إسلام ويب

الصوتيات

  1. الصوتيات
  2. محاضرات مفرغة
  3. سعيد بن مسفر
  4. من أسباب عذاب القبر
  5. من أسباب عذاب القبر .. الديون والنياحة [11]

من أسباب عذاب القبر .. الديون والنياحة [11]للشيخ : سعيد بن مسفر

  •  التفريغ النصي الكامل
  • الدّيْن من الأسباب المؤدية إلى عذاب الميت في القبر، إذ إن الدين هو من حقوق العباد، والله عز وجل لا يتجاوز عن العباد حتى يأخذ لكل صاحب حق حقه من الآخر. أما النياحة التي تعد من صفات الجاهلية فهي أيضاً من أسباب عذاب القبر، فإن شرها لا يقتصر على الميت فقط، بل ويمتد إلى الحي الذي يتعرض لسخط الله؛ لأن النياحة هي تعبير عن الجزع من أقدار الله عز وجل.

    1.   

    الاعتصام بالقرآن والإيمان نجاة من عذاب القبر

    إن الحمد لله، نحمده ونستعينه ونستهديه، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا وسيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، ونشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، ونشهد أن نبينا محمد عبده ورسوله صلى الله عليه وسلم وعلى آله وصبحه وسلم تسليماً كثيراً.

    وبعد:

    فلقد بث الله عز وجل في هذا الكون المنظور، وأنزل في كتابه الكريم المقروء، وأقام من الحجج الباهرات والدلائل الواضحات ما يقيم به الحجة على الناس بمعرفة الطريق إليه رُسُلاً مُبَشِّرِينَ وَمُنْذِرِينَ لِئَلَّا يَكُونَ لِلنَّاسِ عَلَى اللَّهِ حُجَّةٌ بَعْدَ الرُّسُلِ [النساء:165].

    بصائر الله حجج على عباده

    بصائر وأنوار وهدايات لكن لا يراها إلا أهل الإيمان، وأهل العيون التي فتحها الله عز وجل على نوره وهدايته.

    الحق شمس والعيون نواظر     لكنها تخفى على العميان

    الأعمى لا يرى الشمس، ولا يضر الشمس عدم رؤية الأعمى لها، ليس عيباً في الشمس ألا يراها الأعمى، فهي شمس يستفيد منها العالمين وإن لم يرها الأعمى.

    الحق شمس والعيون نواظر     لكنها تخفى على العميان

    ويقول الآخر:

    قد تنكر العين ضوء الشمس من رمد     وينكر الفم طعم الماء من سقم

    هذه البصائر يقول فيها الله عز وجل في سورة الأنعام: قَدْ جَاءَكُمْ بَصَائِرُ مِنْ رَبِّكُمْ [الأنعام:104] أي: قد قامت عليكم الحجج، ووصلتكم البراهين، فهي بصائر، وليست بصيرة واحدة.

    أولاً: فطركم الله على الإيمان، يقول الله عز وجل: فِطْرَتَ اللَّهِ الَّتِي فَطَرَ النَّاسَ عَلَيْهَا [الروم:30].

    تركيبة الإنسان تركيبة تتلاءم مع هذا الدين، ولهذا يقول أحد السلف : من تأمل خلقة الإنسان يرى أنه مفصل للعبادة. أي: للركوع والسجود والقيام والقعود، كل هذه التفصيلات لتتلاءم وتتوافق مع عملية العبادة التي شرعها الله في هذا الدين.

    فالله فطركم على الإيمان، ودائماً الإنسان إذا لبس اللباس المفصل على قدره يرتاح فيه، فالله فطر الإنسان وخلقه وهو الذي شرع هذا الدين وأنزله، فكأن هذا الدين لباس مصمم على مقاسات هذه الفطرة وهذا الإنسان، فإذا لبس الإنسان لباس الفطرة وهو الإسلام عاش سعيداً، وإذا لبس لباساً ليس له لا شك أنه يتضايق، مثاله لو لبست حذاءً ورجلك مقاسها [43] ولبست [40] هل ستشعر بضيق وعدم راحة؟ بدون شك ستشعر بعدم راحة؛ لأن رجلك ستكون محصورة ومتضايقة، أو لبست حذاء مقاس [47] فلا تستطيع أن تمشي لأنك تخبط فيها، لماذا؟ لأنك أعطيت رجلك غير المقاس الذي يصلح لها.

    وكذلك اليوم الناس حينما يرفضون دين الله وشريعته وهدايته وكأنهم يلبسون ألبسة ليست مفصلة على حجمهم، فلا يسعدون أبداً، بل يعيشون في عذاب وضيق، ولكن الفطرة التي فطر الله عز وجل الناس عليها، يقول الله عز وجل: أَلا يَعْلَمُ مَنْ خَلَقَ وَهُوَ اللَّطِيفُ الْخَبِيرُ [الملك:14] بلى، يعلم تبارك وتعالى هذه الخلقة، والتركيبة، والفطرة التي فطر الناس عليها، يوائمها ويوافقها ويناسبها هذا الدين، فإذا جاء الدين وفق هذه الفطرة استراح الإنسان، وشعر بالسعادة والأنس والأمن والطمأنينة في الدنيا والجزاء العظيم في الآخرة بإذن الله، وإذا أعطاها لباساً غير لباسها لا يصلح، ولو حاول أن يغالط نفسه، مهما كان هذا اللباس، من دنيا، أو الملايين لا يشعر الناس بالسعادة؟ لأنهم يموتون بالعذاب، فهذه الملايين تكون سبباً في موتهم، يقول الله عز وجل: فَلا تُعْجِبْكَ أَمْوَالُهُمْ وَلا أَوْلادُهُمْ إِنَّمَا يُرِيدُ اللَّهُ لِيُعَذِّبَهُمْ بِهَا [التوبة:55] بالملايين وَتَزْهَقَ أَنْفُسُهُمْ وَهُمْ كَافِرُونَ [التوبة:55].

    هل الأولاد لباس، بدلاً من أن يعيش الإنسان لنفسه فإنه يعيش لأولاده وزوجته؟ لا. يقول الله: إِنَّ مِنْ أَزْوَاجِكُمْ وَأَوْلادِكُمْ عَدُوّاً لَكُمْ فَاحْذَرُوهُمْ [التغابن:14] .. إِنَّمَا أَمْوَالُكُمْ وَأَوْلادُكُمْ فِتْنَةٌ [التغابن:15] فما هو البديل؟ هل المناصب أو الإمارة والجاه والسلطة بديل؟ لا، ليست ببديل، ربما تكون هذه سبيل عذاب على الإنسان في الدنيا قبل الآخرة.

    إذاً: ما هو البديل الصحيح؟

    إنه الإيمان والدين، فهذه بصيرة وهداية، بعد ذلك نزل الله كتاباً، وأرسل رسلاً، وجعل في الكون دلالات عليه، من أصغر جزء في المادة وهي الذرة، إلى أكبر جزء في الدنيا وهي المجرة، كلها دلالات على الله.

    وفي كل شيء له آية     تدل على أنه الواحد

    هذا الشعر الذي ينبت في رأسك الآن، لماذا شعر رأسك هذا ينبت ويطول، وشعر حاجبيك هذا يقف عند حد معين من علم الشعرة أن تقف عند حد معين؟ ومن علم الشعر أنها تطول إلى حد معين؟ من علم الشعرة التي في الأجفان أن تصل إلى هذه المرتبة واحد سنتيمتر أو سنتيمتر إلا ربع أو نصف سنتيمتر وتقف، لو امتد شعر عيونك وصار طويلاً، ما رأيك كيف تكون؟ لا تستطيع أن تعيش.

    إذاً: من هدى هذه الشعرة وعلمها أن تصل إلى هذا المستوى وتقف، وهذا الشعر يطول إلى مستوى أبعد من ذلك من هو؟ إنه الله الَّذِي أَعْطَى كُلَّ شَيْءٍ خَلْقَهُ ثُمَّ هَدَى [طه:50].

    من الذي هدى هذه الأسنان، الأسنان التي تصعد وتنشأ في الفك العلوي وتنزل إلى تحت، لماذا لم تطلع إلى فوق، ومن الذي علم الأسنان في الفك السفلي أن تطلع إلى فوق؟ وبعد ذلك من علم هذا السن أنه يستمر في النمو إلى درجة معينة ويتوقف، فلا يطلع أبداً ولا يزيد هذا على هذا، كلها سواء، ما رأيك لو بقي السن على كيفه -مثل ما يقولون: إن الطبيعة خلقته- وطلع السن واستمر في النزول إلى أن يصبح السن في بطنك، والسن الثاني في رأسك، كيف تفعل؟ تظل تنشر أسنانك كل يوم، وكلما نشرته نبت لك سن، لا إله إلا الله!

    من علم السن هذا أنه ينبت، لا تطلع ثنية إلا وتحتها ثنية، وبعد ذلك ناب ويطلع تحته ناب، وبعد ذلك ضرس وتحته ضرس، لماذا؟ من أجل أن تستفيد منها، إذ لو طلع لك فوق الضرس وتحته ناب لا تستطيع أن تطحن الطعام، بل تخرب فقط ولا يطحن طعاماً أبداً، لو طلع من فوق قاطع -وهو الثنية- وتحتها ضرس تذهب لتقطع لا يمكن، لكن هذه تقطع وهذه تخرق وهذه تطحن، وبعد ذلك هذا الفك متقدم، ولذلك عندما تنظر إلى سنك تجد أن الفك متقدم على الثاني، لماذا؟ من أجل أن تقص مثل المقص، المقص يجب أن يختلف حداه، لو جئت إلى المقص وتركت السنتين سواء فإنه لا يقص.

    وأوجد لك داخل هذا الفم هذا اللسان مثل المحرك، يأخذ الطعام ويقلبه ويطلعه وينزله، وهنا غدد تفرز اللعاب على الطعام بقدر الطعام، ولا يمكن لأحد أبداً أن يعض لسانه، كم لك تأكل من يوم خلقت؟ هل جاء يوم من الأيام -لعله نادر- غلطت بسبب نهم منك أو جشع، أو أكثرت من الأكل فعضيت لسانك، فإذا عضيته قلت: آه، ولا تذوق الزاد ذلك اليوم.

    فما رأيك لو أنك كلما أكلت لقمة عضيت لسانك، لكان لسانك قد تقطع، من علم اللسان أن يتحرك هذه الحركة، ويمضغ ويبلع ويهضم ويقضم ولا يعضه سن؟ إنه الله الذي لا إله إلا هو، كل شيء في الكون لو تفكرت فيه لوجدت أن فيه دلالة على الله عز وجل: قَدْ جَاءَكُمْ بَصَائِرُ مِنْ رَبِّكُمْ [الأنعام:104].

    وجوب الاكتفاء بالكتاب والسنة في التشريع

    هذا القرآن مملوء بالبصائر، من أول آية بدأ فيه التحدي الم * ذَلِكَ الْكِتَابُ لا رَيْبَ فِيهِ [البقرة:1-2] لا يوجد إنسان في الدنيا، يؤلف كتاباً ويظل فيه أعواماً حتى يتمه إلا ويقول: نعتذر على التقصير، ونرجو من القارئ الكريم أن يغض الطرف عن الخلل، وإذا لاحظ شيئاً فعليه أن ينبهنا، فإن أحسنت فمن الله وإن أخطأت فمني ومن الشيطان، هذا كله جهد البشر.

    أما كتاب الله فيقول الله فيه من أول آية من القرآن: الم * ذَلِكَ الْكِتَابُ لا رَيْبَ فِيهِ [البقرة:2] ليس فيه شك، تحدٍ صارخ لا شك فيه أبداً، وهاهو القرآن منذ ألف وأربعمائة سنة إلى يومنا هذا، وسيبقى إلى أن يرث الله الأرض ومن عليها، ولا يوجد فيه أبداً آية تعارض الأخرى، يقول الله عز وجل: وَلَوْ كَانَ مِنْ عِنْدِ غَيْرِ اللَّهِ لَوَجَدُوا فِيهِ اخْتِلافاً كَثِيراً [النساء:82].

    الآن الأمم والدول تشرع تضع أنظمة وقوانين على مستويات كثيرة، ولكن لا يمر على التطبيق سنة، إلا ويدخلون تحسينات، وتعديلات، وتفسيرات، والمقصود من المادة كذا وكذا، والمقصود من الباب كذا، لماذا؟ لأنه من خلال التطبيق يتضح الخطأ، لكن من تطبيق كلام الله في حياة البشر لم يتضح ولن يتضح، يقول الله عز وجل: قُلْ لَئِنِ اجْتَمَعَتِ الْأِنْسُ وَالْجِنُّ عَلَى أَنْ يَأْتُوا بِمِثْلِ هَذَا الْقُرْآنِ لا يَأْتُونَ بِمِثْلِهِ وَلَوْ كَانَ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ ظَهِيراً [الإسراء:88].. كِتَابٌ أَنْزَلْنَاهُ إِلَيْكَ مُبَارَكٌ لِيَدَّبَّرُوا آيَاتِهِ [ص:29] كتاب لا يَأْتِيهِ الْبَاطِلُ مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ وَلا مِنْ خَلْفِهِ تَنْزِيلٌ مِنْ حَكِيمٍ حَمِيدٍ [فصلت:42].

