إسلام ويب

حوار مع منتكسللشيخ : سعيد بن مسفر

  •  التفريغ النصي الكامل
  • تحدث الشيخ في هذه المحاضرة عن الانتكاسة وهي: حالة مرضية تصيب بعض الملتزمين، كما عرفها الشيخ، وقد تكلم الشيخ في إطار هذا الموضوع عن الوسائل المعينة على الثبات، ثم ذكر أسباب الانتكاسة مبيناً الوسائل التي يمكن بها علاج هذه الظاهرة، والتي تعد من أخطر الظواهر المؤثرة على مسيرة التزام الشباب.

    1.   

    ظاهرة الانتكاسة: (أسبابها وعلاجها)

    الحمد لله رب العالمين، وصلى الله وسلم وبارك على عبده ورسوله محمد، وعلى آله وصحبه وسلم أجمعين.

    وبعد:

    أيها الأحبة في الله: تلقيت قبل موعد أذان المغرب بنصف ساعة فقط، وبالتحديد في الساعة السادسة إلا ربع، مكالمة هاتفية من الشيخ/ جابر المدخلي الأمين العام للتوعية الإسلامية بـمكة ، يطلب مني أن ألقي هذه المحاضرة بديلاً عن الشيخ/ محمد المختار الشنقيطي وذلك لظروف مرضه، نسأل الله عز وجل أن يكتب له الشفاء العاجل.

    والحقيقة لقد ترددت -بل اعتذرت- والسبب أن البديل دائماً يكون ثقيلاً مهما كان، الناس جاءوا وهم متهيئون لسماع رجل بعينه، فإذا جاء الغير كان هذا الغير ثقيلاً لا يريد أحد أن يسمعه، وما أود أن أكون ثقيلاً على إخواني.

    فقلت للشيخ: سوف آتي وأشاورهم فإن رأوا أنني سأصبح ثقيلاً عليهم اعتذرت، وخرجنا وذهب كلٌ إلى بيته، والسلامة كرامة كما يقولون، وإن قبلوا بشرط ألا أكون ثقيلاً عليهم فلا مانع من الاستمرار معهم إلى العشاء، وأنا أعرض عليكم هذا الرأي فما رأيكم، هل تودون الاستمرار ولا أكون ثقيلاً عليكم؟ بارك الله فيكم.

    البديل ثقيل لماذا؟

    هناك حكاية: رجل جاءه ضيوف ولا يود أن يكرمهم -يعني: ضيوف ثقلاء- ولكن لابد له من أن يقدم لهم وجبة الطعام، فنزل إلى المرعى الذي فيه الأغنام وأخذ واحدة من الأغنام وأخذ السكين وبدأ يذبح الذبيحة، فصاحت الذبيحة من ألم حرارة الموت، فقال لها يخاطبها يقول: اصبري فوالله إنكِ مغصوبة وأنا مغصوب، يقول: أنتِ مغصوبة لا تريدين الموت وأنا مغصوب لا أريد أن أذبح، وأنا أقول لكم: أنتم مغصوبون وأنا مغصوب فاصبروا على ما واجهتم.

    موضوع المحاضرة: "الانتكاسة أو الانتكاس أسبابه وعلاجه"، كنت قبل فترة ألقي درساً في جدة ووعدت أهل جدة بمحاضرة بعنوان: "حوار مع منتكس" ولما كان هذا الموضوع هو موضوع هذا الدرس فأنا أقدم هذا الموضوع الذي كنت سألقيه في جدة بعد أيام وليالي؛ لأنه موضوع جاهز.

    الانتكاسة: حالة مرضية تصيب بعض الملتزمين الذين وفقهم الله عز وجل للاستقامة على دين الله، وهي والحمد لله في مجتمعنا لا تشكل ظاهرة عامة، بحيث نخاف منها أو ننظر إليها بنظرة شؤم، لا. هي حالة نادرة تقع في أفراد بسطاء بدليل استقامة الآلاف المؤلفة، واستمرارية العاملين والحمد لله في سلك استقامتهم، فهذه ليست مثار خوف عندنا، ولكننا ننبه عليها للتحذير منها من باب الوقاية؛ لأن مسألة الثبات على الدين حتى الممات شيء لابد منه، إذ أن العبرة والمعوَّل على الخواتيم -الخاتمة- إنما الأعمال بالخواتيم، وأنت يقاس لك عملك على آخر أداء تؤديه قبل الوفاة، فلو ثبتَّ طوال حياتك وزللت قبل الوفاة بلحظات، لم تعد لك كل سابقة حياتك، ولو انحرفت طوال الحياة ثم ثبتَّ عند الممات لختم الله لك على هذا الثبات وهذا معنى حديث النبي صلى الله عليه وسلم: (منكم من يعمل بعمل أهل الجنة حتى ما يكون بينه وبينها إلا ذراع، فيعمل بعمل أهل النار فيدخلها، ومنكم من يعمل بعمل أهل النار حتى ما يكون بينه وبينها إلا ذراع، فيعمل بعمل أهل الجنة فيدخلها)هذا الحديث له مغزى وله هدف، والمثبطون والمنهزمون أمام شهواتهم يستدلون به على غير وجهه الشرعي فيقول أحدهم وهو منغمس في الذنوب، يقول: أنا أعمل بعمل أهل النار حتى إذا كان بيني وبين النار ذراع عملت بعمل أهل الجنة، هذا كلام غير صحيح؛ لأنك لا تملك الهداية، لا. ليس هذا هو مقصد الحديث.

    مقصد الحديث: بيان أن على المسلم الذي يلتزم بالدين أن يتمسك ويثبت إلى أن يموت، حتى لا يعمل عملاً من عمل أهل النار فيختم عليه به ويدخل النار.

    والثاني: أن على العاصي الفاجر البعيد عن الله أن يسارع بالتوبة وألا يؤجل ولا يسوف، حتى يعمل عملاً صالحاً؛ لأنه قد يموت بعد هذا العمل الصالح فيدخله الله الجنة، هذا هو هدف الحديث؛ لأن العبرة بالخواتيم.

    ولقد كان النبي صلى الله عليه وسلم يسأل الله الثبات ويقول: (يا مقلب القلوب والأبصار ثبت قلبي على دينك) ويخبر الله عز وجل عن عباده المؤمنين بأنهم يقولون: رَبَّنَا لا تُزِغْ قُلُوبَنَا بَعْدَ إِذْ هَدَيْتَنَا وَهَبْ لَنَا مِنْ لَدُنْكَ رَحْمَةً إِنَّكَ أَنْتَ الْوَهَّابُ [آل عمران:8] يدعون الله عز وجل أن يثبتهم وألا يزيغ قلوبهم بعد أن هداها، ويطلبون من الله رحمة وهذه الرحمة يقول عنها المفسرون: هي رحمة التثبيت. اللهم ثبتنا بالقول الثابت في الحياة الدنيا وفي الآخرة.

