إسلام ويب

الصوتيات

  1. الصوتيات
  2. محاضرات مفرغة
  3. سعيد بن مسفر
  4. دور رجل الأعمال في الدعوة إلى الله

دور رجل الأعمال في الدعوة إلى اللهللشيخ : سعيد بن مسفر

  •  التفريغ النصي الكامل
  • في محاضرة الشيخ حفظه الله في الغرفة التجارية وجه نصائح وتوجيهات للتجار، ابتدأها بذكر الحكمة من خلق الإنسان، ثم انتقل للحديث عن الدعوة إلى الله: من حيث مسئولياتها، وأولوياتها، وموقفنا من الدعوات المنحرفة، وتطرق إلى أهمية التجار في الدعوة قديماً وحديثاً، ثم تكلم عن أسس مهمة من أسس الدعوة، منها: الشعور بالمسئولية، والتخطيط السليم ببرامج مدروسة والتهيئة العلمية والنفسية، واستغلال الطاقات البشرية ... ثم تحدث عن توجيهات مهمة تتضمن حقيقة الاستثمار والإنفاق، وبعض أحكام التجارة ...

    1.   

    أهمية معرفة الهدف من خلق الإنسان

    الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على أشرف الأنبياء وسيد المرسلين، نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.

    وبعد:

    أيها الأحبة: هذا الموضوع هو عن دور رجل الأعمال في الدعوة إلى الله عز وجل، وهو موضوع هام؛ لأنه يتناول شريحة من شرائح المجتمع تملك إمكانات وقدرات لو سخرتها التسخير الشرعي الصحيح لحقق الله عز وجل على يديها الخير الكثير والنصر المبين لهذا الدين العظيم.

    وقبل أن أبدأ بطرح هذا الموضوع أود أن أعطي فكرة عما يغيب عن أذهان الناس في هذا الزمان في معظم بقاع الأرض عن الغاية والهدف الذي من أجله خلقهم الله سبحانه وتعالى، وفي ظل غياب هذه الأهداف فقد الإنسان قيمته، وأصبح يعيش حياة بدون معنى؛ لأنه لا يدري لماذا يعيش، وحينما تضيع هذه الأهداف أيضاً يستغرق الإنسان في متع الحياة ولذائذها وشهواتها، ويقضي عمره ولم يشبع من هذه الشهوات.

    لقد ظن قوم أن الهدف هو المتاع فتنافسوا عليه، وسقطوا بهذه الاهتمامات من كرامتهم التي أرادها الله عز وجل لهم، إذ أن من يعيش وهمه الشهوات إنما يعيش بعقليات البهائم التي لا هم لها إلا هذه الأمور، ولذا فالكفار مهما بلغوا من التقدم والرقي المادي إلا أن اهتماماتهم هي اهتمامات البهائم، يقول الله عز وجل فيهم: وَالَّذِينَ كَفَرُوا يَتَمَتَّعُونَ وَيَأْكُلُونَ كَمَا تَأْكُلُ الْأَنْعَامُ وَالنَّارُ مَثْوىً لَهُمْ [محمد:12] ويقول عز وجل: أَمْ تَحْسَبُ أَنَّ أَكْثَرَهُمْ يَسْمَعُونَ أَوْ يَعْقِلُونَ إِنْ هُمْ إِلَّا كَالْأَنْعَامِ بَلْ هُمْ أَضَلُّ سَبِيلاً [الفرقان:44] ليتهم مثل الإنعام لكنهم أضل من البهائم والأنعام؛ لأن تفكيرهم مثل تفكير البهائم، أي إنسان منهم تسأله: لماذا تعيش ؟ فسيقول: لآكل، لأشرب، لأتمتع.

    إن البهائم لو استطعنا الآن أن نتكلم معها وقلنا: ما هي اهتماماتها؟ ما هي آمالها في الحياة؟ لوجدنا نفس الاهتمامات مع فرق نوعي.

    أي أن الإنسان باعتبار أنه إنسان عنده عقل وتفكير وقدرة على الإبداع والاختراع والإيجاد استطاع أن يطور نفسه، بحيث يسكن في ناطحات السحاب، ويسبح في الفضاء، ويطوع المادة لخدمة نفس الأهداف التي تهدف إليها البهائم.

    وخسر الإنسان -حقيقةً- قيمته وكرامته التي أرادها الله وَلَقَدْ كَرَّمْنَا بَنِي آدَمَ [الإسراء:70] بماذا كرمه الله؟ بهذا الدين العظيم.

    وظن آخرون أن الله عز وجل خلق هذه الحياة عبثاً، وقد أبطل الله سبحانه وتعالى هذا الظن، وكذَّب هذا الزعم، وقال في كتابه الكريم: أَفَحَسِبْتُمْ أَنَّمَا خَلَقْنَاكُمْ عَبَثاً وَأَنَّكُمْ إِلَيْنَا لا تُرْجَعُونَ * فَتَعَالَى اللَّهُ الْمَلِكُ الْحَقُّ [المؤمنون:115-116] تعالى الله عن العبث! لا إله إلا هو! ويقول عز وجل: وَمَا خَلَقْنَا السَّمَاءَ وَالْأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا بَاطِلاً [ص:27] يعني: عبثاً ذَلِكَ ظَنُّ الَّذِينَ كَفَرُوا فَوَيْلٌ لِلَّذِينَ كَفَرُوا مِنَ النَّارِ [ص:27] ويقول عز وجل: وَمَا خَلَقْنَا السَّمَاءَ وَالْأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا لاعِبِينَ [الأنبياء:16] يعني: عابثين لَوْ أَرَدْنَا أَنْ نَتَّخِذَ لَهْواً لاتَّخَذْنَاهُ مِنْ لَدُنَّا إِنْ كُنَّا فَاعِلِينَ * بَلْ نَقْذِفُ بِالْحَقِّ عَلَى الْبَاطِلِ فَيَدْمَغُهُ فَإِذَا هُوَ زَاهِقٌ وَلَكُمُ الْوَيْلُ مِمَّا تَصِفُونَ [الأنبياء:17-18].

    ثم إن الناظر والمتأمل في الكون وسماواته وأرضه وشمسه وقمره ونجومه وكواكبه وبحره وبره وأنهاره وأشجاره وما بث الله فيه من المخلوقات، ما فيها من الدقة والتدبير والحكمة والتقدير من أصغر جزء في المادة وهو الذرة إلى أعظم جزء في الدنيا وهي المجرة يشهد أنها خلقت كلها لحكمة.

    إذاً: ما هي الحكمة التي خلق الله الناس من أجلها؟ وهل بإمكان الناس أن يعرفوها من عند أنفسهم؟ لا. مهما كان ذكاء الإنسان، ومهما كانت عبقريته لا يستطيع أن يعرف لماذا خلق.. لماذا؟ لأنه لم يخلق باختياره وإنما جيء به، لو أنه جاء باختياره لعرف لماذا جاء، لكن يجاء به من غير اختيار، لا يدري من الذي جاء به، وهل أُخذ رأيك -أيها الإنسان- يوم خُلقت، وهل أنت جئت باختيارك؟ لا إِنَّا خَلَقْنَا الإِنْسَانَ [الإنسان:2] لماذا خلقك؟ أنت لا تعرف! فمن الذي يعرف؟ الذي خلقك، فاسأل الله لماذا خلقك؟

    وأنا جئتكم الآن من مكة باختياري، ولذا لو سألني أحد في الطريق: إلى أين؟ لقلت: إني ذاهب إلى جدة، إلى الغرفة التجارية، لدرس أو محاضرة. لكن لو أنني خرجت من بيتي ووقفت عندي سيارة، ونزل منها رجال مسلحون متنكرون، وأداروا أكتافي ووضعوا القيد في يدي ورجلي، ووضعوني في سيارتهم، وذهبوا بي إلى الصحراء أو الجبال ورموني في حفرة أو كوخ، ويأتي شخص ويسألني: لماذا أنت هنا؟ ماذا أقول له؟ أقول له: لا أدري. لأني أُخذت، وكذلك أنت أيها الإنسان! لماذا جئت؟ لا تدري!

    عبادة الله هي الحكمة من خلق الإنس والجن

    أيها الإخوة! لقد كانت وظيفة الأنبياء والرسل من أولهم إلى آخرهم بيان الحكمة التي من أجلها خلق الله الناس، ما جاء نبي يدعو الناس إلى الإيمان بوجود الله؛ فإن وجود الله مما استقر في فِطَرِ الناس، فقد فَطَرَ الله الناس على الإيمان بوجوده، يقول الله: فَأَقِمْ وَجْهَكَ لِلدِّينِ حَنِيفاً فِطْرَتَ اللَّهِ الَّتِي فَطَرَ النَّاسَ عَلَيْهَا لا تَبْدِيلَ لِخَلْقِ اللَّهِ ذَلِكَ الدِّينُ الْقَيِّمُ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لا يَعْلَمُونَ [الروم:30] إن الله حينما خلق الإنسان فطره على الإيمان به، ولهذا (كل مولود يولد على الفطرة) فطرة الإسلام، لكن المسخ والتغيير يأتي من المؤثرات، وعَبَّر الحديث بقوله: (فأبواه) لأن التأثير الأكبر إنما هو للأبوين، لكن اليوم لم يعد الأبوان فقط، بل الأبوان وشياطين كثر يؤثرون في حياة الناس.

    فالأنبياء والرسل كل رسالاتهم تبين لماذا خلقك الله، يقول عز وجل: وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ مِنْ رَسُولٍ إِلَّا نُوحِي إِلَيْهِ أَنَّهُ لا إِلَهَ إِلَّا أَنَا فَاعْبُدُونِ [الأنبياء:25] ويقول عز وجل: وَلَقَدْ بَعَثْنَا فِي كُلِّ أُمَّةٍ رَسُولاً أَنِ اعْبُدُوا اللَّهَ [النحل:36] ويقول عز وجل: وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالإِنْسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ [الذاريات:56] والحصر بين (ما) و(إلا) يفيد أن الغرض هو العبادة فقط، ما خلَقَنا الله لنأكل ونشرب ونتوظف ونبني ونتزوج.. بل لنعبد الله فقط، ولا يعني هذا أننا لا نأكل ولا نشرب ولا نتزوج أو نتوظف.. لا، نحن نأكل ونشرب ونتزوج وندرس ونتوظف ونبني ونسكن لنعبد الله، كل هذه إنما هي وظائف جانبية أو هامشية مساعدة تُسخر لخدمة الغرض الأساسي وهو العبادة، لكن -وللأسف الشديد- انشغل الناس بالأهداف المساعدة عن الهدف الأساسي الذي من أجله خلق الله الإنسان.