    ولهذا رب العالمين يقول للناس: أَوَلَمْ يَكْفِهِمْ يخاطب النبي صلى الله عليه وسلم أَوَلَمْ يَكْفِهِمْ أَنَّا أَنْزَلْنَا عَلَيْكَ الْكِتَابَ يُتْلَى عَلَيْهِمْ [العنكبوت:51] وهو دليل واضح على صدق رسول الله صلى الله عليه وسلم، كتاب كريم، مائة وأربعة عشر سورة، اشتمل على جميع ما في الأرض (فيه خبر ما قبلكم، وحكم ما بينكم، ونبأ ما بعدكم، هو الفصل ليس بالهزل، ما تركه من جبار إلا قصمه الله) هذا واقع، ومن ابتغى الهدى من غيره أضله الله (هو حبل الله المتين، والذكر الحكيم، والصراط المستقيم، من قال به صدق، ومن حكم به عدل، ومن دعا إليه هدي إلى صراط مستقيم) هذا الكتاب العظيم الذي جاء به الرسول صلى الله عليه وسلم، يقول فيه الإمام الصنعاني في بائيته :

    أما آن عما أنت فيه متاب     وهل لك من البعاد إياب

    تقضت بك الأعمار في غير طاعة     سوى أمل ترضاه وهو وسراب

    ثم قال:

    ولم يبق للراجي سلامة دينه     سوى عزلة فيها الجليس كتاب

    كتاب حوى كل العلوم وكل ما     حواه من العلم الشريف صواب

    فإن رمت تاريخاً رأيت عجائبا     ترى آدماً مذ كان وهو تراب

    وشاهدت قابيل قتيل شقيقه     يواريه لما أن أراه غراب

    ثم قال بعدها:

    ففيه الدواء من كل داء فثق به     فوالله ما عنه ينوب كتاب

    جزاء الاعتصام بكتاب الله وعاقبة العمى عنه

    يقول الله: وَمَنْ يَعْتَصِمْ بِاللَّهِ فَقَدْ هُدِيَ إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ [آل عمران:101] هذه دلائل واضحة، لكن هذه الدلالات من يستفيد منها؟ أهل الأبصار والعيون، أما الأعمى يقول الله عز وجل فيه: وَإِذَا مَا أُنْزِلَتْ سُورَةٌ فَمِنْهُمْ مَنْ يَقُولُ أَيُّكُمْ زَادَتْهُ هَذِهِ إِيمَاناً فَأَمَّا الَّذِينَ آمَنُوا فَزَادَتْهُمْ إِيمَاناً وَهُمْ يَسْتَبْشِرُونَ * وَأَمَّا الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ فَزَادَتْهُمْ رِجْساً إِلَى رِجْسِهِمْ وَمَاتُوا وَهُمْ كَافِرُونَ [التوبة:124-125] -والعياذ بالله- قُلْ هُوَ لِلَّذِينَ آمَنُوا هُدىً وَشِفَاءٌ وَالَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ فِي آذَانِهِمْ وَقْرٌ [فصلت:44] أي: مخرقة لا يسمعون وَهُوَ عَلَيْهِمْ عَمىً [فصلت:44] نعوذ بالله أن يكون علينا القرآن عمى فَإِنَّهَا لا تَعْمَى الْأَبْصَارُ وَلَكِنْ تَعْمَى الْقُلُوبُ الَّتِي فِي الصُّدُورِ [الحج:46].. قَدْ جَاءَكُمْ بَصَائِرُ مِنْ رَبِّكُمْ فَمَنْ أَبْصَرَ [الأنعام:104] الذي يفتح عينيه على الله، وعلى كتاب الله، وقلبه لدين الله، وتوجه إلى الله فَمَنْ أَبْصَرَ فَلِنَفْسِهِ [الأنعام:104] أنت لا تعمل للجماد ولا للقبيلة، وإنما تعمل لنفسك، وإذا عييت قال: وَمَنْ عَمِيَ [الأنعام:104] لم يبصر الطريق؛ لأنه كلما قيل له اسلك الطريق المستقيم قال: لا. لا يريد الله، لا يريد طريق الله عز وجل، قال: فَمَنْ أَبْصَرَ فَلِنَفْسِهِ وَمَنْ عَمِيَ فَعَلَيْهَا [الأنعام:104] دعه أعمى، ومن عاش في هذه الدنيا أعمى فهو في الآخرة أعمى، لا تتصور أنك تعيش هنا أعمى عن الدين وأن الله يفتح بصرك عليه يوم القيامة؟ لا. افتح بصرك وبصيرتك هنا على دين الله، يفتح الله بصرك وبصيرتك في الجنة إن شاء الله.

    أما أن تتعامى هنا عن الله، وتتجاهل دين الله، وتمشي على طريق الشيطان، تنظر وتسمع وتأكل وتسير في الحرام، وتبطش وتزني كل ذلك بالحرام، وتتقاعس عن الطاعات، وترفض دين الله، وبعد ذلك تريد من الله عز وجل أن يقول لك يوم القيامة: عفوت عنك، لا. كن كما يريد الله هنا يكون الله لك كما تريد هناك، كن كما لا يريد الله هنا يكون الله لك يوم القيامة كما لا تريد، والجزاء من جنس العمل، والله يكيل لك يوم القيامة بمكيالك هنا، إن وفيت يوفي لك، وإن طففت فما في الآخرة إلا ويل وَيْلٌ لِلْمُطَفِّفِينَ [المطففين:1] هذه الآية عامة، في المطففين في الماديات والمعنويات، الذي يطفف في المكيال مادياً -أيضاً- هذا يطفف عليه، والذي يطفف في مكياله في العمل الصالح -أيضاً- يطفف عليه، قال عز وجل: قَدْ جَاءَكُمْ بَصَائِرُ مِنْ رَبِّكُمْ فَمَنْ أَبْصَرَ فَلِنَفْسِهِ وَمَنْ عَمِيَ فَعَلَيْهَا وَمَا أَنَا عَلَيْكُمْ بِحَفِيظٍ [الأنعام:104].

    الحافظ لأعمالكم المسجل لخطراتكم هو الله، لستم بمفلوتين، وإنما كل شيء يحصى عليكم ويسجل، حتى الخردلة من العمل وَنَضَعُ الْمَوَازِينَ الْقِسْطَ لِيَوْمِ الْقِيَامَةِ فَلا تُظْلَمُ نَفْسٌ شَيْئاً وَإِنْ كَانَ مِثْقَالَ حَبَّةٍ مِنْ خَرْدَلٍ أَتَيْنَا بِهَا وَكَفَى بِنَا حَاسِبِينَ [الأنبياء:47] حتى مثاقيل الذر يجزي بها، يقول الله عز وجل: فَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ خَيْراً يَرَهُ * وَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ شَرّاً يَرَهُ [الزلزلة:7-8]. فلا تحسبن -يا أخي- أنك متروك، ولكنك محفوظ ومسجل، فإن حفظت حفظك الله، وإن ضيعت ضعت في الدنيا والآخرة، نعوذ بالله وإياكم من الضياع والضلال.

    ما زال الكلام متصلاً حول أسباب عذاب القبر، وقد ذكرنا في الماضي في عشر حلقات الأسباب التي ثبتت الأدلة الصحيحة عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنها تسبب لصاحبها والواقعِ فيها عذابَ القبر، أي: الفترة البرزخية الواقعة ما بين الموت إلى البعث، هذه فترة لا يعلمها إلا الله، لا نستطيع أن نتحكم فيها، ولا يقدِّر عددها إلا الله عز وجل فهو يعلمها، والناس في قبورهم إما أن يعذبوا وإما أن ينعموا، فالذين يعذبون هم الذين وقعوا في شيء من هذه الكبائر التي ذكرناها، مثل: عدم التنزه من البول، والنميمة، والربا، والزنا، والكذب، وغيرها من الجرائم التي وردت الأدلة أنها تورد الإنسان العذاب ومثل: الذي ينام عن القرآن، والصلاة المكتوبة ويهجر القرآن، هؤلاء يعذبون في قبورهم إلى أن يقوموا من قبورهم، ويكمل لهم العذاب -أعاذنا الله وإياكم من ذلك- وأيضاً هناك أناس ينجيهم الله من العذاب بأسباب تنجي من عذاب القبر، بمجرد ما يتمسك بهذه الأسباب يأتي القبر آمناً، إذا اجتنب الأسباب المعذبة وأتى بالأسباب المنجية، فإنه في قبره في روضة من رياض الجنة.

    ولهذا مر علي رضي الله عنه على المقابر فقال: [إن ظاهرها تراب، وباطنها حسرات أو عذاب] وكان يقول: [يا أهل المقابر! السلام عليكم دار قوم مؤمنين -وبعدما يسلم يقول لهم:- أما الديار فقد سكنت، وأما الأموال فقد قسمت، وأما النساء فقد تزوجت، هذه أخبارنا فما أخباركم] يقول: ليس عندنا جديد، ماذا في الدنيا من جديد؟ إذا مات الشخص ماذا يحدث لماله؟ القسمة، ولبيته؟ السكن، وزوجته أن تتزوج، هذه الأخبار الجديدة، ليس هناك جديد عليها، يقول: هل عندكم من جديد؟ ثم يسكت ويجيب عليهم ويقول: [أما والله لو تركوا -يعني: لو أرادوا أن يتكلموا وتركت لهم فرصة للكلام- لقالوا: وَتَزَوَّدُوا فَإِنَّ خَيْرَ الزَّادِ التَّقْوَى [البقرة:197]] لا تتزودوا بالمال، فالمال إذا كان من الحرام كان زاداً إلى النار -والعياذ بالله- تزودوا من طاعة الله تبارك وتعالى، فإن خير الزاد التقوى.

    1.   

    خطر الدَّين

    إن مما يحدث العذاب والحبس في القبر للميت: الدين، وهو يضر بالميت في قبره.

    حرصه صلى الله عليه وسلم على قضاء دين الميت

    عن سعد بن الأطول رضي الله عنه ( أن أخاه مات وترك ثلاثمائة درهماً، وترك عيالاً - يعني: أبناء- قال: فأردت أن أنفقها على عياله، فقال لي نبي الله صلى الله عليه وسلم: إن أخاك محبوس بدينه فاذهب فاقضِ عنه) لا تشتغل بالحي، الحي إذا جاع خرج إلى السوق وقال: أعطوني، لكن الميت من يمنعه هناك من العذاب، من يكشف قبره ويقول: خذ هذه الحسنة؟!! وبعد ذلك عذاب القبر لا أحداً يصبر عليه، لو حبسك إنسان في غرفة وأعطاك أكلاً وشراباً وطعاماً وغيرها وأنت محبوس في غرفة لضقت، فكيف بك وأنت محبوس في حفرة مظلمة محددة، أطوالها بحجمك تماماً، وإذا قيل: وسعوا له؟ قالوا: ليس معه إلا عمله، وصدقوا. والله لو وضعوه في غرفة لا يوسع عليك إلا عملك الصالح.

    وبعد ذلك فوق هذا عذاب، إذا كنت باراً بأبيك أو أخيك أو قريبك فأول شيء تفكر فيه بعد موته ديونه، اسأل، اعلن، اتصل بمن تعرف أنه يتعامل معهم، هل عليه لهم دين إما أن يسامحه، أو تتحمله، أو تقضيه إذا كان هناك شيء موجود، المهم أن تسارع في قضاء دينه.

    قال: (فاقض عنه، قال: فذهبت فقضيت عنه ثم جئت، وقلت: يا رسول الله! قد قضيت عنه إلا دينارين، ادعتهما امرأة) يقول: كل شيء قضيته إلا دينارين ادعت امرأة أن الدينارين عنده ديناً لها.

    قال: (وليست لها بينة) لم تأت بدليل ولا بينة من كتاب أو شهود، على أن لها هذين الدينارين.

    فقال صلى الله عليه وسلم: (أعطها فإنها صادقة) صلوات الله وسلامه عليه، تزكية الرسول لها بناء على الوحي، أوحي إليه بأنها صادقة في دعواها، ولهذا قال: أعطها.

