزِّلُ مِنَ الْقُرْآنِ مَا هُوَ شِفَاءٌ وَرَحْمَةٌ لِلْمُؤْمِنِينَ [الإسراء:82]، فإذا استشفي بالقرآن على هذا الوجه، وجُرِّبَ وصار نافعاً فإنه يدخل في عموم هذه الآية الكريمة.

    حكم الطلاق لمجرد التغيير

    السؤال: هل الطلاق جائز مطلقاً بدون أسباب تذكر، لكن رغبة في التغيير فقط، حتى وإن ترتب على هذا مفسدة عظيمة بالنسبة للمرأة؟

    الجواب: الأصل في الطلاق أنه مكروه، ولو قيل: الأصل أنه محرم لم يبعد، ويدل لهذا قول الله تبارك وتعالى في الذين يؤلون من نسائهم قال: فَإِنْ فَاءُوا فَإِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ * وَإِنْ عَزَمُوا الطَّلاقَ فَإِنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ عَلِيمٌ [البقرة:226-227] وختم الآية بهذين الاسمين: سَمِيعٌ عَلِيمٌ [البقرة:227] وقوله: وَإِنْ عَزَمُوا الطَّلاقَ [البقرة:227] يشعر بأن الله جل وعلا لا يحب هذا؛ لأن الفيئة -وهي الرجوع للمرأة بعد أن حلف ألا يجامعها- قال فيها: فَإِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ [البقرة:226] وهذا واضح في أن الله تعالى يحب أن يرجع هذا الذي آلى، وأما إن عزم الطلاق فإنه يشعر بأن الله تعالى يكره ذلك لقوله: فَإِنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ عَلِيمٌ [البقرة:227].

    ويروى عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: (أبغض الحلال إلى الله الطلاق) وهذا الحديث ليس بصحيح لكنَّ معناه صحيح، أن الله تعالى يكره الطلاق ولكنه لم يحرمه على عباده للتوسعة لهم، فإذا كان هناك سبب شرعي أو عادي للطلاق صار ذلك جائزاً، وعلى حسب ما يؤدي إليه إبقاء المرأة إن كان إبقاء المرأة يؤدي إلى محظور شرعي لا يتمكن رفعه إلا بطلاقها فإنه يطلقها، كما لو كانت المرأة ناقصة الدين أو ناقصة العفة وعجز عن إصلاحها، فهنا نقول: الأفضل أن تطلق، أما بدون سبب شرعي أو سبب عادي فإن الأفضل ألا يطلق، بل إن الطلاق حينئذٍ مكروه.

    الصلاة خلف إمام مبتدع

    السؤال: هل تصح الصلاة خلف إمام مسجد يقول: إن القرآن مخلوق، وإن صاحب الكبيرة مخلد في النار؟

    الجواب: نقول: كلما كانت الصلاة خلف إمام أتقى لله فهي أفضل، فإذا كانت خلف مبتدع نظرنا؛ إن كانت بدعته مكفرة فإن الصلاة خلفه لا تصح؛ لأنه كافر، والكافر لا صلاة له ولا إمامة، وإن كانت بدعته مفسقة فإن الأولى ألا يصلى خلفه، لما في ذلك من غروره بنفسه إذا رأى الناس يصلون خلفه، وكذلك اغترار الآخرين بصلاة هذا الرجل خلفه، ولا سيما إن كان هذا الرجل ممن يشار إليه فإنه لا يصلى خلفه -ولو كانت بدعته مفسقة- لئلا يغتر الناس بصلاة المسلمين خلفه؛ فيكون ذلك سبباً في وقوعهم في شيء من بدعته.

    الصلاة التي يشرع فيها التورك

    السؤال: هل التورك يكون في الصلاة الرباعية فقط؟

    الجواب: التورك في التشهد الثاني من كل صلاة فيها تشهدان: كالمغرب والظهر والعصر والعشاء، وأما الصلاة التي فيها تشهد واحد فإنه لا يتورك فيها.