    وأذكر أنني كنت قبل سنوات مسافراً من أبها إلى مكة عبر طريق الساحل، ثم وقفت أتزود بالوقود من إحدى المحطات، وبينما أنا أقف وإذ بي أحس بالسيارة ترقص! فنظرت فإذا تسجيلات غنائية ينبعث منها موسيقى غربية يسمونها (الديسكو) عبر سماعات من أضخم ما يكون ترج الأرض رجاً، وإذا بسيارتي ترقص وأنا أرقص، فأطفأت السيارة ونزلت وقصدته، فلما رآني خفض صوت الموسيقى، وأنا أرى الأشرطة تتراقص على الرفوف من قوة الصوت، فلما دخلت سلمت عليه ورد علي، قلت له: يا أخي! يقول الله عز وجل: وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالإِنْسَ إِلَّا [الذاريات:56] وسكتُّ! فقال: لِيَعْبُدُونِ [الذاريات:56] قلت: أأنت متأكد؟ قال: نعم. قلت: إلا ليعبدون أو إلا ليلعبون؟ قال: أستغفر الله يا شيخ! إِلَّا لِيَعْبُدُونِ [الذاريات:56]. قلت: أسألك بالله لو كان هكذا كما تفعل أنت يكون إلا ليعبدون أو يلعبون؟ فسكت. قلت: أخبرني؟ قال: لا والله -يا شيخ- يلعبون. قلت: ليتك تلعب بمفردك، إنك تلعب وتجعل الأمة تلعب، ما من شريط يباع من دكانك هذا إلا وعليك إثمه إلى يوم القيامة، إن الله خلق الناس للعبادة وأنتم جعلتموهم يلعبون ولا يعبدون الله. قال: حسناً، وماذا أصنع يا شيخ؟ قلت: يا أخي غيِّر هذا النشاط، مجالات الرزق كثيرة، أما وجدت إلا هذا المجال الخبيث الذي يضر دينك وعقيدتك، تصرف الناس عن الله، وتقطع الطريق بين العباد وبين خالقهم، وتنشر الباطل؟! قال: إن شاء الله. وذهبت وتركته.

    ومرت سنوات وأتيت في مناسبة أخرى، وتعمدت أن أقف عند تلك المحطة لأرى أتلك البذرة نفعت أو لم تنفع؟ ووقفت ونزلت إلى الدكان، وإذا ببقالة وإذا بالرجل نفسه، فسلمت عليه، ولم يعرفني، قلت: يا أخي الكريم! يقول الله عز وجل: وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالإِنْسَ إِلَّا [الذريات:56] وسكتُّ! قال: هو أنت؟ قلت: هو أنا، ويقبل عليَّ ويسلم عليَّ، ويقول: جزاك الله خيراً يا شيخ! والله من ذلك اليوم ما بعت شريطاً واحداً، وقد خلف الله علي برزق وبركة وأمن وراحة في قلبي، من قبل كنا -والله- بالفعل نطرب ونسمع الأغاني ونكسب، لكن هنا شيء مثل النار في قلبي لست راضياً عنه -يعرف أن هذا العمل سيء وأنه سوف يُسأل عنه إذا مات- لكن الآن قلبي مستريح مطمئن، لا أبيع إلا الحلال ولا أمشي إلا في حلال. قلتُ: الحمد لله.

    شمولية العبادة لجزئيات الحياة

    تأمل لم خلق الله الناس؟ أليس للعبادة؟ بلى، ولكن بمفهومها الشرعي الواسع الشامل الذي ينظم كل جزئية من جزئيات حياتك، ليست العبادة -أيها الإخوة- محصورة فيما يفهمه الناس أنها الصلاة، والزكاة، والصوم، والحج، هذه أركان العبادة وأسس الدين، لكن العبادة كما يعرفها شيخ الإسلام ابن تيمية : (اسم جامع لكل ما يحبه الله ويرضاه من الأقوال والأعمال الظاهرة والباطنة). أفعالك تتحول كلها عبادات، حتى جعل النبي صلى الله عليه وسلم إبعاد الأذى عن الطريق صدقة -وإن كان عمل البلدية!- وجعل تبسمك في وجه أخيك صدقة، بل أعظم من هذا، فقد قال النبي عليه الصلاة والسلام لأصحابه في يوم من الأيام: (وفي بضع أحدكم صدقة) فتعجب الصحابة! كانوا يظنون أن الصدقات تكون في الجهاد والإنفاق في سبيل الله، كيف يأتي الرجل زوجته ويكون له بذلك أجر من الله عز وجل؟! قالوا: (أيأتي أحدنا شهوته ويكون له أجر؟! قال : أرأيتم إن وضعها في حرام أكان عليه وزر؟ قلنا: بلى يا رسول الله. قال: وكذلك إذا وضعها في الحلال كان له أجر). هذا الدين عظيم يتيح لك الفرصة للدخول على الله من كل ميدان.

    هذا المفهوم للعبادة حملته الرسل، ولا تأتي أمة إلا ويبعث الله فيها رسولا، قال عز وجل: وَإِنْ مِنْ أُمَّةٍ إِلَّا خَلا فِيهَا نَذِيرٌ [فاطر:24] وقال: وَلِكُلِّ قَوْمٍ هَادٍ [الرعد:7] وقال: رُسُلاً مُبَشِّرِينَ وَمُنْذِرِينَ لِئَلَّا يَكُونَ لِلنَّاسِ عَلَى اللَّهِ حُجَّةٌ بَعْدَ الرُّسُلِ وَكَانَ اللَّهُ عَزِيزاً حَكِيماً [النساء:165] هؤلاء الرسل يُرسلون إلى الأمم، وكلما انقرضت رسالة وخلت الأرض من الهدى بعث الله رسولاً بنفس المبدأ والمنهج، المنهج واحد: وهو دعوة الناس إلى عبادة الله وحده وتوحيده، وإن اختلفت الشرائع من رسالة إلى رسالة، كما قال عليه الصلاة والسلام: (نحن معاشر الأنبياء أولاد علات، ديننا واحد وأمهاتنا شتى) الرسالة واحدة وهي التوحيد، والشرائع مختلفة لِكُلٍّ جَعَلْنَا مِنْكُمْ شِرْعَةً وَمِنْهَاجاً [المائدة:48] إلى أن ختم الله عز وجل الرسالات برسول الإسلام محمد صلى الله عليه وسلم وليس بعده نبي، قال: رَسُولَ اللَّهِ وَخَاتَمَ النَّبِيِّينَ [الأحزاب:40] ومن ضمن عقيدة المسلم أن يؤمن بأنه لا نبي بعد محمد صلى الله عليه وسلم، ومن اعتقد أن هناك نبياً يبعث بعد محمد صلى الله عليه وسلم فقد كفر؛ لأنه كَذَّب ما هو معلوم من الدين بالضرورة.

    1.   

    الدعوة إلى الله وتحميل تبعاتها للمسلمين

    كان الأنبياء عليهم السلام يدعون إلى دين الله، وكذلك النبي صلى الله عليه وسلم فهو خاتم الأنبياء وبعد ذلك أتاه الموت، كما قال الله: إِنَّكَ مَيِّتٌ وَإِنَّهُمْ مَيِّتُونَ [الزمر:30] وقال: وَمَا جَعَلْنَا لِبَشَرٍ مِنْ قَبْلِكَ الْخُلْدَ أَفَإِنْ مِتَّ فَهُمُ الْخَالِدُونَ * كُلُّ نَفْسٍ ذَائِقَةُ الْمَوْتِ ... [الأنبياء:34-35] هل بقاء الدين واستمراريته مرهون ببقاء النبي صلى الله عليه وسلم؟ لو كان ذلك لما اختاره الله إلى جواره ولما مات؛ من أجل أن يستمر الدين، لكن الله قضى أن يموت محمد صلى الله عليه وسلم، وأن تبقى الرسالة إلى يوم القيامة.

    والأجيال التي تأتي من يدعوها إلى الله؟ لم يعد هناك رسول يُبعث، والرسول الخاتم مات، فلم يجعل الله سبحانه وتعالى مسئولية الدعوة في هذه الأمة على الرسول فقط وإنما عليه وعلى كل من تبعه إلى يوم القيامة، قال الله عز وجل: قُلْ هَذِهِ سَبِيلِي أَدْعُو إِلَى اللَّهِ عَلَى بَصِيرَةٍ أَنَا [يوسف:108] أنا وحدي فقط، لا وَمَنِ اتَّبَعَنِي [يوسف:108] إذاً ليس لك خيار في المسألة، ما دمت اتبعت الرسول فيلزمك أن تكون داعية شئت أم أبيت، ولم يكن أحد -أيها الإخوة- من الصحابة يفهم أن بإمكانه أن يعيش مسلماً دون أن يكون داعية إلى الله.

    بل كان الرجل منهم يسْلم ويأخذ حديثاً أو حديثين أو آية أو آيتين ويرجع مباشرةً إلى قومه داعية، ولما كان النبي صلى الله عليه وسلم يصلي، وكان هناك مجموعة من الجن من وادي نصيبين في اليمن فمروا فصرفهم الله عز وجل لحضور القرآن وسماعه، وذكر الله القصة في سورة الأحقاف: وَإِذْ صَرَفْنَا إِلَيْكَ نَفَراً مِنَ الْجِنِّ يَسْتَمِعُونَ الْقُرْآنَ فَلَمَّا حَضَرُوهُ قَالُوا أَنْصِتُوا فَلَمَّا قُضِيَ وَلَّوْا إِلَى قَوْمِهِمْ مُنْذِرِينَ [الأحقاف:29] دعاة من أول ليلة يَا قَوْمَنَا أَجِيبُوا دَاعِيَ اللَّهِ [الأحقاف:31] لماذا؟ حتى يستمر هذا الدين بعد موت النبي صلى الله عليه وسلم.

