إسلام ويب

لقاء الباب المفتوح [46]للشيخ : محمد بن صالح العثيمين

  •  التفريغ النصي الكامل
  • كان الحديث في هذا اللقاء عن تفسير الآيات الأخيرة من سورة الطارق، وتحدثت الآيات عن قسم الله بالسماء ذات الرجع، والأرض ذات الصدع، كما تحدث عن المناسبة بين القسم الذي في أول السورة والقسم الثاني، واستمر الشيخ في تفسير الآيات حتى آخر السورة، ثم أجاب عن الأسئلة.

    1.   

    تفسير آيات من سورة الطارق

    الحمد لله رب العالمين، وصلى الله وسلم على نبينا محمد وعلى آله وأصحابه، ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين.

    أما بعد:

    فإن هذا اللقاء الأول لشهر رجب عام (1414هـ)، وهو اللقاء الذي يتم كل يوم خميس من كل أسبوع، نسأل الله سبحانه وتعالى أن ينفعنا جميعاً بما علمنا، وأن يجعلنا هداة مهتدين، صالحين مصلحين.

    عادتنا أن نبدأ هذا اللقاء بتفسير آيات من كتاب الله، وقد ابتدأنا من سورة النبأ، وها نحن الآن في آخر سورة الطارق.

    تفسير قوله تعالى: (والسماء ذات الرجع...)

    قال الله تعالى بعد أن ذكر الإقسام بالسماء والطارق إلى قوله: يَوْمَ تُبْلَى السَّرَائِرُ * فَمَا لَهُ مِنْ قُوَّةٍ وَلا نَاصِرٍ [الطارق:9-10] قال تعالى: وَالسَّمَاءِ ذَاتِ الرَّجْعِ * وَالْأَرْضِ ذَاتِ الصَّدْعِ [الطارق:11-12] هذا هو القسم الثاني بالسماء، والقسم الأول ما كان في أول السورة قال: وَالسَّمَاءِ ذَاتِ الرَّجْعِ [الطارق:11].

    فهناك قال: وَالسَّمَاءِ وَالطَّارِقِ * وَمَا أَدْرَاكَ مَا الطَّارِقُ * النَّجْمُ الثَّاقِبُ [الطارق:1-3] وهنا قال: وَالسَّمَاءِ ذَاتِ الرَّجْعِ * وَالْأَرْضِ ذَاتِ الصَّدْعِ [الطارق:11-12] إِنَّهُ لَقَوْلٌ فَصْلٌ [الطارق:13].

    والمناسبة بين القسمين والله أعلم: أن الأول فيه إشارة إلى الطارق الذي هو النجم، والنجم هو كما نعلم ترمى به الشياطين الذين يسترقون السمع، وفي رمي الشياطين بذلك حفظ لكتاب الله عز وجل.

    أما هنا فأقسم بالسماء ذات الرجع أن هذا القرآن قول فصل، فالقسم الأول مناسبته أن فيه الإشارة إلى ما يحفظ به القرآن حال إنزاله، وفي القسم الثاني الإشارة إلى أن القرآن حياة؛ لأنه قال: وَالسَّمَاءِ ذَاتِ الرَّجْعِ [الطارق:11] والرجع: هو المطر، يسمى رجعاً؛ لأنه يرجع ويتكرر، ومعلوم أن المطر به حياة الأرض.

    وَالْأَرْضِ ذَاتِ الصَّدْعِ [الطارق:12] الصدع: هو الانشقاق، يعني: التشقق لخروج النبات منها، فأقسم بالمطر الذي هو سبب خروج النبات، وبالتشقق الذي يخرج منه النبات، وكله إشارة إلى حياة الأرض بعد موتها.

    والقرآن به حياة القلوب بعد موتها كما قال الله تبارك وتعالى: وَكَذَلِكَ أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ رُوحاً مِنْ أَمْرِنَا [الشورى:52] فسمى الله القرآن روحاً؛ لأنه تحيا به القلوب.

    يقول عز وجل: وَالسَّمَاءِ ذَاتِ الرَّجْعِ [الطارق:11] أي: ذات المطر.. وَالْأَرْضِ ذَاتِ الصَّدْعِ [الطارق:12] أي: ذات الانشقاق لخروج النبات منها.

    تفسير قوله تعالى: (إنه لقول فصل)

    قوله: إِنَّهُ [الطارق:13] أي: القرآن لَقَوْلٌ فَصْلٌ [الطارق:13] فوصفه الله بأنه قول. قول من؟ قول الله عز وجل، فهو الذي تكلم به وألقاه إلى جبريل، ثم نزل به جبريل على قلب النبي صلى الله عليه وسلم، وقد أضاف الله القرآن قولاً إلى جبريل وإلى محمد عليهما الصلاة والسلام فقال تعالى عن الأول: إِنَّهُ لَقَوْلُ رَسُولٍ كَرِيمٍ * ذِي قُوَّةٍ عِنْدَ ذِي الْعَرْشِ مَكِينٍ * مُطَاعٍ ثَمَّ أَمِينٍ [التكوير:19-21] وقال عن الثاني -وهو الرسول صلى الله عليه وسلم-: إِنَّهُ لَقَوْلُ رَسُولٍ كَرِيمٍ * وَمَا هُوَ بِقَوْلِ شَاعِرٍ قَلِيلاً مَا تُؤْمِنُونَ [الحاقة:40-41].

    ففي الأول أضاف القول إلى جبريل؛ لأنه بلغه عن الله إلى محمد صلى الله عليه وسلم، وفي الثاني أضافه إلى محمد؛ لأنه بلغه إلى الناس، وإلا فإن الذي قاله ابتداءً هو الله سبحانه وتعالى.