    وروى البخاري في صحيحه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: (إن نفس المؤمن معلقة بدينه).ولكن بم يفسر هذا الحبس؟ ما نوع الحبس في القبر؟

    يفسره الحديث الآخر الذي ورد عن رسول الله صلى الله عليه وسلم والحديث رواه أبو داود والنسائي والحاكم والبيهقي وهو صحيح على شرط الشيخين، هذا الحديث يرويه سمرة بن جندب ، قال: (إن النبي صلى الله عليه وسلم صلَّى على جنازة، فلما انصرف قال: أهاهنا من آل فلان أحد؟ فسكت القوم)، وكان إذا ابتدأهم بشيء سكتوا، لم يكونوا مستعجلين، أن هذا رسول نبي، لا يتكلم الواحد منهم بكلمة إلا وقد وثق منها. (فسكت القوم، فقال ذلك ثلاث مرات، هل هنا من آل فلان أحد؟ -لم يتكلم أحد- فقام رجل فقال: هأنذا، فقام يجر إزاره من مؤخرة الناس، فقال له النبي صلى الله عليه وسلم: ما منعك في المرتين الأوليين أن تكون أجبتني؟ -سألت مرتين ولم تجب، لماذا لم تجب إلا في الثالثة؟- أما إني لم أنوه باسمك إلا لخير، ثم قال: إن فلاناً -وهو رجل من أقارب هذا الرجل، من الأسرة، من آل فلان- مأسور بدينه عن الجنة -محبوس عن النعيم في القبر وعن الجنة بسبب دينه- فإن شئتم فافدوه، وإن شئتم فأسلموه إلى عذاب الله) لأنه لا يوجد في القبر إلا نعيم أو عذاب، فهذا الدين حجبه وحجزه وحبسه عن نعيم الله والجنة، وبالتالي ماذا يصير له؟ لا يجلس بين الدارين، لا يوجد في الآخرة إلا دار في الجنة أو دار في النار، فأسلموه إلى عذاب الله، قال الرواي سمرة : (فلو رأيت أهله وهم يتحرون أمره؛ قاموا فقضوا عنه حتى لا يطلبه أحد بشيء).

    التوسع في الديون يرهق الورثة عند قضائها

    مما ينبغي لك يا عبد الله! ألا تسبب لنفسك مشكلة بكثرة التوسع في الديون، على أمل أنك إذا مت يقضى عنك، إذا أنت لم تراع نفسك فلن يراعيك الناس؛ لأن من الناس من هو متهور في تصرفاته، يخبط باليمين وباليسار، ولا يدع مشكلة إلا ويدخل فيها ويتوسع على غير إمكانياته، حتى يوقع نفسه فيعيش طوال حياته مديوناً، ويوقع من بعده في قضاء الديون، ويوقع نفسه هو في الحبس في القبر عن النعيم، والعيش في العذاب بسبب الديون، وكان في إمكانه لو كان عاقلاً وحكيماً أن يعيش في اعتدال وتدبير بحيث يتوسع وفق الإمكانيات، لا يتوسع أكثر مما معه، إذا كان عنده إمكانيات والله وسع عليه، فلا مانع من التوسع في الحلال قُلْ مَنْ حَرَّمَ زِينَةَ اللَّهِ الَّتِي أَخْرَجَ لِعِبَادِهِ وَالطَّيِّبَاتِ مِنَ الرِّزْقِ [الأعراف:32].

    ليس من حقك أن تستدين على حساب غيرك، فهذا لا ينبغي، ولهذا جاء في الحديث أن من ضمن الثلاثة الذين لا يكلمهم الله يوم القيامة ولا يزكيهم ولا ينظر إليهم ولهم عذاب أليم: (عائل مستكبر). أي: فقير ويتكبر بحق الناس، ودائماً لا تراه إلا يتوسع في كل شيء، السيارات كل سنة يقوم بتغييرها، والبيت يغيره كل سنة، الموكيت من الدرج إلى الحمامات، وكذلك المجلس يغير فراشه الوثير، ويغير ذهب المرأة، يبيع الأول ويشتري بدلاً منه بزيادة أموال يدفعها من أجل أن تقول: الله يطيل في عمرك يا أبا فلان! وتظل تنفخه بهذه الدعاوي الكاذبة، من أجل أن توقعه في الديون، وإذا ذهب إلى القبر قالت: الله يلهب عظامك، من الذي قال لك تفعل كذا، وهو الذي كان يضعها في موكيتات وثلاجات وذهب وملابس، لكن لما مات ما اهتمت به؛ لأنه لم يرحم نفسه حتى ترحمه امرأته، وما رباها على الإيمان والدين، ولا ربها على الاقتصاد والتدبير، وإنما ربها على التصرف الغير لائق.

    وبعد ذلك ليس عنده شيء، ماذا يفعل يذهب ويستدين، إما أن يستقرض من البنوك بأرباح ربوية فيهلك نفسه في الدنيا والآخرة، وأما أن يذهب فيأخذ له ألف كيس أرز، سعر الكيس الأرز مائة وخمسون ريالاً، ويبيع الكيس بمائة ريال، يعني: اشترى ألفاً بمائة وخمسين ألفاً سجلت كديون عليه، وباعها بمائة ألف، وأخذ مائة ألف ريال في يده، وقال: يا شيخ! الآن نتصرف وكل شيء يهون والقضاء من الرواتب، وصار مديوناً بمائة وخمسين ألفاً، يرهن فيها بيته أو مزرعته وبعضهم -والعياذ بالله- لو جاز أن يرهن أولاده لرهنهم، ويأخذ المائة ويذهب يشتري بها سيارة، قال: والله أنا أريد (جمس) من أجل أن يوسع على عياله، يتوسعون لا مانع لو كان عندك شيء، لكن لماذا توسع على العيال وتصبح مديوناً، امش على رجلك، صبرك على نفسك ولا صبر الناس عليك.

    بعضهم يستدين ليأخذ أهله في عطلة الربيع، شخص قال لي: إنه ذهب في عطلة الربيع وخسر في جدة أكثر من خمسة وعشرين ألفاً، أخذ بيتاً لوحده، أجرته باليوم ألف ريال، استأجرها مدة أربعة عشر يوماً بأربعة عشر ألفاً، على شاطئ البحر يقول: من أجل الأولاد يفرحون، قلت: من أين الأموال؟ قال: والله دين أتينا بها من هنا ومن هنا ويفرجها ربك، أربعة عشر ألفاً، وأحد عشر ألفاً هذه قيمة الأكل، بعض الليالي لا يتعشى هو وعياله إلا بخمسمائة (طلب خاص) وهو جالس بالشقة، يتصل بأرقى المطاعم، يقول: هاتوا لنا عشاء، متى؟ الساعة الثانية عشر ليلاً، يتعشى وبعد العشاء ينامون إلى الظهر، فلا يصلون الفجر ولا الظهر ولا العصر، وليس معهم شيء.

    راتبه في المرتبة الثامنة، أظن راتبه ستة أو سبعة آلاف ريال، لا تعمل له شيئاً، وبعد ذلك البيت الذي يسكنه ليس له وإنما بالإيجار، والديون وراء ظهره.

    هذا -يا إخواني- سفيه، إي نعم. سفيه في تصرفه وفي طريقة حياته، لا توقع نفسك في الدين، مد أرجلك على قدر فراشك، إن كان فراشك طويلاً فتمدد، وإن كان فراشك قصيراً فتكفكف؛ لأنك إذا مددتها بردت، أو تأتي عقرب فتلسعها، أو يأتي ثعبان يلتقمها، فالإنسان يبقى مستوراً في دائرة دخله، وإذا منّ الله عليك بالرزق ووسع عليك تبني لعيالك بيتاً واسعاً، لا مانع من هذا، وتفرش فراشاً طيباً من الحلال لا مانع، بدون ديون، المهم الدين، نم وأنت ليس عليك دين، والله لو نمت في عريش، ولو لبست كيساً، وخرقت له من يدك ورجلك ورقبتك، والله لا أحد يقول لك شيئاً، وعلى ذلك تنام وأنت آمن قرير العين، ولو مشيت حافياً، لكن لو تمشي في سيارتك، وتسكن في فلة وملابس وأنت مديون ملاحق ما الفائدة؟ بعض الناس لا يفصل الثوب إلا بستمائة أو بسبعمائة، والحذاء يشتريه بثلاثمائة (إيطالي) بإمكانه أن يأخذ بالثلاثمائة عشرة أنواع من الأحذية تكفيه إلى أن يموت، لكن سوء التدبير -والعياذ بالله- يوقع الناس في مثل هذه المعضلات، فيهلكون أنفسهم في الدنيا، ويثقلون على أولادهم بعد موتهم، ويحرمون أنفسهم من نعيم الجنة، ويوقعون أنفسهم في عذاب النار بسبب هذه التصرفات الغير مسئولة، والغير معقولة ولا مقبولة.

    وجوب الاحتراز من الوقوع في الدين

    أنت الآن رجل، وكلكم بفضل الله شباب، ومن تجاوز مرحلة الشباب يجب أن يستفيد من هذه التجارب، ليس ضرورياً كلما استلمت راتبك ذهبت وقلت: سوف أتعشى هذه الليلة في أسفل العقبة، أريد أن أتعشى تيساً حنيذاً بأربعمائة أو خمسمائة، لماذا؟ لماذا تتعشى بثلاثمائة أو أربعمائة في المطعم؟ لماذا تتعشى أنت وزملاؤك بستمائة أو بسبعمائة؟ لماذا لا تأخذ التيس بثلاثمائة؟ من السوق وتذهب به إلى أهلك وتضعه في ثلاجتك يأكلون منه شهراً، ويدعون لك، أما أن تأكل أنت والناس وهي وجبة، وتضع فيها تيساً فلا. ولكن ضع علبة عصير وحلوى بنصف ريال وانتهى، والتيس الذي أكلته سيخرج، ولكن بصعوبة، كما يقول ابن القيم رحمه الله: كلما أكلت طعاماً بسعر مرتفع يكون الخراج خسيساً، لا. بل استفد من التجارب، وحاول أن تقتصد في إنفاقك، ولا تتصرف ولا تنفق ريالاً إلا في الوجه الشرعي.

    باختصار: وفر، وبعد ذلك إذا زاد شيء أنفقه في أمور الآخرة، بدلاً من أن تتعشى بثلاثمائة ريال، تعشى في بيتك والثلاثمائة هذه قم بإرسالها للإخوان المجاهدين، تطعم بها مائة مجاهد، هذا أفضل أم لا؟ والله أفضل، لكن ما أكرمنا على بطوننا وما أبخلنا في وجوه الخير، أما على البطون ما شاء الله، ترى بعض الناس يذبح ثلاثة أو أربعة كباش ويجمعها وبعد ذلك يرميها، وإذا قيل له: تبرع بعشرة من الريالات، وهذه الثلاثة أو الأربعة الخرفان ليست لله، يقول: الزاد للعيون، أي: للرياء والنفاق والكذب، لا. العيون لا تأكل، وإنما الزاد للبطون، ضع للضيف بقدر حاجته، لا تزد فوق حاجته، فإنك إن زدت فقد أسرفت، وإن أنقصت فقد بخلت، والإسراف والبخل ممقوت، وطريق الشرع الكرم وهو: إعطاء الضيف ما يكفيه، أما أن تعطيه أكثر مما يكفيه، فهذا إسراف، والله يقول: وَلا تَجْعَلْ يَدَكَ مَغْلُولَةً إِلَى عُنُقِكَ وَلا تَبْسُطْهَا كُلَّ الْبَسْطِ [الإسراء:29].

    وقال: وَالَّذِينَ إِذَا أَنْفَقُوا لَمْ يُسْرِفُوا وَلَمْ يَقْتُرُوا وَكَانَ بَيْنَ ذَلِكَ قَوَاماً [الفرقان:67] فما يشهده الناس اليوم شيء -والله- يحزن، لا يوجد شخص مستريح، لماذا؟ لأن طموحات الناس وأهدافهم لم تتوقف عند حد، وإنما كل شخص يبحث عن الآخر، يعني: تطاحن وتسابق من أجل التوسع في الدنيا، حتى ولو عن طريق الحرام، تجد الموظف يؤخر المعاملات ويطلب إضافات لماذا؟ يريد أن يقابل زيادة المصاريف، تجده يتحايل على النظام ويريد أي مهمة، يترك المعاملات ويريد انتداباً، ولو كان إضافات في يوم قال: لا أستطيع أن أنتهي منه في يوم، هذه مهمة طويلة وعريضة تحتاج وتحتاج، ويأخذ عليها أسبوعاً، وبعد ذلك يقضيها في يوم ويذهب لينام مع امرأته ستة أيام، ويقدم بياناً بالانتداب ووثيقة المهمة، ويأخذ أجرة سبعة أيام حراماً، المهمة تحتاج إلى يوم إن كان صادقاً، لماذا تأخذ حراماً؟ لا حول ولا قوة إلا بالله!