    وهناك دعوة مضادة يقوم بها اليهود والنصارى لمسخ الإسلام وعودة الناس إلى الكفر، كما قال الله عز وجل: وَلَنْ تَرْضَى [البقرة:120] و(لن) هنا: الأبدية وَلَنْ تَرْضَى عَنْكَ الْيَهُودُ وَلا النَّصَارَى حَتَّى تَتَّبِعَ مِلَّتَهُمْ [البقرة:120] ليس حتى تترك دينك فقط. لا. هم سيجعلونك تخرج من دينك كخطوة أولى، والخطوة الثانية هي أن تصير مثلهم، ويقول عز وجل: وَدَّ كَثِيرٌ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ لَوْ يَرُدُّونَكُمْ مِنْ بَعْدِ إِيمَانِكُمْ كُفَّاراً حَسَداً مِنْ عِنْدِ أَنْفُسِهِمْ مِنْ بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُمُ الْحَقُّ [البقرة:109] ويقول: وَدُّوا لَوْ تَكْفُرُونَ كَمَا كَفَرُوا فَتَكُونُونَ سَوَاءً [النساء:89] فالدعوة المضادة مستمرة من اليهود والنصارى وأعداء الدين والملل، وأبناء الإسلام لا يدعون، إذاً كيف يبقى هذا الدين؟

    حتى يبقى هذا الدين باعتباره الدين الذي أراده الله، ولأنه ليس هناك دين غير الإسلام قال جل وعلا: وَمَنْ يَبْتَغِ غَيْرَ الإِسْلامِ دِيناً فَلَنْ يُقْبَلَ مِنْهُ وَهُوَ فِي الْآخِرَةِ مِنَ الْخَاسِرِينَ [آل عمران:85] .. إِنَّ الدِّينَ عِنْدَ اللَّهِ الإِسْلامُ [آل عمران:19]؛ جعل الله سبحانه وتعالى مسئولية هذا الدين على كل مسلم.

    أولويات في الدعوة إلى الله

    أيها الإخوة! كلنا سنسأل عن التوحيد وقضايا الإيمان؛ وهذا الدين هل بلغنا؟ وماذا عملنا له؟ لأنه مسئوليتنا، من نتوقع أن يقوم بهذا الدور غيرنا؟ وليس معنى هذا أن يكون الداعية خطيباً على المنابر فحسب .. لا، فالدعوة لها أساليب وطرق ومجالات كثيرة، منها ما لا يعذر فيه الإنسان: وهي دعوة الإنسان لنفسه إلى الله، هل يُعذر أحد في هذا؟ هل يقول: أنا لا أقدر أن أدعو نفسي إلى الله؟ لا.

    ففي ظل الاتحاد السوفيتي المنهار والذي مارست فيه الشيوعية صنوفاً متعددة من القمع في سبيل إبعاد الناس عن عقيدتهم، فسدت الشيوعية وانهارت وبقي الإسلام في صدور أولئك الرجال، وما استطاعت أن تسيطر عليهم أو تمنعهم من الإسلام.. لماذا؟ لأنه عقيدة.

    هذه مسئوليتك: أن تدعو نفسك إلى الله، لا تدعو الناس كلهم، أولاً ادعُ نفسك فقط، ولو أن المسلمين دعوا إلى الله بهذا القدر فقط لعم الخير، أي: لو أن كل مسلم دعا نفسه إلى الله؛ لما احتجنا إلى كل هذه الجهود التي تبذل الآن في دعوة المسلمين ولوفرناها لدعوة غير المسلمين. إن العلماء والدعاة والعاملين في الدعوة يركزون الآن جهودهم كلها لدعوة المسلمين.. لماذا؟ لأنهم يقولون: إن المسلمين الآن يخرجون من الدين، أنت عندما تكون طبيباً وتجد شخصاً ميتاً وآخر مريضاً، من تعالج المريض أو الميت؟ تعالج المريض؛ لأن الآخر ميت، فالأمة الإسلامية الآن فيها مرض، ولهذا الدعاة كلهم متوجهون لاستعادة الحياة فيها.

    لقد ضاع الجهد وصرف في المسلمين على حساب دعوة غير المسلمين، لكن لو أن كل مسلم دعا نفسه إلى الله، وأقامها على صراط الله المستقيم، وألزمها عقيدة صافية، وعبادة خالصة، وسلوكاً مستقيماً، وتعاملاً سليماً، وحياة طاهرة نظيفة في نفسه، ثم انتقل بهذا الدين الذي حمله إلى أسرته ومحيطه الضيق، هل يوجد أحد يستطيع أن يقول: لا أستطيع أن أربي زوجتي على الدين؟ من الذي يدخل معك في بيتك ويقول لك: لا تقل لها: صلِّ؟! هذه مسئوليتك، ثم انتقل إلى أولادك وبناتك وأقم أسرة مسلمة، فإذا نشأ مع الأسرة المسلمة مسلم ومسلمة، وتكوّن المجتمع المسلم من اللبنات التي هي الأسر الصالحة، ومع هذا المجتمع مجتمع ثانٍ، وانتصر الدين، وظهر دين الله في الأرض، فإذا رأى الكفار الإسلام ممثلاً في حياة الناس دخلوا في دين الله أفواجاً، لكن حينما يتخلى الإنسان عن هذه المسئولية ويقول: هذا ليس عملي، هذا على الدعاة والمشايخ، أما أنا فليس عليَّ شيء. حتى نفسك ألا تدعوها؟ فكيف تكون داعية إلى الله سبحانه وتعالى؟!!

    لذا -أيها الإخوة- لا بد من الإحساس والشعور بهذه المسئولية؛ لأن الدعوة وظيفة هذه الأمة، والدعوة مسئوليتنا، والسائل لنا هو الله، والإجابة عنها صعبة، والنتيجة: إما إلى الجنة وإما إلى النار.

    استغلال الأموال في الدعوة إلى الله

    هذه الدعوة -أيها الإخوة- يجب أن يمارسها المسلم من خلال وضعه الذي يعيشه، فالطبيب والمهندس والضابط والموظف والمرأة والمزارع بإمكانهم أن يكونوا دعاة إلى الله، لكن أبرز الناس قدرة على الدعوة إلى الله بالمال هو التاجر وذلك لأن عنده إمكانية.

    لقد مارس سلفنا وسلفكم التجار هذا، ونصر الله بهم الدين، وتعرفون الأمثلة:

    خديجة رضي الله عنها سخرت أموالها لخدمة الدعوة بعد بعثة النبي صلى الله عليه وسلم.

    أبو بكر رضي الله عنه يقول فيه النبي صلى الله عليه وسلم: (ما نفعني مال كمال أبي بكر ).

    عثمان رضي الله عنه تاجر الصحابة في غزوة العسرة، جاءت تجارته من الشام بثلاثمائة بعير بأحلاسها وأقتابها، محملة بالسمن والدقيق، في زمن مجاعة، وكانت الأرض مثل الرماد، وسمي ذلك العام بعام الرمادة، انحبس المطر حتى أصبحت الأرض مثل الرماد، ولا يوجد هناك إلا ما يأتي من السماء، والناس في شدة وضيق، ولما جاءت القافلة بثلاثمائة بعير قام التجار كلهم في المدينة من أجل أن يكسبوا، فأعطوه في الدينار ديناراً -أي: مكسب (100%)- قال: أُعطيتُ أكثر. فأعطي ديناران في الدينار -أي: (200%)- قال: أُعطيتُ أكثر. ويعرفون أنه صادق لا يكذب، ليس مثل بعض التجار يقول: أُعطيتُ أكثر. وهو كاذب، إذا قال هذا الكلام وجاءه ربح أكثر بناءً على كلمته فدخله حرام (100%)؛ لأن ذاك صدقه! مثلاً: يقال للبائع: السيارة هذه بكم؟ قال: أُعطيتُ فيها ثلاثين ألفاً. ولم يعطَ ذلك المبلغ، إذاً لماذا تريد أن تزيد في السعر، ليعطيك فرقاً فيعطيك واحداً وثلاثين ألفاً، لأنك افترضت ثلاثين كذباً، إذاً هذا الدخل حرام.

    أما عثمان فصادق - ذو النورين الذي تستحي منه الملائكة رضي الله عنه وأرضاه- قال: أعطيت أكثر. حتى وصلت إلى خمسة -أي: (500%)- قال: أُعطيتُ أكثر. فاجتمع التجار كلهم، قالوا: من الذي أعطاه؟ نحن كلنا تجار المدينة، هل هناك أحد جاء من السماء؟ لا يوجد إلا نحن، والرجل لا يكذب، ثم جاءوا إليه وقالوا: قد تشاورنا ولم نجد أحداً أعطاك أكثر مما أعطيناك، فمن أعطاك؟ قال: أعطاني الله، أعطاني في الدينار عشرة دنانير إلى أضعاف كثيرة، قال: هي في سبيل الله. فلما أعطى النبي صلى الله عليه وسلم ثلاثمائة بعير محملة قال فيه: (ما ضر عثمان ما صنع بعد اليوم) هذا هو المال الرابح أيها الإخوة!

    أبو الدحداح رضي الله عنه وأرضاه لما سمع قول الله عز وجل: مَنْ ذَا الَّذِي يُقْرِضُ اللَّهَ قَرْضاً حَسَناً [البقرة:245] قال: [ربنا يستقرضنا؟ قال: اقرأ بقية الآية فَيُضَاعِفَهُ لَهُ أَضْعَافاً كَثِيرَةً وَاللَّهُ يَقْبِضُ وَيَبْسُطُ وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ [البقرة:245]] الله غني، لا يستقرض منك لأنه فقير، لكن من أجل أن يزيد ويضاعف لك الأجر.

    وأبو طلحة لما نزل قوله تعالى: لَنْ تَنَالُوا الْبِرَّ حَتَّى تُنْفِقُوا مِمَّا تُحِبُّونَ [آل عمران:92] قال: يا رسول الله أحب مالي بيرحاء -وهو بستان في المدينة - أشهدك أنها لله عز وجل، قال: (بخٍ! ذاك مال رابح! ذاك مال رابح! ذاك مال رابح!).

    وهكذا استمرت -أيها الإخوة- أيادي الدعوة والخير تنتقل، بل دخل دين الإسلام عن طريق التجار إلى دول مثل: إندونيسيا، وماليزيا، وتايلاند، وسنغافورة، فهذه البلاد فيها مئات الملايين من المسلمين، لم تفتح بلادهم عنوة ولا بالسيف وإنما بالتجار المسلمين الذين كانوا يحملون هَمَّ الدعوة، انتقلوا بالتجارة ومعهم الإسلام فدعوا إلى الله سبحانه وتعالى، دعوا إلى الله بألسنتهم وبفعلهم وتطبيقهم، فدخلت تلك الدول في دين الله.

    1.   

    أسس ومقومات الدعوة إلى الله

    أيها الإخوة: بالإمكان أن يمارس رجال الأعمال في هذا الزمان نفس الدور الذي مارسه أسلافهم في الزمان الأول، وأن يصدروا هذا الدين للعالم كله يوم أن يحملوا هَمَّ هذا الدين؛ وحتى يقوموا بهذا الدور لا بد من مراعاة بعض الأمور:

    الشعور بالمسئولية

    وهذا يبدأ كقاعدة وأساس: الإحساس والشعور بالمسئولية تجاه الدعوة إلى الله سبحانه وتعالى لهذا الدين.