    إِنَّهُ لَقَوْلٌ فَصْلٌ [الطارق:13] فصل: يفصل بين الحق والباطل، وبين المتقين والظالمين، بل إنه فصل، أي: قاطع لكل من ناوأه أو عاداه، ولهذا نجد المسلمين لما كانوا يجاهدون الكفار بالقرآن نجدهم غلبوا الكفار وقطعوا دابرهم، وقضى بينهم، فلما أعرضوا عن القرآن هُزموا وذُلوا بقدر بعدهم عن القرآن، فكلما ابتعد الإنسان عن كتاب الله ابتعدت عنه العزة، وابتعد عنه النصر، حتى يرجع إلى كتاب الله عز وجل.

    تفسير قوله تعالى: (وما هو بالهزل)

    قال تعالى: وَمَا هُوَ بِالْهَزْلِ [الطارق:14] أي: وما هو باللعب والعبث واللغو، بل هو حق، كلماته كلها حق، أخباره صدق، وأحكامه عدل، وتلاوته أجر، لو تلاه الإنسان كل أوانه لم يمل منه، وإذا تلاه بتدبر وتفكر فتح الله عليه من المعاني ما لم يكن عنده من قبل، وهذا شيء مشاهد.. اقرأ القرآن وتدبره، كلما قرأته وتدبرته حصل لك من معانيه ما لم يكن يحصل لك من قبل؛ كل هذا لأنه فصل وليس بالهزل، لكن الكلام اللغو من كلام الناس كلما كررته كرهته ومللته، أما كتاب الله فلا يمل منه قارئه.

    تفسير قوله تعالى: (إنهم يكيدون كيداً ...)

    ثم قال تعالى: إِنَّهُمْ يَكِيدُونَ كَيْداً [الطارق:15] (إِنَّهُمْ) أي: الكفار المكذبين للرسول صلى الله عليه وسلم (يَكِيدُونَ كَيْداً) أي: يكيدون كيداً عظيماً للرسول صلى الله عليه وسلم ولمن اتبعه.

    وانظر ماذا كانوا يفعلون بالمؤمنين أيام كانوا بـمكة من التعذيب والتوبيخ والتشريد.

    هاجر المسلمون مرتين إلى الحبشة، ثم هاجروا إلى المدينة، كل ذلك فراراً بدينهم من هؤلاء المكذبين المجرمين، الذين آذوهم بكل كيد، وأعظم ما فعلوا بالنبي صلى الله عليه وسلم حين الهجرة، حيث اجتمع رؤساؤهم وأشرافهم يتشاورون ماذا يفعلون بمحمد صلى الله عليه وسلم. فكلما ذكروا رأياً نقضوه، وقالوا: هذا لا يصلح، حتى أشار إليهم -فيما ذكر أهل التاريخ- الشيطان الذي جاء في صورة رجل، وقال لهم: إني أرى أن تختاروا عشرة شبان من قبائل متفرقة، وتعطوا كل واحد منهم سيفاً ماضياً حتى يقتلوا محمداً قتلة رجل واحد، فإذا فعلوا ذلك تفرق دمه في القبائل، فلم تستطع بنو هاشم أن تقتص من القبائل كلها، فيضطرون إلى أخذ الدية، وهذا هو الذي يريدون، فأجمعوا على هذا الرأي، واستحسنوا هذا الأمر.

    وفعلاً جلس الشبان العشرة ينتظرون خروج النبي صلى الله عليه وسلم ليقتلوه، لكن النبي صلى الله عليه وسلم خرج من الباب وهم جلوس ولم يشاهدوه. وذكر أهل التاريخ أنه جعل يذر التراب على رءوسهم إذلالاً لهم ويقرأ قول الله تبارك وتعالى: وَجَعَلْنَا مِنْ بَيْنِ أَيْدِيهِمْ سَدّاً وَمِنْ خَلْفِهِمْ سَدّاً فَأَغْشَيْنَاهُمْ فَهُمْ لا يُبْصِرُونَ [يس:9].

    ولا تتعجبوا كيف خرج النبي صلى الله عليه وسلم من بينهم ولم يشاهدوه، لا تتعجبوا من هذا، فهاهي قريش حين اختبأ النبي صلى الله عليه وسلم في الغار -لما خرج من مكة يريد المدينة - اختبأ في الغار ثلاثة أيام ليَخفَّ عنه الطلب؛ لأن قريشاً صارت تطلبه، وجعلت لمن جاء بخبره مائة بعير، ولمن جاء به مع أبي بكر مائتي بعير، وهذه جائزة كبيرة.

    فوقفوا على الغار الذي فيه النبي صلى الله عليه وسلم وأبو بكر -وكلنا يعلم أن الغار المفتوح إذا كان فيه أحد فسوف يُرى- ولكنهم لم يروا النبي صلى الله عليه وسلم ولا أبا بكر رضي الله عنه الذي قال: (يا رسول الله! لو نظر أحدهم إلى قدمه لأبصرنا، فقال: لا تحزن إن الله معنا، ما ظنك باثنين الله ثالثهما) فاطمأن أبو بكر.

    هؤلاء القوم الذين وقفوا على الغار ليس عندهم قصور في السمع، ولا قصور في البصر، ولا قصور في الذكاء؛ ولكن أعمى الله أبصارهم عن النبي صلى الله عليه وسلم وعن صاحبه، فلا تعجب إن خرج رسول الله صلى الله عليه وسلم من بين هؤلاء الشبان العشرة -كما قال أهل التاريخ- وجعل يذر التراب على رءوسهم ويقول: وَجَعَلْنَا مِنْ بَيْنِ أَيْدِيهِمْ سَدّاً وَمِنْ خَلْفِهِمْ سَدّاً فَأَغْشَيْنَاهُمْ فَهُمْ لا يُبْصِرُونَ [يس:9].

