إسلام ويب

مفهوم العبادةللشيخ : سعيد بن مسفر

  •  التفريغ النصي الكامل
  • العبادة ليست شعاراً يرفع، بل هي هدف سام مرتبط بالعلم والعمل، وبدون العمل بالعلم، يصير العلم وبالاً على صاحبه، وكذلك العبادة بدون علم. والأمة تعيش في جاهلية جهلاء، ولن يخرجها من جاهليتها إلا الاهتمام بالعلم الشرعي، ونشره في جميع الأماكن، وعلى مختلف الفئات الموجودة في المجتمع، حتى يتسنى لها عبادة الله العبادة الصحيحة كما يريدها ربها.

    1.   

    سبيل استقامة القلوب وحياتها

    الحمد لله رب العالمين، وصلى الله وسلم وبارك على عبده ورسوله محمد، وعلى آله وصحبه أجمعين.

    وبعد:

    أيها الإخوة في الله! إن حاجة الإنسان إلى سماع العلم والذكر أعظم من حاجة الأرض إلى نزول الغيث، فإن ذكر الله والعلم الشرعي هو غيث القلوب، وكما أن المطر هو غيث الأرض، فإذا انحبس المطر عن الأرض اغبرت، وأُجدبت وانقطع خيرها، وتغير لونها، وانعدمت فيها الحياة، وإذا نزل فيها المطر اخضرت وربت وأنبتت من كل زوجٍ بهيج، وتغير لونها، وطابت الحياة فيها.

    كذلك قلوب الناس، إذا نزل عليها الذكر، والعلم الشرعي، لانت وانقادت وصلحت واستقامت، وطابت حياتها، بل الحياة الحقيقية في قلوب الناس إنما تنبع من مقدار استجابة الناس لهذا الدين، ليست حياة الناس كحياة البهائم، إن الحياة المماثلة لحياة الحشرات والبهائم حياة مشتركة، لكن للإنسان حياة أخرى غير تلك الحياة، يقول الله عز وجل: يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اسْتَجِيبُوا لِلَّهِ وَلِلرَّسُولِ إِذَا دَعَاكُمْ لِمَا يُحْيِيكُمْ [الأنفال:24].

    الإيمان والعمل الصالح

    ما الذي يحيينا؟

    الإيمان بالله، والاستقامة، والعمل الصالح وفق هذا الدين، هذا الذي يحيينا، بمعنى: أن الذي لم يستجب ليس بحي، هو حي لكن حياة البهائم، ويقول عز وجل: مَنْ عَمِلَ صَالِحاً مِنْ ذَكَرٍ أَوْ أُنْثَى وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَلَنُحْيِيَنَّهُ حَيَاةً طَيِّبَةً [النحل:97].

    قال العلماء: كيف يكون من عمل صالحاً وهو مؤمن؟ يقول الله أنه سوف يحييه حياةً طيبة، وهو حي أولاً، فكيف يحييه ربي؟ قالوا: كان حياً، لكن كان في حياة خبيثة، بهيمية، يشاطره فيها الحيوان، إنما بالإيمان يحيا حياة سماها الله طيبة.

    ما هي الحياة الطيبة؟

    هي حياة الجسد؟ لا. حياة الأكل.. الشرب.. الملابس.. المساكن.. المراكب.. المناصب.. الرتب.. الوظائف؟ لا. حياة الزوجات.. الأولاد.. إنها حياة القلوب.

    ولهذا قال الله عز وجل بعد هذه الآية التي قرأتها أولاً: وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ يَحُولُ بَيْنَ الْمَرْءِ وَقَلْبِهِ وَأَنَّهُ إِلَيْهِ تُحْشَرُونَ [الأنفال:24] إذا لم تستجب حال الله بينك وبين قلبك، وإذا حال الله بينك وبين قلبك فماذا تفعل له؟

    يصبح كل عملك ضد نفسك، ولهذا يقول عز وجل: وَلا تَكُونُوا كَالَّذِينَ نَسُوا اللَّهَ فَأَنْسَاهُمْ أَنْفُسَهُمْ [الحشر:19] يصبح الإنسان عدوَّ نفسه، ينظر بعينه إلى ما يضره، ويسمع بأذنه ما يضره، ويمشي بقدمه إلى ما يضره، يمد يده إلى ما يضره، ويأكل ويطأ ما يضره، وكل ضرر يترتب على نفسه يحرص عليه.

    وبعد ذلك! الأشياء المفيدة له يرفضها .. الصلاة تنفعه لا يريدها، لماذا؟ لأنها تنفع، هل هناك شخص في الدنيا يستطيع أن يقول: إن الصلاة تضر؟ لا يوجد.

    هل هناك شخص في الدنيا يقول: إن قراءة القرآن تضر؟! لا يوجد، لكن لا يريدها لأنه عدو نفسه، لكن قراءة المجلات يريدها، هل هناك شخص يستطيع أن يقول: إن دخول المساجد يضر؟! وهل رأيتم شخصاً دخل المسجد يوماً من الأيام، وقيل له وهو على باب المسجد: ادفع أجرة الدخول؟! لا. إن طاعة الله ليس فيها خسارة، بينما معصية الله تلحق ضرراً بالنفس والمال.

    هل هناك شخص يدخل دور السينما أو ملاعب الكرة أو يشتري مجلة بدون مقابل؟ إن الواحد ليدخل النار بماله، يدفع المال على نفسه حتى يصل بها إلى النار -والعياذ بالله-.

    العلم الشرعي وذكر الله

    يقول الله عز وجل: وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ يَحُولُ بَيْنَ الْمَرْءِ وَقَلْبِهِ وَأَنَّهُ إِلَيْهِ تُحْشَرُونَ [الأنفال:24] فلا تحيا القلوب حياة حقيقية إلا بالعلم والذكر، وما يعانيه الناس اليوم من جفاف في الروح، وقسوة في القلب، وتحجر في العين، وكسل في الجوارح عن العبادة، ورغبة في الشر، وتوازن وكسل في الخير، سببه الأول والأخير نقص العلم.

    بعضهم يمر عليه شهر لم يقرأ القرآن، وبعضهم تمر عليه سنة لم يحمل المصحف، ولا سمع كلمة الله، ولهذا أكد الله عز وجل على هذه الأمور تأكيداً عظيماً، حتى تستمر حياة القلب، ويضمن استمرارية حياة القلب، أَما أمرنا الله بالذكر، وشرع لنا أذكاراً في الصباح والمساء، وخطبة يوم الجمعة كوجبة أسبوعية للقلب، وأكد على ضرورة الإنصات فيها، لدرجة المنع من مس الحصى، تجلس والحصى بجانبك فلا تمد يدك عليه، والرجل بجانبك يتكلم لا تقول له: اسكت، وهذا أمر بالمعروف، لكن إذا قلت: اسكت فقد لغوت، ومن لغى فلا جمعة له، لماذا؟ لكي تستمر في التركيز الذهني على سماع الخطيب.