    فهذه -أيها الأخوة- أسباب توسع الناس في الدين، وينبغي أن نقابل هذه الأسباب بالرفق، وأن نتوسع في حاجياتنا وفي أمور معيشتنا على قدر إمكانياتنا، فمن وسع الله عليه فليوسع على نفسه وأطفاله في دائرة الحلال، وبغير إسراف ولا تبذير؛ لأن الإسراف والتبذير نهى عنهما رسول الله صلى الله عليه وسلم ولو كنت تتوضأ من البحر، البحر لا ينقص من وضوئك، لكن الإسلام يربي فينا الاقتصاد والتدبير، ولا يربي فينا الإسراف أبداً ولا التبذير؛ لأن الإسراف والتبذير من أخلاق الشياطين إِنَّ الْمُبَذِّرِينَ كَانُوا إِخْوَانَ الشَّيَاطِينِ [الإسراء:27] أما المؤمن مقتصد، ينفق على قدر ما ينبغي، يلبس ثوباً لا مانع، لكن يلبس ثوباً بثلاثين، بأربعين، بستين، بمائة لا مانع، أما أن يلبس ثوباً بستمائة فلا، يلبس أحذية بعشرين بأربعين لا مانع، لكن لماذا بثلاثمائة؟ لا. عليك أن تقتصد في حدودٍ معينة، والباقي إذا كان عندك زيادة أنفقها لمن يحتاجها، وإذا لم يكن عندك شيء فتبقى في دائرة حاجتك، هذا هو الأمر الأول الذي يعذب الإنسان ويحبس عن الجنة بسببه وهو الدين.

    وبعد ذلك فالدين كما يقول العلماء: الدين هم بالليل ومذلة بالنهار، تلاحظ المدين يتقلب في الليل وهو يحسب الدين الذي عليه، وإذا خرج بالنهار تراه يتشرد كلما رأى صاحب الدين، أبعد السيارة منه، وهرب، لماذا؟ قال: والله لا أستطيع أن أخرج إلى السوق، لماذا؟ قال: والله كل واحد يطلبني، وإذا أمسكوا به أوصلوه إلى الحقوق المدنية وأتوا به إلى السجن وقالوا: هات الأموال أو اقعد في السجن، قال: من فضلكم أمهلوني أبحث لي عن كفيل.. مذلة. وأتوه بجندي يسحبه، ذهب إلى هذا قال: اكفلني. قال: والله لا أستطيع أن أكفلك أنا موظف والكفالة لا يقبلونها، ذهب إلى ذلك قال: والله لا أستطيع، صحيح إني أعرفك وبيني وبينك صداقة، لكن افرض أنك غداً لم تسدد فإنهم سيجعلونني في مكانك، لا والله أنت تبقى مكانك، لم يقل لك أحد أن توقع نفسك، وتريد أن تضعني مكانك، الكفالة ندامة الآن وفيما بعد، اتركني وإياك على ما كنا عليه، وإذا أنا غداً مكانك وإذا بك تكرهني وأكرهك، أنا الآن أحبك وتحبني لكن من بعيد!

    لماذا تورط الناس؟ لماذا تظل تحرج الناس؟ من أجل أغراض زوجتك ومطالب أبنائك وتوسعاتك على الديون؟ لا. لا تتوسع ولا تحاول أن تشتري شيئاً، إذا كنت تريد أن تشتري سيارة فاشتر سيارة بالأموال التي معك، معك ثمانية آلاف خذ موديل (81)، أو (80) أو (79)، أو أي (موديل)، ما دام أنها صالحة فخذها، لكن بعض الناس يكون معه (8000) ريال وقال: والله أريد (89)، وذهب ليشتريها وأتى بشخص يكفله في (40000) ريال، وظل يثقل كاهله هذا الدين سنوات طوال، وكلها سواء، (موديل تسعة وثمانين) (وموديل ثمانين) كلها صالحة للسير في الأرض، لكن ضحكوا علينا (بالموديلات) وإلا كلها سواء، بل القديم أحسن من الجديد، وإذا خربت في القديم قطعة بدل قطعة بقطعة، إذا كنت لا تريد أن تبدل السيارة كلها، إذا كانت (الفرامل) لا تمسك بدل لها (قماشاً) بثمانين ريالاً، إذا احترقت (طرنبة) البنزين بدل لها (طرنبة) بمائة ريال، إذا (المكينة) تلفت اعمل لها إصلاحات بألف وخمسمائة ريال، لماذا تغير الجرم والهيكل كله، قال: والله يا أخي (موديل 89) ممتازة جداً، ما هي علامة الجودة؟ قال: (الطيس تولع)، وقال: وفيها مرايات في الجنب، (واصطبات) أمام السيارة فهذا شيء عظيم، ذهب يطمئن نفسه أنه سيجمع خمسين أو ستين ألفاً من أجل المرايات و(طيس) السيارة خطين، وبعد ذلك من أعلمهم بأن عقولنا خفيفة وطائشة، ليست ثابتة وقوية، سيضحكون علينا حتى بالألوان بالخطوط، أي: (موديل 88) وضعوا خطين أصفر وأحمر، جاءت (89) وضعوا خطوط جديدة، وهي هي نفس السيارة، فيذهب يبيع سيارته التي فيها خط أحمر وأصفر ويأخذ سيارة بخيط أخس لكن (89)، إذا عندك استمارة لا تقرأها (88)، اقرأها (90)، إذا عندك استمارة سيارة وموديلها (85) اقرأها (90) والرقم واحد فقط لا تغير في الاستمارة من أجل لا تصير مخالفة مرورية، لكن إذا أتيت تقرأها اجعلها (1995)، هذا السبب الأول.

    1.   

    حرمة النياحة على الميت

    السبب الثاني في هذه الحلقة وقد سبقه أسباب: بكاء أهل الميت على الميت يعذبُ به في قبره، روى الإمام البخاري قال: عندما طعن عمر بن الخطاب دخل عليه صهيب يبكي، يقول: وآخاه واصاحباه. وكان مصاب المسلمين في عمر مصاب جلل؛ لأن عمر ليس ككل الرجال، عمر رضي الله عنه وأرضاه من طراز فريد، يقول النبي صلى الله عليه وسلم فيه: (إن يكن في أمتي محدثون فهو عمر ) كان يقترح على الرسول الله صلى الله عليه وسلم الاقتراح فلا يوافقه الرسول وإنما يوافقه القرآن، الاقتراح يأتي من عمر والموافقة تأتي من الله.

    في غزوة بدر عندما الرسول صلى الله عليه وسلم استشار الصحابة في قضية الأسرى ماذا يفعل بهم؟ أبو بكر قال: [يا رسول الله! أبناؤك وأبناء عمك] إخوانك كيف نفتدي بهم؟ أسرى بدر من الكفار، وسأل عمر، فقال: [يا عمر ! ما رأيك فيهم؟ قال: أعداؤك وأعداء دينك، أخرجوك وقاتلوك، اقطع رقابهم يا رسول الله!] فالرسول صلى الله عليه وسلم رحيم بالأمة، لم يخير بين أمرين إلا اختار أيسرهما وأسهلهما، فاختار رأي أبي بكر ، وقبل منهم المنّ فمنهم من أعتقهم ومنهم من أخذ منه فدية، ومنهم من جعل فداءه تعليم القراءة والكتابة للصحابة، وبعد ذلك نزل قول الله عز وجل تأييداً لرأي عمر ، وقال الله عز وجل: مَا كَانَ لِنَبِيٍّ أَنْ يَكُونَ لَهُ أَسْرَى حَتَّى يُثْخِنَ فِي الْأَرْضِ [الأنفال:67] وبعد ذلك يقول: لَوْلا كِتَابٌ مِنَ اللَّهِ سَبَقَ لَمَسَّكُمْ فِيمَا أَخَذْتُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ [الأنفال:68] قال صلى الله عليه وسلم: (لو نزلت نار من السماء لأحرق الله أهل هذا الوادي إلا عمر ).

    هذا عمر فاروق الإسلام، كان إسلامه نصراً، وهجرته فتحاً، وإمارته رحمة، يقول: [والله لو عثرت شاة في العراق لكنت مسئولاً عنها يوم القيامة لما لم تمهد لها الطريق].

    وكان يطوف في الليل، لم يكن عمر ينام في الليل أبداً حتى قالوا له -رضي الله عنه-: [نجعل لك فراشاًُ -وهو أمير المؤمنين- قال: لا. لا أريد فراشاً، قالوا: لتستريح فيه وتنام، قال: لا. إن نمت في الليل ضيعت نفسي، وإن نمت في النهار ضيعت رعيتي، ما لي وللنوم] يقول: ليس هناك نوم، فكان يجلس تحت ظل شجرة أو ظل جدار وهو أمير المؤمنين، وثيابه مرقعة ومعه ثوب فيه ثلاث عشرة رقعة، ولما خطب يوم الجمعة، صعد وهو يلبس ثوبين، وقال: [اسمعوا وأطيعوا، فقام أعرابي وقال: والله لا نسمعك ولا نطيعك، قال: لمَ؟ قال: عليك ثوبين، ونحن ليس لنا إلا ثوباً واحداً، قال: أين عبد الله بن عمر ؟ قال: هأنا يا أمير المؤمنين، قال: الثوب الذي عليّ أليس هو ثوبك؟ قال: نعم. والله إنه ثوبي وأعطيتك إياه، قال الأعرابي: أما الآن سمعاً وطاعة، ما دام أنه ثوب ولدك، فثوب ولدك لك]

    وأين نحن من عمر -يا إخوان- أين هذا الطراز؟ لا إله إلا الله!

    كان يطوف في الليل ولما مر في الليل وهو يتفقد أحوال المسلمين، سمع طفلاً يبكي، فحنَّ قلبه ورق له، ذهب ورجع وإذا به يبكي، فدق الباب على أمه قال: أسكتي غلامك فإنك أم سوء -يقول: أسكتيه وأرضعيه- قالت: كيف أسكته وعمر يعطي خراجاً لمن يفطم، فأنا فطمته من أجل أن يعطينا خراجاً من بيت المسلمين، فرجع إلى البيت، يقول عبد الرحمن بن عبد الله : والله ما عرفنا قراءته في صلاة الفجر من كثرة البكاء والنحيب، وهو يقول: ماذا تقول لربك يا عمر غداً. قتلت أولاد المسلمين؟

    فما الذي جعل قلب عمر يكون في هذه الدرجة من الرقة والرحمة رغم أنه في الجاهلية قتل ابنته وهي حية، وكان يعبد الحجر، إنه الإيمان والإسلام يكشف عن المواهب، يجعل الحياة تتغير في كل شيء، لماذا؟ آمنوا بالله رِجَالٌ صَدَقُوا مَا عَاهَدُوا اللَّهَ عَلَيْهِ [الأحزاب:23] آمنوا بالله وصدقوا المرسلين، هذا عمر رضي الله عنه لما أصيب.

    وطعن، دخل عليه صهيب الرومي وهو يبكي ويقول: [واصاحباه وآخاه، فقال عمر : يا صهيب ! أتبكي عليّ وقد سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: إن الميت يعذب ببكاء أهله عليه] فسكت صهيب ولم يبك.

    1.   

    أقوال أهل العلم في حقيقة تعذيب الميت ببكاء أهله

    كيف يعذب الإنسان في قبره والله يقول: وَلا تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى [الأنعام:164]؟ لِمَ يعذب الله الإنسان في قبره؟ وما نوع هذا العذاب والله عدل؟ وكيف يؤاخذ في قبره بأطفال آخرين بعده في الدنيا بكوا عليه وهو لا يدري وليس براضٍ، كيف يكون هذا؟

    اختلف أهل العلم في الجواب على هذا السؤال على عدة أقوال:

    فبوب البخاري رحمه الله صاحب الصحيح وقال: باب قول النبي صلى الله عليه وسلم: (إن الميت ليعذب ببعض بكاء أهله عليه) قال: إذا كان النوح من سنة الميت، وهديه، وطريقة تعايشه، عندما كان حياً كان يعلم أبناءه النوح، ويسن لهم هذا النوح، ويأمرهم بالنوح، ثم مات فإنه يعذب ببعض بكاء أهله؛ لأن بعض البكاء لا يعذب الله عليه، البكاء الذي يخرج عن طريق الرحمة البشرية، العين تدمع، والقلب يحزن، ولا يقول الإنسان إلا ما يرضي الله، هذا لا يعذب الله عليه، لكن البكاء الذي يعذب الله عليه الذي فيه نوح، والنوح مأخوذ من نوح الحمام، والحمام إذا ناحت تصدر لها صوتَ هديلٍ وأنين، فالنياحة هي: إطلاق الأصوات على سبيل التضجر والتبرم والتسخط، وعدم الرضا بقضاء الله وقدره، فيعذب الإنسان بمثل هذا.