    هنا يقول عز وجل في سورة الطارق: إِنَّهُمْ يَكِيدُونَ كَيْداً * وَأَكِيدُ كَيْداً [الطارق:15-16]واقرأ قول الله تعالى في سورة الأنفال: وَإِذْ يَمْكُرُ بِكَ الَّذِينَ كَفَرُوا لِيُثْبِتُوكَ [الأنفال:30] يعني: يحبسوك أَوْ يَقْتُلُوكَ أَوْ يُخْرِجُوكَ وَيَمْكُرُونَ وَيَمْكُرُ اللَّهُ وَاللَّهُ خَيْرُ الْمَاكِرِينَ [الأنفال:30].

    تفسير قوله تعالى: (فمهل الكافرين أمهلهم رويداً)

    ثم قال عز وجل: فَمَهِّلِ الْكَافِرِينَ أَمْهِلْهُمْ رُوَيْداً [الطارق:17] مهِّل وأمهل معناهما واحد، أي: انتظر بمهلة، ولا تنتظر بمهلة طويلة: أَمْهِلْهُمْ رُوَيْداً [الطارق:17] أي: قليلاً، و(رويداً): تصغير رود أو إرواد، والمراد به: الشيء القليل.

    وفي هذه الآية تهديد لقريش وتسلية للرسول صلى الله عليه وسلم ووعد له بالنصر، وحصل الأمر كما أخبر الله عز وجل، خرج النبي صلى الله عليه وسلم مهاجراً منهم، وحصل بينه وبينهم حروب، وفي السنة الثانية للهجرة قتل من صناديد قريش وكبرائهم وزعمائهم نحو أربعة وعشرين رجلاً؛ منهم قائدهم أبو جهل، وبعد ثماني سنوات، بل أقل من ثماني سنوات دخل النبي صلى الله عليه وسلم مكة فاتحاً منصوراً ظافراً، حتى إنه قال -كما جاء في التاريخ- قال وهو ممسك العضادتي باب الكعبة، وقريش تحته: (ما ترون أني فاعل بكم؟ -لأن أمرهم أصبح بيده عليه الصلاة والسلام- قالوا: أخ كريم! وابن أخ كريم! قال: إني أقول لكم كما قال يوسف لإخوته: لا تَثْرِيبَ عَلَيْكُمُ الْيَوْمَ يَغْفِرُ اللَّهُ لَكُمْ وَهُوَ أَرْحَمُ الرَّاحِمِينَ [يوسف:92] اذهبوا فأنتم الطلقاء) وإنما منَّ عليهم هذه المنة صلى الله عليه وسلم؛ لأنهم أسلموا، وقد قال الله تعالى: قُلْ لِلَّذِينَ كَفَرُوا إِنْ يَنْتَهُوا يُغْفَرْ لَهُمْ مَا قَدْ سَلَفَ وَإِنْ يَعُودُوا فَقَدْ مَضَتْ سُنَّتُ الْأَوَّلِينَ [الأنفال:38].

    هذا هو آخر ما تيسر من الكلام على سورة الطارق، وإني أحثكم على تدبر القرآن وتفهم معانيه، خذوا معانيه من أفواه العلماء الموثوقين، أو من كتب التفسير الموثوقة كـتفسير ابن كثير، أو تفسير عبد الرحمن بن سعدي، وما أشبهها من التفاسير التي تعرفون أصحابها أنهم موثوقون في عقيدتهم وفي آرائهم.

    نسأل الله أن يجعلنا ممن يتلون كتابه حق تلاوته، وأن ينفعنا به، وأن يجعله شفيعاً لنا يوم القيامة، إنه على كل شيء قدير. وصلى الله على نبينا محمد وعلى آله وأصحابه أجمعين.

    1.   

    الأسئلة

    من أحكام صلاتي الاستسقاء والعيد

    السؤال: فضيلة الشيخ! بالنسبة لصلاة الاستسقاء والعيدين إذا فاتت الإنسان هل يقضيها أم لا؟ وإذا فاتته ركعة فهل يقضي التكبيرات أم لا؟ وبالنسبة للأئمة الذين لا يطلبون من المأمومين تسوية الصفوف فما نصيحتكم لهم؟

    الجواب: هذا السؤال يأتي في مناسبة طيبة؛ لأنه صادف اليوم الذي أقمنا فيه صلاة الاستسقاء، والاستسقاء كما نعلم هو طلب السقيا، وطلب السقيا يكون على أوجه كثيرة، قد تستسقي وأنت في السجود، وقد تستسقي وأنت في مجلس بين أصحابك، وقد يستسقي الخطيب في يوم الجمعة، وقد يخرج الناس إلى مصلى العيد ليصلوا صلاة الاستسقاء.

    وصفة صلاة الاستسقاء كصلاة العيد، أما الخطبة فإنها خطبة واحدة، وليست كخطبة العيد، فالعيد فيه خطبتان، وهذا هو المشهور عند أهل العلم، وقيل: للعيد خطبة واحدة، وهو الذي تدل عليه الأدلة الصحيحة السالمة من التضعيف، أن خطبة العيد واحدة لكن الرسول صلى الله عليه وسلم كان يخطب الرجال أولاً ثم ينزل إلى النساء فيعظهن.

    أما الاستسقاء فهو خطبة واحدة، حتى على قول من يرى أن صلاة العيد لها خطبتان فهي خطبة واحدة؛ إما قبل الصلاة أو بعد الصلاة، فالأمر كله جائز، لو أن الإمام حين حضر إلى المصلى فاستقبل القبلة ودعا وأمن الناس على ذلك لكان كافياً، وإن أخر الخطبة إلى ما بعد الصلاة فهو أيضاً كافٍ وجائز، فالأمر في هذا واسع.

    وإنما قلت ذلك لئلا يستنكر أحدٌ مما قد يفعله بعض الأئمة من الخطبة والدعاء في صلاة الاستسقاء قبل الصلاة، فإن فعل ذلك لا ينكر عليه؛ لأنه سنة ثابتة عن النبي صلى الله عليه وسلم.