    1.   

    وسائل الوقاية من الانتكاس: (عوامل الثبات)

    وقبل ذكر أسباب الانتكاس هناك وسائل للوقاية من الانتكاس -وسائل للثبات- أبدأ بها؛ لأنها المهمة:

    الاعتصام بكتاب الله

    يقول الله عز وجل: فَاسْتَمْسِكْ بِالَّذِي أُوحِيَ إِلَيْكَ إِنَّكَ عَلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ * وَإِنَّهُ لَذِكْرٌ لَكَ وَلِقَوْمِكَ وَسَوْفَ تُسْأَلُونَ [الزخرف:43-44] فالله عز وجل أمر الرسول صلى الله عليه وسلم والأمر عام للأمة بالتمسك بل: (استمسك) الفعل هنا مبني بالمزيد ليس مبنياً من الثلاثي ولا من السداسي (استمسك) والزيادة في المبنى تدل على الأصالة والعمق والقوة في المعنى: (استمسك) أي: بكل ما أوتيت (بالذي أوحي إليك) أي: بالقرآن الكريم.

    والله عز وجل يقول في القرآن الكريم أنه مثبت، يقول: وَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لَوْلا نُزِّلَ عَلَيْهِ الْقُرْآنُ جُمْلَةً وَاحِدَةً كَذَلِكَ لِنُثَبِّتَ بِهِ فُؤَادَكَ وَرَتَّلْنَاهُ تَرْتِيلاً [الفرقان:32] فهو مثبت لفؤاد النبي صلى الله عليه وسلم، ومثبت لفؤاد كل مسلم من بعده إلى يوم القيامة، وما علمنا أن رجلاً اعتصم بكتاب الله وعاش مع القرآن وأضله الله أبداً، اعتصم بالقرآن والله عز وجل يحميك من الضلال، وتثبت على الإيمان حتى تلقى الله تبارك وتعالى، هذا أعظم مثبِّت، والاعتصام بكتاب الله يكون بالتالي:

    أولاً: تلاوةً، ثم تدبراً، ثم عملاً وتطبيقاً؛ لأن التلاوة هي سبيل التدبر، والتدبر هو طريق العمل، والعمل هو الهدف من القرآن، فالله لم ينزل القرآن ليتلى وإنما أنزله ليطبق في عالم الناس: كِتَابٌ أَنزَلْنَاهُ إِلَيْكَ مُبَارَكٌ لِيَدَّبَّرُوا آيَاتِهِ وَلِيَتَذَكَّرَ أُوْلُوا الأَلْبَابِ [ص:29] فتتلو كتاب الله كما أنزل تلاوة شرعية: وَرَتِّلْ الْقُرْآنَ تَرْتِيلاً [المزمل:4] الترتيل يقول فيه علي رضي الله عنه هو: [إخراج الحروف ومعرفة الوقوف] يعني: أحكام التجويد، إذا ضبطت أحكام التجويد صرت تالياً مع السفرة الكرام البررة مع الملائكة، لك فضل عظيم عند الله عز وجل.

    تلاوة ثم تدبر أي: تفهم لمراد الله عز وجل من هذا الكلام الذي وجهه إليك، وهذا بالرجوع إلى كتب التفسير المعتبرة، وأفضل ما ندل الشباب عليه خصوصاً المبتدئين كتاب أيسر التفاسير للشيخ/ أبي بكر الجزائري ، وهو كتاب عظيم ألِّف بأسلوب عصري يشتمل على الآيات، ثم يأتي بعدها بمعاني الكلمات، ثم يأتي بالمعنى الإجمالي للآيات، ثم يأتي بالهداية التي هدت إليها هذه الآية -أي: الأحكام المستفادة من هذه الآيات- بأسلوب موجز فيه صفاء ووضوح ورقة وجذب للقارئ، وهذا من أعظم الكتب، وقد قرأت فيه وسررت كثيراً بما فيه.

    وبعد التدبر يأتي العمل. وهذا هو معنى الاعتصام بكتاب الله عز وجل.

    فعل طاعة الله وترك معصيته

    كل ما وعظك الله به، وكل ما أمرك الله به، وكل ما نهاك الله عنه، احرص على أن تطبقه لماذا؟ حتى تثبت، لماذا يكون عدم تنفيذ الأوامر سبيلاً إلى التراخي والرجوع والضعف والانتكاس ثم الردة؟ لأنك تسير إلى الله وسيرك حثيث، يقول الله عز وجل: فَفِرُّوا إِلَى اللَّهِ [الذاريات:50] ويقول عز وجل: وَسَارِعُوا إِلَى مَغْفِرَةٍ مِنْ رَبِّكُمْ [آل عمران:133] ويقول: سَابِقُوا إِلَى مَغْفِرَةٍ مِنْ رَبِّكُمْ [الحديد:21] وسرعتك ومسابقتك وفرارك تقتضي منك أن تكون جاداً، لكن ما رأيكم برجل مسرع ويتلفت يريد أن يرجع، أو يقف؟ هل يستمر إن وقف أمام معصية من المعاصي؟ أو أمام نظرة إلى امرأة، أو أمام أغنية يستمعها، أو أمام شهوة محرمة يقع فيها، أو أمام صلاة ينام عنها، أو أمام واجب شرعي يتركه؟ هذه معوقات تعيقك عن السير في سبيل الله، وبالتالي إذا وقفت يصعب عليك السير مرة أخرى، لكن ما دمت جاداً وتمشي بقوة فإنه يصعب على الشيطان إرجاعك.

    يقول ابن القيم رحمه الله في مدارج السالكين : لابد أن تسير إلى الله ولا تلتفت؛ لأن الالتفات يوهن القوى، يقول: انظر إلى الضبي -الضبي من الصيد الذي أوتي قدرة على السرعة في المشي، تجد بطنه لاصقة بظهره وأقدامه خفيفة، يعني: إذا مشى على الرمال يقفز قفزات كأنه ريح- يُرسل عليه الكلب المعلم، وقوته ليست كقوة الضبي وسرعته ليست كسرعة الضبي، لكن الكلب يدركه ويأتي به لماذا؟ قالوا: لأن الضبي يجري ويتلفت -عينه في الكلب- والكلب يجري ولا يلتفت، الكلب عينه أمامه يريد أن يأتي بالضبي، ولو أن الضبي استمر ولم يلتفت لما وصل إليه، لكن كلما تلفت رأى الكلب فيظن أنه قريب فيضعف، فينظر المرة الثانية فيقول: قد قرب وسوف يعضني فيضعف فيمسكه الكلب.