    ثم التورك في التشهد الأخير الذي يعقبه السلام، فلو فرضنا أن الإنسان دخل مع الإمام في الركعة الثانية وجلس معه للتشهد الأول والتشهد الأخير، فإنه لا يتورك في تشهد الإمام الأخير؛ لأنه ليس الأخير بالنسبة له، بل يتورك في الأخير الذي يعقبه السلام.

    حكم حمل العصا

    السؤال: هل ثبت عن النبي صلى الله عليه وسلم حديث يدل على الاتكاء على العصا؟

    الجواب: ورد حديث في فضل العصا، ولكنه حديث ضعيف، والصواب: أن حمل العصا ليس بسنة، لكن إذا كان في مكان يحتاج إلى حملها فهو سنة لدرأ الخطر، كما لو كان في أرض كثيرة الكلابِ العادِية التي تعدو على الإنسان، أو خاف على نفسه من إنسان آخر فحمل العصا، فهنا نقول: إنه مستحب للدفاع عن نفسه، أما بدون سبب فليس مستحباً.

    حكم الدعاء بما نعلم أن الله فاعله

    السؤال: بالنسبة للدعاء فيما يعلم أن الله سبحانه وتعالى فاعله: كمن يدعو بالنصرة للإسلام، وقد ثبت في بعض الأحاديث أن المستقبل للإسلام فهل يجوز الدعاء في مثل هذه الأمور؟

    الجواب: الدعاء بما نعلم بأن الله سيفعله لا بأس به، ولهذا نحن نقول: اللهم صل على محمد، فندعو له بالصلاة عليه، مع أن الله أخبرنا أنه يصلي عليه، فهو أمر معلوم؛ لأن الله وملائكته يصلون على النبي. ونقول أيضاً: اللهم رب هذه الدعوة التامة، والصلاة القائمة؛ آت محمداً الوسيلة والفضيلة، وابعثه مقاماً محموداً. والوسيلة كما قال النبي صلى الله عليه وسلم: (فإنها منزلة في الجنة لا تنبغي إلا لعبد من عباد الله، وأرجو أن أكون أنا هو) ورجاؤه هذا إن شاء الله سيتحقق، وكذلك الدعاء بنصر الإسلام والمسلمين ليس معناه: أن الإنسان لا يؤمن بأن الله سينصر الإسلام.

    لكن دعوته هذه تتضمن أن يتصف المسلمون بالإسلام الذي يستحق النصر من تمسك به؛ لأن المسلمين اليوم مع الأسف الشديد ليسوا على الطريق الذي ينبغي أن يكونوا عليه، بل ولا على السنة التي يجب أن يكونوا عليها، وكثير من المسلمين اليوم عندهم صدود عن سبيل الله، أي: أنهم صادون بأنفسهم، وصادون لغيرهم.

    ما أكثر الباخلين بالزكاة، ما أكثر الشاكّين في أمر الإيمان بالله، وما أكثر الذين يغتابون عباد الله، وما أكثر الذين يأكلون لحوم الذين يأمرون بالقسط من الناس، فالمهم أن المسلمين اليوم مع الأسف الشديد على حال يرثى لها، ولو أنهم نصروا الله بنصرهم دينه لنصرهم الله كما نصر سلفهم الصالح.

    كلنا يعلم أن العرب أمة ضعيفة مهينة ذليلة فقيرة قبل الرسالة، لكنهم بعد الرسالة وحين تمسكوا بالإسلام صاروا أمة عزيزة غالبة، حتى إن تاج كسرى -ملك أعظم دولة في ذلك الوقت- جيء به من المدائن إلى المدينة حتى وضع بين يدي الخليفة الراشد عمر بن الخطاب رضي الله عنه، وهل فوق هذا العز من عز؟! لكن مع الأسف كما ترون اليوم أن المسلمين متخاذلون، ليس عندهم من القوة والعزيمة ما يدافعون به عن أنفسهم.