    أما إذا فاتت الإنسان صلاة الاستسقاء فأنا لا أعلم في هذا سنة عن النبي صلى الله عليه وسلم، لكن لو صلى ودعا فلا بأس.

    وأما صلاة العيد فإنها لا تقضى إذا فاتت؛ لأنها صلاة شرعت على وجه معين، وهو حضور الناس واجتماعهم على إمام واحد، فإذا فاتت فإنها لا تقضى.

    وكذلك صلاة الجمعة فإنها إذا فاتت لا تقضى -أيضاً- لكن يصلي بدلها ظهراً؛ لأن هذا وقت الظهر، فإن لم يتمكن من الجمعة صلى الظهر.

    أما العيد فلم يرد عن النبي صلى الله عليه وسلم عنها بدل، فإذا فاتتك مع الإمام فقد فاتتك، ولا يشرع لك قضاؤها، وأما بالنسبة للتكبيرات التي بعد تكبيرة الإحرام فإنك إذا دخلت مع الإمام بعد انتهاء التكبيرات فإنك لا تعيد التكبيرات؛ لأنها سنة فات محلها، فإذا فات محلها سقطت.

    أما الركعة الثانية فسوف تكبر مع الإمام، وأما إذا فاتتك الركعة الأولى ولم تدخل مع الإمام إلا في الركعة الثانية فمن المعلوم أنك سوف تكبر التكبيرات التي يكبرها الإمام أو ما بقي منها، وإذا قمت إلى قضاء ما فاتك فإنك تكبر في الركعة التي تقضيها.

    أما طلب الأئمة تسوية الصفوف في صلاة العيد وفي صلاة الاستسقاء فإنه مشروع كغيرها من الصلوات؛ وذلك لأن الناس إذا لم ينبهوا على هذا ربما يغفلون عنه، فكل صلاة يشرع فيها الجماعة؛ فإنه يشرع للإمام إذا كان الناس صفوفاً أن ينبههم وأن يقول: استووا، اعتدلوا.

    وأما قول بعض الأئمة: استقيموا. فإن هذا لا أصل له، ولم ترد عن النبي صلى الله عليه وسلم، وقد بحثت عنها وسألت بعض الإخوان أن يبحثوا عنها، فلم يجدوا لها أصلاً عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه كان يقول بدل (أقيموا صفوفكم) (استقيموا).

    ولا وجه لقوله (استقيموا)؛ لأن المراد بقوله (استقيموا) أي: على دين الله، وليس هذا محله؛ لأن هذا محل أمر الناس بإقامة الصفوف في الصلاة، فالمشروع أن يقول: أقيموا صفوفكم.. سووا صفوفكم.. وما أشبه ذلك.

    حكم استفتاء أكثر من عالم في المسألة الواحدة

    السؤال: هل يجوز استفتاء أكثر من عالم؟ وفي حالة اختلاف الفتيا هل يأخذ المستفتي بالأيسر أم بالأحوط؟ وجزاكم الله خيراً.

    الجواب: لا يجوز للإنسان إذا استفتى عالماً واثقاً بقوله أن يستفتي غيره؛ لأن هذا يؤدي إلى التلاعب بدين الله وتتبع الرخص؛ بحيث يسأل فلاناً فإن لم يناسبه سأل الثاني، وإن لم يناسبه سأل الثالث وهكذا.

    وقد قال العلماء في تتبع الرخص: فسق. لكن أحياناً يكون الإنسان ليس عنده من العلماء إلا فلان مثلاً، فيسأله من باب الضرورة، وفي نيته أنه إذا التقى بعالم أوثق منه في علمه ودينه سأله، فهذا لا بأس به أن يسأل الأول للضرورة، ثم إذا وجد من هو أفضل سأله.

    وإذا اختلف العلماء عليه في الفتيا، أو فيما يسمع من مواعظهم ونصائحهم -مثلاً- فإنه يتبع من يراه إلى الحق أقرب في علمه ودينه، فإن تساوى عنده الرجلان في العلم والدين فقال بعض العلماء: يتبع الأحوط وهو الأشد. وقيل: يتبع الأيسر، وهذا هو الصحيح؛ أنه إذا تعادلت الفتيا عندك فإنك تتبع الأيسر؛ لأن دين الله عز وجل مبني على اليسر والسهولة، لا على الشدة.

    وقد قالت عائشة رضي الله عنها في وصف النبي صلى الله عليه وسلم: (إنه ما خير بين أمرين إلا اختار أيسرهما ما لم يكن إثماً).

    كيفية التخلص من الوساوس

    السؤال: امرأة ابتلاها الله بوسواس في الطهارة، والشعور بعد الوضوء بمدافعة الخبث، وفي ذات مرة شعرت بمن يأمرها بسب القرآن وسب الله فما كان منها إلا أن بكت، فكيف علاجها والخلاص من هذا الوسواس؟

    الجواب: هذا الوسواس مبتلى به كثير من الناس إذا لم يكن السؤال الذي يرد علينا بالتليفون مكرراً من سائلٍ واحد فما أكثر هذا في الناس ولا حول ولا قوة إلا بالله، ودواء الوسواس كثرة التعوذ بالله من الشيطان الرجيم ولاسيما قراءة المعوذتين، فإنه ما استعاذ مستعيذ بمثلهما قُلْ أَعُوذُ بِرَبِّ الْفَلَقِ * مِنْ شَرِّ مَا خَلَقَ [الفلق:1-2] وأول ما يدخل في ذلك شر الشيطان؛ لأنه من مخلوقات الله، وفي سورة الناس: قُلْ أَعُوذُ بِرَبِّ النَّاسِ * مَلِكِ النَّاسِ * إِلَهِ النَّاسِ * مِنْ شَرِّ الْوَسْوَاسِ الْخَنَّاسِ [الناس:1-4].