    كذلك أنت في طريقك إلى الله وفي فرارك وراءك كلب اسمه: إبليس يريد أن يمسك بك، فلا تلتفت؛ لأن التفاتتك تعني وقوفك عند المعاصي، تسمع أغنية كنت قد سمعتها في الماضي فتقول: أسمعها قليلاً، هذه التفاتة تنظر إلى امرأة، غض بصرك واستغفر الله لكن إذا طولتها قليلاً أو كررتها فهذه التفاتة يصيدك بها الشيطان.

    فعليك أولاً أن تنفذ كل ما أمر الله عز وجل به، وتبتعد عن كل ما نهاك الله عنه، حتى تثبت، ويقول الله في هذا المعنى في القرآن الكريم: وَلَوْ أَنَّهُمْ فَعَلُوا مَا يُوعَظُونَ بِهِ لَكَانَ خَيْراً لَهُمْ وَأَشَدَّ تَثْبِيتاً [النساء:66] أشد تثبيتاً، أعظم مثبت لك أن تفعل ما أمرك الله، وتنتهي عما نهاك الله، (ما يوعظون به) ما جاء في كتاب الله، وأنا أعرف كثيراً من الشباب أوصلته انتكاسته إلى الردة، وإلى الكفر بالله، والخروج من الإسلام، وسببها: أنه وقف عند الأغاني بإيحاء من شيطان من شياطين الإنس، ولهذا العنوان قصة:

    شاب من شباب الصحوة التزم بالدين وتمسك به تمسكاً قوياً، بل غالى فيه وشدد على نفسه، وكنت أنصحه بالاعتدال والوسطية، حتى أنه كفر أهله في البيت وكفر أباه وقام بأعمال غير سليمة، وكنت أحاول أن أسدده، ثم لما زاد عليه الأمر خرج من بيت أهله وذهب إلى الجهاد الأفغاني، ومكث مع المجاهدين قرابة شهرين، ورجع وكان في استمراريته في العمل حماس ودعوة وانقطاع وأعباء، ليله ونهاره كله للدعوة، وبعد ذلك حصل له الموقف أن ركب مع زميل وكان هذا الزميل يستمع الأغاني، فمد يده إلى المسجل وأقفل، فقال له زميله: لماذا أقفلت؟ قال: حرام، قال: من قال أنه حرام؟ -زميله شيطان رجيم، شيطان ناطق- ثم قال له: العلماء والمشايخ وكل الناس والكتاب والسنة يقولون: لا. ليست حراماً الدين في القلوب، والأغاني هي كلمات تدخل من هنا وتخرج من هنا، تسمعها لتروح عن نفسك ومن الذي قال لك أنها حرام؟ قال: الشيخ/ سعيد بن مسفر ، قال: ما عرفت إلا هذا الإنسان المعقد؟ لا تأخذ الدين منه، فأصابت الشاب المسكين هزة؛ لأن الرجل يحب الأغاني ويود أن يجد عليها طريقاً ويجد من يسول له ويرخص له فيها فأخذه ذلك الشيطان وذهب به إلى البيت، وقام أخرج له كتباً من الكتب التي تبيح السماع، وهناك بعض الأئمة مثل ابن حزم الظاهري يرى أن الغناء ليس الغناء بالآلة. والغناء بالعود والآلة والطنبور والكمان، جميع هذه الوسائل محرمة عند أهل العلم كلهم، لكن بعض أهل العلم يرى أن الغناء بالكلام الذي نسميه أناشيد إسلامية، يقول: إنها حلال، فهذا الذي يعنيه ابن حزم، وقد حملها على أنها الأغاني كلها، ورجع الشاب إلى البيت ليسمع الأغاني سماعاً صحيحاً بقوة وبإعجاب وبتركيز؛ لأنه قد منع نفسه منها ودخل الشيطان إلى قلبه من هذا الباب، وبرد في عبادته، ثم ترك الصلاة في المسجد، وصار يصلي في البيت، وبعد فترة ترك الصلاة بالكلية وارتد عن دين الله، وجاءني خبر أنه ترك الصلاة وأصبح له فكر آخر عن الحياة كلها.

    فذهبت إليه في بيته لزيارته وكنت حينما أزوره في بيته يفرح كثيراً بي، وينزل مثل الخيل ويستقبلني ويذهب معي، لكن ذهبت يوماً من الأيام وسيارته عند الباب فقلت: فلان موجود؟ قالوا: من نقول له، قلت: قولوا له فلان، فقالوا: ليس موجوداً فعلمت أنه لا يريدني، وذهبت وعدت مرة أخرى فقالوا: ليس موجوداً. ثم حاصرته إلى أن أمسكته، ويوم أمسكته وهو واقف بالسيارة أوقفت سيارتي ونزل من السيارة وكان يخجل مني كثيراً، فعانقته عناقاً حاراً وقلت له: ماذا بك هل عملت بك شيئاً؟ لماذا لا تريد أن تقابلني؟ قال: لا. وإنما أنا مقصر وأنا خجلان منك، قلت: لا. كلنا مقصرون تعال اركب معي، فركب وذهب معي في السيارة وأخذته إلى البيت وجلست معه.

    قلت له: بلغني أنك تركت الطريق وتنكبته ورجعت عن الإسلام؟ قال: نعم. قلت: الآن أريد أن أناقشك مناقشة جريئة وجادة ولا تجامل، المجاملة لا تصلح في هذا الموضوع، أنت تركت هذا الطريق فإما أن تقنعني أن هذا الطريق غير صحيح وأرجع معك، أو أقنعك أنه طريق صحيح وترجع معي، قال: تفضل، قلت لـه: أسألك بالله هل تركت طريق الالتزام والدين، ورجعت إلى طريق الانسلاخ والكفر؛ لأن طريق الإسلام والالتزام غير صحيح، والطريق الذي أنت فيه الآن صحيح؟ أريد أن ترد من قلبك، قال: من قلبي؟ قلت: نعم. قال: والله إني أعلم من قرارة نفسي أن طريق الدين والالتزام هو الصحيح، وطريق الكفر الذي أنا فيه هو الخطأ.

    قلت له: سؤال آخر: هل في الدنيا رجل عاقل يترك الطريق الصحيح ويرجع إلى الطريق الخطأ؟ قال: لا. قلت: إذاً أنت غير عاقل، قال: لا. أنا عاقل لكن أخبرك لماذا تركت الطريق، قلت: لماذا؟ قال: لأن الطريق الصحيح صعب، والطريق الخاطئ بسيط وسهل، قلت: الآن عرفنا النقطة، أمسكنا رأس الحبل الآن.