    ولا أدل على ذلك مما نحن فيه اليوم، ففي بلاد الإسلام اليوم من تنتهك أعراضهم، وتهدم مساجدهم، وتغنم أموالهم، وتسبى ذريتهم من قبل النصارى، ونحن أمة لا نتكلم بما علينا أن نتكلم به، وما يفعل بالمسلمين اليوم في البوسنة أمر يفطر الأكباد في الواقع، فلو أن الإنسان منا تصور -لا قدر الله علينا إلا الخير- أن عدوه على أشراف المدينة ودخل المدينة، وأن صبيانه وفتيانه الصغار ينادون: جاءنا الصرب .. جاءنا الصرب. ويبكون من هول ذلك المشهد، وهو قد تقطع كبده دماً لكنه لا يستطيع أن يفعل شيئاً، فهل نحن نشعر بهذا الشعور الآن؟ أبداً، كل واحد منا على فراشه مع أهله، ولا كأن شيئاً يجري على إخوانه، فالنصارى ليسوا أعداء للبوسنة فقط، وليس نصارى البوسنة هم الأعداء فقط، النصارى أعداء لكل مسلم في كل بلاد الله، سواء كانوا من صرب البوسنة أم من غيرهم، لكن مع الأسف كثير من المسلمين يجهلون ذلك.

    والله إن الإنسان أحياناً لا ينام سريعاً كما ينام في العادة إذا تذكر هؤلاء الإخوان المحصورين على يد هؤلاء الصرب المعتدين الظالمين.

    ثم لننظر في موقف الأمم المتحدة ماذا صنعت؟ صارت أذل شيء في هذه الحرب، فالصرب يدخلون على الدبابات والأسلحة التي في حيازة الأمم المتحدة يدخلون وفيها الحرس، ثم يأخذونها يقاتلون بها المسلمين، ولا سمعنا أحداً رفع صوته مدوياً من رؤساء المسلمين ينكر هذا الفعل، فأين التناصر بين المسلمين؟! أين الجسد الواحد الذي إذا اشتكى منه عضو تداعى له سائر الأعضاء بالحمى والسهر؟! وكيف يمكن أن ننصر ونحن متخاذلون هذا التخاذل؟!

    فأنت إذا دعوت إلى الله بنصر المسلمين ودعوته بنصر الإسلام فإنك تدعو الله تعالى أن يهيئ المسلمين إلى حال يكونون فيها أهلاً للنصرة، فنسأل الله تعالى أن يعيد لنا عزنا ومجدنا، وأن يصلح ولاة أمور المسلمين حتى يكونوا كما أوجب الله عليهم، فالمسلمون اليوم ألف مليون أو أكثر، ومع ذلك -كما ترون- فإنها أمة ضعيفة مهينة لا تملك شيئاً من أمر نفسها، ولا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم.

    الإثبات المفصل والنفي المجمل في الأسماء والصفات

    السؤال: من قواعد أهل السنة والجماعة : إثبات أسماء الله عز وجل وصفاته، والنفي يكون مجملاً، فهل يمكن أن يأتي الإثبات مجملاً وأن يأتي مفصلاً؟ وإذا أمكن هذا فهل يؤدي هذا إلى الخروج عن القاعدة السابقة؟

    الجواب: أولاً: أسماء الله وصفاته إذا جاءت في الإثبات فالأكثر فيها التفصيل، وشاهد هذا واضح في القرآن والسنة، تجد مثلاً قول الله تعالى: هُوَ اللَّهُ الَّذِي لا إِلَهَ إِلَّا هُوَ عَالِمُ الْغَيْبِ وَالشَّهَادَةِ هُوَ الرَّحْمَنُ الرَّحِيمُ [الحشر:22] إلى آخر السورة .. فيها أربعة عشر اسماً من أسماء الله، كل اسم يتضمن صفة أو صفتين؛ وذلك لأن صفات الإثبات كلها صفات كمال، فكلما تعددت وكثر الإخبار عنها ظهر من كمال الموصوف ما لم يكن معلوماً من قبل.