    أما البكاء الآخر الذي مصدره الرحمة والعاطفة بدون تسخط -الإنسان بشر يتأثر بكل الأحداث التي تحيط به- فهذا قد أباحه الشرع وفعله النبي صلى الله عليه وسلم، حينما مات ابنه إبراهيم نزلت دمعتان من عينه وقال: (إن القلب ليحزن، وإن العين لتدمع، ولا نقول إلا ما يرضي ربنا، وإنا لله وإنا إليه راجعون، وإنا لفراقك يا إبراهيم لمحزونون) فهنا قيد البخاري رحمه الله هذا الموضوع بكونه إذا كان النوح من سنته؛ لأن الله يقول: قُوا أَنْفُسَكُمْ وَأَهْلِيكُمْ نَاراً [التحريم:6] أي: علموا أنفسكم وأهليكم من بعدكم ألا ينوحوا عليكم، ولا يبكوا حتى لا يكونوا سبباً في عذابكم.

    وممن ذهب إلى هذا الرأي الإمام الترمذي رحمه الله، فإنه روى حديث عمر ، هذا الحديث الذي في صحيح البخاري : (إن الميت يعذب ببعض بكاء أهله) ثم قال: قال: أبو عيسى هذا حديث صحيح.

    وقد كره قوم من أهل العلم البكاء على الميت قالوا: الميت يعذب ببكاء أهله عليه، وذهبوا إلى هذا الحديث.

    وقال ابن المبارك : (أرجو إن كان ينهاهم عن البكاء عليه في حياته ألا يكون عليه من ذلك شيء) أي: قيدوا العذاب بمن رضي أو سن أو علم، أما من لم يرض ونبه على أهله، وقال لهم: لا تبكوا عليّ إذا مت ولا تنوحوا، فإنه إن شاء الله لا يعذب في قبره.

    وهذا الفقه للحديث هو مذهب الإمام القرطبي رحمه الله فإنه قال: قال بعض العلماء: إنما يعذب الميت ببعض البكاء إذا كان البكاء بتوصية الميت واختياره، كما كان يقول في الجاهلية:

    إذا أنا مت فانعيني بما أنا أهله     وشقي عليّ الجيب يا ابنة معبد

    يوصي زوجته، يقول: إذا أنا مت، فابكي عليّ بما أنا أهله، وأيضاً شقي عليّ الجيب يا ابنة فلان، ونسبها إلى أبيها من أجل أن تزداد بكاءً عليه، وكان هذا من شأنهم في الجاهلية.

    والنوح من عادات الجاهليين، من كان يحبه ولده أكثر ينوح عليه أكثر, وكانوا يستأجرون النائحات، وهن نساء عملهن النياحة ويسمونها نائحة.

    والنائحة تبعث يوم القيامة ولها سربال من جرب ودرع من قطران -والعياذ بالله- ما لم تتب، كانوا يعطون النائحة أموالاً، ويجعلونها تنوح من شروق الشمس إلى أن تغرب، وبعد ذلك ليست واحدة وإنما يأتون بعشر نسوة أو أكثر لغرض النياحة، كلما كان الرجل عظيماً جاءوا له بنائحات أكثر، وتستمر النياحة يومين وثلاثة وبعضهم شهراً, أو شهرين أو سنة تنوح -والعياذ بالله- بحسب منزلة الإنسان، ثم جاء الإسلام فألغى هذا كله، وبين أن هذا حرام؛ لأنه يتنافى مع مبدأ الرضا بالقضاء والقدر، والتسليم لأمر الله عز وجل، فإن الآمر بالموت هو الله، والذي ارتضى الموت هو الله، والعبد ينبغي له أن يسلم ويستسلم لأمر الله عز وجل وشرعه ودينه.

    إن النوح ولطم الخدود وشق الجيوب من عمل أهل الجاهلية، وكانوا يوصون أهاليهم بالبكاء عليهم، وإشاعة نعيهم في الأنحاء، وكان ذلك مشهوراً في أخلاقهم ومذاهبهم، وموجوداً في أشعارهم وقصصهم.

    ولكن العلامة ابن القيم رحمه الله تعرض لهذا الموضوع بشيء من التفصيل أكثر.

    أولاً: ضعف مذهب البخاري ، والقرطبي والترمذي ، ومن سلك في مسلكهم في فقه هذه الأحاديث، وقال: قد أنكر ذلك طوائف من السلف والخلف، واعتقدوا أن ذلك من باب تعذيب الإنسان بذنب غيره، وهو مخالف لقول الله عز وجل: وَلا تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى [الأنعام:164] ثم تنوعت طرقهم في تأويل وشرح هذه الأحاديث الصحيحة، حديث البخاري صحيح ليس فيه كلام: (إن الميت يعذب ببعض بكاء أهله) كيف؟

    فمنهم من غلَّط الرواة، ومنهم من شكك في الرواية، وشكك في السند، وهذا مردود، ومنهم من حمل ذلك على ما إذا كان من عاداتهم وسنتهم ووصيتهم، فإنه يعذب على ترك نهيه لهم، وهو اختيار أبو البركات ابن تيمية جد شيخ الإسلام، وهذا الأقوال ضعيفة جداً. هذا كلام ابن تيمية ، ولكن الصحيح أن يقال -اسمعوا التفصيل- : إن الميت يعذب ولم يقل بالحديث إن الميت يعاقب -انتبهوا في التفريق؛ لأن العقوبة ماذا تكون نتيجتها؟ نتيجتها سلوك ارتكبه الإنسان، فهو يعاقب جزاءً وفاقاً لما ارتكب، لكن الحديث لم يقل: إن الميت ليعاقب في قبره، قال الحديث: (إن الميت ليعذب) والعذاب أعم وأشمل من العقاب، فإن العذاب ألم، وليس كل من تألم بسبب كان ذلك عقاباً له، ليس بالضروري أنك إذا تألمت بشيء أن يكون عقاباً لك، فإن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (السفر قطعة من العذاب) هل السفر عقوبة لك؟ عندما تسافر من هنا إلى مكة هل هو عقوبة لك؟ لا. أنت سافرت باختيارك، لكن نالك أثناء السفر راحة أو عذاب؟ عذاب كونك سافرت وركبت ووقفت وجئت، فالسفر قطعة من العذاب؛ لأنه يمنع الراحة والنوم والأكل والشرب، ويعرضك للموت، ويعرضك للحوادث، فهو عذاب، لكن هل هو عقوبة؟ لا. فليس كل عذاب عقوبة.

    والإنسان يعذب بأشياء مكروهة يشعر بها، وهي ليست عقوبة عليه، مثل: الأصوات الهائلة، عندما تنام في الليل وتسمع أصواتاً في الشوارع، أو في بيتك، ألست تتأذى بها؟ تتأذى وتتعذب، لكن هل هي عقوبة لك؛ لأنك فعلت شيئاً؟ لا.

    فأنت تأذيت وعذبت بشيء لم تكن سبباً فيه، وليس عقوبة عليك، أحياناً تصلي في المسجد بجانب شخص يصلي بجوارك وقد أكل ثوماً أو بصلاً أليس يؤذيك؟ يؤذيك لا شك؛ لأن الملائكة تتأذى مما يتأذى منه بنو آدم، آذى الملائكة بأكله للبصل والثوم ومجيئه للصلاة بجوارك، هذا آذاك وعذبك أثناء صلاتك بالروائح الكريهة، لكنه ليس بعقوبة، وما عملت شيئاً حتى يعاقبك بهذا الفعل، فليس كل عذاب يجب أن يكون عقوبة لسلوك معين، لا. فإن الميت ليعذب، أي: يتأذى ولا يعاقب، يتألم ويتأذى، غير راضٍ لما يصنع من بعده؛ لأن هذا يخالف دين الله عز وجل، والإنسان في قبره يعذب ببعض كلام الناس، ويتألم برؤية بعضهم وبسماع كلامهم.

    ولذا أفتى أبو يعلى : بأن الموتى إذا عمل عندهم المعاصي فإنهم يتألمون بها، كما جاءت بذلك الآثار، فتعذبهم بعمل المعاصي عند قبورهم، كما تعذبهم بنياحة من ينوح عليهم، رغم أنها ليست بعقوبة يستحقونها، وهذا الفقه هو الذي صار إليه شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله وجاءت به الأدلة، فعن النعمان بن بشير رضي الله عنه قال: [أغمي على عبد الله بن رواحة إغماءة في موته، فجعلت أخته تبكي -أخته عمرة - تقول: وا جبلاه، وا أخاه، تعدد صفاته، فلما أفاق قال لها: يا أختي! ما قلت شيئاً إلا قيل لي: أأنت كذلك؟] كلما قالوا: واجبلاه، قالوا له وهو في الإغماء: أنت كذلك؟ قالوا: فلما مات لم تبك عليه أخته، خوفاً من أن يعاقب، أو يسأل، أو يعذب في قبره ببعض الذي تبكي به عليه.

    بل إن المعنى ورد صريحاً في الحديث الصحيح الذي يرويه أبو موسى الأشعري: أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: (ما من ميت يموت فيقوم باكيه فيقول: واجبلاه واسيداه، إلا وكل به ملكان ينهزانه أهكذا كنت؟) رواه الترمذي والحاكم وصححه.

    وينبغي أن ينبه إلى أنه ليس كل من مات وبكي عليه يعذب، وإنما يعذب بالنياحة التي ورد النهي عنها في شرع الله، أما البكاء الذي يصدر من غير صياح ولا عويل ولا نياحة، فإن ذلك من شأن طبيعة البشر، ولا شيء فيه إن شاء الله.

    ونسأل الله الذي لا إله إلا هو! أن ينجينا وإياكم جميعاً من عذاب القبر والحشر والنار وأن يحفظنا وإياكم بطاعته في الدنيا والآخرة، والله أعلم.

    وصلى الله على نبينا محمد وآله صحبه وسلم.

    1.   

    الأسئلة

    بر الآباء بتلبية طلباتهم

    السؤال: إذا كان والدي يصر على أن يعمل أعمالاً تسبب له التعب، مثل رعي الغنم، وهو ضعيف وغير قادر على ذلك، وأنا وإخوتي نحاول أن نجعله يرتاح ولكنه يرفض فهل نحن عاقون له؟

    الجواب: إذا أرغمتموه على أن يجلس ويترك ما يريد هو ففي هذا عقوق، لا بد أن تعطوه ما يحب؛ لأنكم تريدون أن تطبعونه على عيشة ما عاشها.

    هو يحب أنه يخرج مع الغنم ويذهب في الجبال وفي الوديان، لا يريد العيشة في البيوت، بعض الآباء إذا أتيت به وجعلته في البيت وأتيت له بفراش كأنك حبسته أو سجنته، يقول: تريدني أن أقعد في البيت، آكل وأنام، دعني أسير في أرض الله، والآباء كانت طبيعة حياتهم هكذا، تركيبتهم أنهم يحبون الخلاء والذهاب والإياب، أما أن تريد الدار, تحسب أنت أن فيها راحة للناس، لا. راحة الناس في هواها، فإذا كان أبوك يريد أن يرعى أعطه الغنم ودعه يرعى، حتى يرتاح ويدعي لك، أما أن تسجنه، وتقول: الله يطول عمرك يا أبي تعال، وتجعل له الفراش قامة، وتغلق عليه لا، هذا سجن، دعه على ما يريد.

    بعض الآباء حتى مجرد قضاء الحاجة لا يريد أن يقضيها في البيوت، إذا جاء من القرية ودخل إلى ولده في المدينة، وأراد أن يتوضأ، قال: تعال هذا الحمام، قال: لا. أرني الخلاء أريد الوادي، فيمشي له كيلو أو اثنين كيلو من أجل أن يقضي حاجته فيه، ولا يرضى بالحمام، ويضحك من الناس، يقول: هكذا أهل المدن ... الواحد يرجع من الخلاء يضعها في بيته؛ لأنهم ما تعودوا على هذه الأمور، فأنت لا تستطيع أن تقصر أباك وتسجنه وإنما خيره، قل: يا أبي نحن نريد راحتك، إن راحتك معنا في البيت، فإن وسعتك الأرض وإلا عيوننا، كل شيء لك، وإن راحتك مع الغنم، نأتي لك بغنم، وإن راحتك بالمزرعة، جعلنا لك مزرعة ومعك عامل يعاونك، المهم ابحثوا عن رضاه، وبعد ذلك لاحظوا أن الحركة تولد النشاط، والشيبان الذي يجلسون في البيوت بدون عمل ينهدمون بسرعة، ويصابون بعدة أمراض، لكن الشيبة الذي يبقى في عمل ورعي والبلاد، يعمر بإذن الله ويعيش إلى أن يأتيه أجله وهو قوي؛ لأنه يستخدم هذه الأجهزة، وبالتالي الجهاز المستخدم يكون دائماً صالح، أما الجهاز المعطل يخرب، لو وقفت سيارتك سنة وجئت تشغلها لا تشتغل، (البطارية مخبطة) والكفرات مبنشرة، لماذا؟ لأنك وقفتها، لكن لو شغلتها طول السنة لا تخرب.