    فدواء ذلك بكثرة التعوذ بالله من الشيطان الرجيم، واللجوء إلى الله تبارك وتعالى، والعزيمة الصادقة، بحيث لا يلتفت الإنسان لما يرد على قلبه من الوساوس.

    مثلاً توضأ مرة واحدة أو مرتين أو ثلاثاً فلا تلتفت إلى وسوسة الشيطان، حتى لو شعر الإنسان في نفسه أنه لم يتوضأ مثلاً، أو أنه أهمل شيئاً من أعضائه، أو أنه لم ينو فلا يلتفت لهذا الشيء.

    وكذلك لو أنه في صلاته شعر أو وقع في نفسه أنه لم يكبر للإحرام لا يلتفت لذلك، يمضي في صلاته يكملها، وكذلك -أيضاً- لو خطر في قلبه ما ذكر من سب الله عز وجل أو سب المصحف أو غير ذلك من الكفر فلا يلتفت لهذا ولا يضره، حتى لو فرض أنه جرى على لسانه هذا الشيء وهو بغير اختيار فلا شيء عليه؛ لأن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (لا طلاق في إغلاق) فإذا كان طلاق الموسوس لا يقع؛ فهذا أولى بالعفو، لكن يعرض عن هذا، ولا يهتم به.

    فوصيتي لهذه ولغيرها -ممن ابتلي بذلك-: الإكثار من الاستعاذة بالله من الشيطان الرجيم، ومن قراءة السورتين العظيمتين: قُلْ أَعُوذُ بِرَبِّ الْفَلَقِ [الفلق:1] وقُلْ أَعُوذُ بِرَبِّ النَّاسِ [الناس:1] ومن العزيمة الصادقة وعدم الالتفات إلى تلك الوساوس الشيطانية.

    ولو أوقع الشيطان في قلبه التشكيك في الله، أو ما أشبه ذلك؛ لا يهمه؛ لأنه ما تألم من هذا الشك إلا لإيمان في قلبه، فغير المؤمن لا يهمه شك أو لم يشك؛ لكن الذي يتألم من هذه الشكوك والوساوس مؤمن، وقد قال النبي صلى الله عليه وسلم للصحابة: (ذلك صريح الإيمان) يعني: أن ما يلقي الشيطان في قلوبكم من مثل هذه الأمور صريح الإيمان -أي: خالصه- جعله من خالص الإيمان مع أن الشك يرد على القلب؛ لأن هذا الذي ورد على قلبه الشك لا يطمئن لهذا الشك ولا يلتفت إليه ويتألم منه ولا يريده، والشيطان لا يأتي إلا القلوب العامرة حتى يدمرها، فالقلوب الدامرة لا يأتيها؛ لأنها دامرة، قيل لـابن عباس أو ابن مسعود: إن اليهود يقولون نحن لا نوسوس في صلاتنا. قال: [نعم. وما يفعل الشيطان بقلب خراب؟!].

    فوصيتي لها -وأرجو أن تبلغها أو تشتري لها الشريط لتسمعه- أن تعرض عن هذا كله، وهي سوف تتألم أول ما تعمل هذا العمل، سوف ترى أنها صلت بغير طهارة، أو صلت بغير تكبيرة الإحرام، أو ما أشبه ذلك؛ ولكنها سوف تستريح بعد ذلك، ويزول عنها الشك والوسواس بإذن الله.

    والحمد لله هناك أناس شكوا هذه الشكوى، وبلغوا بما ينبغي أن يقاوموها به؛ فعافاهم الله منها، نسأل الله لها العافية.

    الجمع بين ترك طلب الدعاء من الغير، وطلب عمر من أويس أن يدعو له

    السؤال: فضيلة الشيخ! هل في طلب الإنسان من غيره ممن يرى على ظاهره الصلاح أن يدعو له بظهر الغيب، هل في ذلك ضعف في توكل ذلك الشخص الطالب للدعاء؟ وإن كان كذلك فما توجيهكم في طلب عمر من أويس القرني الدعاء له مع أن عمر أفضل من أويس؟

    الجواب: طلب الإنسان من غيره أن يدعو له لو لم يكن فيه إلا أنه سأل الناس، وقد كان من مبايعات الرسول صلى الله عليه وسلم لأصحابه: ألا يسألوا الناس شيئاً. و(شيئاً) نكرة في سياق النفي تعم كل شيء، هذه هي القاعدة الأصولية، حتى كان عصا أحدهم يسقط منه وهو على راحلته فينـزل ويأخذه لا يقول لأحد: ناولني العصا؛ لأنهم بايعوا النبي صلى الله عليه وسلم ألا يسألوا الناس شيئاً، لو لم يكن فيه إلا هذا لكفى، لكن ربما يكون في قلب الإنسان احتقارٌ لنفسه وسوء ظنٍ فيسأل غيره، فيقال: يا أخي! أحسن الظن بالله عز وجل.

    وأنت إذا كنت لست أهلاً لقبول الدعاء، فإن دعاء غيرك لا ينفعك، فعليك أن تحسن الظن بالله، ولا تجعل واسطة بينك وبين الله يدعو لك؛ ادع ربك أنت، فالله عز وجل يقول: ادْعُوا رَبَّكُمْ تَضَرُّعاً وَخُفْيَةً [الأعراف:55] فنفس دعائك لله عبادة، فكيف تفوت على نفسك هذه العبادة العظيمة؟ وكذلك فإن بعض الناس إذا طلب من شخص يظهر فيه الصلاح أن يدعو له فإنه ربما يعتمد على دعائه هذا ولا يدعو لنفسه أبداً، ثم إن فيه -أيضاً- مسألة ثالثة: وهي أنه ربما يحصل للذي طلب منه الدعاء غرور بنفسه، وأنه أهل لأن يطلب منه الدعاء. لكن شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله قال: إذا طلبت من أخيك الدعاء -تريد بذلك نفعه بإحسانه إليك، أو نفعه إذا دعا لك بظهر الغيب- إن الملك يقول: آمين، ولك بمثله. فهذا لا بأس به، أما إذا أردت مجرد انتفاعك أنت فقط؛ فهذا من المسألة المذمومة.