    لكن ما الذي يحصل اليوم عند المسلمين، إلا من رحم الله؟ لا يخرجون إلى الجمعة إلا بعد أن يخرج الخطيب، فإذا بدأ الخطيب يخطب قام صاحبنا من النوم، واغتسل ولبس، وركب السيارة، وذهب إلى المسجد مع انتهاء الخطبة، ثم صلى ركعتين في الخانة، ثم رجع فتراه يقول: صليت الجمعة، إنه مسكين!! لم يعرف قدر الجمعة، أخي! لماذا لا تأتي من الصباح؟ كان السلف يخرجون في الساعة الأولى، ففي الحديث الصحيح: (من جاء في الساعة الأولى فكأنما قرب بدنة، ومن جاء في الساعة الثانية فكأنما قرب بقرة، ومن جاء في الساعة الثالثة فكأنما قرب كبشاً ومن جاء في الساعة الرابعة فكأنما قرب دجاجة، ومن جاء في الساعة الخامسة فكأنما قرب بيضة) بعد خمس ساعات، الساعة الأولى من أول النهار، إن الذي يأتي بعد ذلك الوقت لم يقرب شيئاً؛ تطوى الصحف بما سجل.

    لأنه إذا دخل الإمام طويت الصحف، والذي يأتي بعد دخول الإمام، لا يسجل من السابقين، يعني: أجزأته الجمعة؛ لكن هل هو من أهل الفضل والسبق، والعمل الصالح؟! إن الذي يأتي من أجل أن يباشر هذه العبادة، فإنه يقرأ القرآن، ويصلي ما شاء الله، ثم يهيء نفسه للاستماع للخطبة، وتلقي هذه البيانات الربانية.

    ماذا يقول الخطيب؟ يبلغ عن الله أمره، ويقول للناس: اتقوا الله، ويبدأ بالحمد لله، ويشهد أن لا إله إلا الله، ويبين أوامر الدين، وأنت معني بهذه الأوامر، أجل هذه وجبة لك ولروحك، لكن وجبة الروح الآن ضائعة عند كثيرٍ من المسلمين، وترتب على هذا الضياع فراغ في حياة الناس، مُلئ هذا الفراغ بالأشياء الأخرى الضارة، مُلئ بالسهرات.. وبالأفلام والمسلسلات.. وبمتابعة للكرة والمباريات.. وبالجرائد والمجلات.. وبالنزهات والخروجات ... و... و... .

    كأن الأمة لم تخلق للدين، إن حياة الأمة فراغ لكل شيء إلا الله! وإن في ترتيبات المسلم كل شيء إلا الله! وماذا يحصل بعد ذلك؟ يموت القلب، وإذا مات القلب -والعياذ بالله- انعدمت الحياة الحقيقية عند الإنسان، يقول الله تبارك وتعالى: أَوَمَنْ كَانَ مَيْتاً فَأَحْيَيْنَاهُ [الأنعام:122] بالدين، ويقول عز وجل: وَمَا يَسْتَوِي الأَعْمَى وَالْبَصِيرُ * وَلا الظُّلُمَاتُ وَلا النُّورُ * وَلا الظِّلُّ وَلا الْحَرُورُ [فاطر:19-21] ثم قال: وَمَا يَسْتَوِي الأَحْيَاءُ وَلا الأَمْوَاتُ إِنَّ اللَّهَ يُسْمِعُ مَنْ يَشَاءُ وَمَا أَنْتَ بِمُسْمِعٍ مَنْ فِي الْقُبُورِ [فاطر:22].

    الذي في قبره وهو ميت جسده لا يسمع، الآن تعال إلى صاحب قبر واقعد بجانبه، هل يسمعك؟ كذلك هناك ناس الآن مدفونون؛ لكن ليسو مدفونين في الأرض، إنهم مدفونون في أجسامهم يقول الشاعر:

    وأرواحهم في وحشة من جسومهم     وأجسادهم قبل القبور قبور

    إنه مقبور، إنه قبر يمشي على رجلين، قلبه ميت لا يذكر الله، لا يحب الله.. لا يحب رسول الله.. لا يذكر الجنة.. ولا النار.. ولا القبر.. ولا العذاب، كل شيء في ذهنه إلا هذه الأمور، وهو يعلم أنه سوف يموت، ولكن إذا مات ورأى الأمور على حقائقها حضر عقله، فيقول كما قال الله: حَتَّى إِذَا جَاءَ أَحَدَهُمُ الْمَوْتُ قَالَ رَبِّ ارْجِعُونِ [المؤمنون:99] فتسأله الملائكة: لماذا تريد أن ترجع؟ فيبين لماذا يريد أن يرجع، فلا يقول: لأرى أولادي، أو وظيفتي، أو عمارتي، أو المزرعة أسقيها، أو السيارة أسير بها، لا. لا. هذا كلام لا يريده كله، عرف أنه كان مشغولاً بما لا فائدة فيه، وإنما يقول: لَعَلِّي أَعْمَلُ صَالِحاً [المؤمنون:100].

    حسناً اعمل الآن، ما الذي يضرك لِمَ لا تعمل، تضيع العمل الصالح، وتستمر في المعاصي والذنوب والغفلة عن الله، وتترك الطاعة، إلى أن يضرب رأسك في القبر، ثم تقول: ردوني أعمل صالحاً، من يجيبه؟ أتدرون ما مثل هذا أيها الإخوان، مثله مثل طالب مهمل من أول العام إلى آخره لم يحضر ولا حصة، ولا فتح كتاباً ولا يعرف حرفاً، ويوم جاء الامتحان دخل مع الطلاب لكي يمتحن معهم في القاعة، وأعطي ورقة الإجابة، فلما قرأها لم يعرف شيئاً، لأنه لم يدرس شيئاً أصلاً، لو أنه ذهب إلى مدير اللجنة وقال: يا أستاذ، قال: نعم، قال: من فضلك نصف ساعة، أذهب لأرى الإجابة ثم أرجع فأكتبها، ما رأيكم هل يوافقونه على طلبه؟

    لا. لا يوافقونه. لو وافقوه هل يسمى هذا امتحان؟ سيقول له رئيس اللجنة: اقعد على رأسك، إن كان عندك شيء فاكتبه وإذا لم يكن عندك شيء فهذا نتيجة إهمالك، وهذا هو نفس الوضع، لو أن شخصاً يعيش طوال حياته على المعاصي، وإذا مات دخل القبر فقال: رب ارجعون لعلي أعمل صالحاً، قال الله: كَلَّا إِنَّهَا كَلِمَةٌ هُوَ قَائِلُهَا وَمِنْ وَرَائِهِمْ بَرْزَخٌ إِلَى يَوْمِ يُبْعَثُونَ [المؤمنون:100].