    أما صفات النفي فإنها صفات نقص، نفاها الله تعالى عن نفسه، وإذا وقعت على سبيل الإجمال كانت أعظم في التعظيم، ولو جاءت على سبيل التفصيل لكان فيها شيء من الاستهزاء والسخرية.

    وأضرب لكم مثلاً بما يكون في بني آدم: لو أن رجلاً قال لملك من الملوك: أنت رجل ذو سلطان قائم، أنت رجل حازم، أنت رجل قوي، أنت رجل تأمر بالمعروف وتنهى عن المنكر، أنت رجل شديد على الكفار رحيم بالمؤمنين، أنت رجل ذو سلطة قوية، أنت رجل يخافك الأعداء. لكانت هذه الصفات كلها مدحاً يفخر بها الملك.

    لكن لو قال له: أنت ملك لست بزبال، ولا كناس، ولا منظف حشوش، ولا حلاق، ولا حجام. وجعل يذكر صفات النقص وينفيها عن الملك؛ لكان هذا قدحاً يغضب منه الملك، فلهذا جاءت الصفات المنفية عن الله جل وعلا مجملة، مثل قوله تعالى: لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ [الشورى:11] وقوله: هَلْ تَعْلَمُ لَهُ سَمِيّاً [مريم:65] وقوله: وَلَمْ يَكُنْ لَهُ شَرِيكٌ فِي الْمُلْكِ وَلَمْ يَكُنْ لَهُ وَلِيٌّ مِنَ الذُّلِّ [الإسراء:111] وما أشبه ذلك، إلا أنها تذكر أحياناً بالتفصيل؛ وذلك لدفع توهم يقع من بني آدم، أو لرد فرية قالها المفترون.

    فمثلاً قال الله تعالى: مَا اتَّخَذَ اللَّهُ مِنْ وَلَدٍ [المؤمنون:91] هذه صفة نفي خاصة؛ لكن قالها عز وجل ونفاها عن نفسه رداً على المفترين الذين قالوا: إن الله تعالى اتخذ ولداً، فالنصارى قالوا: المسيح ابن الله، واليهود قالوا: عزير ابن الله، والمشركون قالوا: الملائكة بنات الله. أو جاءت لدفع توهم وبيان كمال، مثل قوله تعالى: وَلَقَدْ خَلَقْنَا السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ وَمَا مَسَّنَا مِنْ لُغُوبٍ [ق:38] اللغوب: الإعياء والتعب، وهو صفة خاصة، لكن نفاها الله عن نفسه لئلا يتوهم متوهم بأن الله تعب لما خلق هذه المخلوقات العظيمة في هذه المدة الوجيزة، فنفاها عن نفسه، فصار الغالب في صفات الإثبات التفصيل، وفي صفات النفي الإجمال.

    وقد يأتي التفصيل في باب النفي، كما يأتي الإجمال في باب الإثبات، كقوله تعالى: لِلَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ بِالْآخِرَةِ مَثَلُ السَّوْءِ وَلِلَّهِ الْمَثَلُ الْأَعْلَى وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ [النحل:60] المثل الأعلى، أي: الوصف الأكمل، وهذه عامة ليس فيها تفصيل.

    واجب المسلم تجاه إخوانه المستضعفين

    السؤال: ماذا نعمل الآن من أجل دعم إخواننا في البوسنة ، خاصة وأن باب الجهاد لم يفتح حتى اليوم؟ وهل نوصف بالتقصير إذا متنا دون أن نجاهد أعداء الإسلام؟

    الجواب: العمل -بارك الله فيك- أن يكون الإنسان مستعداً، وينوي نية جازمة أنه لو حصل دعوة للجهاد بالمال أو بالنفس فإنه يلبي ويجيب داعي الله، ويكون بهذا قد حدث نفسه بالغزو، حتى لا يموت على شعبة من النفاق.