    أما ما ذكرت من طلب عمر رضي الله عنه من أويس أن يدعو له رضي الله عنه فهذا بأمر النبي صلى الله عليه وسلم وهو خاص بالرجل، ولهذا لم يطلب من عمر أو غيره أن يقول لـأبي بكر رضي الله عنه: ادع الله لنا، وأبو بكر أفضل من عمر، وأفضل من أويس، وأفضل من بقية الصحابة، لكن هذا خاص بهذا الرجل الذي حث النبي صلى الله عليه وسلم ممن أدركه أن يقول له: ادع الله لي، والمسائل الخاصة لا تتعدى محلها.

    كيفية صلاة الاستسقاء لمن فاتته، وبيان الوقت الذي يكون فيه الدعاء

    السؤال: بالنسبة للذي لم يدرك صلاة الاستسقاء، لو قلنا أن يصلي ما فاته، فهل يدعو قبل السلام أو بعد السلام؟ وهل يصليها كبقية النوافل في البيت مثلاً؟

    الجواب: إذا قلنا بقضائها، وأنا قلت لا أعلم في هذا أثراً عن الرسول صلى الله عليه وسلم ولكن إذا قضاها فهي صلاة نافلة، لكن يقضيها على صفة ما فعلها الإمام.

    أما الدعاء فيدعو في أثناء الصلاة؛ لأن الإمام يدعو بعد الصلاة أن يوجهوا الناس في الخطبة فلذلك يدعو بعد الصلاة، لكن هذا الرجل ليس عنده من يخطب فيه، فالمختار أن يدعو أثناء الصلاة.

    نسخ القرآن بالسنة

    السؤال: فضيلة الشيخ: في شأن النسخ، هل نسخ شيء من القرآن بالسنة؟

    الجواب: لا أعلم شيئاً من القرآن نسخ بالسنة إلا مسألة اللوطي -نسأل الله العافية- فإن الله تعالى قال في القرآن: وَالَّذَانِ يَأْتِيَانِهَا مِنْكُمْ فَآذُوهُمَا فَإِنْ تَابَا وَأَصْلَحَا فَأَعْرِضُوا عَنْهُمَا إِنَّ اللَّهَ كَانَ تَوَّاباً رَحِيماً [النساء:16] فهذه الآية تدل على أن الفاعلين يؤذيان حتى يتوبا ويصلحان، فجاءت السنة: (من وجدتموه يعمل عمل قوم لوط فاقتلوا الفاعل والمفعول به) فهذا يستدل به على أن السنة تنسخ القرآن.

    وعمل قوم لوط أكبر من الزنا -والعياذ بالله- وأفحش، والدليل على هذا أن الله قال في القرآن: وَلا تَقْرَبُوا الزِّنَى إِنَّهُ كَانَ فَاحِشَةً [الإسراء:32] أي: فاحشة من الفواحش، وأما اللواط فقد قال لوط لقومه: أَتَأْتُونَ الْفَاحِشَةَ [الأعراف:80] أي: الفاحشة العظمى الكبرى، ولهذا دخلت عليها (أل) فكان اللواط أعظم من الزنا، ويدل على هذا أن الله سبحانه وتعالى بعث رسولاً برسالة تامة لينذر من هذه الفعلة الشنيعة، وأن الله أهلك فاعلي هذه الفعلة الشنيعة بصفة عامة، فدل ذلك على أن اللواط أعظم من الزنا، ولهذا يجب على ولي الأمر إذا ثبت اللواط بين اثنين وكلاهما بالغ عاقل، ولم يكره أحد منهما يجب عليه أن يقتلهما امتثالاً لأمر النبي صلى الله عليه وسلم، ودرءاً لهذه المفسدة القبيحة والفاحشة الشنيعة نسأل الله العافية.

    هذا الذي يحضرني بعد التتبع من نسخ القرآن بالسنة.

    وأما من قال: إن قول الله تعالى: كُتِبَ عَلَيْكُمْ إِذَا حَضَرَ أَحَدَكُمُ الْمَوْتُ إِنْ تَرَكَ خَيْراً الْوَصِيَّةُ لِلْوَالِدَيْنِ وَالْأَقْرَبِينَ بِالْمَعْرُوفِ حَقّاً عَلَى الْمُتَّقِينَ [البقرة:180] منسوخ بقوله صلى الله عله وسلم: (لا وصية لوارث) فهذا قول لا يصح:

    أولاً: لأن الحديث ليس فيه نسخ بل فيه التخصيص؛ لأن الآية فيها الأمر بالوصية للأقربين، وهذا يعم الوارث وغير الوارث، ثم رفع الحكم عن الوارث فقط، وهذا تخصيص لا نسخ؛ لأن النسخ رفع الحكم كله، لا رفع الحكم عن بعض أفراد العموم.

    ثانياً: أن الحديث مبين للناسخ وليس ناسخاً؛ لأن الرسول صلى الله عليه وسلم قال: (إن الله أعطى كل ذي حق حقه فلا وصية لوارث) وهذا يدل على أن النبي صلى الله عليه وسلم بين أن الله تعالى قسم الميراث وأعطى كل ذي حق حقه، فلا وصية بعد هذا التقسيم لوارث.

    لكن ليكن معلوماً لديك أنه حتى وإن لم يوجد مثال يسلم من المعارضة؛ فإن السنة إذا صحت عن النبي صلى الله عليه وسلم فهي بمنزلة القرآن، يجب العمل بما فيها، وتصديق خبرها.