    1.   

    أهمية العلم الشرعي

    لماذا أيها الإخوة جفت الأرواح، وتحجرت العيون، وقست القلوب، واشتغلت الجوارح بالمعاصي، وكسلت عن الطاعات، كل ذلك بسبب نقص العلم الشرعي عند الأمة.

    ولهذا فإن الله تبارك وتعالى أول ما أنزل من كتابه الأمر بالقراءة قال: اقرأ! والرسول أمي لا يقرأ، وأمية الرسول صلى الله عليه وسلم دليل من دلائل نبوته، إن الله لم يجعله نبياً متعلماً، لماذا؟ لأنه لو كان متعلماً وكاتباً وقارئاً لقال الكفار: هذا من بنات أفكاره، هذا القرآن من عنده ومن تأليفه، ولهذا قال الله: وَمَا كُنْتَ تَتْلُو مِنْ قَبْلِهِ مِنْ كِتَابٍ وَلا تَخُطُّهُ بِيَمِينِكَ لو قرأت وكتبت إِذاً لارْتَابَ الْمُبْطِلُونَ [العنكبوت:48] ولحصل الشك.

    قال: بَلْ هُوَ آيَاتٌ بَيِّنَاتٌ فِي صُدُورِ الَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ وَمَا يَجْحَدُ بِآياتِنَا إِلَّا الظَّالِمُونَ [العنكبوت:49]، فالرسول صلى الله عليه وسلم أمي، ويأتيه ملك الوحي، والحديث في صحيح البخاري ، وهو جالس في غار حراء ، وقد حبب إليه الخلاء صلوات الله وسلامه عليه، كان يخرج من مكة ويذهب إلى جبل النور، ويجلس في غار حراء الليلة والليالي ذوات العدد، وكان يتزود بالزاد معه، يجلس يومين أو ثلاثة أو أربعة أو أسبوعاً أو عشرة أيام وهو يتفكر لأنه ما كان يقر بعبادة الأوثان، وما كان يقر ما عليه قومه من الشرك، والكفر، والزنا، والخمر، والميسر، والقتل، كل هذه لم يقرها؛ لأن الله رباه تربية خاصة، فكان يجلس في الغار، فجاءه جبريل فضمه، يقول: (فغطني حتى نال مني الجهد -حتى بلغت نهاية التحمل- ثم أرسلني، ثم غطني، ثم أرسلني، ثلاث مرات، ثم قال لي: اقرأ، قلت: ما أنا بقارئ -الرسول ليس بقارئ، ماذا يقرأ؟- قال: اقرأ، قلت: ما أنا بقارئ، قال: اقرأ ثلاث مرات، قلت: ما أنا بقارئ، قال: اقرأ -لكن قراءة خاصة .. قراءة ربانية- اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ الَّذِي خَلَقَ * خَلَقَ الْأِنْسَانَ مِنْ عَلَقٍ * اقْرَأْ وَرَبُّكَ الْأَكْرَمُ * الَّذِي عَلَّمَ بِالْقَلَمِ * عَلَّمَ الإِنْسَانَ مَا لَمْ يَعْلَمْ [العلق:1-5].)

    إذن! الإنسان بغير القراءة والعلم لا قيمة له، الآن من منا يخفى عليه شئون الطعام أو قيادة السيارة أو الملابس؟ يعني: متخصصون في هذه الأشياء، لكن عندما تأتي إلى الناحية الشرعية الدينية، التي هي الهدف الرئيسي من خلقنا، أصبحت ثقافة الناس الآن ثقافة موبوءة، فلو طُلِبَ الإجابة على سؤال، وقيل مثلاً للحاضرين في أي مجتمع كان، لو نعزف لكم الآن طرفاً من أغنية، ونطلب من الذي يسمع العزف أن يبين لنا من المغني؟ ومن وضع الكلمات؟ والملحن؟ تجد مئات الأصابع ترتفع، كل واحد يقول: أنا أعرف، إنها أغنية فلان، ولحنها فلان، لماذا؟

    ثقافة موسيقية ضخمة، لأنه منكب على الأغاني ليلاً ونهاراً، مشغل جهاز الصوت في السيارة على الأغنية، ويدخل البيت على الأغنية، وينام على الأغنية، ويستيقظ ويقوم عليها، حتى أصبح رأسه أغنية، حتى إن بعضهم لا يكتفي أن يغني هو، لا. بل يريد أن تغني الدنيا كلها.

    وقد ذكرت هذا مرة، كنت مرة في أبها ووقفت عند إشارة مرور، وإذا بشخص بجانبي صاحب سيارة منذ أن وقف شعرت أن سيارتي تهتز، أصبحت ترقص، فطالعت كذا، فإذا بالرجل مركب في سيارته استريو على الأبواب، وفي المقدمة والخلف، ويرفع الصوت على آخر شيء، فكأن السيارة كلها تهتز، وسيارتي كأنها أصيبت بالعدوى؛ لأنها معه على أرضية واحدة، فأنزلت الزجاج وسلمت عليه، فطبعاً رآني ورأى شكلي، استحيا فخفض الصوت، قلت له: ما هذا الضجيج، قال: أيش، قلت: سيارتك ترقص كلها، يعني: لم تكتف بأن ترقص أنت، حتى الحديد تريده يرقص، بل رقصتني وأنا جالس بجانبك يا أخي! قال: يا شيخ! والله إنك تعرف الشباب، قلت: لا يا أخي! يعني شباب للنار، اتق الله، الأمة نضجت، الأمة شبعت من الأغاني، ما ضيعنا القدس إلا بالأغاني، وما حاربتنا إسرائيل إلا بجيش من المغنين والمغنيات، نحن أمة الجهاد، والدعوة، والكتاب والسنة .. رائدة قائدة، لسنا أمة مغنية وتافهة رخيصة، فلما قلت له هذا الكلام قال: جزاك الله خيراً، ثم أعطيته أشرطة إسلامية.