    وأيضاً: أنا أوصيكم أن تكثروا من الدعاء: أن يسلط الله سبحانه وتعالى على هؤلاء الصرب المعتدين جنداً من جنده، وأن ينزل بهم بأسه الذي لا يرد عن القوم المجرمين، وأن يشتت شملهم، ويفرق جمعهم، ويهزم جندهم، وأن يجعل بأسهم بينهم، إلى غير ذلك من الأدعية، وأن تستعينوا الله عليهم، اللهم إننا نستعينك على هؤلاء، وتدعون الله تعالى أن يثبت إخواننا في البوسنة على مقابلة هؤلاء الأعداء، ولولا أن الله سبحانه وتعالى قد ثبتهم لكانوا راحوا بالأمس، لأن سلاح أعدائهم وشراستهم أكثر بكثير مما عندهم.

    إخواننا في البوسنة مجردون من السلاح كما هو معلوم، وهؤلاء عندهم من الأسلحة ما يعد الثالث أو الرابع في الدنيا كلها، اللهم ثبت إخواننا، ولا شك أن هذا إن شاء الله تعالى من كرامة الله لهم، وأن الله تعالى سيأخذ بأيديهم؛ لأن الله تعالى قال لرسوله: فَاصْبِرْ إِنَّ الْعَاقِبَةَ لِلْمُتَّقِينَ [هود:49] ولكن أوصيكم بالدعاء في كل مناسبة؛ في السجود، بين الأذان والإقامة، في آخر الليل، في كل وقت، واجعلوا قلوبكم معهم، واشعروا بشعورهم أو أكثر، هم إخوانكم، ثم إنهم يواجهون اليوم قوماً كفرة من أهل الشرك والتثليث.

    أما القنوت فإنه راجع لولاة الأمر، لكننا نحن نقنت فيما بيننا وبين أنفسنا فلا أحد يمنعنا من ذلك.

    شرح لفظة: (لا يسترقون) من حديث السبعين ألفاً الذين يدخلون الجنة بغير حساب

    السؤال: نريد إيضاح حديث ابن عباس رضي الله عنهما في قول النبي صلى الله عليه وسلم عن السبعين ألفاً الذين يدخلون الجنة بغير حساب: (لا يسترقون ...) الحديث، فهل عموم العلاج يدخل في الحديث؟ وإذا كان لا يدخل فما الفرق بينه وبين الرقية لأن كلاً منهما سبب؟ وكيف نفهم أمر النبي صلى الله عليه وسلم لـعائشة وغيرها أن يسترقوا من العين؟ وإذا علمنا رجلاً أصابته عين فهل نأمره بالرقية أم نرشده إلى الصبر والاحتساب؟ أرجو الإفادة وجزاكم الله خيراً.

    الجواب: قوله في حديث السبعين ألفاً: (ولا يسترقون) أي: لا يطلبون الرقية من غيرهم، ولكنه عليه الصلاة والسلام أمر بالتداوي وأرشد إليه وقال: (ما أنزل الله داءً إلا وأنزل له دواء، علمه من علمه وجهله من جهله) والفرق بينهما من وجهين:

    الوجه الأول: أن تعلق الإنسان بالراقي أكثر من تعلقه بالتداوي؛ لأن الراقي إذا قدر الله تعالى أن ينتفع به المريض برقيته صارت العلاقة بينه وبين هذا المريض علاقة روحية، فربما يفتتن به ويقول: هذا من أولياء الله. وما أشبه ذلك، وقد يحصل معه شيء من الشرك، ولهذا جاء بعدها: (وعلى ربهم يتوكلون).

    الثاني: أنه قد يطلب الرقية من شخص ليس أهلاً لذلك؛ لأنه لا يداوي بشيء حسي يعرف، فيرقي هذا الذي سئل بالرقية ثم يحصل الشفاء، لا بالرقية -لأنها غير شرعية- ولكن عند الرقية، فيفتتن الناس أيضاً بهذا الرجل، ويظنونه ممن تجاب دعوته، وممن يتبرك بقراءته وليس كذلك.