    قلت لـه: أنا معك أن طريق الالتزام وطريق الدين صعب، لكن هل تركت الصعب إلى السهل أم إلى الأصعب، قال: إلى السهل، قلت: لا. أنت مخطئ، تركت الصعب إلى الكارثة وإلى المصيبة والدمار، وإلى الهلاك في الدنيا والآخرة، قال: كيف؟ قلت: أليس غض نظرك عن الحرام صعب؟ قال: نعم. وهذا الذي أتعبني -يقول: بصره أتعبه، كل ساعة وهو يغض بصره مما أدى إلى أن تعب- قلت: لم تركت غض البصر وأطلقت لبصرك العنان للنظر إلى وجوه النساء وقعت في الأصعب؟ قال: ما هو الأصعب؟ قلت: أن يملأ الله عينيك من جمر جهنم، فانتبه الرجل.

    قلت: ما هو الأسهل أن تغض عينك وتصبر قليلاً أو يملأها الله جمراً من نار جهنم؟ قال: جمر جهنم أصعب، قلت: الأغنية التي تسمعها الآن، صون سمعك عنها صعب أليس كذلك؟ قال: نعم. قلت: وإذا سمعت الأغاني وقعت في الأصعب؟ قال: لماذا؟ قلت: من استمع إلى مغنٍ أو مغنية صب الله في أذنيه يوم القيامة الرصاص المذاب، هل الأسهل لك أن تصون سمعك عن الأغنية وتعاني معاناة بسيطة، أم أن تغني وتسمع الغناء ويصب الله عليك الرصاص المذاب؟ قال: لا. والله هذه أصعب.

    قلت: قيامك لصلاة الفجر صعب أليس كذلك؟ قال: نعم. قلت: القيام أصعب أم أن يرضخ رأسك بالصخر في النار؟ قال: هذه أصعب، قلت: إذًا أنت تركت الصعب إلى ما هو أصعب، أنا معك في أن طريق الاستقامة والدين صعب؛ لأن الصعوبة هذه توصلك إلى الجنة، وضربت له مثالاً قلت: هل الدراسة سهلة أم صعبة؟ قال: صعبة، قلت: نعم. صعبة من كل صورها، صعبة من النهوض مبكراً، أنت خلال الفترة الصيفية تنام إلى الظهر، لكن في الدراسة من الساعة السادسة والنصف وأنت تجمع كتبك وتركب وتذهب، وقد تتأخر فتجد المدير أو المراقب على الباب والعصا بيده، يصيبك واحدة منها على ظهرك، فتهرب منه، وتدخل على المدرس فيقال لك: أين الواجب؟ أين الدرس؟ حصة وامتحانات وبلاء ومشاكل، فيها صعوبة، قال: نعم. فيها صعوبة، قلت: لماذا يصبر الناس على صعوبة الدراسة؟ من أجل تأمين المستقبل، ونحن لماذا نصبر على صعوبة الإسلام وصعوبة الالتزام والدين؟ من أجل تأمين.. مستقبل ستين سنة، ومن أجل تأمين وظيفة وبيت وبعدها قبر. لا. بل من أجل تأمين مستقبل أبدي سرمدي إلى آخر الزمان، في جنة عرضها السماوات والأرض، نؤمن مستقبلنا في الدنيا والآخرة بهذا الالتزام بهذه الصعوبة.

    فقلت: يا أخي! أنا معك أن طريق الالتزام والدين صعب، ولكن الأصعب والأهم والكارثة والمصيبة يوم أن تترك هذا الطريق، وتسير في الطريق الخطأ، وبعد ذلك تمشي فيه يعني: معجباً ومخدوعاً بما فيه من اللذات والمتع البسيطة، ثم تقف عند جدار الموت وتنزل وتدخل النار وتقول بعد ذلك كما قال الله عز وجل: حَتَّى إِذَا جَاءَ أَحَدَهُمْ الْمَوْتُ قَالَ رَبِّ ارْجِعُونِ [المؤمنون:99].

    فتقول الملائكة: لماذا تريد أن ترجع؟ فيقول: لَعَلِّي أَعْمَلُ صَالِحاً فِيمَا تَرَكْتُ [المؤمنون:100] فلا تستطيع؛ لديك فرصة واحدة، الآن الطالب المهمل إذا أهمل طوال العام الدراسي ودخل القاعة وسلموا له أوراق الأسئلة فقرأ الأسئلة ولم يستطع أن يجيب على سؤال واحد، فقال للمدير: من فضلك نصف ساعة أخرج خارج القاعة أقرأ الإجابة وأعود، هل يطيعونه؟ هذا مثل ذاك لما دخل القبر قال: يا رب! ردني أعمل صالحاً، قال الله: كَلاَّ إِنَّهَا كَلِمَةٌ هُوَ قَائِلُهَا [المؤمنون:100] يعني: لا تنفعه ولا تغني عنه شيئاً وَمِنْ وَرَائِهِمْ بَرْزَخٌ إِلَى يَوْمِ يُبْعَثُونَ [المؤمنون:100].

    ويقول الله عز وجل: وَلَوْ تَرَى إِذْ الْمُجْرِمُونَ نَاكِسُوا رُءُوسِهِمْ عِنْدَ رَبِّهِمْ رَبَّنَا أَبْصَرْنَا وَسَمِعْنَا فَارْجِعْنَا نَعْمَلْ صَالِحاً إِنَّا مُوقِنُونَ [السجدة:12] يقولون: رأينا بعيوننا الآن وسمعنا فارجعنا، لكن ما عاد ينفع، ويقول عز وجل أنهم يقولون: رَبَّنَا أَخْرِجْنَا نَعْمَلْ صَالِحاً غَيْرَ الَّذِي كُنَّا نَعْمَلُ [فاطر:37] قال الله: أَوَلَمْ نُعَمِّرْكُمْ مَا يَتَذَكَّرُ فِيهِ مَنْ تَذَكَّرَ وَجَاءَكُمْ النَّذِيرُ فَذُوقُوا فَمَا لِلظَّالِمِينَ مِنْ نَصِيرٍ [فاطر:37].

    فقلت لـه: يا أخي! إن الخيار الأفضل لك أن تجلس في الصعوبة التي نحن عليها الآن، لا تترك الصعوبة التي نحن فيها فوالله ما هي بصعوبة إنها ليسيرة على من يسرها الله عليه، الرسول صلى الله عليه وسلم سماها صعوبة، قال: (لقد سألت عن عظيم وإنه ليسير) عظمته في كونه يوصل إلى الجنة، وكونه يسير أن الله يحبب إليك الإيمان، الآن الصعوبة في طريق الالتزام تكون فقط في البدايات، ولكنها بعد مرور الإنسان فيها وسيره وقطعه للطريق تصبح هي حياته، بل يقول عليه الصلاة والسلام في حديث في الصحيحين عن أنس رضي الله عنه يقول: (ثلاث من كن في قلبه وجد بهن حلاوة الإيمان -من ضمنها-: أن يكره أن يعود إلى الكفر بعد أن أنقذه الله منه كما يكره أن يلقى في النار).