    الشاهد في الموضوع: أن ثقافة الناس مثل هذه النوعية، لكن لو تأتي بآية وتقول له: هذه الآية في أي سورة من كتاب الله؟ من يعرف؟ يتلفتون ولا يعرف أحد منهم، ابحثوا لنا عن مطوع يعرفها، وأنت؟!

    يعني: الدين خاص بالمطوع فقط؟ لو سألناك: أيش ديانتك؟ تقول: مسلم، حسناً هذه السورة من الإسلام، هذه من كتاب الله، هذا دينك، لكن للأسف لا يحفظ من كتاب الله شيئاً، وإنما يحفظ الأغاني، والرذائل، والحكايات، والعلوم، وأسماء المغنيين، وأسماء اللاعبين، وكل شيء إلا الكتاب، فلا يحفظ منه شيئاً، كيف يأتيه الدين أيها الإخوة؟!

    1.   

    الداعية واغتنام الفرص

    يقول أحد الإخوة -وقد كان في قاعة أفراح- يقول: دخلت قاعة الأفراح، وإذا هي مملوءة بالرجال، وكل واحد يتكلم مع الذي بجواره، وهم ينتظرون العشاء، يقول: فتدخلت، وقلت: هذا وقت ضائع يستفاد منه في الدين، فقال للناس وهم جلوس: يا جماعة الخير، الآن نعيش هذا الوقت في انتظار العشاء، فما رأيكم لو استفدنا من هذا الوقت؟ قالوا: جزاك الله خيراً، قال: كلكم والحمد لله مسلمون، وسمعتم من الخطب، والمواعظ، والمحاضرات، والدروس الشيء الكثير، منذ خلقنا الله ونحن نسمع، الآن أطلب منكم شيئاً واحداً، قالوا: ما هو؟ قال: أريد من كل واحد منكم أن يأتي بحديث مما يعرف من أحاديث الرسول صلى الله عليه وسلم، فقط حديث واحد، هل أنتم مستعدون؟ قالوا: مستعدون، قال: ونبدأ الآن من جهة اليمين.

    وبدأنا بشخص من جهة اليمين، من غير ترتيب، هذا الشخص طبعاً يبحث ويبحث، قال: يا شيخ! فاجأتني الآن لا أعرف حديثاً واحداً، يمكن عنده لكن حين فاجأه لم يتذكر، قال: تدري يا شيخ، قال: ماذا. قال: انقل السؤال للذي خلفي، فنقل السؤال للذي وراءه، قال: هل عندك حديث؟ ظل يفكر، ثم قال: الذي ورائي، والذي خلفه قفز وهرب كي لا يلحقه السؤال، وكل شخص بدأ يتهرب ويبحث، وفجأة الذي بعده وجد حديثاً واحداً بعد ساعة، حسناً هذه أمة الإسلام لا تعرف أحاديث النبي صلى الله عليه وسلم؟

    ضرورة نشر العلم بين جميع فئات المجتمع

    أين تجلس الأمة؟ ألا يوجد في البيت حلقات علم.. ألا يوجد في العمل حلقات علم، ألا يوجد في المسجد حلقات علم، قولوا لي أيها إخوة: من هو المسلم الذي في كل ليلة بمجرد أن ينتهي من العشاء، ينادي زوجته وأولاده وبناته، ثم يقول: اجلسوا، وقام بإحضار كتاب رياض الصالحين ، ليعرفوا ماذا قال النبي صلى الله عليه وسلم، فقرأ عليهم الحديث الأول وقال لهم: احفظوه كلكم بالشرح، قالوا: ننام على الحديث، أين هم هؤلاء أيها الإخوة؟

    إن شاء الله يكن لهم وجود ولكنهم قلة، نحن لا نريدهم قلة بل نريدهم أغلبية، نريد حلقات العلم تنتشر في كل صقع، وبقعة، وبيت، ودار، وعمل، أين الزميل الذي يرفع السماعة على زميله: السلام عليكم، صبحك الله بالخير، كيف حالك يا أخي، يا أخي والله البارحة قرأت حديثاً للنبي صلى الله عليه وسلم، إنه حديث عظيم، اسمع هذا الحديث ثم يقرأه عليه، وذاك يسمعه ويسجله، ويرفع السماعة لشخص آخر ويسمعه الحديث.

    لكن للأسف فإن الذي يحصل الآن السلام عليكم، هل رأيت الفيلم ليلة أمس؟ الله! نهاية حزينة للبنت، مسكينة، والله يا أخي لقد توترت أعصابي، وما جاءني نوم ليلة أمس، والمرأة والأولاد يبكون، هذا والفيلم كله كذب في كذب، أصل المسلسل هذا تمثيل، ما معنى تمثيل؟ يعني: كذب، عندما آتيك وأتظاهر لك بأني معوق.

    تقول: ما بك إنك تمثل، وتضحك عليَّ، أنا أعرفك ليس فيك شيء، فكذلك هذا الممثل، يضحك على عقول الناس، ويجلس الواحد مشدود الأعصاب طوال الليلة.

    إنه كاتب روائي كذاب فعل القصة، وأتى بكذابين، وقال: طبقوها في الواقع، وظلوا شهرين يتدربوا عليها وجاءوا يضحكون على الناس، أفتكون ثقافتنا إلى هذه الدرجة الهزيلة؟ وهل أتتلمذ على هؤلاء؟! مصيبة أيها الإخوة!!

    فبدلاً من المسلسل الذي تجلس تنظر إليه، قم بإحضار رياض الصالحين، فإذا انتهيت من رياض الصالحين أو قبل ذلك تناول الكتاب الكريم، ثم قل: تعال يا ولدي اقرأ لنا من قول الله عز وجل:وَالْفَجْرِ * وَلَيَالٍ عَشْرٍ * وَالشَّفْعِ وَالْوَتْرِ [الفجر:1-3].

    هذه السورة احفظ منها ثلاث آيات، وأنا أحفظ منها ثلاث آيات، ثم قم بإحضار تفسير ابن كثير ، أو إحضار أيسر التفاسير للجزائري، وتأمل ماذا يقول الله في هذه الآيات؟ ما معنى: (والفجر)؟ معناها: يقسم الله بالفجر.