    فلهذا قال صلى الله عليه وسلم: (ولا يسترقون) ولم يقل: ولا يتداوون، وعلى هذا فالدواء مطلوب، وأما الاسترقاء فإن الأفضل تركه، لكن لو أنّ أحداً من الناس هو الذي تقدم وقرأ عليك ولم تمنعه فإن هذا لا يمنع من دخول الإنسان في الحديث؛ لأنك لم تطلب الرقية، وكذلك لو أنك رقيت على أخيك فإنك محسن إليه ولا تخرج بهذه الرقية من صفات هؤلاء السبعين ألفاً، ولهذا نقول: إن ما ورد في صحيح مسلم من زيادة وهي قوله: (ولا يرقون) زيادة شاذة ليست بصحيحة، والصواب: (ولا يسترقون) فقط، أما الرقية من العالم فلأن العالم معروف، فتطلب منه الرقية؛ لأنه إذا رقى على الإنسان فإنه ينتفع بذلك بإذن الله عز وجل، كالطبيب الذي يداوي.

    أما هل نأمر الذي أصيب بالعين بالرقية، أو نأمره بالصبر؟

    فنقول له: إن الرسول صلى الله عليه وسلم أرشد إلى طريقة الشفاء من العين، حيث أمر الذي عاين أحد الصحابة أن يغتسل ويتوضأ، فيؤخذ من مائه فيصب على المصاب حتى يشفى.

    حكم من يعطي مالاً ليُحَجَّ عنه حج نافلة

    السؤال: ما هو الضابط لمن يُحَجُّ عنه، خاصة أننا نجد كثيراً من المحسنين يخصص جزءاً من ماله لبعض الناس لكي يحج به، وبعضهم يصادف أن يكون عليه دين فهل لآخذ المال أن يسدد الدين من هذا المال، أم يجب عليه أن يحج به كله؟

    الجواب: أما الإنسان الذي يُحَجُّ عنه، فإن السنة إنما جاءت في حج الفريضة فيمن لا يستطيع أن يحج بنفسه، ولم تأت في حج النافلة أبداً، غاية ما هنالك ما جاء في حديث عبد الله بن عباس رضي الله عنهما: (أن النبي صلى الله عليه وسلم سمع رجلاً يقول: لبيك عن شبرمة . فقال: من شبرمة ؟ قال: أخ لي أو قريب لي. قال: حججت عن نفسك؟ قال: لا. قال: حج عن نفسك ثم حج عن شبرمة ).

    قد يتمسك بعض الناس بهذا الحديث فيقول: إن الرسول صلى الله عليه وسلم لم يسأله: هل حجه عن شبرمة فريضة أم نافلة؟ فيقال: الحج محتمل، لكن قوله: (حج عن نفسك ثم عن شبرمة ) يدل على أن هذا الحج فريضة، فالاستنابة بالفريضة عند العجز جاءت بها السنة، والاستنابة في النافلة لم ترد بها السنة إطلاقاً، لكن بعض العلماء قاسها على الفريضة.

    ثم إن بعض العلماء توسع في هذا وقال: يجوز للقادر أن يوكل من يحج عنه نفلاً، أما الفرض فإنه لا يجوز، أما أنا فلا أحب أن يتوسع الناس في هذا، نقول: من عنده فضل مال يريد أن يعطيه لمن يحج عنه، فليعطه لمن يحج فريضة، وتكون أنت قد ساعدت شخصاً في أداء فريضة فيكتب لك مثل أجره؛ لأن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (من جهز غازياً فقد غزا).

    وكذلك من جهز حاجاً فإنه يرجى أن يكون كالذي جهز غازياً، أي: يكتب له أجر الحج، هذا أفضل من أن نقول: خذ هذه الدراهم حج عني وأنت قادر على أن تحج بنفسك، أرأيت لو قلت لإنسان: أنا اليوم متعب فقد أديت الفريضة في صلاة الظهر ولا أستطيع أداء النافلة، فخذ هذه الدراهم وصل عني الراتبة؟! فلا شك أن هذا لا يجزئ، فلذلك ينبغي ألا نتوسع في هذه المسألة، وإنما نقول لمن كان عنده فضل مال: الأفضل أن تعين من يحج أو يعتمر ثم يكون لك أجر إن شاء الله تعالى.