    هذه تمثل قاعدة الثبات المطلق بحيث لو خيِّر بين أن يقطع أو يلقى في النار، وبين أن يكفر ويرجع إلى الردة والكفر لا يرجع، ويختار الموت.

    وفي صحيح مسلم قصة المرأة في الأخدود لما أقدمت على النار وهي تضطرم، وولدها في يدها، ترددت إشفاقاً على ولدها، فترك الثدي وقال لها: تقدمي يا أماه! فإنك على الحق، فقدمت على النار وتقطعت في النار واحترقت، هذه قصتي مع هذا الشاب، جاءت من طريق وقوعه في المعصية وسببت له الانتكاس.

    وبعد ذلك قال لي: اقتنعت، قلت: ترجع معي الآن، قال: أرجع، قلت: سل الله الثبات، ورجع منذ فترة طويلة وأبشركم أنه الآن من خيار الناس والحمد لله، وأسأل الله لي وله الثبات حتى الممات.

    قراءة قصص الأنبياء وأخذ العبر من القصص القرآني

    يقول الله عز وجل: وَكُلاًّ نَقُصُّ عَلَيْكَ مِنْ أَنْبَاءِ الرُّسُلِ مَا نُثَبِّتُ بِهِ فُؤَادَكَ [هود:120] قصص الأنبياء في القرآن ليست كقصص الإسرائيليات أو التسالي أو للقضاء على الأوقات لا. قصص وعبر ودروس عملية وقعت في عالم الواقع، يقول الله عز وجل: مَا كَانَ حَدِيثاً يُفْتَرَى [يوسف:111] يعني: ما كانت روايات كاذبة، وقال: نَحْنُ نَقُصُّ عَلَيْكَ أَحْسَنَ الْقَصَصِ بِمَا أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ هَذَا الْقُرْآنَ [يوسف:3].. لَقَدْ كَانَ فِي قَصَصِهِمْ عِبْرَةٌ لأُوْلِي الأَلْبَابِ [يوسف:111] هذه القصص القرآنية يجب أن تمر عليه باعتبار وبتدبر وبتأمل وبأخذ فائدة منه، حتى تثبت على دين الله تبارك وتعالى.

    الدعاء

    المثبت الرابع: الدعاء في كل وقت وفي كل لحظة وفي سجودك وفي ليلك وفي نهارك: يا مقلب القلوب والأبصار ثبت قلبي على دينك، هذا من أعظم وسائل التثبيت حتى تثبت على دين الله تبارك وتعالى، وهذه هي أسباب الوقاية من المرض.

    1.   

    أسباب الانتكاسة

    أما أسباب الانتكاس أو لماذا ينتكس الإنسان؟ فهي كالتالي:

    الغلو والتشدد في دين الله

    السبب الأول: الغلو والتشدد في دين الله عز وجل؛ لأن الغلو يؤدي إلى تجاوز الحد وكل ما تجاوز حده انقلب إلى ضده، وتصبح ردود فعل، مثل البندول: البندول يتحرك حركة معقولة لكنه عندما ترفع إلى الأعلى ويشد ثم يترك ثم تضطرب حركته، وكذلك من يغلو في دين الله عز وجل ويتشدد ويتنطع ويحدث في دين الله ما ليس فيه، حتى ولو كان بنية صالحة، فالنبي صلى الله عليه وسلم حذر من الخوارج ، وقال في الصحيحين لرجل اسمه حرقوص دخل على النبي صلى الله عليه وسلم وقال: إن هذه قسمة ما أريد بها وجه الله ثم ولى، فقال صلى الله عليه وسلم: (يخرج من ضئضئ هذا أقوام تحقرون صلاتكم إلى صلاتهم، وعبادتكم إلى عبادتهم، وأخبر أنهم يخرجون من الدين -ينسلخون من الإسلام- كما يخرج السهم من الرمية) .

    فالعبرة ليست بكثرة العمل، وإنما العبرة بكيفية العمل، فكم من عامل يعمل عملاً ليس فيه أمر الله ولا أمر رسول الله ولا ينال عليه أجراً، فلابد من التوسط والاعتدال وهذا مؤشر دقيق؛ لأنه قد يساء فهمه؛ نظراً لبعد الأمة عن تعاليم دينها، وللفارق الزمني البعيد بينها وبين الكتاب والسنة حصلت عندها نظرة عكسية، بحيث نظرت إلى التمسك بالدين أنه من الغلو.

    يعني: بعض الناس الآن يطلقون التطرف والغلو على من يطبق الشرع الصحيح، إذا رفع ثوبه عن الأرض بحيث طبق السنة، قالوا: فلان متشدد لماذا؟ قالوا: ثوبه إلى نصف ساقه لكن لو سحب ثوبه كما تسحب المرأة عباءتها لقالوا: فلان ما شاء الله معتدل، وهذا عين خطأ.

    فالاعتدال: هو أن تأتي بالدين كما شرع الله وشرع رسوله صلى الله عليه وسلم، إذا رأينا شاباً يرفع ثوبه إلى نصف ساقه عملاً بالسنة قلنا هذا شاب معتدل، لكن إذا رأيناه يرفع إلى ركبته ماذا نسمي هذا؟ غلو، أليس كذلك؟ هذا هو منطق الشرع.

    رأينا إنساناً يكبر ويضع يده اليمنى على اليسرى على صدره في الصلاة، نقول هذا شاب معتدل، لكن إذا رأيناه يكبر ويضع يده اليمنى على اليسرى على رقبته، نقول: هذا غلو؛ لأن رواية وائل بن حجر في زيادة ابن خزيمة على صدره، كان يضع يده اليمنى على اليسرى على صدره، لكن بعض الناس قد يغالي ويضعها على رقبته ويخنق نفسه وهذا من الغلو.

    وإذا سمعنا إنساناً يقال له: أوصل الكهرباء إلى بيتك فيقول: لا. الكهرباء هذه تشغل الأغاني عند الناس فأنا أقاطع الكهرباء، وهذا غلو، أي نعم. وآخر عنده كهرباء لكنه لم يشتر مكيفاً لأولاده ولا مروحة لماذا؟ يقول: أريد أن أشعر بالتعب في سبيل الله، نقول: هذا غلو وليس من دين الله تبارك وتعالى.