    وهذا يحصل إذا بدأ الإنسان يفكر فيه ، لكن إذا لم تحصل عنده فكرة أصلاً أنه مسئول عن الدين كيف يهتم؟!

    التخطيط السليم

    الأمر الثاني: التخطيط السليم، واستشارة المختصين من العلماء والدعاة والمهتمين، ووضع (البرامج) المدروسة للتعرف على مجالات وأساليب العمل الدعوي التي يمكن أن يسلكها التاجر.

    نحن نعرف -والحمد لله- أن التجار الأثرياء يقومون بجهود طيبة خيرية، لكن معظمها إغاثي، أو عمل خيري في بناء مساجد، أو مساعدات في الملاجئ أو في أي شيء، لكن هذا كله ليس كالعمل الدعوي؛ لأنه صدقة جارية! أنت إذا عملت عملاً ينقطع أجره ليس كعملٍ يجري أجره دائماً، والذي يجري دائماً هو الدعوة؛ ففي الحديث المتفق عليه يقول عليه الصلاة والسلام: (لأن يهدي الله بك رجلاً واحداً خير لك من حُمْر النعَم) فإذا سخرت مالك لدعوة غير المسلمين وأسلم واحدٌ منهم بسببك هذا في ميزانك يوم القيامة، تبعث يوم القيامة مبعث الأنبياء، لأنه جاء في الحديث الصحيح قال عليه الصلاة والسلام: (رأيت النبي ومعه الرجل، والنبي ومعه الرجلان، والنبي وليس معه أحد) فإذا جئت وأنت معك واحد أسلم على يديك بمالك تُبعث مبعث الأنبياء، وتكون سلسلة من الخير مستمرة إلى أن يرث الله الأرض ومن عليها، وأنت في قبرك والحسنات تأتيك، خصوصاً إذا أوقفت شيئاً من مالك للعمل الدعوي؛ لأن هذا التبرع المقطوع ينتهي، لكن إذا اختزنت شيئاً من مالك كعمارة أو كأرض كبيرة توقفها ليكون دخلها وريعها للدعوة إلى الله تكون أنت في قبرك والملايين من الحسنات تأتيك، وإلى متى؟ إلى أبد الآبدين.

    هذا الأمان الرابح، وهذا العمل العظيم يأتي عن طريق التخطيط والاستشارة للجهات التي تهتم بهذا الجانب والتي سوف نذكرها إن شاء الله.

    التهيئة النفسية للاهتمام بقضايا الدعوة

    أيضاً: لا بد للتاجر أو رجل الأعمال المسلم من التهيئة النفسية وذلك بكثرة الاطلاع على الكتب التي تعالج قضايا الدعوة كالمجلات والصحف والأشرطة الإسلامية، لا يكن طيلة النهار همك كله في التجارة حتى تصاب بالإرهاق، ولا تعرف إلا الهاتف، والفاكس، والأرصدة وسوق البورصة فقط ولا تذكر الله! بل اجعل لك وقتاً معيناً للاهتمام بالدين فقط، وظِّف عندك أناساً لخدمة هذا الغرض: يجمعون لك المعلومات، يعطونك الأخبار، تسمع منهم.. لماذا؟ لأنك أنت ابن الدنيا والآخرة، كم نسبة بقائك في الدنيا؟ ستون سنة، كم تبقى في الآخرة؟ إلى أبد الآبدين، كيف تضيع حياتك في ستين سنة وتضيع آخرتك فيها؟ وإذا بك تخرج من الدنيا لا دنيا ولا دين.. لا، فلابد من الاستعداد النفسي بحيث تجعل لك اهتمامات دينية عن طريق الاطلاع ومعرفة العالم الإسلامي وأحوال المسلمين في كل مكان.

    استغلال الطاقات البشرية عن طريق الأموال

    هناك إمكانيات بشرية هائلة موجودة في الأمة لكن ينقصها الدعم المالي، وهذا في يد رجل الأعمال، إذ بإمكانه أن يسخر العديد من طلبة العلم والعلماء في كثير من بلدان العالم الإسلامي في الدعوة إلى الله، فيكفل مجموعة من الدعاة والعلماء، ويفتح المدارس الدينية، ويفتح المعاهد، ويفرغ طلاباً لدراسات عليا في بعثات في جامعات حتى يتخرج بسببه علماء، ويكون هذا الخير كله بسبب هذا المال الذي أعطاه الله سبحانه وتعالى.

    1.   

    غريزة حب المال والاستثمار الحقيقي مع الله

    لا نستطيع أن ننكر أن الله سبحانه وتعالى غرز في طباع الناس حب المال، يقول الله عز وجل: وَتُحِبُّونَ الْمَالَ حُبّاً جَمّاً [الفجر:20] ويقول: وَإِنَّهُ لِحُبِّ الْخَيْرِ لَشَدِيدٌ [العاديات:8] لا يوجد أحد في الدنيا يكره المال.. فقد حبب الله الناس في المال؛ لأن الإنسان خليفة الله في الأرض، ولا بد أن يعمرها، يعمرها بماذا؟ بالمال، ولذا فإن حب المال موجود عند كل إنسان حتى الطفل، انظر إلى الطفل الذي عمره سنة إذا أعطيته ريالاً وورقة أخرى أيهما يأخذ؟ يأخذ الريال ويدع الأخرى ولا يأخذها، بل حتى المجانين، يقول لي أحد الأطباء في مستشفى الأمراض العقلية في الطائف : والله يا شيخ سعيد! عندنا مجانين لا يفهمون شيئاً أبداً، لكن إذا رأى العملة فئة خمسمائة أو مائة عرفها وأخذها، يعود إليه عقله الذي قد غاب.

    المال .. والنقود!! كل إنسان يحب هذا المال، وكل إنسان يحب أيضاً الاستثمار خصوصاً التجار، فعقلياتهم عقليات تجارية استثمارية، حتى لو أردت أن تزاحم في التجارة وأنت لست صاحب اختصاص فإنك تخسر، ولذا بعض الناس يدخل في الميدان ويريد أن يصير تاجراً ويترك وظيفته، فنقول له: ابق في وظيفتك، ويا صاحب المهنة! ابق في مهنتك، التجارة لها أناس يفهمونها بالإشارة!

    هؤلاء المستثمرين أصحاب المال ورجال الأعمال غاب عن أذهانهم مجال من مجالات الاستثمار وهو الاستثمار في سبيل الله، ليس مجال الاستثمار في سبيل الله العائد عليه في الآخرة فقط.. بل هناك عائد جديد يحصل لك في الدنيا: وهو البركة والزيادة، يقول الله في القرآن الكريم: وَمَا أَنْفَقْتُمْ مِنْ شَيْءٍ فَهُوَ يُخْلِفُهُ [سبأ:39] أما عندك يقين في الله؟ الله يعدك أن أي شيء تنفقه في سبيل الله فهو يخلفه وَهُوَ خَيْرُ الرَّازِقِينَ [سبأ:39] فما دام أنك تعلم أن المال يرجع بالزيادة من يوم أن تنفق فلماذا لا تنفق؟؟ بل في الحديث: (ما نقص مال من صدقة).

    أنا أعرف -أيها الإخوة- قصة وقعت أمامي: فقد كنت خارجاً من الحرم في رمضان ومتجهاً بعد صلاة التراويح إلى سيارتي، وإذا بسيارة قريبة من الحرم لرجل أظنه ذا مكانة عالية، وسيارته من السيارات الفارهة فمررت بجانبه، ورأيته ممسكاً مقود السيارة ويمشي ببطء لأن الناس كثير، وإذا برجل فقير من الفقراء لحقه عندما رآه بسيارة، وقال: أعطني لله فقال هذا الرجل: على الله! وهذا الفقير قال: أنا أعلم أن رزقي على الله، لكني أريد أن أختبرك؛ لأن الله ابتلاني بالفقر فما صبرت، وأنت ابتلاك بالغنى فما أعطيتني، الله يعطيني، أنت لا تعطيني، أنا لا أريد منك شيئاً.

    وأنا أسمع الكلام وأرى الرجل وهو يتكلم بهذه الحدة، وكان هناك امرأة إفريقية تجلس على طرف الجدار وكانت تبيع بعض الحلوى، وعندما رأت المنظر وسمعت ما سمعته قامت وأعطت هذا الرجل المسكين ريالاً! أما صاحب السيارة تحرك على بعد عشرة أمتار ثم توقف.. تأثر وانتبه ضميره فوقف، ثم فتح الباب وأخرج من جيبه عشرة ريالات وراح يبحث عن الرجل فلم يجده، فأعطى الإفريقية عشرة ريالات. قلت: لا إله إلا الله! أنفقتْ ريالاً فرد الله لها عشرة ريالات وَمَا أَنْفَقْتُمْ مِنْ شَيْءٍ فَهُوَ يُخْلِفُهُ وَهُوَ خَيْرُ الرَّازِقِينَ [سـبأ:39] أهذا مجال استثماري أم لا؟ الله يقول: يَمْحَقُ اللَّهُ الرِّبا وَيُرْبِي الصَّدَقَاتِ [البقرة:276] .. وَمَا آتَيْتُمْ مِنْ زَكَاةٍ تُرِيدُونَ وَجْهَ اللَّهِ فَأُولَئِكَ هُمُ الْمُضْعِفُونَ [الروم:39].

    هذا مجال استثماري في الدنيا، هل هناك أحد تصدق أيها الإخوة؟ في الدنيا بمال وندم فقال: والله خسرت بالصدقة؟ لا، والله لا تخسر، بل تزيد وتزيد وتزيد، فأنت تنفق في سبيل الله فيأتيك الشيطان يقول: تصور أن المال نقص. فإذا جاءك هذا الإحساس فاستعذ بالله فإنه من الشيطان، والله يقول: الشَّيْطَانُ يَعِدُكُمُ الْفَقْرَ وَيَأْمُرُكُمْ بِالْفَحْشَاءِ وَاللَّهُ يَعِدُكُمْ مَغْفِرَةً مِنْهُ وَفَضْلاً وَاللَّهُ وَاسِعٌ عَلِيمٌ [البقرة:268] فضلاً، أي: رزقاً، فهذا المجال الاستثماري من أعظم مجالات تنمية المال، وما عرفنا أحداً سلك مسالك الإنفاق في سبيل الله إلا وفتح الله عليه أبواب الرزق من كل جانب.

    نعرف كثيراً منهم -ولا نذكر الأسماء- ويحدثوننا ويقولون: والله ما رأينا الخير إلا لما أنفقنا. لأنك عندما تعطي الله ماذا يحصل؟ ماذا يعطيك ربك وقد وعدك فَهُوَ يُخْلِفُهُ وَهُوَ خَيْرُ الرَّازِقِينَ [سـبأ:39] ثم أنت عندما تبخل تبخل عن نفسك أولاً.