    كيفية الالتزام بالحجاب في البيت مع وجود إخوة الزوج

    السؤال: عندي إخوة كبار، ونحن في بيت واحد، وأرغب في الزواج، وزوجتي لا يحل لها أن ترى إخواني، والبيت صغير، فكيف أوفق بين طاعة والدي، وبين أن أحجب زوجتي عن إخواني، دلوني على أن أسدد وأقارب بين طاعة والدي، وتحجيب زوجتي؟

    الجواب: ليس هناك خيارات بين أن تحجب أو تطيع، لا بد أن تطيع والدك، ولا بد أن تحجب زوجتك.

    وأما كيف؟ فهذا من أبسط الأشياء، ولو كان البيت ضيقاً، فإن بيوت المسلمين من عهد النبي صلى الله عليه وسلم إلى يومنا هذا ليست كلها وسيعة ومع هذا ما وجدوا حرجاً ولا مشقة في تحجيبهم لنسائهم، ولكن الحرج يوجد حينما يخرب القلب، وتكون طاعة الله ثقيلة على النفس، وأمر الله عز وجل صعب التطبيق، أما المؤمنون فلا، لو كانوا كلهم أسرة وفي غرفة واحدة يستطيعوا أن يقيموا أمر الله عز وجل.

    فنقول لك: اتق الله في نفسك، وأيضاً أشعر والدك قبل أن تتزوج بأنه منهج ودين يفرض عليك أن تحجب أهلك، وبالتالي تعلم إخوانك وتأتي بامرأتك في بيتكم الصغير، وسيكون لك غرفة، ففي غرفتك لا تتحجب، إذا خرجت من غرفتك إلى المطبخ ويوجد أحد في الطريق تتحجب، وليس هناك إشكال؛ لأنه لا ضرورة أن يقعد إخوانك في البيت طول اليوم، إخوانك كلهم في عملهم، وبمجرد أن يدخلوا توجد إشارة أنه فلان دخل، من حين يدخل تغطي وجهها إلى أن يذهب إلى غرفته، أو يمر يريد يتوضأ، يتنحنح أو شيء ليس فيه كلفة يا إخوان! طاعة الله ليست كلفة، بل المعصية التي فيها الكلفة، وبعض الناس تضيق نفسه بهذا الأمر يقول: ماذا أصنع في الأكل؟ نضع هنا سفرة وهنا سفرة، ولا نسمر سوياً، نقول: نعم هذا دين الله إن أردت الجنة، أو تريد أن تكشف وتسمرون وتنبسطون لكن بعدها لذعة، والله لا تصبر في النار لحظة، لحظة واحدة على عذاب الله، فيا أخي! اصبر على طاعة الله قليلاً، يكون رضى الله عز وجل ثمرتك في الدنيا والآخرة.

    حكم مداعبة الزوجة في نهار رمضان

    السؤال: ما حكم من يعمل مع زوجته كل شيء إلا النكاح وهو صائم في نهار رمضان؟

    الجواب: الصوم يمنع المسلم من الطعام والشراب والنكاح، وما أفضى إلى النكاح فهو ممنوع؛ لأن ما أفضى إلى الحرام فهو حرام، ويكره جميع دواعيه من المباشرة للصائم مثل: القبلة والمداعبة، سواء كان يخشى على نفسه أو لا يخشى؛ وليس من العقل أن تقرب النار من البارود وتقول: لا تشتعلي، إذا قربت النار من البارود اشتعلت، خاصة إذا كنت شاباً، فتقول: لا. أنا أسلم وأنا سوف أمسك نفسي، لا. كن بعيداً عن المرأة، ونهار رمضان اثنا عشر ساعة أو ثلاثة عشر ساعة، ومعك والحمد لله إمكانية إذا أفطرت الله يعينك إلى أن يؤذن الفجر، لماذا تظل تضايق نفسك في الصباح.

    لكن ما الحكم إذا عمل الإنسان شيئاً كأن قبل أو داعب فأمنى، أي: خرج منه المني وهو: سائل لزج يخرج من الرجل، دفقاً بلذة وهو سر تكوين الولد، فهذا إذا فعله دون جماع، بل مجرد ملاعبة أو تقبيل وأمنى، فهذا قد أفسد صومه، وأثم وعليه التوبة والقضاء، ويتوب توبة صحيحة.

    وأما إذا داعب ولم يمنِ وإنما أمذى والمذي هو: سائل لزج يخرج من الرجل عند التفكير، لكن بغير لذة وبغير دفق، هذا حكمه في الشرع حكم البول، يفسد الصلاة، وينقض الوضوء، ويجب غسله من الثوب، ولكن إذا خرج منك وأنت صائم، ذكر شيخ الإسلام ابن تيمية في فتاواه : أنه يفسد الصوم وعليه القضاء، ولكن الذي قرأت في كتب أهل العلم أنه لا يفسد الصوم، وإنما يوجب الإثم وينبغي منه التوبة، ولكن الصوم صحيح، هذا الذي يقرره العلماء، أما رأي شيخ الإسلام فقد رأيته بعيني، وقرأته في المجلد الثاني والعشرين أو الحادي والعشرين من فتاواه ، وقد سئل: عن رجل أمذى وهو صائم بعد تقبيل؟ قال: عليه القضاء، ولكن لم يورد دليلاً.

    جواز طلب الدعاء من الصالحين

    السؤال: نرجو منكم في هذا الوقت المبارك وفي هذا المسجد والمجلس المبارك أن تدعوا لزميل لنا من حفظة كتاب الله عز وجل، ومن الشباب المؤمن الملتزم حصل له حادث مروري وهو الآن في إغماء من يوم الجمعة الماضية، وهو في غرفة العناية المركزة، لعل الله أن ينفعه بدعائكم ودعاء الصالحين في هذا المسجد. رسالة من أخ له في الله؟

    الجواب: جزاك الله خيراً، وهذه مقتضى الأخوة، أنك تعيش مع أخيك وزميلك، ولو كان في مثل هذا الأمر، فتعاني وتطلب له الدعاء ونحن نسأل الله الذي لا إله إلا هو أن يكتب له الشفاء العاجل، وجميع مرضى المسلمين، فإن الله كريم ونسأله أن يستجيب دعاءنا، إنه ولي ذلك والقادر عليه.

    حكم الأكل من الثمار دون رضا أصحابها

    السؤال: ما حكم من يذهب ليلاً إلى مزارع الناس ليأكل الثمار، مع العلم أن أصحاب المزارع يمنعون من هذا؟

    الجواب: الله لا يهينك، هذا يريد أن يأكل فاكهة بدون مقابل، وقد علمنا أنه لا أحد يرضى أن تأكل من مزرعته، الناس يزرعون وأنت تدخل المزرعة في الليل لتأكل الفواكه.

    يعني: قصده أن يمارس عليهم عقوبة، ما دام أنهم لايتصدقون ولا يهدون إذن آكل ثمرتهم.

    لا يجوز لك يا أخي! إنه حرام، وأي لحم نبت من سحت أو حرام فالنار أولى به (إن الرجل ليرفع اللقمة من حرام لا تقبل له صلاة أربعين نهاراً) ولو مت في تلك الأيام في ليلٍ أو نهارٍ تموت على غير الإسلام، انتبه! كيف بالذي يشبع من الحرام، تذهب لتعتدي على مزارع المسلمين وبساتينهم، وتقطف من ثمارهم وتذهب لتأكل.

    لماذا، بأي حق؟ تعلم أن الشجرة هذه لم تطلع بدون تعب، سنوات وهو يسقيها، وينتظر هذه الثمرة سنة كاملة، وهناك عمال وماء ورش ومبيدات ومهندسون، وأنت تقطف بدون مقابل، وتقول: هل هناك إثم؟ نعم. هناك إثم ونار وشنار وعار -والعياذ بالله- لا يجوز لك -يا أخي المسلم- اتق الله.

    أما كونهم لا يتصدقون ولا يهدون، فليس لك أن تعاقبهم، وإنما تحثهم على ذلك؛ ولأن هذا حقهم إن أهدوا فجزاهم الله خيراً، وإن تصدقوا جزاهم الله خيراً، أما أن تلزمهم أن يهدوا ويتصدقوا، وإلا تقوم بأكلها عليهم غصباً، هذا لا يجوز؛ فإنه حرام، إذا ارتكبوا هم خطيئة فقد ارتكبت أنت محرماً، يعني: كونه لا يهدي فليس بحرام، الأفضل أنه يهدي، وكونه لا يتصدق فليس بحرام، الأفضل أنه يتصدق، لكن أنت وقعت في جريمة، وهي كبيرة من كبائر الذنوب وهي السرقة، وأكل الحرام -والعياذ بالله-.

    حكم الكافر الأصلي وغيره إذا مات

    السؤال: ما حكم الذين لا يكفنون ولا يصلى عليهم ولا يدفنون في مقابر المسلمين جزاك الله خيراً؟

    الجواب: الكافر من عُلم موته على الكفر، فهذا لا يغسل ولا يكفن ولا يصلى عليه، ولا يدفن في مقابر المسلمين ولا يوجه إلى القبلة، سواء كان هذا الكفر كفر ردة، أو كفر أصلي.

    الكفر الأصلي: أن يكون يهودياً أو نصرانياً أو مشركاً أو ملحداً أو كفر ردة: من يقع في عمل من أعمال الكفر يخرجه عن دين الله، مثل: ترك الصلاة، فإن ترك الصلاة كفر مخرج عن الملة، موجب لسخط الله، يترتب عليه -والعياذ بالله- خروجه من الدين ويقتل مرتداً، لا يقتل قتل حد؛ لأن الشخص إذا قُتل حداً أو رجماً، أو أقيم عليه حد فإنه يغسل، ويكفن ويصلى عليه ويدفن مع المسلمين؛ لأنه مسلم، لكن إذا قتل ردة عن دين الله، وقيل له: صلِّ لمدة ثلاثة أيام ورفض، يقتل مرتداً عن دين الله، ولا يدفن ولا يغسل ولا يكفن ولا شيء.

    وكذلك إذا مات ولو لم يقتل، لو أن ولدك لا سمح الله -نسأل الله أن يرزقنا وإياكم الذرية الصالحة- في بيتك وأنت تعلم علم اليقين أنه لا يصلي، وتمر عليه الأقوات ولا يعرف الله، ولا يتجه إلى قبلة، ولا يعرف مسجداً، ونصحته وأمرته وضربته، ومع ذلك قال لك: لن أصلي أبداً، فما موقفك منه؟ لا يجوز لك أن يبقى في بيتك؛ لأنه كافر، ولا يجوز أن تآكله وتشاربه وتؤويه؛ لأنه محدث في دين الله، ولا يجب أن تنفق عليه، بل عليك أن تبلغ به ولي الأمر، تذهب إلى المحكمة وتقدم فيه عريضة، وتقول: ولدي فلان لا يصلي، يأتي به القاضي ويقرره إن قال: لا. أنا يا شيخ أصلي، فترجعه معك وتأخذ عليه شهوداً بأنه يصلي، وتراقب أداءه، وإن قال: لا. أنا لا أصلي، فهناك يقام عليه الحد بعد أن يستتاب ثلاث مرات، فإن تاب وإلا قتل، وأما إذا مات -مثلاً- افرض أنك لم تشتك به، أو اشتكيته ولم يهتد، أو هرب منك وشرد عندما أخرجته وبقي فترة من الزمان، وأخيراً جاءك خبر أنه مات، فما موقفك؟ موقفك منه ألا تذهب لتصلي عليه، ولا تدع الناس يغسلونه، ولا تكفنه، ولا تدفنه في مقابر المسلمين، خذه إلى أي أرض ليس فيها قبور، وانظر له أي حفرة، واحفر له حفرة وضعه على وجهه، لكن تأتي به إلى القبلة وتقول: صلوا عليه لا يجوز لأنه كافر.

    وإذا فعلت شيئاً من ذلك فقد خنت المسلمين، وطلبت من المسلمين أن يشفعوا في كافر، وأن يصلوا على كافر، وأن يدعوا لكافر، وأن يضعوه بين المسلمين وهو كافر، ويوجهوه إلى القبلة وهو ليس من أهل القبلة، فهذه الأحكام تندرج على تارك الصلاة والعياذ بالله.

    حكم من ذهب إلى الجهاد بدون إذن والديه

    السؤال: ما رأيكم فيمن يذهب إلى أفغانستان للجهاد بدون إذن من والده أو والديه، ثم يتصل بهم من هناك ويخبرهم أنه في الجهاد، وهم لا يرضون ولا يأذنون له، وهو متزوج، وإذا قتل هل هو شهيد؟

    الجواب: اختلف أهل العلم في حكم الجهاد الآن القائم في أفغانستان : هل هو فرض عين، أم فرض كفاية؟

    فذهب مجموعة من العلماء إلى أنه فرض عين؛ لأنه اعتدي على أرض مسلمة، واستبيحت أعراض ودماء المسلمين في أرض مسلمة، فوجب على كل مسلم أن يهب لنصرتهم، وهذه من الأسباب الأربعة التي توجب الجهاد على كل إنسان.