    ما هي الليالي العشر: أهي العشر من ذي الحجة، أم العشر الأخيرة من رمضان؟

    (والشفع والوتر) ما هو الشفع والوتر؟ لو تسأل الآن أطرف شخص من المسلمين تقول: ما معنى قول الله عز وجل: قُلْ أَعُوذُ بِرَبِّ الْفَلَقِ * مِنْ شَرِّ مَا خَلَقَ * وَمِنْ شَرِّ غَاسِقٍ إِذَا وَقَبَ [الفلق:1-3] كم قد قرأنا هذه السورة؟

    قرأناها آلاف المرات، ما معنى غاسق إذا وقب؟ من يدري ما معنى غاسق، وما معنى وقب، لماذا؟ لكن لو سأله عن أي سؤال آخر فإنه قد يجيب، أفيليق هذا -أيها الإخوة- بالأمة، أمة الإسلام والإيمان، الله تبارك وتعالى سيسألنا عن هذا الدين، الله يقول: فَوَرَبِّكَ لَنَسْأَلَنَّهُمْ أَجْمَعِينَ * عَمَّا كَانُوا يَعْمَلُونَ [الحجر:92-93].

    ويقول في آية ثانية: فَلَنَسْأَلَنَّ الَّذِينَ أُرْسِلَ إِلَيْهِمْ وَلَنَسْأَلَنَّ الْمُرْسَلِينَ [الأعراف:6] ويقول عز وجل: وَقِفُوهُمْ إِنَّهُمْ مَسْؤُولُونَ [الصافات:24] سيسألنا الله عن هذا الدين، وسيشكونا الرسول صلى الله عليه وسلم إلى الله يوم القيامة: وَقَالَ الرَّسُولُ يَا رَبِّ إِنَّ قَوْمِي اتَّخَذُوا هَذَا الْقُرْآنَ مَهْجُوراً [الفرقان:30] القرآن مهجور في قلوب الناس وحياتهم، مهجور هجر تلاوة، وتطبيق، وعمل، واستشفاء، والتحاكم والرجوع إليه، وموجود هناك في البيوت من أجل البركة، وإذا قرأ الواحد في المسجد قرأ قراءة لا يدري ما أولها وما آخرها.

    تدخل يوم الجمعة المسجد، تجد الناس يقرءون، لكن قف عند واحد وأغلق المصحف، وقل له: السلام عليكم كيف الحال؟ أنت تقرأ جزاك الله خيراً، فإني سائلك ماذا أمرك الله به، من حين بدأت القراءة إلى الآن ما هي الأوامر التي أمرك الله بها في الآيات التي قرأتها؟

    يقول: لا أدري.

    ما الذي نهاك الله عنه؟ ما الذي أخبرك الله به؟ لأن القرآن ثلاثة أشياء لا يخرج عنها: إما أمر، أو نهي، أو خبر.

    أما أمر الله فمثل قوله: أَقِيمُوا الصَّلاةَ [الأنعام:72].

    أو نهي: وَلا تَقْرَبُوا الزِّنَا [الإسراء:32].

    أو خبر: يخبرك الله عن الجنة، أو النار، أو الأمم، أو الرسل، أو الأنبياء. هذه أخبار الله.

    فمقتضى الأمر الاستجابة، ومقتضى النهي الابتعاد والانزجار، ومقتضى الخبر التصديق، فأنت تقرأ كلام الله، وفيه أمر الله لكن لا تعلم ما الذي أمرك به، لماذا؟

    لأنك تقرأ بدون قلب، الواحد يقرأ وهمه آخر السورة متى ينتهي منها، يعد الورق، ليس همه أن يعلم ويتعلم، همه آخر الجزء، هذه الأمور أيها الإخوة! أمور خطيرة جداً، لا بد أن نراجع حياتنا وحساباتنا، وكيف نتعلم العلم الشرعي، حتى تحيا به هذه القلوب.

    تعدد وسائل نشر العلم الشرعي

    عند إعادة الحلقات، والثقافة الإسلامية، فإنه قد هيأ الله تبارك وتعالى للناس من الفرص والإمكانيات ما لم يكن مهيئاً في الماضي، الآن أساليب طلب العلم الشرعي معك، تشتري الشريط بأربعة أو خمسة ريالات، وتذهب إلى البيت وتشغله. يشتغل ما لم تغلقه، ما يغضب عليك، ولا تعشيه ولا تغديه ولا ترحب به ولا شيء.

    من يمكن يدرس أهلك في البيت بخمسة ريالات، لو أخذت عالماً تقول: والله يا شيخ! تعال أريدك، فإنه يشغلك: يريد عشاءً، ومبيتاً، ويجلس يتكلم مع المرأة، وإذا أسكته غضب منك، لكن لا! شريط بخمسة من الريالات، فيه محاضرة تسمعها أنت وأهلك، ومتى تسمع؟

    إذا لم تتمكن من الاستماع في البيت، وذلك لوجود بعض الموانع، فخذ زوجتك معك في السيارة وأسمعها الشريط؛ لأنها لا تستطيع أن تستمع مع وجود الأطفال.

    وتشتري الكتيب! الآن الكتيبات هذه يسمونها الوجبات السريعة، لأن عصرنا هذا عصر السرعة، لأنه لا يستطيع أحد أن يقرأ في المجلدات، ولذلك فقد قام العلماء وطلبة العلم باختصار هذه المواضيع، وتقديمها كتيبات للناس، عندما تدخل المكتبة تخرج مالاً من جيبك، وتشتري مجموعة من الكتب في جميع الفنون بمائة، تبني مكتبة بقيمة كبش، الكبش بأربعمائة ريال، لكن لم تشغلنا إلا بطوننا.

    أنا سألت أحد الأشخاص قلت له: يا أخي كم مضى عليك من حين اشتريت شريطاً؟ قال: من العام الماضي، معه شريط بخمسة خلال سنة، لعله سمعه مرة ورماه.

    قلت: حسناً واللبن متى اشتريتم؟ -اللبن بأربعة ريالات- قال: أشتري كل ليلة علبتين بثمانية ريالات، يشتري لبناً كل يوم بينما في السنة شريطاً واحداً بأربعة ريالات، كم أعطينا للروح وكم أعطينا للجسد؟

    للجسد تسعة وتسعون في المائة من الراتب، وللروح واحد في المائة، وليته يصفى حتى الواحد في المائة.

    إن من النافع والمفيد أن نستمع إلى الشريط الإسلامي، ونقرأ الكتاب الإسلامي، ونسمع إذاعة القرآن الكريم، وقد هيأ الله عز وجل في بلدنا المبارك هذا إذاعة متخصصة في نشر الدين الإسلامي، اسمها (إذاعة القرآن الكريم)، تفتتح برامجها الساعة السادسة صباحاً، وتختتم برامجها الساعة الثانية عشر مساءً، ثمانية عشر ساعة، تبث بدون توقف لا تبث كلمة فيها شر.