    آخر معه إمكانية أن يشتري سيارة ولكنه لم يشتر، نقول له لماذا؟ يقول: أريد أن أتعب. لا. ليس هذا من دين الله فهذا هو الغلو، أما الاعتدال والوسطية، فهي الدين؛ لأن الله تعالى يقول: وَكَذَلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطاً [البقرة:143] أمة محمد هي أمة الوسطية والاعتدال، وعدم الغلو وعدم المجافاة وعدم التراخي والضعف وإنما على الكتاب والسنة، تؤدي صلاتك كما أداها النبي صلى الله عليه وسلم، تصوم كما صام النبي صلى الله عليه وسلم، تؤدي زكاتك كما أداها النبي صلى الله عليه وسلم، لكن لا تزيد عما جاء عن النبي صلى الله عليه وسلم، ففي الصحيحين : (أن ثلاثة نفر من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم جاءوا إلى أزواج رسول الله، وسألوا عن عبادته فلما أخبروا بها كأنهم تقالوها، فقام أحدهم وقال: أما أنا فلا أنام الليل، وقال الثاني: وأنا لا أفطر الدهر، وقال الثالث: وأنا لا أتزوج النساء -أتبتل- فلما سمع النبي صلى الله عليه وسلم بخبرهم نادى بالصلاة جامعة وقال: ما بال أقوام يقولون ويقولون ويقولون، أما والله إني لأعلمكم بالله وأخشاكم له وأتقاكم له، ولكني أصوم وأفطر، وأقوم وأنام، وأتزوج النساء، فمن رغب عن سنتي فليس مني).

    اللهم صل وسلم على عبدك ورسولك محمد، يرسم لأمته المنهج الوسطي، هذا غلا وقال: ما أفطر. لماذا؟ لأن صيام الدهر منهي عنه، وذاك قال: أقوم الليل، فلا ينبغي لك أن تقوم الليل كله، قم ثلثاً ونم ثلثين من الليل، لكن أن تقوم الليل كله دائماً فهذا لا تطيقه أنت ولا يطيقه غيرك، وهذا غلو في دين الله عز وجل، وقد جاءت الأدلة بالنهي عنه، يقول عليه الصلاة والسلام في الحديث الذي رواه الإمام أحمد في المسند : (إياكم والغلو فإنما أهلك من كان قبلكم الغلو في الدين) وفي صحيح مسلم يقول عليه الصلاة والسلام: (هلك المتنطعون) يعني: المتشددون على أنفسهم بغير دليل شرعي، تقول له: أأكل؟ قال: لا. لماذا؟ قال: هذا فيه ترفه وفيه تنعم. هذا تنطع، كُل مما حل الله لك: يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُلُوا مِنْ طَيِّبَاتِ مَا رَزَقْنَاكُمْ [البقرة:172].. يَا أَيُّهَا الرُّسُلُ كُلُوا مِنْ الطَّيِّبَاتِ وَاعْمَلُوا صَالِحاً [المؤمنون:51].

    إن الطيبات هذه أحلها الله تبارك وتعالى فكل منها واستعن بها على طاعة الله واعمر بيتك بطاعة الله، اركب جديداً والبس نظيفاً، وتزوج جميلاً، وابن جميلاً، لكن: اركب سيارة جديدة واستخدمها في طاعة الله، تزوج زوجة جميلة وربها على دين الله، ابن عمارة طويلة عريضة واستخدمها في طاعة الله، واعمرها بذكر الله، من قال لك أن هذا حرام، إن هذا هو النظر الذي يؤدي بك في النهاية إلى الانتكاس والعياذ بالله.

    أيضاً يقول عليه الصلاة والسلام والحديث في سنن أبي داود (لا تشددوا على أنفسكم فيشدد الله عليكم، وإن قوماً شددوا على أنفسهم فشدد الله عليهم، فتلك بقاياهم في الصوامع) هؤلاء الرهبان شددوا وابتدعوا، قال تعالى: وَرَهْبَانِيَّةً ابْتَدَعُوهَا مَاكَتَبْنَاهَا عَلَيْهِمْ [الحديد:27] ما كتبها الله عليهم ولكنهم هم الذين ابتدعوها وترهبوا، ويظنون أنها دين وليست بدين، وفي صحيح البخاري يقول عليه الصلاة والسلام: (إن هذا الدين يسر ولن يشاد الدين أحد إلا غلبه) وكان يقول عليه الصلاة والسلام: (بشروا ولا تنفروا ويسروا ولا تعسروا) (وما خيِّر صلى الله عليه وسلم بين أمرين إلا اختار أيسرهما ما لم يكن إثماً)، بعض الشباب الآن يختار الأعسر يقول: من باب الحيطة، وهذا لا ينبغي، إذا خيرت بين أمرين فخذ الأيسر، لماذا؟ لأن هذا هدي النبي صلى الله عليه وسلم.

    وأيضاً في الصحيحين يقول عليه الصلاة والسلام: (اكتفوا من الأعمال بما تطيقون فإن الله لا يمل حتى تملوا وإن أحب العمل إلى الله أدومه وإن قل) يعني: ركعتين في جوف الليل تصليهما أفضل من أن تصلي في الليلة عشر ركعات ثم تنام شهراً لا تصلي، صل ركعتين فقط ولكنهما تؤثران في قلبك أعظم من أثر مائة ركعة في ليلة.

    الآن انظر إلى الماء: إذا صببت الماء قطرة قطرة على الصخرة بعد سنة تجد أن هذه القطرة التي نزلت على الصخرة قد حفرت في الصخرة أليس كذلك؟ لكن لو أخذت الماء الذي نزل ودفعته دفعة واحدة على صخر هل يتأثر؟ لا يتأثر، لكن الاستمرارية تتأثر فكونك تستمر في عمل صالح تنفق في اليوم ريالاً أفضل من أن تنفق في اليوم مائة ثم تقعد سنة لا تنفق ولا ريالاً، كلما رأيت فقيراً وقف عند سيارتك أعطه ريالاً، اجعل في شنطتك بعض الريالات، أفضل من أن تفتح الشنطة وتجد فقيراً واحداً فتعطيه عشرة ثم يلقاك عشرة فقراء فلا تعطهم شيئاً، فأيهما أفضل أن تنال دعوة من فقير واحد أو من عشرة فقراء؟ فأنت عندما تعطي عشرة فقراء تنال من كل فقير دعوة حتى يخلف الله عليك، قال تعالى: وَمَا أَنفَقْتُمْ مِنْ شَيْءٍ فَهُوَ يُخْلِفُهُ وَهُوَ خَيْرُ الرَّازِقِينَ [سبأ:39] فهذا أول سبب من أسباب الانتكاس وهو: الغلو والتشدد أكثر مما شرع الله، وهذا القيد من عندي؛ لأن التمسك بما شرع الله لا يسمى غلواً ولا تشدداً، التمسك به هو الاعتدال وهو الوسطية وهو الحق، لكن الذي نخدر منه هو الزيادة على دين الله، حتى لا يجد المتفلتون طريقاً من هذا الكلام إذا رأوا شاباً متمسكاً قالوا: هذا متشدد لا. ليس متشدداً، الشاب المتمسك بالسنة ليس متشدداً بل هو معتدل؛ لأنه على الوسطية التي شرعها الله في كتابه، وسنها رسوله صلى الله عليه وسلم في هديه وسنته.