    وقال بعض أهل العلم: إنه ليس فرض عين، لكنه فرض كفاية على عموم المسلمين، وفرض عين على المجاورين والموالين للجهاد، من أهل الجهاد من أهل أفغانستان ومن الديار المقاربة، واستدلوا على أنه يلزم من إلزام الناس بفرضية الجهاد العيني عليهم: إخلاء جميع مواقعهم في بقاع الأرض، وبهذا يضيع الإسلام؛ لأن الإسلام له ثغور، فإذا هب الناس كلهم وتركوا هذه المواقع ترتب على ذهابهم وترك مواقعهم ضرر للدين.

    فالقضية قضية خلافية، فنقول لمن ذهب: الأولى له أن يستأذن والديه، فإن أذنا له فهو أفضل له، وإن ذهب بدون إذن فنرجو الله أن يتقبل جهاده، وأن يثيبه، وألا يجعل عليه إثماً بسبب عدم إذن والديه.

    أما إذا مات في سبيل الله، فإنه إن شاء الله شهيد تزوج أو لم يتزوج، لا علاقة للشهادة بالنسبة للزواج، إن تزوج ومات في سبيل الله فهو شهيد، بحسب نيته؛ لأنه ليس كل واحد يموت يكون شهيداً، القضية لا زال فيها اختبارات، أول ما يقضى يوم القيامة في ثلاثة يوردون إلى النار: شهيد وعالم وجواد، أعمال ليس هناك أفضل منها، الشهادة أرفع الدرجات، والعلم وتعليمه للناس أرفع شيء، والإنفاق في سبيل الله من أرفع الأشياء، ولكن أول من تسعر بهم النار يوم القيامة ثلاثة: شهيد وعالم وجواد، فيؤتى بهم، ويعرفون بنعم الله عليهم، فيقال للأول: ماذا صنعت بنعم الله؟ قال: قاتلت فيك حتى قتلت، قال الله: كذبت، إنما صنعت ليقال فلان جريء. أي: شجاع، الغرض أن يمدحوك، يقولون: والله فلان بطل، وقد قيل، إذن لقيت هدفك، هدفك أن يقال وقد قيل، لكن لم تكن تقصد بهذا العمل وجه الله، اذهبوا به فيسحب على وجهه إلى النار.

    ثم يؤتى بالعالم، فيعرف بنعم الله عليه، ونعم الله عليه كثيرة جداً منها: أن الله علمه كيف يعلم الناس؟ من الذي علمك حتى تقصد بعملك غير وجه الله؟ عَلَّمَ الْأِنْسَانَ مَا لَمْ يَعْلَمْ [العلق:5]. فيعلم بها فيعرفها، فيقال له: ماذا صنعت؟ قال: علمت دينك وبلغته إلى الناس، قال: إنما فعلت ليقال فلان عالم، وقد قيل. قد أثنى عليك الناس، ومدحوك، وتحدثوا بك، وهذا ما كنت تقصده أنت ولقيته، لكن لم تعمل هذا لوجه الله، اذهبوا به فيذهب به إلى النار.

    ثم يؤتى بالثالث فيقال له بعد أن يعرف بنعم الله عليه فيقال له: ماذا صنعت في الدنيا والمال؟ قال: ما من سبيل من سبل الخير إلا أنفقت فيه، فيقول الله له: كذبت. إنما فعلت ليقال فلان جواد -أي: الكريم- وقد قيل اذهبوا به إلى النار.

    فليس كل من مات في سبيل الله يعتبر شهيداً على الإطلاق، وإنما بعد معرفة نيته وهذا الشيء لله عز وجل، وكذلك ليس كل من علم الناس، واهتدى الناس على يديه يعتبر سعيداً، فإنه قد يهتدي آلاف على يد واحد وهو من أهل النار، أول رجل في النار يقال يوم القيامة -نعوذ بالله وإياكم- فهذا الحديث يقطع القلوب، ( أنه يدور في النار كما يدور الحمار على الرحى، يجر اقتابه -أي: أمعاءه- فيرونه أهل الجنة، وهو في النار ماذا أتى بك إلى هنا؟ لم ندخل الجنة إلا بسببك، ما اهتدينا إلا بعلمك وتعليمك ووعظك وإرشادك، فيقال: كنت آمركم بالمعروف ولا آتيه، وأنهاكم عن المنكر وأقع فيه )، كان يقول: الأغاني حرام وهو في الليل إذا جاء لينام قام ليغني، كان يقول: النظر حرام، وإذا رأى النساء نظر إليهن، كان يقول: الربا حرام، وأمواله في الربا، كان يقول: العقوق حرام وهو يعق، كان يقول: اعدلوا مع زوجاتكم وهو غير عادل، كان يقول: صلوا وهو لا يصلي، كان يقول: إن أعمال الناس ينتفعون بها، لكن هو لم ينتفع بها -والعياذ بالله- ولهذا عاب الله عز وجل على قوم قالوا هذا فقال: أَتَأْمُرُونَ النَّاسَ بِالْبِرِّ وَتَنْسَوْنَ أَنْفُسَكُمْ وَأَنْتُمْ تَتْلُونَ الْكِتَابَ أَفَلا تَعْقِلُونَ [البقرة:44] أين عقولكم إن كانت لكم عقول؟ أتأمر الناس بالعمل للجنة وأنت تترك نفسك؟! لا حول ولا قوة إلا بالله!

    حكم اللقطة في الشرع

    السؤال: وجدت ابنتي قطعة من ذهب في طريق فأخذتها فماذا تفعل بها؟

    الجواب: هذه القطعة التي أخذتها تسمى لقطة، واللقطة هذه لها حكم في الشرع، تُعرَّفُ سنة، ولا تحل إلا بعد سنة، وأنت لا تستطيع أن تعرفها فنقول لك: خذها وأوصلها إلى السوق وزنها، أو بعها وخذ ثمنها وتصدق بها على نية صاحبها، وأرسلها للمجاهدين الأفغان ليدافعوا بها إن شاء الله، ويقاتلوا أعداء الله عز وجل، ولك أجر وأيضاً لصاحبها الذي ضاعت منه أجر إن شاء الله.

    حكم دخول المرأة على زوج أمها المطلقة منه

    السؤال: هل يجوز أن أكشف عن وجهي لزوج أمي سابقاً ولا أحتجب منه وذلك بعد أن طلقها؟

    الجواب: نعم تكشفين عن وجهك؛ لأنه لا يجوز له أن يتزوج بك؛ لأن الله يقول: وَرَبَائِبُكُمُ اللَّاتِي فِي حُجُورِكُمْ مِنْ نِسَائِكُمُ اللَّاتِي دَخَلْتُمْ بِهِنَّ [النساء:23].

    فامرأة دخلت بأمها لا يجوز لك النكاح من جميع أولادها، أما إذا لم يدخل بها وإنما عقدت عليها فإنه يجوز، لأن البنات يحرمن بالدخول، أما الأمهات فيحرمن بالعقد، لو أنك الآن تزوجت بامرأة وعقدت عليها، ولكن لم تدخل بها حرمت عليك أمها، ولو طلقت هذه البنت قبل الدخول، فأمها حرام عليك، ولكن لو تزوجت بامرأة ولم تدخل بها وإنما عقدت ثم طلقتها قبل الدخول فإنه يجوز لك أن تتزوج ببنتها.

    حكم جماع المرأة أثناء صيام التطوع

    السؤال: أتيت زوجتي في بداية صيامها للست من شوال فهل عليَّ إثم؟

    الجواب: لا. ليس عليك إثم؛ لأن المتطوع أمير نفسه إن شاء صام وإن شاء أفطر، ولكن كان الأفضل ألا تأتيها، ما دام أنها بدأت في الست، والست مطلوبة ومرغب فيها بحديث النبي صلى الله عليه وسلم في صحيح مسلم : (من صام رمضان وأتبعه ست من شوال فكأنما صام الدهر كله) والآن ليس عندنا فرصة.

    حكم من نسي واجباً في الصلاة وهو مأموم

    السؤال: إذا نسيت واجباً في الصلاة فهل أسجد للسهو بعد أن يسلم الإمام، أم لا؟

    الجواب: لا. إذا كنت مأموماً ونسيت واجباً، فإن الإمام يحمل عنك هذا الواجب، ولا يلزمك أن تسجد للسهو؛ لأنك مأموم (وإنما جعل الإمام ليؤتم به).

    أما إذا نسي الإمام واجباً فإنه يسجد له، وماذا تفعل أنت؟ تسجد رغم أنك لم تنس؛ لأنك تابع، والتابع يتبع إمامه.

    حسن معاملة الآباء والبر بهم والصبر عليهم

    السؤال: كيف تكون معاملة الأب إذا كان بذيء اللسان؟

    الجواب: الصبر، والمعاملة بالحسنى، وإذا كان بذيء اللسان فإنه ينبغي لك أن تكون باراً به، أما إذا كان طيباً لم يعد لك فضل عليه ولا منّة فهو أحسن منك.

    لكن متى يطلب منك البر مع الأب الذي هو بذيء اللسان، ولا يقنع بالمناصحة ولا بالكلام؟ عليك أن تصبر عليه، ولا تستثيره، لا تحاول أن تثير أباك بأي حال من الأحوال.

    شخص من الناس يحدثني بهذه القصة وهو ثقة، يقول: اختصم رجل وولده، والولد نجار وهو في صحة وعافية، ووالده أصبح ضعيفاً، يقول: فكان ذاك يهز ذراعه عليه، يقول: أنت وأنت.. ويأتي بيده يريد أن يفقأ عين أبيه، يقول: أنت تقول كذا وتقول كذا، ويقرب يده ووالده يبتعد عنه، ويوم أن انتهى قال: حسبي الله عليك، ويدخل الولد إلى مكان النجارة وهو نجار، يقول: والله ما مر نصف ساعة وإلا وقد بتر الله يده، قطع هذه اليد التي امتدت على الأب، بهذا الشكل، قطعها الله في الدنيا، ولا نعلم ما سيحدث له في الآخرة، لا حول ولا قوة إلا بالله!

    الحجاب وضرورة المحافظة عليه

    السؤال: رجائي أن تجيب على هذا السؤال لأهميته، لأنني أريد أن أستخرج به شريطاً لحل مشكلتي: وهو أنني متزوج والحمد لله وزوجتي مطيعة وفقها الله، ولكن أنا ساكن في قرية يوجد فيها اختلاط، ولقد منعت أهلي جميعاً من ذلك الاختلاط، ولكن عمي -أي: والد زوجتي- يجبر زوجتي على ألا تحتجب من الرجال الأجانب، خصوصاً أبناء عمها، وهم يحلون لها، وقد منعتها وهي الآن محتارة بين أن تطيعني أو تطيع والدها، وهي تدعو على نفسها الآن بالموت؛ لتفر من هذا العذاب الذي يحيط بها، وكذلك أبي يريد أن أنفذ ما طلبه أبوها، فمنعتها من ذلك وهو الآن غضبان عليّ؟

    الجواب: أولاً: لا يجوز لك يا أيها الأب! يا من رزقك الله عز وجل بنسيب صالح! يحفظ عرضك، ويحجب ابنتك، ويأمرها بطاعة الله، يجب أن تشد على يده وأن تعاونه وتقول: بارك الله فيك، وجزاك الله خيراً، أما أن تقف ضده وتقول: لا. لا تحجب المرأة، ودع الناس ينظرون إليها، هذا جزء من الدياثة -والعياذ بالله- حرام ولا يجوز لك، ما رأيك -والعياذ بالله- لو أن زوج ابنتك هذا فاجر، خبيث، أخذ ابنتك واستحلها بكلمة الله، وأمرها بالتبرج وارتكاب الحرام، بل ربما بعض الناس يرضى أن تحدث الدعارة في زوجته! ما رأيك، هل ترضى بهذا؟! لا ترضى إذا كان عندك إيمان ودين، فكيف وقد رزقك الله برجل صالح بار متدين يأمرها بالحجاب، يجب أن تعاونه، وأن تقول: بارك الله فيك، وكثر الله خيرك، وأنا معك.

    كذلك أنت يا والد الشاب! لا تطع الشيطان ولا تطع عم ولدك، بل اذهب إليه وكن أنت وولدك عوناً على والد الزوجة حتى تقنعوه؛ لأنه لا بد من الحجاب؛ لأن الحجاب وسيلة من وسائل حفظ الأعراض في الدنيا والآخرة.