    حتى الموسيقى التي تأتي قبل الأخبار، ممنوعة فيها فلا توجد، ليس هناك إلا قال الله، قال رسوله، وبرامج إسلامية، هذه اعتبرها مدرسة في البيت بل كما قال ابن باز -رحمه الله-: إنها جامعة. لكن هذه المدرسة نسميها الإذاعة اليتيمة، لا أحد يحبها إلا من رحم الله، وإذا جاء المؤشر على إذاعة القرآن، تراه يحرك المؤشر على إذاعة أخرى، تبث الأغاني والموسيقى.

    أمة هزيلة مريضة، المريض لو تعطيه الشحم لا يأكل منه؛ لأنه مريض لكن لو كان صحيحاً، لكان مثل البعير، يأكل الأخضر واليابس، الأمة يوم أن كانت حية، كانت تقبل على القرآن والسنة والعلم، لكن لما مرضت، ذهبت نحو الأطعمة السامة، أقبلت على الأغاني، والمسلسلات، والأفلام، والخزعبلات، وإذا جيء لها بالقرآن وبالسنة أعرضت عنهما، والسبب في ذلك أمراض القلوب، التي تؤدي عند الاستمرارية إلى موت القلوب -والعياذ بالله-.

    فيا إخوتي في الله! أسأل الله الذي لا إله إلا هو أن يجزي خيراً من سعى إلى إنجاح هذا المجلس، وهم الإخوة القائمون على التوعية الإسلامية في سلاح الحدود، والمسئولون عنها، هؤلاء يدركون أهمية هذه الدورس، ويعرفون قيمة الدعوة، وضرورة حياة القلوب عن طريق العلم الشرعي.

    1.   

    الطريق إلى السعادة الحقيقية

    وأنا أقول لكم أيها الإخوة: إذا أراد الإنسان منا أن يحيا الحياة الإيمانية.. الحياة الحقيقية.. الحياة التي تكسبه السعادة في الدنيا والآخرة.. يسعد في هذه الدنيا بالإيمان.. ويسعد عند الموت حينما يموت وهو يقول: لا إله إلا الله.. ويسعد حينما يدخل القبر، ويجيب على الأسئلة؛ لأنه تعلم الإجابة في الدنيا فإذا قيل له: من ربك؟ فإنه قد عرف من هو الله، ما دينك؟ من نبيك؟ فتراه يجيب، هنالك يقول الله: يُثَبِّتُ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا بِالْقَوْلِ الثَّابِتِ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَفِي الْآخِرَةِ وَيُضِلُّ اللَّهُ الظَّالِمِينَ وَيَفْعَلُ اللَّهُ مَا يَشَاءُ [إبراهيم:27].

    ويكون من السعداء يوم تقوم الساعة، ويخرج من قبره، والملائكة تطمئنه، وتقول له: لا خَوْفٌ عَلَيْكُمُ الْيَوْمَ وَلا أَنْتُمْ تَحْزَنُونَ * الَّذِينَ آمَنُوا بِآياتِنَا وَكَانُوا مُسْلِمِينَ * ادْخُلُوا الْجَنَّةَ أَنْتُمْ وَأَزْوَاجُكُمْ تُحْبَرُونَ * يُطَافُ عَلَيْهِمْ بِصِحَافٍ مِنْ ذَهَبٍ وَأَكْوَابٍ وَفِيهَا مَا تَشْتَهِيهِ الْأَنْفُسُ وَتَلَذُّ الْأَعْيُنُ وَأَنْتُمْ فِيهَا خَالِدُونَ * وَتِلْكَ الْجَنَّةُ الَّتِي أُورِثْتُمُوهَا بِمَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ [الزخرف:98-72].

    ليس بما كنتم تلعبون وتسهرون، إنه لمن العبث -يا أخي- أن تضيع عمرك في السهر على الورق، بعضهم يمضي أربع أو خمس ساعات من بعد العشاء إلى الفجر، وهو يلعب الورق، والنهاية ماذا؟ قال: والله خسرت، هل هذا كلام؟؟

    لو رأيت أولادك يلعبونها مع أنهم أصحاب قيم، وأصحاب مبادئ، وأصحاب مراتب، وأصحاب رتب فماذا تقول لهم؟ تقول: والله كنت أحسب أنكم رجال، لكن وجدتكم أطفالاً، يا أخي! هذه ليست لكم، هذه مكعبات، الغرض منها إلهاء الأولاد؛ لأن الولد لا يستطيع أن يبني بيتاً كبيراً، فتراه يبني له بيتاً صغيراً على قدر عقله ومعرفته، لكن أنت أيها العاقل! لماذا لا تشتغل بحفظ كتاب الله؟ والله إنه لمن العار على الواحد أن يكون عمره أربعين أو خمسين سنة ولا يحفظ جزء عمّ، وإذا قدم للصلاة خبط في الآيات، أين أنت طول حياتك؟ لماذا لم تحفظ كتاب ربك؟ ما الذي أشغلك عن الله تبارك وتعالى؟

    ولكي نحيا الحياة الحقيقية، ونسعد السعادة الحقيقية في الدنيا والآخرة، علينا بالرجوع إلى العلم، وطلبه، والعمل والتطبيق، فيما نتعلم من شريعة الله عز وجل. وحتى يمكن وضع برنامج، أو تصور بسيط لطلب العلم، نبدأ بالبدايات البسيطة:

    حفظ كتاب الله وتفسيره

    أولاً: يبدأ الإنسان بحفظ جزء عمَّ، من سورة الناس إلى عمَّ يتساءلون، وهذا بإمكان الإنسان أن يحفظه خلال شهرين، ولا يتم الحفظ إلا على يد من لديه القدرة على ضبط قواعد التجويد، يعني: ليس هناك مانع، من أن يجتمع ثلاثة أو أربعة من الزملاء يتعارف بعضهم على بعض، وبعد ذلك يحددون لهم جلسة، إما في سكن أو بيت، وكل ليلة يجلسون عند واحد، وليس بالضروري كل ليلة، بل حتى ليلة في الأسبوع، أو ليلتين في الأسبوع، ويجلسون على كتاب الله.