    فائدة الإنفاق في سبيل الله في الدنيا والآخرة

    هناك بعض الناس يتصور أنه إذا أعطى فإنما يعطي من حقه، وهذا تصور خاطئ؛ لأن الله سبحانه وتعالى يقول: وَآتُوهُمْ مِنْ مَالِ اللَّهِ الَّذِي آتَاكُمْ [النور:33] ليس لك من المال شيء، وما حقيقة أمرك لما جئت من بطن أمك هل كان معك شيء؟ لقد جئت وأنت عارٍ واستقبلت في خرقة، وستعيش فترة من العمر ثم تخرج عارياً في خرقة أخرى وهي الكفن، فالمال مال الله ساقه إليك من حيث لا تحتسب، فأنفق من مال الله فليس من حقك وَآتُوهُمْ مِنْ مَالِ اللَّهِ الَّذِي آتَاكُمْ .. وَأَنْفِقُوا مِمَّا جَعَلَكُمْ مُسْتَخْلَفِينَ فِيهِ [الحديد:7]

    وما المال والأهلون إلا ودائع     ولا بد يوماً أن ترد الودائع

    انظر الآن في واقعنا كم من الأثرياء يموتون فبماذا يخرجون من الدنيا؟ لا شيء إلا الكفن! بل والله أعرف رجلاً من أكبر التجار عندنا في أبها اقترضوا له الكفن! نعم.. مات في ساعة متأخرة حوالي الساعة العاشرة، وأبها مدينة صغيرة، أهل الأسواق يقفلون محلاتهم في وقت مبكر، لا تجد بعد العاشرة إلا البقالات، أما أصحاب الملابس والأقمشة ينامون، من يشتري قماشاً في الساعة العاشرة في قرية بسيطة أو مدينة بسيطة مثل أبها ؟ فمات الرجل وغسلوه وقالوا: نريد كفناً. فذهبوا إلى الأسواق فلم يجدوا إلا (سوبر ماركت) أو أسواق مركزية، ويقولون: هل عندكم كفن؟ فيقال لهم: أعوذ بالله! فال الله ولا فالك، كل واحد يقول: فال الله ولا فالك، تريدنا أن نموت قبل آجالنا، لا يوجد كفن اذهب، ما يريدون أن يسمعوا كلمة (الكفن)، أخيراً قالوا: انظروا مؤذن المسجد لعله مدخرٌ كفناً لرجل فقير فيه خير، فجاءوه فقالوا: هل عندك كفن؟ قال: نعم عندي كفن قد هيئته لي لكن خذوه صدقة لوجه الله، يتصدق على من؟ على صاحب الملايين الذي لم يجدوا له من ماله حتى الكفن! إذاً: ما الفائدة من هذا المال، فاتقِ الله! وأنفق من مال الله الذي آتاك.

    يظن بعض الناس أنه إذا أنفق فإنما يعطي الناس وأنه يضيع ماله! لا، فإن الله يقول: وَمَا تُنْفِقُوا مِنْ خَيْرٍ فَلِأَنْفُسِكُمْ [البقرة:27] لماذا تكون عدو نفسك يا بن الإسلام؟ الله يقول: هَا أَنْتُمْ هَؤُلاءِ تُدْعَوْنَ لِتُنْفِقُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَمِنْكُمْ مَنْ يَبْخَلُ وَمَنْ يَبْخَلْ فَإِنَّمَا يَبْخَلُ عَنْ نَفْسِهِ [محمد:38] أنت تقول مالي مالي مالي، والحقيقة أنه ليس بمالك، وليس لك من مالك إلا ما أكلت فأفنيت، أو لبست فأبليت، أو تصدقت فأبقيت، وما بقي فهو للورثة، يقول عليه الصلاة والسلام لأصحابه يوماً من الأيام: (أيكم مال وارثه أحب إليه من ماله؟ قالوا: ما فينا أحد يا رسول الله، كل واحد منا يحب ماله، قال: بل كلكم مال وارثه أحب إليه من ماله، قالوا كيف؟ قال: ليس لك من مالك إلا ما أكلت فأفنيت، أو لبست فأبليت، أو تصدقت فأبقيت، وما سوى ذلك فللورثة).

    وفي ذات يوم يذبح النبي صلى الله عليه وسلم شاة، فقامت عائشة رضي الله عنها فتصدقت بها كلها ولم تبقِ إلا الكتف؛ لأن الرسول صلى الله عليه وسلم كان يحب الكتف والذارع، قال: (ما صنعت الشاة؟ قالت: ذهبت كلها إلا الكتف، قال: لا. قولي: بقيت كلها إلا كتفها) الذي نأكله هذا هو الذي ذهب، والذي أعطينا لله هو الذي يبقى؛ لأن الله يقول: مَا عِنْدَكُمْ يَنْفَدُ وَمَا عِنْدَ اللَّهِ بَاقٍ [النحل:96] (والمرء تحت ظل صدقته يوم القيامة).

    يحدثنا أحد المشايخ في أبها عن قصة حدثت قبل خمسين أو ستين سنة عن رجل كان في جبال تهامة مسافراً وفي ليلة شاتية باردة مطيرة ومظلمة، فدخل في غار من المطر الذي كاد أن يقضي عليه، فدخل غاراً وإذا به قبر، كان الناس في الماضي يجعلون الكهوف قبوراً يقول: ونام هذا المسافر من البرد ومن الجوع والسفر والتعب، وبينما هو نائم رأى رجلاً في القبر ومعه امرأته وعندهم بقرة يحلبونها ويشربون من لبنها، لكن لفت انتباهه أن هذه البقرة ليس عليها جلد، والدماء تخرج من جسدها، ليس لها جلد وهي واقفة تحلب، فسأل الرجل: ما هذه البقرة ومن أنت؟ قال: أنا من سكان هذه القرية وقبل سنوات حصلت مجاعة عندنا في القرية، ورأيت الناس في حاجة وكان عندنا هذه البقرة فذبحتها لوجه الله وتصدقت بلحمها كله للفقراء والمساكين، غير أن جلدها أخذته وبعته، فلما مت أعطاني الله عز وجل هذه البقرة بدلاً من بقرتي فأنا أحلبها، لكن ما عليها جلد. يقول: إنني أتأسف على الجلد، تمنيت أني أَتْبَعْتُ البقرةَ جلدَها حتى أُعطى بقرة بجلدها.

    فأنت حينما تتصدق بشيء إنما تعطي نفسك، لكن إذا لم تعط نفسك وأعطيت أولادك، من الذي سيتصدق عنك؟ هل أبناؤنا الآن قد بلغ عندهم الوعي الديني أو الإيمان بالله درجة بحيث إذا متنا قالوا: سوف نعمل له عملاً خيرياً؟ لا. ليس هناك أحد إلا النادر، وإنما يقولون: هذا المال مالنا أما أبونا فقد ذهب.

    أحد الناس في مكة جاءته مائة مليون تعويضات فوضعها في البنك ولم ينفق ولا مرةً ريالاً واحداً، حتى أنه لا يمشي إلا في (شبشب) ومضيق على أولاده وحياته وساكن في شقة، وكل ليلة وهو يَعُدّ ويتصل بالبنك قائلاً: كم الرصيد؟ كم الأسعار؟ فيراه الناس دائماً مشغولاً بالمال.. وأخيراً مات، فلما مات، رأى أولاده -وكانوا ستة أولاد- أن حجر العثرة قد ذهبت من طريقهم؛ لأنه كان يحول بينهم وبين متاع الحياة، وكانوا يدعون الله غداةً وعشياً أن الله يقبض روحه حتى يتمتعوا بهذا المال.

    فلما مات الرجل انطلقوا مباشرةً بعد أيام العزاء الثلاثة يجمعون مال أبيهم وأوراقه ورصيده واقتسموا الأموال وبدءوا مباشرةً يسحبون الرصيد، واشتروا لهم ست سيارات (مرسيدس بنز) كل واحدة تبلغ ثلاثمائة ألف، جاء عمهم من الطائف ، وإذا بهم أصبحوا في عمارة في العزيزية، وإذا بالسيارات الفخمة واقفة تلمع كلها! فتعجب قائلاً: ما هذا يا أولاد؟ قالوا: اسكت يا عم، راح (أبو شبشب!) هل تريد أن تكون هكذا يا أخي؟ لا أكلت ولا أبقيت ولا قدمت، هل تعتقد أن هؤلاء سيبنون مسجداً لأبيهم أو شيئاً ينفعه في قبره؟ لا. وإنما يقولون: لو كان فيه خير لوضع لنفسه، ما وضع لنفسه أنضع نحن عنه؟!

    وصحيح فيمن لا يضع لنفسه لن يضع له أولاده، فأنت لم تضع لأبيك فكيف أولادك يضعون لك؟!

    إذاً: الإنفاق في سبيل الله ليس للناس بل هو لك، فلا تكن عدو نفسك.

    الإنفاق في سبيل الله من علامات الإيمان

    الإنفاق في سبيل الله نصرةً للدعوة من أعظم الدلائل على الإيمان بالله سبحانه وتعالى، فإن المال محبوب، وعندما يقدمه الإنسان يدل على أنه مؤمن، وأن له جدوى عند الله، ولهذا يقول أبو الدرداء: [من كان له كنز فليكنزه في السماء فإن القلب معلقٌ بالكنز] فقلبك معلق بمالك، ومالك عند الله، فيبقى قلبك معلق بالله دائماً.

    لكن إذا لم تنفق فهذا برهان على أن إيمانك هزيل أو غير موجود؛ لأنك ترى أن الإنفاق ضياع ومهلكة لمالك، ولذا تقول: لا.

    إذاً: الإنفاق في سبيل الله من أعظم الدلائل على الإيمان بالله عز وجل.

    1.   

    الزكاة .. أحكامها ومصارفها

    هناك مسألة مهمة جداً ينبغي أن تسبق قضية الإنفاق التطوعي، وهي قضية: إخراج الزكاة، فإن الزكاة ركن من أركان الدين، قرنها الله عز وجل بالصلاة في كل القرآن؛ لأن الصلاة عبادة بدنية قد يسهل على الإنسان أن يؤديها، لكن الزكاة عبادة مالية قد يصعب على الإنسان أن يدفعها، ولهذا فرضها الله سبحانه وتعالى وقرنها بالصلاة وسماها طهرة للمال، قال: خُذْ مِنْ أَمْوَالِهِمْ صَدَقَةً تُطَهِّرُهُمْ [التوبة:103] كأنهم متلوثون متنجسون في الدنيا، فإذا أخرجوا الزكاة طهرت أموالهم، وزكت أرواحهم، وأصبح إيمانهم قوياً بالله، لكن يوم أن يمنعوا الزكاة تتلوث قلوبهم وأموالهم؛ لأنهم عاشوا حياة الكفار، فالكافر لا يعطي شيئاً، وأنت تريد أن تكون مثله لا تدفع شيئاً حتى الزكاة، فلا بد من إخراج الزكاة أيها الإخوة!