    نصيحة للآباء في العدل بين الأبناء

    السؤال: لي والد متزوج زوجة أخرى، وله منها أولاد، وفضلهم علينا كثيراً وظلمنا، وظلمه ظاهر لنا وظاهر للناس، ونحن نكرهه لهذا الظلم، فأرجو النصيحة للآباء بعدم الظلم؟

    الجواب: أولاً: لا يجوز أن تفضل بعض أولادك على بعض، سواء كان أولادك من الزوجة الجديدة أو القديمة؛ لأن التفضيل هذا يوغر الصدور، ويسبب العقوق، ويوجب المشاكل، ويجعل الأولاد متناحرين متضاربين متخاصمين، وما أن تموت أنت حتى يتقاتلوا.

    لا يجوز، يا أخي! لا تسبب لنفسك مشكلة ولا لأولادك، عليك أن تكون كالميزان، والعدل حتى في كل شيء؛ لأن العدل مطلوب بين الزوجات، ومطلوب أيضاً بين أولاد الضرات؛ لأن المرأة تنظر إلى الولد بمثل ما تنظر إلى الزوجة الثانية، فإذا رأت الأب يعامل أولادها معاملة تختلف عن معاملة أولاده أولئك تأثرت هي وقالت: انظروا، وقامت تشكو الزوج وتغري أولادها، انظروا يحب تلك، ويعطي أولادها، ويكرهونه ويكرههم، وتصبح الحياة مشاكل.

    أما أنت إذا رأيت أباك ظالماً لك، فلا يجوز لك أن تكرهه، ولا أن تبغضه، ولا تعقه، حتى ولو كان ظالماً، فإن ظلمه لك لا يبرر لك معصيته، ظلمه لك الله يعاقبه عليه يوم القيامة، أما أنت ما هو واجبك؟

    واجبك الطاعة، لا تتخذ من ظلمه لك أن تعاقبه بأن تعصيه، لا. أطعه؛ لأن الله يقول: وَإِنْ جَاهَدَاكَ عَلَى أَنْ تُشْرِكَ بِي مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ فَلا تُطِعْهُمَا وَصَاحِبْهُمَا فِي الدُّنْيَا مَعْرُوفاً [لقمان:15] والله أمر بمصاحبة الوالد الكافر بالمعروف، فكيف بالوالد المسلم ولو كان ظالماً، أو عاصياً، ومقصراً في حقوقكم؟ فإن الله عز وجل قال بعدها في الآية الكريمة قال: إِلَيَّ مَرْجِعُكُمْ [لقمان:15] أي: المرجع والحساب للمخطئ وللمصيب عندي، فلا تتخذ من خطئه مبرراً لكي تخطئ أنت.

    حكم العيش بعيداً عن الوالدين لغير حاجة

    السؤال: هل في دراستي في غير المكان الذي يسكن فيه والدي نوع من العقوق؟

    الجواب: نعم. إذا كانت دراستك الجامعية متوفرة في البلد الذي يقيم فيه أهلك، واخترت أن تسافر إلى مكان ثان من أجل أن تفر من أبيك، فإن هذا عقوق، وعليك أن تدرس في المكان الذي فيه أبوك؛ لأن وجودك في المنطقة التي فيها أبوك ييسر له الإشراف عليك والطمأنينة عليك، وأيضاً يستفيد منك في خدمته وعمله، أما أن تشرد لتدرس من أجل أن تتخلص من رقابة أبيك، ومن قيوده وخدمته وتقول: أنا حر، وتأخذ هذه الدراسة ذريعة، فهذا عقوق ولا يجوز لك.

    حكم استخدام الحناء للرجال

    السؤال: ما حكم الحناء للرجال خصوصاً في القدمين من غير عذر؟

    الجواب: الحناء مختص بالنساء؛ لأنه جزء من الزينة، والخضاب خاص بالمرأة، ولا يجوز للرجل أن يتخضب لا في اليدين ولا في القدمين؛ لأنه جزء من التشبه بالنساء، الذي يتشبه بالنساء هذا -والعياذ بالله- وردت فيه الأدلة بالتحريم، ولا يجوز لك أن تتشبه بالنساء، حتى ولو كانت الضرورة هذه قائمة، فبعضهم يقول: استخدمه للعلاج، يقول: في إصبعي هنا تشقق أو في رجلي، إذا كان للعلاج فليكن على قدر الحاجة، كأن يكون في يدك جرح، ضع حناء على الجرح، لكن إذا في رجلك جرح تضع على رجلك كلها، وبعضهم يعمل (قطاب) على رجله، أنا رأيت رجل (متقطب) مثل المرأة، وبعضهم يحني يديه كلها ماذا فيك؟ قال: والله في أصابعي تصلب، لا.

    وخاصة في زماننا هذا -والحمد لله- توفرت جميع وسائل العلاج، كان الحناء من قبل ولا توجد وسيلة إلا هو، والناس كانوا يتعبون ويعملون أعمال مهنية ويشقون على أنفسهم فتتقطع أيديهم، بالرغم من هذا لا يجوز لهم أن يتحنوا، الحناء للمرأة، لكن الآن يوجد (فازلين) ودهانات، وعدة وسائل لإبعاد الأذى دون الحاجة إلى الخضاب مطلقاً.

    الدعاء والتصدق عن الوالدين من البر بهما

    السؤال: إذا كان الابن عاقاً لوالديه عندما كانا على قيد الحياة، وبعد وفاتهما تاب إلى الله، فهل يعاقبه الله بسبب عقوقه لأبويه أثناء حياتهما؟

    الجواب: نرجو الله ألا يعاقبه، عليه أن يتوب ويحسن التوبة، ويدعو لهم ويتصدق عليهم، وبعد ذلك بره بهما بعد موتهما أن يكون صالحاً، ويدعو لهما، حتى يعفو الله عز وجل عنه.

    حكم شمّ البخور في نهار رمضان

    السؤال: حصل في يوم من رمضان أن دخلت البيت فوجدت البخور، أي: العود، بكثافة في المنزل، ثم قلت: إن البخور يفطر، ولا أدري هل هذا صحيح أم لا؟ علماً بأني طلعت من البيت مباشرة فهل يجب قضاء هذا اليوم؟

    الجواب: يا أخي! لا يجب قضاء هذا اليوم، والبخور لا يفطر على الإطلاق، إذا كان موجوداً في البيت، إنما قال به بعض أهل العلم، وكرهوا أنه إذا أخذته أنت إلى أنفك وشممته، بحيث تصاعد أبخرته وأجزاؤه إلى داخل رأسك، أما إذا شميته في البيت أو أي مكان، أو المسجد أو الطريق، فهو عارض ولم تتعمد شمه بطريقة مباشرة من على المجمر فلا شيء عليك إن شاء الله.

    حكم إغماض المصلي لعينيه، وحكم الصلاة إذا قطعها طفل

    السؤال: يقول: أشاهد كثيراً من الناس يصلون ويغمضون أعينهم، فهل يجوز لهم هذا؟ وهل إذا قطع صلاتي طفل يجب عليّ إعادتها؟

    الجواب: أما قطع الصلاة فلا يجب عليك إعادتها، حتى لو قطع عليك شخص كبير، فإن الصلاة لا تبطل بمجرد قطعها، وإنما يأثم المار إذا كان هذا المار مكلف، أما الطفل الصغير فإنه لا يأثم ولا يقطع الصلاة، فإن الأطفال كانوا يأتون إلى النبي صلى الله عليه وسلم وهو يصلي، وإن الحسن والحسين كانا يرتحلان النبي صلى الله عليه وسلم وهو يصلي ولا يمنعه، وأطال مرة السجود صلى الله عليه وسلم وهو عليه، حتى كاد الصحابة يسبحون له، فلما انصرف من الصلاة قال: (إن ابني هذا ارتحلني وأنا ساجد فكرهت أن أضيق عليه) فاستمر صلى الله عليه وسلم حتى نزل الولد بنفسه، ما أعظم هذا الرسول صلى الله عليه وسلم! رحمة للعالمين، يقول: (ارتحلني) أي: ركب على ظهري، يقول: ما أحببت أن أنزله، لكن بعض الناس إذا جاء ولده وهو يصلي، صفعه، الله أكبر ما هذا الدين! فأغضب الولد وأيضاً تحرك في الصلاة، وفي نفس الوقت الولد يكره الصلاة، لأنها سببت له صفعة في وجهه، دع الولد يمشي -يا أخي- أو يطلع أو ينزل ليس هناك شيء إن شاء الله.

    أما تغميض العينين في الصلاة فكرهه بعض أهل العلم، ولكن الحديث الذي استند عليه في القراءة لم يصح عن رسول الله صلى الله عليه وسلم، والصواب أن يقول الإنسان كما قال ابن القيم رحمه الله: إن كان التفتيح لا يخل بالخشوع فالأولى ألا تغمض؛ لأن هذا من عمل اليهود، كانوا يغمضون في صلاتهم، وإن كان التغميض أنفع للخشوع كأن يكون أمامك شيء مزخرف، أو نافذة مفتوحة، أو جدار فيه لوحة إذا نظرت إليها ذهب الخشوع، فلا بأس إن شاء الله ولا يكره؛ لأنه يصبح ضرورة.

    فتح باب قبول التوبة وإن عظمت المعصية

    السؤال: ما رأيكم في شاب نشأ في معصية الله، وكان يأتي كل معصية -والعياذ بالله- ولكن حينما سمع الخطب والأحاديث والمواعظ تاب إلى الله توبة نصوحاً، وعمره الآن (19) سنة، فهل تقبل توبته أفيدوني جزاكم الله خيراً؟

    الجواب: يا أخي الكريم! إذا تاب تاب الله عليه، مهما عمل من الذنوب والكبائر لو كانت مثل الأرض كلها، لو عمل أي ذنب فإن الله عز وجل يغفر الذنوب جميعاً، وقد اتصل بي بعض الناس وسألني قال: إنه تجادل هو وإخوان له في الله قالوا: إن شخصاً فعل فاحشة كبيرة، وهو أنه زنى بأمه -والعياذ بالله- وكان الزنا بها؛ لأنها كانت كلما عملت الشاي وضع لها في الشاي المخدر، ثم تتخدر ويأتيها وهي لا تعلم بشيء، وبعد ذلك أحست بشيء في بطنها، فذهبت إلى الدكتور، تقول: يوجد شيء يضايقني، ولم تعلم أنها حاملة، قالوا لها: أنتِ حامل، قالت: أنا أرملة منذ (20) سنة، قالوا: من معك في البيت؟ قالت: ليس معي أحد، وبعد ذلك حُقِق في الموضوع واعترف هذا -والعياذ بالله- ولا أعلم أَقُتِلَ أم لم يقتل، لكن يقولون: إنه ليس له توبة، يقول: هذا الرجل ليس له توبة، قلت: لم؟ قال: لأنه عمل جريمة، قلت: مهما كان حتى هذا الذي فعل هذه الجريمة له توبة إذا تاب؛ لأن الله تبارك وتعالى قال في القرآن الكريم: وَالَّذِينَ لا يَدْعُونَ مَعَ اللَّهِ إِلَهاً آخَرَ [الفرقان:68] والشرك أعظم من هذا وَلا يَقْتُلُونَ النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللَّهُ إِلَّا بِالْحَقِّ وَلا يَزْنُونَ [الفرقان:68] كل هذه جرائم لكن وَمَنْ يَفْعَلْ ذَلِكَ يَلْقَ أَثَاماً * يُضَاعَفْ لَهُ الْعَذَابُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَيَخْلُدْ فِيهِ مُهَاناً * إِلَّا مَنْ تَابَ [الفرقان:68-70].

    فمن تاب تاب الله عليه، وهناك شريط أدلكم عليه بعنوان: هل من توبة قبل الموت؟ موجود الآن في المحلات، وهو شريط قيم جداً، وهو يفتح الأمل بإذن الله لمن كان يفعل المعاصي بأن يتوب إلى الله، هذه محاضرة ألقيت في مثل هذا اليوم، في الأسبوع الماضي في الدمام ، ألقيتها بعنوان: هل من توبة قبل الموت؟ أتيت فيها بجميع الآيات والأحاديث التي وردت في فضل التوبة، وإذا رأيت أي شخص عاصياً فأعطه هذا الشريط لكي يسمعه، فإنه بإذن الله يفتح قلبه ويتوب إلى الله عز وجل؛ لأن من الناس من يريد أن يتوب لكن يقول: كيف أتوب، أتوب وأنا قد عملت وعملت، فيأتي الشيطان فيقول: ليس لك توبة، فيحبسه عنها، لكن لو عرف أن التوبة واجبة وآتية إن شاء الله، فإن الله عز وجل يفتح له بابها بإذن الله عز وجل.

    أسأل الله الذي لا إله إلا هو أن يرزقني وإياكم توبة قبل الموت، ورحمة بعد الموت، وجنة في الآخرة، ونجاة من النار.

    والله أعلم، والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.