    من خلال جلوسهم مع بعضهم، يتعرفون على المتقن منهم، فيكون هو الذي يصحح لهم التلاوة ويبدأ كل واحد منهم الحفظ، ويسمعون لبعضهم البعض ما حفظوه، الله أكبر! (ما جلس قومٌ في مجلسٍ يقرءون القرآن ويتذاكرونه إلا نزلت عليهم السكينة، وغشيتهم الرحمة، وحفتهم الملائكة، وذكرهم الله فيمن عنده) لكن: (ما جلس قومٌ في مجلسٍ لم يذكروا الله تعالى فيه إلا قاموا عن مثل جيفة حمار، وكان عليهم هذا المجلس ترة ومسئولية يوم القيامة).

    فكم من مجلس نجلسه الآن نقوم منه عن مثل جيفة حمار؟ وكم من مجلس نقوم منه وقد حفتنا الملائكة؟

    فأول شيء حفظ جزء عمَّ، بعد حفظ جزء عمَّ، مراجعته بالتفسير، وأحسن كتاب أدلكم عليه هو كتاب في خمسة مجلدات للشيخ أبو بكر بن جابر الجزائري اسمه أيسر التفاسير ، وهذا الكتاب ألف بطريقة حديثة، ومختصر من جميع كتب التفاسير، ومبوَّب بطريقة منظمة، يأتي بالآيات، ثم يشرح المفردات، ثم المعنى الإجمالي، ثم يأتي بالأحكام والهدايات التي هدت إليها هذه الآية، إنه عظيم من أعظم ما أُلف في التفسير، تقرأ الآية وتقرأ تفسيرها وانتهى الموضوع.

    أكملت جزء عمَّ، انتقل إلى جزء تبارك، أكملت جزء تبارك، انتقل إلى جزء قد سمع، انتهيت من قد سمع، أكمل حفظ المفصل إلى سورة ق، ما شاء الله، أصبح عندك المفصل حفظاً وتفسيراً، إنك بهذا تصبح عالماً إن من يحفظ المفصل وتفسيره، يصير عالماً، هذا في القرآن الكريم.

    حفظ الأحاديث النبوية

    ترجع بعد ذلك إلى كتب السنة، وأحسن كتاب ندل الناس عليه هو كتاب رياض الصالحين، وله شرح في مجلدين، اسمه نزهة المتقين لشرح رياض الصالحين، أيضاً مؤلف عصري، ألفه مجموعة من الدكاترة، من أصحاب العقيدة السليمة، تأخذ الحديث وتجد فيه نفس الأسلوب، شرح المفردات والشرح الإجمالي والأحكام.

    وكل يوم تقرأ الحديث مع إخوانك، وزوجتك، وبعد ذلك أخذت اليوم حديثاً، وليكن الحديث الأول قول النبي صلى الله عليه وسلم: (من عمل عملاً ليس عليه أمرنا فهو رد) هذا في الصحيحين عن عائشة رضي الله عنها، تعرف على معنى الحديث ثم قم بترديده، ترجع إلى البيت فتعلم زوجتك، اجعل ولدك يردده، ما يمر عليك اليوم الثاني إلا وقد قلته عشرين أو ثلاثين مرة، وبعد ذلك يكون قد انطبع في ذهنك، ثم الحديث التالي.. ثم التالي وهكذا.

    لكن بعضنا الآن تمر عليه السنة، وما حفظ فيها حديثاً واحداً، لكن لو أنك كل يوم تحفظ حديثاً، كم ستحفظ في السنة؟ ستحفظ ثلاثمائة وخمسين حديثاً، رياض الصالحين فيه من الأحاديث ألف وتسعمائة، يعني خلال أربع سنوات نحفظ رياض الصالحين ، إذا حفظنا كل يوم حديثاً، الآن من الكبار لم يحفظوا إلا رياض الصالحين ، وبلوغ المرام ، فإذا حفظوا هذين الكتابين، بلوغ المرام في أدلة الأحكام ، ورياض الصالحين في فضائل الأعمال، لم يبق شيء في الدين، كل الدين محفوظ، فما عليك إلا أن تحفظ يومياً حديثاً مع شرحه.

    التفقه في دين الله

    ترجع بعد ذلك إلى كتب الفقه الإسلامي من أجل أن تعرف كيف تعبد الله؟ كيف تصلي وتصوم وتحج وتتصدق وتتعامل؟ لا بد من فقه، هناك كتاب اسمه: السلسبيل في معرفة الدليل ، هذا الكتاب يشرح أدلة زاد المستقنع ، وهو مختصر في فقه الحنابلة، ومقرر على الطلاب في المعاهد العلمية، وشرحه الروض المربع المقرر على الطلاب في كلية الشريعة، لكنه مشروح بتوسع، فالشيخ الذي ألف الكتاب هذا رجل صالح.

    ألفه بالدليل، يأتي بالمسألة، والدليل عليها كذا وكذا، ثم يأتي بأحاديث النبي صلى الله عليه وسلم، هذا ما شاء الله! فلو أنك أخذت كل يوم صفحة مع نفسك، مبتدئاً بباب الطهارة وأقسام الماء، فإنك تجد أنه ينقسم إلى ثلاثة أقسام: طهور، وطاهر، ونجس، ما هو الطاهر؟ ما هو الطهور؟ ما هو النجس؟ متى يتنجس الماء؟ هذه أحكام فقهية، يجب أن نعرفها، بعض الناس يا إخواني! زوجته معه منذ عشر سنوات، ومع ذلك لا تعرف كيف تغتسل من الجنابة!! ولا تعرف أحكام الحيض!!

    وإذا جاءها الحيض تقعد بعد الحيض يومين أو ثلاثة لا تصلي، وهي لا تدري، وإذا تركت صلاة واحدة كفرت، من ترك صلاة واحدة من غير عذر فقد برئت منه ذمة الله، لكن لا تدري، تقول لها: لماذا لا تصلين؟

    قالت: أريد أن أطهر، وهي قد طهرت منذ أسبوع، لكنها تريد أن تهرب من الصلاة، وزوجها لا يدري، لكن لو يدري أنها لم تصلح الغداء في يوم من الأيام كسر ظهرها؛ لأنه يريدها تطبخ له، لكن تتعلم الدين هذا لا يهمه، لأننا ما يهمنا إلا الأمور المادية -والعياذ بالله- هذا الكتاب الثالث اسمه السلسبيل في معرفة الدليل .