    كيفية قضاء من فاتته ركعة في صلاة الاستسقاء

    السؤال: بالنسبة لصلاة الاستسقاء: لو فاتته الركعة الأولى، هل يكملها على أنها الثانية أو على أنها الأولى؟

    الجواب: هذه المسألة مبنية على خلاف مشهور، هل ما يقضيه المأموم المسبوق أول صلاته أو آخر صلاته؟ والصحيح أن ما يقضيه هو آخر صلاته لقول النبي صلى الله عليه وسلم: (وما فاتكم فأتموا) ويظهر الخلاف فيما لو أدرك الإنسان في صلاة الظهر الركعتين الأخريين وقام يقضي فهل يقرأ مع الفاتحة شيئاً؟

    إن قلنا: إن ما يقضيه أول صلاته، قرأ بعد الفاتحة ما تيسر من القرآن، وإذا قلنا: إنه آخر صلاته لم يقرأ، والصحيح أنه آخر صلاته؛ لقوله صلى الله عليه وسلم: (وما فاتكم فأتموا) ولأن الإنسان إذا أدرك ركعة من صلاة المغرب فإنه يتشهد التشهد الأول بعد الركعة الأولى التي يقضيها، ولو كان أول صلاته لم يتشهد، لقلنا له: صل الركعتين اللتين تقضيهما بدون تشهد إلا الأخيرة، وبناءً على ذلك إذا أدرك الركعة الثانية في صلاة الاستسقاء أو العيد، ثم قام يقضي؛ فإنه لا يكبر في الثانية التي يقضيها إلا خمس مرات فقط.

    الفرق بين موالاة الكفار وتوليهم

    السؤال: فضيلة الشيخ! ما هو الفرق بين موالاة الكفار وتوليهم؟

    الجواب: الموالاة معناها: المناصرة والمساعدة على أمورهم الكفرية، ومن ذلك أن يقاتل المسلمون مع الكفار؛ يعني: مثلاً يقوم الكفار بغزو بلد من البلدان الإسلامية، فيتولاهم هذا المسلم، وينصرهم، ويساعدهم على هذه البلدة في القتال، سواءً بالسلاح، أو بإمدادهم بأي شيء يساعدهم على قتال المسلمين، هذا من موالاتهم، وهو -أيضاً- من توليهم، فإن الموالاة والتولي يراد بها هنا المناصرة وأن يكون يداً معهم على المسلمين.

    وأما الاستعانة بهم فهذا يرجع إلى المصلحة، وإن كان في ذلك مصلحة؛ فلا بأس، بشرط أن نخاف من شرهم وغائلتهم، وألا يخدعونا، وإن لم يكن في ذلك مصلحة؛ فلا يجوز الاستعانة بهم؛ لأنهم لا خير فيهم.

    حكم استعمال بعض الطبول فيما يستعمل فيه الدف

    السؤال: فضيلة الشيخ! هناك نوع من الطبول يكون مغطى من جهة، والجهة الثانية يكون مغطى معظمه إلا فتحة صغيرة، فهل يلحق هذا بالدف؟

    الجواب: هذا -سلمك الله- يلحق بالطبل، وربما يكون أشد؛ لأن الفتحة اليسيرة تجعل الصوت يخرج من هذه الفتحة اليسيرة ويحصل له صفير وصوت أبلغ مما لو كان مختوماً كله أو مفتوحاً كله، فلا يجوز أن يستعمل هذا فيما يستعمل فيه الدف؛ لأن الدف أهون بلا شك من هذا، هذا يعطي صوتاً رناناً وسبباً للنشوة والطرب أكثر.

    معنى: (اقرأ وارق ورتل ...)

    السؤال: الله سبحانه وتعالى يقول لصاحب القرآن: (اقرأ وارق ورتل..) الحديث، هل المقصود بالقراءة: النظر أم الحفظ؟

    الجواب: النصوص الواردة في فضل تلاوة القرآن تشمل تلاوته نظراً وتلاوته حفظاً؛ لأن النبي صلى الله عليه وسلم لو أراد الحفظ فقط لقال: من قرأ عن ظهر قلب، فلما لم يقيده فإن الواجب إطلاقه، وأن نقول: من قرأ من المصحف أو عن ظهر قلب فإنه ينال الأجر الثابت لتالي القرآن.

    حكم العباءات ذات الأكمام الضيقة أو الشفافة

    السؤال: ظهر في الآونة الأخيرة عند النساء أكمام للعباءات ضيقة، ويكون حول هذا الكم تطريز أو نحوه، كذلك بعض العباءات يكون الطرف الأخير من الكم شفافاً، ما توجيهكم حول هذه الأشياء؟

    الجواب: نحن نقول: لدينا قاعدة مهمة، وهي أن الأصل في اللباس والطعام والشراب والمعاملات الأصل فيها الحل، وأنها حلال، ولا يحل لأحد أن يحرم منها إلا ما دل النص على تحريمه، فإذا علمنا هذه القاعدة وهي قاعدة دل عليها كتاب الله وسنة رسوله صلى الله عليه وسلم، فقد قال الله تعالى: هُوَ الَّذِي خَلَقَ لَكُمْ مَا فِي الْأَرْضِ جَمِيعاً [البقرة:29] وقال: قُلْ مَنْ حَرَّمَ زِينَةَ اللَّهِ الَّتِي أَخْرَجَ لِعِبَادِهِ وَالطَّيِّبَاتِ مِنَ الرِّزْقِ [الأعراف:32] وقال: وَأَحَلَّ اللَّهُ الْبَيْعَ وَحَرَّمَ الرِّبا [البقرة:275].