    ولهذا قاتل أبو بكر الصديق مانعي الزكاة، وقال: [والله لأقاتلن من فرق بين الصلاة والزكاة] ولما أراد قتالهم قال عمر : [كيف تقاتلهم وقد شهدوا أن لا إله إلا الله؟ قال: إلا بحقها -وحقها الزكاة- والله لو منعوني عقالاً أو عناقاً كان يؤدونه في زمن النبي صلى الله عليه وسلم لقاتلتهم عليه] أي: كان يأتي صاحب المال بالفريضة ومعها العقال من أجل أن لا تفر، يقول: والله لو أتوا بالفريضة فقط ومنعوا العقال لأقاتلنهم عليه.

    وهذا دليل على أنك لو كنت صاحب أعمال أن تتحرى الجرد في كل أموالك، ولا تخرج الزكاة بالتخمين، لأن بعض الناس يخرج بالتخمين، يأتي عند الدكان أو البقالة ويقول: نخمن، ما استطعنا أن نجرد. وخمن، لو خمنت سوف تنقص لأن نفسيتك ناقصة، فلا تقبل إلا الجرد الكامل، لو أخرجت الزكاة كلها إلا ريالاً واحداً ما أخرجت الزكاة، مثلاً: زكاتك على ألف الألف ألفان ونصف، فأخرجت ألفي ريال وبقي عليك خمسمائة، أو أخرجتَ ألفين وأربعمائة وبقي عليك مائة، أو أخرجت ألفين وأربعمائة وتسعة وتسعين وبقي عليك ريال، فنقصُ ريال مثل نقص مليون.

    مثل المصلي إذا صلى صلاة العشاء أربع ركعات ولم يبقَ إلا أن يسلم لكنه لم يسلم، وقام، ما هو حكم صلاته؟ باطلة؛ لأن التسليم ركن، كذلك الزكاة، لا بد أن تخرجها بعد أن تجرد مالك حتى تكون صحيحة مائة في المائة.

    وإذا أردت أن تخرج الزكاة فليس على مزاجك! فإن الله تولى تقسيم الأصناف الذين تصرف لهم الزكاة، وما وكلها حتى إلى نبيه صلى الله عليه وسلم؛ وذلك لعلم الله أن هناك تلاعباً وأهواء، مثلما هو حاصل الآن، أكثر الزكاة تذهب لغير المستحقين، فترى أحد التجار يرسل مائتي ألف أو ثلاثمائة ألف أو أربعمائة ألف ويقول: قسموها بمعرفتكم. يعني: على مزاجكم! على من تضحك؟! ومن تخادع؟ أنت وزع زكاتك بنفسك، أو من تثق به ممن عرف بالدين، أو هيئة متخصصة في أخذ هذه الأموال ووضعها في المصارف الشرعية إِنَّمَا الصَّدَقَاتُ لِلْفُقَرَاءِ وَالْمَسَاكِينِ وَالْعَامِلِينَ عَلَيْهَا وَالْمُؤَلَّفَةِ قُلُوبُهُمْ وَفِي الرِّقَابِ وَالْغَارِمِينَ وَفِي سَبِيلِ اللَّهِ وَابْنِ السَّبِيلِ [التوبة:60] ثمانية أصناف إذا صُرِفَتْ الزكاة على غير هؤلاء لم يسقط الواجب، وبقيت الزكاة في ذمتك معلقة، إن الله لا يقبل إلا ما خرج وفق شرعه وكان خالصاً لوجهه سبحانه وتعالى.

    وهناك -أيها الإخوة- مؤسسات وفق الله سبحانه وتعالى القائمين عليها للقيام بواجب الدلالة على الخير، وتشكل بهذا جسوراً بين المؤمنين المحسنين من رجال الأعمال، وبين المستحقين من الفقراء والمساكين، في داخل المملكة وخارجها، كما تقوم أيضاً بالدلالة على الأعمال الدعوية المتعددة، والفرص الخيرية المتاحة: كبناء المساجد، وتشييد المدارس والمعاهد، وحفر الآبار، وكفالة المدرسين، وطبع الكتب والأشرطة وتوزيعها، ومن أبرز هذه المؤسسات الموجودة في المملكة والحمد لله مؤسسة الحرمين الخيرية ، والندوة العالمية للشباب الإسلامي ، وهيئة الإغاثة العالمية الإسلامية ، ولجنة توزيع الكتب الدينية التي توزع على الحجاج والمعتمرين والتي يشرف عليها فضيلة الشيخ طلال حفظه الله، والذي قام بهذا الدور العظيم الذي كان الناس في غفلة عنه، يأتي حجاج من بلاد أخرى مساكين لا يعرفون شيئاً، ويحجون ويرجعون وما عرفوا شيئاً عن الحج، فقام بدور عظيم وهو طباعة الكتب الإرشادية باثنتين وعشرين لغة، جميع اللغات التي يتكلم بها الحجاج المسلمون، والحاج ينزل من الميناء أو من الطائرة فيستلم كتاباً بلغته كيف تحج فيذهب ليحج على بصيرة، ثم يعيش فترة الحج وهو يقرأ.

    ثم إذا أخذ يودع البلاد المقدسة أعطوه كتباً (هدية الحاج) ثلاثة كتب بلغته: كتاب في العقيدة، كتاب في العبادة، كتاب في الأخلاق، ويقدر عدد هذه الكتب في العام الماضي بخمسة ملايين كتاب، ما معنى خمسة ملايين كتاب؟ يعني خمسة ملايين أسرة يدخلها هذا الكتاب. بل يخبرني أحد المشايخ فيقول: صار الحجاج ينسخونها الآن في بلادهم ويطبعونها ويوزعونها على بعضهم. هذا عمل عظيم وخير عَمِيْم، ولذا فإن دعم مثل هذا العمل الخيري له أجر عظيم عند الله، هذا عمل دعوي مائة في المائة، لا يوجد إغاثة، لأنهم لا يشترون أرزاً ولا شيئاً وإنما يشترون كتباً ويوزعون أشرطةً، بل الآن عندهم مشروع الشريط القرآني بريال! ومشروع كتاب بريال! فأنت عندما تضع عشرة آلاف ريال ويشترى لك عشرة آلاف شريط جزء عم للشيخ سعود الشريم والشيخ عبد الرحمن السديس وترسلها خارج المملكة يحصل الخير الكثير.

    نحن في بلادنا هنا لا نحس بقيمة العلماء؛ لأن (كثرة الإمساس تذهب الإحساس) لكن في بلدان المسلمين الأخرى هناك ألف مليون مسلم مبعثرون على وجه الأرض إذا سمعوا هذا الكلام تتقطع قلوبهم شوقاً إلى الحرمين الشريفين؛ لأن هذه الأصوات تذكرهم بـمكة ، فإذا سمع أحدهم شريطاً يسمعه وكأنك أهديته الدنيا كلها، وبريال! ريال (البيبسي) وريال الماء الذي ترميه، يا إخواني! مجالات عظيمة تتاح لنا ولكن نحن في غفلة عنها!

    هذه -أيها الإخوة- الأمور التي يمكن -إن شاء الله- لرجال الأعمال أن يستعينوا بها في مباشرة عملهم الرائد ودورهم البارز في خدمة هذا الدين، ولا نكون -أيها الإخوة- أقل حالاً من تجار النصارى واليهود، فإن عملية التنصير قائمة الآن على قدم وساق في العالم كله، مدعومة برءوس أموال التجار النصارى، يرسلون البعثات التنصيرية في دول أفريقيا، وآسيا، والأرض كلها، يحملون معهم الأدوية والأغذية والمال والكتب والأناجيل، وينشرون بين الناس دعوةً للباطل والكفر.

    ورجال الإسلام الذين عندهم مال لماذا لا ينفقونه؟ فإذا كان صاحب الباطل ينشط في باطله أفلا ينشط صاحب الحق في حقه؟

    1.   

    أحكام التجارة وآدابها

    وما دام الكلام حول التجارة وما يتعلق بها فإني أرى أن أعرض عليها بشيء من التنبيه لعل هناك من يهتم بهذا الموضوع:

    التجارة مشروعة بالكتاب والسنة والإجماع، يقول الله سبحانه وتعالى: يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَأْكُلُوا أَمْوَالَكُمْ بَيْنَكُمْ بِالْبَاطِلِ إِلاَّ أَنْ تَكُونَ تِجَارَةً عَنْ تَرَاضٍ مِنْكُمْ [النساء:29] ويقول عليه الصلاة والسلام: (التاجر الأمين الصدوق مع النبيين والصديقين والشهداء) رواه الترمذي ، وقد عمل النبي صلى الله عليه وسلم بالتجارة قبل البعثة، وعمل بها أكثر العشرة المبشرين بالجنة من الصحابة، وعملها كثير من الصحابة، وهي من أفضل طرق الكسب وأشرفها، ففي الحديث يقول عليه الصلاة والسلام وقد سأل عن أطيب الكسب؟ فقال: (عمل الرجل بيده، وكل بيع مبرور) رواه الإمام أحمد في المسند بسند صحيح.

    وبما أن التجارة مبرورة فلابد أن يكون لها أحكام وآداب:

    السماحة

    أن يكون التاجر سمحاً، وأن يترفع عن التضييق والمشاحة في بيعه وشرائه، يقول عليه الصلاة والسلام: (رحم الله امرءاً سمحاً إذا باع، سمحاً إذا اشترى، سمحاً إذا قضى، سمحاً إذا اقتضى) لأن بعض الناس إذا جئت تشتري منه أو تبيع منه يجف حلقك قبل أن يعطيك هذه السلعة، لا يا أخي، لتكن سمحاً، قل كلمةً واحدة، أعطِ الناس السعر وأرح نفسك، لكن لا تفاصل ولا تضيق حتى تحرج الناس وتخسر دعوة النبي صلى الله عليه وسلم.