    العلم بعقيدة أهل السنة والجماعة والسيرة النبوية

    الرابع: كتاب في العقائد، لكي تكون عقيدتك قوية، وأحسن كتاب ندل عليه الناس الآن، كتاب اسمه: معارج القبول في شرح سلم الوصول للشيخ/ حافظ الحكمي ، عالم من علماء المملكة توفي رحمة الله عليه، وهو من أهل المنطقة الجنوبية، من أهل جيزان ، عالم عظيم، ألف رسالة اسمها سلم الوصول ، ثم قام بعد ذلك بشرحها في مجلدين وهو موجود في الأسواق، أو في ثلاثة مجلدات كما في بعض الطبعات، تأخذ منه عقيدة أهل السنة والجماعة .

    أيضاً كتاب خامس، ينبغي أن يكون عندك، وهو في سيرة النبي صلى الله عليه وسلم، كتاب اسمه مختصر سيرة الرسول صلى الله عليه وسلم للشيخ/ محمد بن عبد الوهاب ، هذا مختصر سيرة الرسول، يأتيك بجميع أحداث السيرة وأسرارها، والمعاني المقتبسة منها، تضع هذه الخمسة الكتب عند رأسك.

    وتأخذ بعض الكتب الأخرى مثل: الجواب الكافي لمن سأل عن الدواء الشافي لـابن القيم لأنه علاج القلوب، يبين لك أسباب المعاصي، وعقوبات المعاصي، وزاد المعاد في هدي خير العباد لـابن القيم يبين لك هدي النبي صلى الله عليه وسلم، يعني أنا أضمن أن تشتري هذه الكتب كلها بما لا يزيد عن مائتي ريال، يعني: بقيمة نصف كبش، تكوِّن مكتبة إسلامية عند رأسك، وتتعلم وتعلم زوجتك، وأولادك، وينور الله بصيرتك، ويحيي الله قلبك، وتصبح إنساناً مرموقاً، تصبح لك أهمية، تصبح ثقافتك ثقافة إيمانية، لك قيمة، ووضع، ومعنى في الحياة.

    لكن بغير العلم والدين ما هي قيمة الإنسان؟ والله ليس له قيمة، ولا له أي معنى، لماذا؟ لأنه تافه، لأن اهتماماته تافهة، وأمانيه تافهة، اهتماماته كلها، أن يأكل ويشرب ويتزوج ويرقد، هذه اهتمامات الكفار التي يعملونها ويسعون لتحقيقها، لكن عندما تكون اهتماماتك من النوع الإيماني، أن تعبد الله، وتدعو إلى الله، وتستقيم على منهج الله، وتربي أهلك على طاعة الله، وتربي أولادك لتخرج للمجتمع رجالاً فضلاء ينفعون الناس.

    لكن بعض الآباء لا. لا يهمه إلا أن يأكل ويشرب، بل يخون الأمانة، ويورد على أهله الشر، وبلغ الناس مبلغاً لا يتصوره العقل، لا يمكن أن رجلاً عاقلاً يخاف الله، ويؤمن به يشتري صحناً للاستقبال، والبعض يسميه طبقاً، وفعلاً هو طبق الشيطان، أحضر الشيطان في هذا الطبق، جميع الشرور الموجودة في العالم، وأفلام الجنس والمسلسلات الخليعة التي تبث في العالم كله يجمعها هذا الطبق، طبق الشيطان.

    ويحضرها لأولاده وزوجته فتراهم يتنقلون عبر الموجات عن طريق الزر، ينتقلون عبر هذه القنوات فلا يجدون إلا الشرور، يقول شخص من الناس: أدخلته إلى البيت فأفسد عليَّ الأسرة في شهرٍ واحد، ولدي والله كان ترتيبه الأول، بعد إدخال هذا الصحن الخبيث وبعد شهر، صار ترتيبه الحادي عشر، والشهر الثاني يطردونه من المدرسة، يقول: آمره بالنوم فيتناوم، وبعد ذلك أذهب كي أنام، وإذا به يقوم ولا ينام، أراقبه في الصباح فإذا به عند التلفاز، بل يقول: أنام أنا بنفسي، وزوجتي بجانبـي وأعلم أنها بجانبـي، يقول: وأقوم نصف الليل، وأتلفت ولا أجد زوجتي، ذهبت لمشاهدة الفيلم، هربت وذهبت تنظر إلى المسلسل.

    مصيبة يا إخواني! أليس هذا من خيانة الإنسان لدينه وتضييعه لأمانته؟ والله يقول: يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا قُوا أَنْفُسَكُمْ وَأَهْلِيكُمْ نَاراً [التحريم:6] كيف تقيهم النار؟ بتعليمهم الشرع والدين: وَقُودُهَا النَّاسُ وَالْحِجَارَةُ [التحريم:6] ليست حطباً ولا خشباً، بل هي حجارة؛ حجارة النار من الكبريت، لما سئل النبي عليه الصلاة والسلام: (يا رسول الله! أحجارة النار مثل حجارة الدنيا؟ قال: والذي نفس محمدٍ بيده! لصخرة من صخر النار أعظم من جبال الدنيا بأسرها) هذه التي تشتعل على الكافر في النار، والفاسق والعاصي، عليها ملائكة موكلون بالتعذيب، من هم؟ مَلائِكَةٌ غِلاظٌ شِدَادٌ [التحريم:6].

    غلاظٌ في التعامل، شداد في الخلقة، يقول: لو أخرج واحد وجهه على أهل الأرض لماتوا من تشويه خلقته، وليس عندهم مجاملات ولا حسابات: هذا من الجماعة، ولا ينفع هاتف، ولا شيء: لا يَعْصُونَ اللَّهَ مَا أَمَرَهُمْ وَيَفْعَلُونَ مَا يُؤْمَرُونَ [التحريم:6].

    تورد أهلك النار؟ الله يقول: قُوا أَنْفُسَكُمْ وَأَهْلِيكُمْ نَاراً [التحريم:6] وأنت تورد نفسك وأهلك النار، وتشتري ما يقودك إلى النار؟ قولوا لي بربكم أيها الإخوة: هل الذي يعرض في هذه الأطباق والصحون خير أم شر؟ شر. وهل نحن بحاجة إلى شر حتى نستورد الشر، لا والله، نحن نحتاج إلى الخير، ولا نحتاج إلى الشر.

    هذا وأسال الله الذي لا إله إلا هو، أن يجزي من كان سبباً في إقامة هذا المجلس خيراً، وأن يوفقنا وإياكم لما يحبه ويرضاه، وأن يحيي قلوبنا بنور العلم والإيمان، إنه ولي ذلك والقادر عليه.

    والله أعلم، وصلى الله وسلم على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.

    والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.