    مفارقة الجماعة وإيثار العزلة

    ثانياً: من أسباب الانتكاسة: مفارقة الجماعة، وعدم الاختلاط بالصالحين، وإيثار العزلة، بعض الناس يكره الشباب الطيب، ويكره الجماعة، ويقول: لوحدي، ووحدك هذه فيها خطورة عليك؛ لأنه إنما يأكل الذئب من الغنم القاصية، والنبي عليه الصلاة والسلام يقول: (عليكم بالجماعة فإن يد الله مع الجماعة) والله يقول: وَاعْتَصِمُوا بِحَبْلِ اللَّهِ جَمِيعاً وَلا تَفَرَّقُوا [آل عمران:103] والرسول صلى الله عليه وسلم يقول والحديث في سنن الترمذي : (عليكم بالجماعة وإياكم والفرقة فإن الشيطان مع الواحد وهو من الاثنين أبعد) الشيطان مع واحد لكن مع الاثنين لا يستطيع عليهم، مع ثلاثة لا يستطيع أن يمشي معهم، لكن مع واحد يدخل عليه ويوسوس له حتى يضله، فعليك أن تتقي الله وتلزم الجماعة.

    سؤال: من هم الجماعة؟

    الجواب: هم الذين على الحق ولو كان واحداً، ليست الجماعة بالكثرة، ولا بالحزب، ولا بالدعوة الفلانية، الجماعة: من كان على ما كان عليه رسول الله وأصحابه، ولو ما في الأرض إلا شخص فهو الجماعة، والبقية صفر على الشمال، يقول الله: إِنَّ إِبْرَاهِيمَ كَانَ أُمَّةً [النحل:120] إبراهيم فرد في الأمة لكن هو الأمة، والبقية لا شيء؛ لأن الميزان عند الله هو الدين، والله يزن الناس على ضوء تمسكهم بكتابه وبسنة رسوله صلى الله عليه وسلم، فعليكم بالجماعة والجماعة هم أهل الحق ولو لم يكن إلا واحداً.

    الغفلة عن الموت والدار الآخرة

    ثالثاً: من أسباب الانتكاسة: الغفلة عن الموت والدار الآخرة: يغفل الإنسان عن المصير وينسى الآخرة فيقسو قلبه، وينتج عن هذه القسوة أثر في القلب فيرجع، فيجب عليك أن تتذكر الموت باستمرار، وأن يكون جسدك هنا وقلبك في الآخرة تنام في القصر، وقلبك في القبر، تنام على الفراش الوفير وقلبك في القبر الضيق، تنام على النور وعينك على الظلمة في القبور، يعني: مفاهيمك وأحاسيسك ومشاعرك كلها في الآخرة، وأنت جالس هنا، تعيش بقلبك أحوال الآخرة، ولهذا النبي صلى الله عليه وسلم شرع للأمة زيارة القبور، وقال: (إني كنت قد نهيتكم عن زيارة القبور ألا فزوروها فإنها تذكركم الآخرة).

    والزيارة الشرعية أن تزور القبر لتدعو لصاحبه، لا أن تدعوه وتستغيث به، والزيارة الشركية أن تذهب إلى لمقابر، كما هو موجود في بعض البلدان يذهبون إلى القبور ليطوفون بها ويدعونها من دون الله وهذا شرك؛ لأن هذا الذي تدعوه يقول الله عنه: إِنْ تَدْعُوهُمْ لا يَسْمَعُوا دُعَاءَكُمْ وَلَوْ سَمِعُوا مَا اسْتَجَابُوا لَكُمْ وَيَوْمَ الْقِيَامَةِ يَكْفُرُونَ بِشِرْكِكُمْ وَلا يُنَبِّئُكَ مِثْلُ خَبِيرٍ [فاطر:14] فتدعو للقبر تقول: السلام عليكم أهل الديار من المؤمنين، أنتم السابقون ونحن اللاحقون، يرحم الله المستقدمين منا ومنكم والمستأخرين، ثم تدعو لهم: اللهم اغفر لنا ولهم ولا تفتنا بعدهم.. إلى آخر الدعاء المأثور.

    ثانياً: لا تشد الرحال إليهم، أن تشد رحلك وتسافر إلى أي قبر ولو إلى قبر المصطفى الحبيب صلى الله عليه وسلم؛ لحديث صحيح: (لا تشد الرحال إلا لثلاثة مساجد: المسجد الحرام، والمسجد الأقصى، ومسجدي هذا) يعني: المدينة، فإذا أردت المدينة يجب أن تكون نيتك زيارة المسجد النبوي، ومن المعلوم أنك إذا أصبحت في المدينة فإن من السنة أن تسلِّم على النبي صلى الله عليه وسلم؛ لكن لا يكون هدفك أن تشد الرحال لزيارة القبر ابتداءً؛ لنهيه صلى الله عليه وسلم عن ذلك، أما إذا كنت في البلد في مكة ، تسلم على المقابر تمر من عندها وتدعو لهم؛ لأن هذا حق لهم عليك.

    التهاون بالعمل اليومي للمسلم

    رابعاً: من أسباب الانتكاس: التهاون في العمل اليومي للمسلم: مثل النوم عن الصلوات المكتوبة، وتفويت تكبيرة الإحرام، أو تفويت ركعة أو ركعتين من الصلاة، لأن بعض الناس لا يأتي إلا بعد الأذان، ثم يتأخر حتى تقام الصلاة وهو غير متوضئ فيقوم لكي يتوضأ، ثم يأتي مسرعاً فيدرك ركعة أو نصف ركعة ويقوم ليقضي ما فاته، هذه بداية الانتكاس، فإذا رأيت شاباً يفعل هذا فاعلم أنه سينتكس، لأنه تهاون في عمل اليوم والليلة.