    وأما من أخذ للحج وعليه دين وقضى به شيئاً من دينه فلا بأس إذا أدى الحج على الوجه الذي ينبغي.

    ضعف حديث: (أقامها الله وأدامها) عند إقامة الصلاة

    السؤال: نسمع من بعض الناس بعد إقامة الصلاة قولهم: أقامها الله وأدامها. فما الحكمة في ذلك؟

    الجواب: ورد في هذا حديث عن الرسول صلى الله عليه وسلم أنه كان إذا قال المؤذن: قد قامت الصلاة قال: (أقامها الله وأدامها) لكن الحديث ضعيف لا تقوم به حجة.

    معنى: ( المقام المحمود)

    السؤال: هل صحيح أن المقام المحمود الذي وعده الله عز وجل لرسوله صلى الله عليه وسلم هو مكان العرش كما ورد في بعض الآثار؟

    الجواب: الصحيح أن المقام المحمود عام؛ كل مقام يحمده الناس فيه، ومن ذلك الشفاعة العظمى، حين يتدافع الأنبياء عليهم الصلاة والسلام الشفاعة، حتى تصل إليه صلى الله عليه وسلم فيشفع فيشفعه الله عز وجل، هذا هو الصحيح .. أنه عام.

    حكم تبييت النية في صيام النفل

    السؤال: هل صيام الست من شوال ويوم عرفة يكون لها حكم صيام الفرض، فيشترط فيها تبييت النية من الليل؟ أم يكون لها حكم صيام النفل بحيث يجوز للإنسان أن ينوي صيامها ولو منتصف النهار؟ وهل يكون أجر الصيام منتصف النهار كأجر من تسحر وصام النهار إلى آخره؟

    الجواب: نعم. صيام النفل يجوز بنية من أثناء النهار، بشرط: ألا يكون فعل مفطراً قبل ذلك، فمثلاً: لو أن الإنسان أكل بعد طلوع الفجر، وفي أثناء اليوم نوى الصوم نقول هنا: صومك غير صحيح؛ لأنه أكل، لكن لو لم يأكل منذ طلع الفجر ولم يفعل ما يفطر، ثم نوى في أثناء النهار الصوم وهو نافلة فنقول: هذا جائز؛ لأنه وردت به السنة عن النبي صلى الله عليه وسلم: وذلك حين دخل على أهله فطلب منهم طعاماً فقالوا: ليس عندنا شيء. فقال: (إني إذاً صائم).

    ولكن الأجر لا يكون إلا من وقت النية، لقول النبي صلى الله عليه وسلم: (إنما الأعمال بالنيات) فما قبل النية فلا يكتب له أجره، وما بعده يكتب له أجره، وإذا كان الأجر مرتباً على صوم اليوم فإن هذا لم يصم اليوم كاملاً، بل بعض اليوم بالنية، وبناءً على ذلك: لو أن أحداً قام من بعد طلوع الفجر ولم يأكل شيئاً وفي منتصف النهار نوى الصوم على أنه من أيام الست ثم صام بعد هذا اليوم خمسة أيام فيكون قد صام خمسة أيام ونصف، وإن كان نوى بعد مضي ربع النهار، فيكون قد صام خمسة أيام وثلاثة أرباع؛ لأن الأعمال بالنيات، والحديث: (من صام رمضان ثم أتبعه ستاً من شوال).

    وحينئذٍ نقول لهذا الأخ: لم تحصل على ثواب أجر صيام الأيام الستة؛ لأنك لم تصم ستة أيام، وهذا يقال: في يوم عرفة، أما لو كان الصوم نفلاً مطلقاً فإنه يصح ويثاب من وقت نيته فقط.