    الصدق

    الصدق في الأسعار؛ لا تكذب؛ لأن المصطفى صلى الله عليه وسلم قال: (… التاجر الأمين الصدوق …) هكذا كان تجار الصحابة وتجار السلف صادقين لا يعرفون الكذب أبداً، وأحد السلف وضع غلامه مكانه وذهب يصلي، ولما رجع جاءه الغلام فبشره، وكان يبيع الشملات، الشملة بمائتي ريال، فقد قال الغلام لعمه: لقد بعتها بأربعمائة. يعني كَسَّبْتُك، فالذي اشترى مسكين لا يعرف الأسعار، فباعها بأربعمائة. قال: أين هو؟ قال: ذهب. قال: اذهب وائت به. فذهب ليبحث عنه فما وجده. قال: ائت به وأنت حر لوجه الله. فذهب العبد وجَدَّ في البحث إلى أن أتى به. قال: سيدي يريدك. قال: ماذا يريد مني؟ قال: يريدك. قال: ألم أشتر أنا؟ قال: لا. السعر ليس بصحيح. فتصور الرجل أن البائع سيزيد في الثمن، ولما جاء إليه قال له: السعر الذي باع لك به الغلام غير صحيح. قال: إني رضيت. قال: لا، أنت اشتريت بأربعمائة والثمن مائتان، هذه مائتان أو خذ شملة أخرى. قال: بارك الله لك في رزقك.

    هؤلاء التجار بالفعل، لكن لو أن أحداً من تجارنا باع له عامله شيئاً بزيادة في السعر ماذا سيقول له؟ سيقول له: أحسنت! الله يبارك فيك. ويمدحه؛ لأنه زاد له حراماً والعياذ بالله!

    فالصدق مطلوب، فقد كان التاجر إذا استفتح في أول النهار وجاءه مشترٍ يبيع له، فإذا جاء مشترٍ ثانٍ يقول له: اذهب لجاري.. لماذا؟ يقول: قد استفتحت، لكن الآن يراه من هناك فيناديه: تعال، لا تأتِ عند جاري، الجيد عندي والخبيث عند جاري..! أين الصدق؟ وأين الأمانة أيها الإخوة؟! لا بد أن تكون صادقاً، والصدق في التجارة من أعظم أنواع الكسب؛ لأنك تكسب ثقة الناس، إذا عرف الناس أنك صادق في أقوالك فإن الناس كلهم يأتونك، وإذا عرفوا أنك كذاب تهامزوا عليك في كل مجلس وميدان، كذبت مرة ونجحت بها لكنك تخسر بعد ذلك في الدنيا وتخسر في الآخرة.

    بيان العيوب التي في السلع

    بيان العيوب في السلعة؛ لأنك إذا بينت العيب بارك الله لك، وإذا كتمت العيب محقت بركة بيعك، مثلاً إذا أردت أن تبيع سيارة وأنت تعلم أن بها كسراً أو عطلاً، فمن الناس مَنْ إذا قلت له: بَيِّنْ السلعة. قال لك: إذا بينتها نقص الثمن. كذبت! نقص الثمن لكن ارتفع رصيدك عند الله، إذا أتيت بالسيارة وقلت: لا أعرف ما فيها. فإنها تباع بعشرة آلاف، ولكن إذا قلت: السيارة بها عطل، فإنها تباع بخمسة آلاف، فماذا خسرت وماذا ربحت؟ خسرت خمسة آلاف لكن كسبت رضا الله سبحانه وتعالى، فبين، ولا يجوز شرعاً أن تقول: لا أدري، أو اكشف عليها، أو (سكر في ماء) لا ندري عنها. لابد أن تبين العيب، يقول صلى الله عليه وسلم : (فإن صدقا وبينا بورك لهما، وإن كتما وكذبا محقت بركة بيعهما) ولهذا تجد أكثر الناس في بيعه وشرائه لا توجد بركة ولو كان رصيده بالملايين والعياذ بالله! ولا يرى إلا الفقر بين عينيه، لكن لو أن عنده تجارة شرعية لكان الإيمان يملأ قلبه، ورصيد الإيمان هو الذي يسهل له كل أموره في دنياه وفي آخرته.

    عدم المبالغة في الوصف لإغراء المشتري

    عدم المبالغة في تزيين السلعة وإغراء المشتري في شرائها، ويدخل في هذا الإعلانات التجارية، فتراهم يبالغون حتى يصفوها بشيء ليس فيها، ولكن إذا وصَفْتَ فَصِفْها بالصدق ولا تبالغ، وإذا أعطيت السلعة وصفاً ليس فيها وبالغت فيه وترتب عليه شراء هذه السلعة فقد غششت المسلم، ومن غش مسلماً فليس من المسلمين، هكذا يقول النبي صلى الله عليه وسلم.

    التبكير في العمل التجاري

    ومن الآداب الشرعية: التبكير في العمل التجاري، وهذا ضائعٌ اليوم والله المستعان! ففي الحديث الصحيح أن النبي صلى الله عليه وسلم دعا فقال: (بارك الله لأمتي في بكورها) إذا بكَّر التاجر من الصباح، والمزارع، والعامل تجد أحدهم يومه كله بركة، لا ينتهي اليوم إلا وقد أنجز كثيراً من أعماله، لكن إذا نام إلى الساعة العاشرة أو الحادية عشرة أَذْهَبَ بركة يومه، يُؤَذَّن للظهر والعصر والمغرب وكأنه لم ينجز شيئاً، ولا ينقضي له أمر، وإذا انقضى فبالكاد، البركة موجودة في عمل البكور، فحاول إذا كنت صاحب عمل تجاري أن تبكر.

    والتبكير هذا يقضي على سهر الليل؛ لأن الناس الآن لماذا ينامون في الصباح؟ لأنهم يسهرون في الليل، وعلى ماذا يسهرون؟ يسهرون على معصية الله: على الأفلام والدشوش، والمسلسلات والشر؛ يترتب على هذا ضياع ليلهم ونهارهم، ودنياهم وآخرتهم إلا من رحم الله.

    عدم الاتجار في الحرام

    من الآداب: عدم المتاجرة فيما حرم الله سبحانه وتعالى من الأشياء المحرمة مثل: الخمور والمخدرات، أو المفترات كالدخان، أو غيره من الخبائث. لا تبع إلا الحلال؛ لأن الله إذا حرم شيئاً حرم ثمنه، حتى الدخان، فقد أفتى العلماء بحرمته ولذلك لا يجوز لك أن تبيع فيه وتشتري ولو كنت لا تشربه، لأن بعض الناس يقول: أنا والله لا أشربه لكن أبيعه. وهذه هي المصيبة، ما من (سيجارة) تباع من دكانك إلا وعليك إثمها إلى يوم القيامة، ليتك تشرب فحسب، الذي يشرب يشرب (باكت)، لكنك بعت ألف (باكت)، فكان كما لو شربت ألف (باكت)، وعليك إثمها إلى يوم القيامة. لا تبع الدخان؛ لأنك مسلم ومأمور بأن تحمي مجتمعك من هذه الشرور.

    تجنب الحلف حال البيع والشراء

    تجنب الأيمان في البيع والشراء، فإن (الحلف منفقة للسلعة ممحقة للبركة)، وفي الحديث الصحيح يقول عليه الصلاة والسلام: (ثلاثة لا يكلمهم الله يوم القيامة، ولا ينظر إليهم، ولا يزكيهم، ولهم عذاب أليم: المنان في عطائه، والمسبل إزاره، والمنفق سلعته بالحلف الكاذب) لا تحلف على أي شيء ولو كنت صادقاً؛ لأنك إذا حلفت اليوم وكنت صادقاً حلفت غداً وأنت كاذب، لكن لا تحلف لا بَرّاً ولا فاجراً، إن الذي يجلب لك الزبائن هو صدقك، وأيضاً تنزيل سعرك، فأنت قد تبيع مثلاً سلعة بعشرة ريالات وهي في السوق تباع بخمسة ريالات، ويشتريها أحد الناس بعشرة وبعد ذلك يكتشف مع الأيام أنها بخمسة، هذا الشخص يتحول إلى لوحة دعائية ضدك في كل مكان، يحذر الناس منك. لكن إذا بعتها بخمسة ريالات يصبح لوحة دعائية لك في كل مكان، يقول: فلان هذا يبيع بسعر جيد. إذاً الذي يجلب لك المشترين هو الصدق، والمراعاة، وخفض الأسعار.

    وهذا الأسلوب عند اليهود، فعقلياتهم تجارية ولهذا استحوذوا على رءوس الأموال، وإن كانوا لا يكسبون كثيراً في السلع، فمثلاً سلعة بريال يكسب فيها (قرشاً) ويبيع ألف سلعة، لكن بعض تجار المسلمين إذا كانت السلعة بريال يكسب فيها ثلاثة ريالات، فيبيع ثلاثة أرباع ويظل الباقي في متجره أو يرميه بعد ذلك، ثم يشتري بضاعة أخرى جديدة. اكسب قليلاً حتى تيسر على الناس وأنت بالتالي تبيع بضاعتك، وتكسب أنت قبل أن يكسب الناس.

    الوفاء في الكيل والميزان والزرع

    هذا مطلوب في التاجر؛ لأنه إذا نقص وطفف فقد توعده الله عز وجل بالويل: وَيْلٌ لِلْمُطَفِّفِينَ * الَّذِينَ إِذَا اكْتَالُوا عَلَى النَّاسِ يَسْتَوْفُونَ * وَإِذَا كَالُوهُمْ أَوْ وَزَنُوهُمْ يُخْسِرُونَ [المطففين:1-3] بل زد، فإذا بعت ورأيت أن الميزان قد استوى فزد قليلاً.. فذلك بركة وصدقة، وسيعود المشتري مرة أخرى إذا رأى أن وزنك جيداً، لكن إذا وزنت له بالتمام دون أدنى زيادة يقول: الله أكبر عليه، لو زاد في الميزان ولو قليلاً! ولا يرجع إليك مرةً أخرى، فزد له لك يزد الله سبحانه وتعالى.

    عدم ترك العبادات من أجل التجارة

    عدم المتاجرة في الأوقات المحرمة التي حرم الله عز وجل البيع والشراء فيها، مثل: بعد الأذان الثاني يوم الجمعة؛ لأن الله عز وجل نهى عن ذلك فقال: إِذَا نُودِيَ لِلصَّلاةِ مِنْ يَوْمِ الْجُمُعَةِ فَاسَعَوْا إِلَى ذِكْرِ اللَّهِ وَذَرُوا الْبَيْعَ [الجمعة:9].

    أيضاً: أوقات الصلوات، إذا أذن المؤذن فأقفل الدكان ولا تبع ولا تشترِ، وأي مشترٍ يأتيك بعد الأذان فهو شيطان يريد أن يصرفك عن الله، فقد كان الصحابة إذا كان الميزان في يد أحدهم وسمع المؤذن يقول: الله أكبر. لا يكمل الوزن، ويقول للمشتري: اذهب وائتني بعد الصلاة؛ حتى يبارك الله له في تجارته.