    فكل شيء لم يحرمه الله من هذه الأمور فهو حلال، هذا هو الأصل إلا إذا جاء الشرع بتحريمه كتحريم الذهب على الرجال، وتحريم الحرير على الرجال، إلا ما استثنى منه، وتحريم إسبال الإزار والسروال والقميص والعباءة للرجال، وما أشبه ذلك، فإذا طبقنا هذه المسألة التي حدثت أخيراً وهي العباءات الجديدة على هذه القاعدة قلنا: الأصل أنها حلال، إلا إذا كان في ذلك لفت نظر أو فتنة، لكونها مطرزة على وجه يلفت النظر، فحينئذ نمنعها لا لذاتها، ولكن لما يترتب عليها من الفتنة، وكذلك لو فرض أن النساء صنعن عباءات على شكل عباءات الرجال فإنهن يُمنعن من ذلك؛ لأن النبي صلى الله عليه وسلم لعن المتشبهات من النساء بالرجال، والمتشبهين من الرجال بالنساء، فهذه العباءات نقول: الأصل فيها الحل ما لم نعلم سبباً للفتنة أو لفت النظر، فتمنع حينئذ.

    السائل: فضيلة الشيخ! هل للمدرسة أن تمنع البنات من لبس مثل هذه العباءات؟

    الشيخ: لابد أن نعرف هل هذا حرام أم حلال؟ فإذا كان حراماً؛ فالواجب أنه يبلغ مدير التعليم أو على الأقل مديرة المدرسة حتى تكون المسألة عامة؛ لأنه ربما هذه المدرسة تمنع، والمدرسة الأخرى لا تمنع، ثم يحصل النزاع.

    ولذلك فإني أنصح الإخوان جميعاً بأن الأمور المشتركة لا ينبغي أن ينفرد بالحكم فيها شخص واحد من هؤلاء المشتركين، بل الأولى أن يؤتى من الأصل، ويكون الأمر من أعلى، ولهذا دائماً يسألنا بعض الأحيان بعض الإخوان من العسكر أو غيرهم عن أشياء هي محرمة وليس عندنا فيها إشكال، لكن نخشى أن نعطيهم فتوى مكتوبة محررة تكون سبباً للنزاع فيما بينهم؛ لأنه قد يأتي إنسان ويقول: هذا ليس بحرام، أو يسأل أحداً ليس عنده علم أو متساهل فيفتيه بأنه ليس فيه بأس، ثم يحصل في هذا نزاع، فمثل هذه الأمور يجب التنبه لها، وأن يكون الأمر ممن له السلطة على هذه المجموعة، فإذا كان من هؤلاء الطالبات من تتساهل في اللباس أو تأتي باللباس المحرم فإنه ينبغي أن يُتصل بمديرة المدرسة، فإن كانت المديرة لها القول في هذا قالت، وإن لم يكن عرض الأمر على إدارة التعليم.

    حكم استخدام حبوب منع الحمل

    السؤال: فضيلة الشيخ! تقول بعض النساء: إني أريد أن آخذ حبوب منع الحمل حتى يتم ولدي الرضاع، فهل عليَّ محظور في ذلك؟

    الجواب: أولاً: بارك الله فيك! حبوب منع الحمل بلغني من عدة جهات من الأطباء أنها ضارة، وهذا وإن لم نعلمه من جهة الأطباء فنحن نعلمه من جهة أنفسنا؛ لأن منع الشيء الطبيعي الذي خلقه الله عز وجل وكتبه على بنات آدم لا شك أنه ضرر، فالله عز وجل حكيم، ما جعل هذا الدم الذي تفرزه العروق في وقت معين بصفة معينة إلا لحكمة، فكوننا نمنعه بهذه العقاقير ضرر بلا شك، لكني بلغني أن الأمر أكثر مما نتصور، وأنه قد يكون سبباً لفساد الرحم، وسبباً لتشويه خلقة الجنين، وسبباً لأمراض الأعصاب، وكل هذا يوجب الحذر منه.

    وهنا طرق لمنع الحمل أسهل من هذا، لكن يبقى على النظر في المرتبة الثانية أو الدرجة الثانية، هل من المستحسن أن نقلل الحمل؟

    الجواب: لا. كلما كثر النسل فهو أفضل؛ لاسيما أننا الآن في وقت يجب أن نكثر من نسل الأمة السلفية حتى تكون قادرة على مواجهة أعدائها، فالمسألة لا ينظر إليها من زاوية الدنيا فقط، والله إن الإنسان يخشى من الرفاهية التي تخالف الشرع أن يقال فيه يوم القيامة: إِنَّهُمْ كَانُوا قَبْلَ ذَلِكَ مُتْرَفِينَ [الواقعة:45].

    لا تظنوا أن كل شيء هو الراحة في الدنيا، الدنيا متاع، والمرأة لابد أن تتعب حَمَلَتْهُ أُمُّهُ كُرْهاً وَوَضَعَتْهُ كُرْهاً [الأحقاف:15]... حَمَلَتْهُ أُمُّهُ وَهْناً عَلَى وَهْنٍ [لقمان:14] فلا أرى أن نقلل من النسل أبداً، بل نصبر ونحتسب، والله عز وجل يعين الإنسان على قدر مئونته، لكن أحياناً تكون المرأة مريضة لا تتحمل الحمل كل سنة؛ فحينئذ لا بأس بمنع الحمل كل سنة؛ إما عن طريق العزل الذي كان عليه الصحابة، وإما عن طريق آخر بمراجعة الأطباء، ثم ليس للمرأة أن تستعمل ما يمنع الحمل مطلقاً إلا بموافقة الزوج؛ لأن الزوج له حق في الأولاد.

    وصلى الله وبارك على نبينا محمد وعلى آله وصحبه وسلم.

    مكتبتك الصوتية

    البث المباشر

    المزيد

    من الفعاليات والمحاضرات الأرشيفية من خدمة البث المباشر

    عدد مرات الاستماع

    2994225842

    عدد مرات الحفظ

    717486579