    حكم دفع الزكاة لأيتام أغنياء

    السؤال: هناك أيتام أنا وليهم، توفي والدهم منذ سنوات، دخلهم الشهري من التقاعد نحو ثلاثة آلاف وخمسمائة ريال، واجتمع لديَّ خلال هذه السنوات مبالغ كبيرة، منها نحو مائة وخمسون ألفاً زكوات، فهل أمتنع عن أخذ الزكاة لهم؟ وماذا أفعل بما معي من الزكاة؟ وإذا كان لهم منـزل متصدع أخذوه من الصندوق العقاري بمبلغ (مائتان وأربعون ألفاً) فهل أدفع المبلغ تبرئة لذمة الميت من هذا المبلغ؟ وإذا كان لهم أراضٍ من البلدية فهل نسورها من هذه المبالغ، أم لا؟

    الجواب: أولاً: لا يحل لك أن تأخذ الزكاة لهم وعندهم ما يغنيهم؛ لأن الزكاة للفقراء والمساكين وليست للأيتام، وما أخذته مع وجود غناهم يجب عليك أن ترده إلى أصحابه إن كنت تعرفهم، وإن كنت لا تعرفهم فتصدق به عنهم بنية الزكاة عنهم؛ لأنك أخذته بنية الزكاة منهم.

    وأما ما جمعت من الأموال من التقاعد فافعل ما ترى أنه أصلح؛ لقوله تبارك وتعالى: وَلا تَقْرَبُوا مَالَ الْيَتِيمِ إِلَّا بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ [الأنعام:152].

    وأما دين صندوق التنمية العقارية فأنت تعرف أنه مؤجل مقسط، فتدفعه على حساب أقساطه، والميت بريء منه، إلا ما كان من الأقساط التي حلَّت قبل موته ولم يسددها، فأما التي لم تحل إلا بعد وفاة الميت فالميت منها بريء؛ لأنها متعلقة بنفس العقار، والعقار انتقل منه إلى ملك الورثة، فهم المطالبون بذلك، ولا تسدد من الزكاة؛ لأن عندهم ما يمكن أن تسدد منه.

    حكم الأخ إذا رضع من زوجة أخيه

    السؤال: شخص رضع من زوجة أخيه، هل هذا الشخص الأصغر يكون محرماً لزوجات أخيه الأخريات؟ وهل يكون هذا الزوج الأكبر محرماً لزوجة أخيه الأصغر؟

    الجواب: إذا رضع من زوجة أخيه صار ابن أخيه، وصارت زوجة أخيه التي أرضعته أماً له، وأما زوجات أخيه الأخريات فهذا فيه خلاف بين العلماء، يعني: زوجة الأب من الرضاع التي لم ترضع الطفل، هل تكون محرماً للراضع، أم لا؟

    هذا فيه خلاف بين العلماء، يقول بعض العلماء وهم الجمهور: إنه يكون محرماً لزوجات أبيه من الرضاع. ويقول شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله: إنه لا يكون محرماً لزوجات أبيه من الرضاع؛ لأن الله تعالى قال: وَأُمَّهَاتُكُمُ اللَّاتِي أَرْضَعْنَكُمْ [النساء:23] وقال: وَحَلائِلُ أَبْنَائِكُمُ الَّذِينَ مِنْ أَصْلابِكُمْ [النساء:23] وقال النبي صلى الله عليه وسلم: (يحرم من الرضاع ما يحرم من النسب).

    فالذي نرى أن ما قاله شيخ الإسلام رحمه الله أقرب إلى الصواب، وأن زوجات الآباء من الرضاع لسن محارم لأبنائهن من الرضاع، وكذلك بالعكس ابنك من الرضاع لا تكون أنت محرماً لزوجته؛ لأن الله تعالى قال: وَحَلائِلُ أَبْنَائِكُمُ الَّذِينَ مِنْ أَصْلابِكُمْ [النساء:23]، هذا ما نراه في المسألة، وقد علمت رأي الجمهور أن الرضاع يؤثر في المصاهرة كما يؤثر في النسب.

    مكتبتك الصوتية

    البث المباشر

    المزيد

    من الفعاليات والمحاضرات الأرشيفية من خدمة البث المباشر

    عدد مرات الاستماع

    2994777237

    عدد مرات الحفظ

    717602554