    عدم التعامل بمعاملة محرمة كالربا

    الحذر -أيها الإخوة- من البيوع المحرمة ومنها الربا؛ لأن الله أحل البيع وحرم الربا وهو رأس أو قمة البيوع المحرمة، الربا الذي فشا وانتشر ووقع فيه كثير من الناس في هذا الزمان كما أخبر النبي صلى الله عليه وسلم، وهذا من دلائل نبوته حيث قال: (يأتي على الناس زمان يأكلون فيه الربا، ومن لم يأكله أصابه من غباره) فكثير قد أكلوا الربا والبقية في الغبار، أما التعامل السليم مائة بالمائة فلا يوجد أحد إلا من شاء الله، فاجتنب الربا؛ لأن الربا كبيرة من كبائر الذنوب، بل عده النبي صلى الله عليه وسلم من السبع الموبقات -أي: المهلكات- وقرنه بالشرك بالله وقتل النفس والسحر والتولي يوم الزحف فقال: (وأكل الربا) وقد لعن النبي صلى الله عليه وسلم فيه خمسةً كما في الحديث الصحيح الذي رواه مسلم (لعن الله آكل الربا وموكله وكاتبه وشاهديه) وما أذن الله بالحرب على صاحب ذنب كما أذن على صاحب الربا فقال: فَأْذَنُوا بِحَرْبٍ مِنَ اللَّهِ [البقرة:279] ومن حاربه الله غلبه.

    وأخبر صلى الله عليه وسلم عن أقل الربا فقال: (الربا بضع وسبعون حوباً) أي: ذنباً، صورة، شكلاً (أدناها) يعني: أقل شيء، في الدرجة السفلى (كأن ينكح الرجل أمه) وهذا في سنن ابن ماجة وحسنه الألباني.

    وفي مسند أحمد يقول عليه الصلاة والسلام: (درهم يصيبه الرجل من الربا أعظم من ست وثلاثين زنية في الإسلام) هذا ذنب ليس سهلاً، والله سبحانه وتعالى أخبر أنهم يقومون يوم القيامة كالذي يتخبطه الشيطان من المس، كل إنسان يقوم بعقله إلا صاحب الربا يقوم وهو يتخبط، قد أصابه الجنون بسب الربا، وإن صاحب الربا يبعث يوم القيامة وبطنه مملوءة بجميع الأموال الربوية كثرت أو قَلَّت، حتى إن بعضهم يأتي وبطنه مثل الجبل وجسمه هو نفسه، جسمه صغير لكن بطنه مثل الجبل مليئة بالسيارات والعقارات والعمارات، وهو يسحبها يوم القيامة، فارحم نفسك من هول ذلك اليوم.

    بل في صحيح البخاري من حديث سمرة قال عليه الصلاة والسلام: (ثم أتينا على رجل يسبح في نهر من دم، وعلى طرف النهر رجل عنده حجارة، فيأتي ذلك الرجل الذي يسبح فإذا قرب من الشاطئ رماه بحجر في فمه، فيرجع إلى طرف النهر ثم يأتي) وتصوروا واحداً يسبح في دم، أنت إذا وقعت نقطة دم في ثوبك تتقزز، كيف بواحد يسبح في الدم! (قلت: يا جبريل من هذا؟ قال: هذا آكل الربا) هذا عذابه إلى يوم القيامة، فاتق الله في نفسك يا أخي!

    ما هو الربا؟ الربا ينقسم قسمين: ربا فضل وربا نسيئة، ربا الفضل: معاوضة مال بمال بزيادة، أعطيك عشرة آلاف وتعطيني أحد عشر ألفاً، نسبة: عشرة أو اثنان أو ثلاثة في المائة.. هذا ربا الفضل. ربا النسيئة: لك مال عند إنسان وحان الأجل وما سددت فتقول له: سدد ما عليك أو زد ولا أسألك، عشرة آلاف ريال يجب عليك سدادها الآن أو أشكوك للجهة المسئولة. فيقول لك: ما عندي. وتقول له: حسناً، فلتكن المدة سنةً أيضاً وتصير أحد عشر ألفاً.. هذا ربا الجاهلية، نَسِّئْ وَزِدْ، فلا تعمل بهذا العمل.

    ومنه ربا العينة، وهي: أن يبيع السلعة بثمن مؤجل ويسترجعها بثمن حال. هذه اسمها عينة، لأنها حيلة على الربا، يقول عليه الصلاة والسلام: (إذا تبايعتم بالعينة، وأخذتم بأذناب البقر، وتركتم الجهاد في سبيل الله، سلط الله عليكم ذلاً لا ينزعه حتى تراجعوا دينكم).

    وجميع البيوع الأخرى المحرمة التي ليس هذا مجال تفصيلها ينبغي للمسلم أن يكون على فقه في دينه فيما يحل أو يحرم في معاملات التجارة، وإذا كان صاحبَ عملٍ كبير فليأخذ له رجلاً متخصصاً ليعمل عنده، مثلاً: إذا كان لا يعرف المحاسبة القانونية فليوظف شخصاً شرعياً ويقول له: اشرف على الأعمال، إذا كان هناك حرام فهو في ذمتك، أنا لا أريد حراماً، أنا أريد حلالاً في حلال. هل تتوقع إذا عملت هذا أن الله سبحانه وتعالى سينقص مالك؟ لا والله، بل يزيده لأنك تريده (من ترك شيئاً لوجه الله عوضه الله خيراً منه).

    هذه -أيها الإخوة- هي بعض الوصايا والآداب التي ينبغي لرجل الأعمال المسلم أن يتمسك بها في تجارته؛ حتى يجعل الله سبحانه وتعالى في تجارته بركة، ويعيش حياة مباركة، ويموت ويلقى الله سبحانه وتعالى وأمامه العمل الصالح الخير يَوْمَ يَنْظُرُ الْمَرْءُ مَا قَدَّمَتْ يَدَاهُ وَيَقُولُ الْكَافِرُ يَا لَيْتَنِي كُنْتُ تُرَاباً [النبأ:40].

    أسأل الله سبحانه وتعالى أن يوفقنا جميعاً لما يحبه ويرضاه، وأن يجزي إخواننا الذين أتاحوا لنا هذا اللقاء والقائمين على مركز الدعوة والإرشاد واللجنة والغرفة التجارية خيراً، وأن يجزيكم أنتم خيراً في مجيئكم في هذه الليالي التي تكون المحاضرات فيها غير مقبولة وثقيلة؛ لأن الإنسان يخرج من صلاة التراويح والعشاء وقد تعب وهو بحاجة إلى أن يذهب ليتناول شيئاً من الطعام، وليؤانس زوجته وأهله، ولكن أجركم على الله سبحانه وتعالى.

    والله أعلم، وصلى الله على نبينا محمد وآله وصحبه وسلم.

    والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.

    1.   

    الأسئلة

    الجمع بين الدعوة وممارسة التجارة

    السؤال: كيف يستطيع رجل الأعمال أن يوفق ما بين الاهتمام بالدعوة وأمور الأمة ومشاكلها، وبين اهتمامه بالتجارة والبيع والشراء؟

    الجواب: هذا أمر سهل جداً! بقليل من التفكير والترتيب والتنظيم يستطيع، بحيث يعطي لتجارته ما تحتاج من الوقت ويعطي لدعوته ودينه ما يحتاج من الوقت، ولا يُغلِّب جانباً على آخر؛ لأن الإنسان المسلم متوازن ومنظم، يعطي زوجته حقها، وأولاده حقهم، ويعطي التجارة حقها، لكن تغليب جانب على جانب يكون على حساب الجانب الآخر، فلا بد من التوازن والتفكير والتخطيط في تنظيم الأوقات، أما العشوائية والارتجالية في هذه الأمور فهذا يؤثر، لكن نقول: لا يترك الإنسان تجارته لأن المال السائب عرضة للسرقة، وإذا ضيعت مالك ضعت، بل احفظ مالك وأعطه جزءاً من وقتك، لكن احفظ -أيضاً- دعوتك ودينك وأعطها من وقتك، والناس الآن ليسوا في حاجة أن نوصيهم في مالهم فقد جنوا وعموا وصموا في مالهم، نحن نوصيهم في دعوتهم أما هذه التجارة فلا توصي عليها؛ لأن كل إنسان يحب نقوده.

    كيفية المبادرة لعمل الخير قبل التكاسل عنها

    السؤال: لعل بعض التجار يتحمسون وينفقون ولكنهم سرعان ما يتركون هذا العمل، فما هي نصيحتكم لمثل هؤلاء؟

    الجواب: أحب العمل إلى الله أدومه وإن قل، والمساهمة في العمل الإسلامي والدعوي بالعاطفة هذا معناه أنه لن يستمر؛ لأنك الآن تستثيرك الأحاديث أو الآيات أو الموعظة فتعزم، لكن تبرد ويفتح الشيطان أمام قلبك ملايين الأبواب من الفقر؛ حتى يصرفك عن عمل الخير، ولذا دائماً (اطرق الحديد وهو ساخن)، من يوم أن ترى في قلبك نشوةً للعمل الصالح فمباشرةً وقبل أن يصدك الشيطان أنفق، فإبليس لا يريدك أن تنفق ريالاً واحداً في سبيل الله، لكن لو أنفقت الملايين في سبيل الشر لن يقول لك الشيطان: لا. أما في سبيل الله فهو أكثر قدرة في أن يردك عنها.

    وأفضل الطرق للحرب على الشيطان في هذا الوقت: استعمال الوقف، وهذا كان شأن السلف، فإن السلف ما كانوا يجعلون الأعمال الخيرية مزاجية بل يجعلونها ثابتة، ينظر أفضل ماله ويوقفه لله، فلا يأتي الشيطان يرده بعد ذلك.

    دور الشباب في الدعوة

    السؤال: لقد تطرقت في حديثك للأساليب التي يتخذها التاجر في الدعوة إلى الله، فما هو دورنا والأساليب التي لابد لنا منها نحن معشر الشباب الذين ليس لهم علاقة بالتجارة ولكن فينا من يحمل هم هذا الدين وجزاكم الله خيراً؟

    الجواب: هذا موضوع طويل جداً يحتاج أن نتكلم فيه؛ لأن أدوار الناس كثيرة، وكل شريحة من المجتمع لها دور، فالشباب لهم مجال عظيم في خدمة الدعوة إلى الله، وليس هذا مجال التفصيل في هذا، نحن نخاطب الآن التجار وفي مكان التجار، فالكلام لا يتعلق بالشباب، إلا أن لهم دوراً بارزاً ولكن مجال التخصيص فيه والتفصيل يحتاج إلى وقت، ونحن أطلنا عليكم وما نريد أن نفصل أكثر من ذلك.

    وصلى الله وسلم على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.