    وعمل اليوم والليلة لا بد منه، مثل:

    قراءة القرآن الكريم: فلابد أن يكون لك ورد يومي من القرآن لا يقل عن جزء، أيضاً إهمال النوافل والرواتب، بعض الشباب لا يصلي الرواتب سبحان الله! كيف تهون عليك راتبة رتبها لك النبي صلى الله عليه وسلم، وأيضاً ترك قيام الليل، وصلاة الضحى، وأذكار الصباح والمساء، كل هذه اسمها عمل اليوم والليلة للمسلم، عملك ووظيفتك، فعمل الموظف الكتابة، وعمل العسكري الحراسة وعمل العامل البناء، وعملك كمسلم هذه وظيفتك -وظائف اليوم والليلة- لابد أن تقوم بها ولا تقصر فيها، وإذا قصرت فيها كان تقصيرك فيها وعدم اهتمامك بها سبيلاً مؤدياً إلى الانتكاس والعياذ بالله.

    أكل الحرام

    خامساً: من أسباب الانتكاس: أكل الحرام: لأنك إذا أكلت الحرام غذيت جسدك بالحرام، ونبت لحمك من حرام، فالنار أولى بالحرام، وكل لحم نبت من سحت فالنار أولى به، لا ينفع عمل ولا ينفع دعاء؛ فالذي مطعمه حرام، وملبسه حرام، وغذي بالحرام، أنى يستجاب له؟ وهذا معنى الحديث في صحيح مسلم ، والدليل على أن العمل لا ينفع قوله صلى الله عليه وسلم: (إن الرجل ليأكل اللقمة من الحرام لا تقبل له صلاة أربعين نهاراً، ومن اشترى ثوباً بعشرة دراهم وفي ثمنه درهم من حرام لن يقبل الله له صلاة ما دام عليه هذا الثوب) فلابد أن يكون كسبك حلالاً (100%)، احذر من الحرام، جاء في الصحيحين قول الرسول عليه الصلاة والسلام: (إن الحلال بين وإن الحرام بين وبينهما أمور مشتبهات لا يعلمهن كثير من الناس، فمن اتقى الشبهات فقد استبرأ لدينه وعرضه، ومن وقع في الشبهات وقع في الحرام، كالراعي يرعى حول الحمى يوشك أن يرتع فيه، ألا وإن لكل ملك حمى، ألا وإن حمى الله محارمه) حمى الله: محارمه لا تقترب منها، الراعي إذا قرب من المكان المحمي أفسدت بعض الغنم ذلك المكان، لكن إذا كان بعيداً فلا يحصل شيئاً، وكذلك أنت لا ترع دينك عند محارم الله، فتقع وأنت لا تدري.

    فعليك -يا أخي في الله! يا من تريد أن تستقيم وتلتزم وتستمر وتثبت- أن يكون كسبك حلالاً، وأن تراجع نفسك باستمرار في قضية تصفية الكسب، أي شيء يأتيك فيه حرام أوقفه، ولا يقول لك الشيطان: إن هذا يقلل من دخلك ويهز ميزانيتك لا وألف لا، من ترك شيئاً لله عوضه الله خيراً منه، أعرف أحد الإخوة كان يعمل في بنك ربوي وكان راتبه ضخم جداً، وكلما أراد أن يقدم تذكر الشيك الذي في آخر الشهر وخدره الشيطان بالشيك، قال له: اقعد اقعد إلى أن جاءت لحظة من لحظات القوة الإيمانية، قرر وتقدم باستقالته وترك العمل، واختبره الله فترة بسيطة ثم عوضه الله برزق هو فيه أعظم من كل ما قد رزق من الحرام، ويقول لي بعد ذلك: والله إنني في راحة نفسية لو كنت آكل الطين لكان أعظم لي مما كنت أعيشه من عذاب داخلي يوم كنت آكل الحرام، فهذا أهم شيء، فلا تقل: إني إذا تركت الحرام يضيق عليَّ رزقي، قد يختبرك الله ويبتليك لكن اصبر، فإن من ترك شيئاً لله عوضه الله خيراً منه.

    التقصير في حق البدن وحق النفس والأهل

    سادساً: من أسباب الانتكاس: التقصير في حق البدن، وفي حق النفس، وفي حق الأهل، وفي حق الأولاد، بسبب اشتغال الإنسان العامل للإسلام بضخامة الأعباء من ندوات ومحاضرات، وقراءة وزوار وزملاء يذهبون ويرجعون، بعد ذلك لا ينام ولا يأكل، ولا يغسل ثيابه، ولا يجلس مع زوجته، يستمر مثل المنبت الذي لا أرضاً قطع ولا ظهراً أبقى، ما أخذ محطة راحة، الآن عندما تأخذ مكينة وتشغلها أربعة وعشرين ساعة ماذا يصير؟ سوف يحصل لها خلل، لكن عندما توقفها عن العمل وتجعلها ترتاح لا يحصل لها شيء، فمكائن الكهرباء تعمل ثمان ساعات ثم يطفئونها ويشغلون مكينة أخرى حتى تبرد الأولى وهكذا، وكذلك نفسك تحتاج إلى محطات راحة، فعدم إعطاء النفس حقها يسبب لها الخلل والتوقف، وترى بعد ذلك الشخص الذي كان يعمل بجهد قد انتكس -والعياذ بالله- ولو أنه مشى على مهله وأعطى حقه وحق نفسه وحق أهله، لكان معتدلاً.

    وحق النفس مثل الخروج بالأهل في نزهة إلى الصحراء أو إلى البحر، بشرط ألا يختلط مع أناس، ولا يحدث منكراً، ولا تبرجاً، ولا تصويراً، ولا تضييع للفرائض، ولا يقع في معصية، فهذا حسن فالأنس بالأهل والسمر والجلوس معهم، شيء حث عليه الإسلام. يقول عليه الصلاة والسلام: (إن لربك عليك حقاً، وإن لنفسك عليك حقاً، وإن لأهلك عليك حقاً فآتي كل ذي حق حقه) رواه البخاري في صحيحه، كن معتدلاً، لكن أن تعطي الحقوق كلها لله وتترك أهلك ونفسك فالله لا يريد منك هذا؛ لأنه غني عنك، فلا بد أن تعدل بالقسمة، حق الله لا تقدم عليه أي حق، وحق نفسك لا تضيعه من الراحة والاستجمام والهدوء والانبساط والأكل الطيب، والدابة الطيبة، والمركوب الطيب، والثوب الطيب، والفراش الطيب، هذا كله طيب يبعث فيك قوة ونشاطاً وتجديداً لحياتك، ومن حق زوجتك وأهلك أن يفرحون بك، فبعض الإخوان أهله لا يرون منه شيئاً، كلما دخل المنزل دخل ومعه زميل، ليس منظماً لوقته ولا منسقاً في وضعه، لا يستقبل المكالمات في وقت معين، ولا يستقبل الزوار في وقت معين، ولا يخرج مع الإخوان في وقت معين، بل يخرج كل وقت، ويستقبل كل وقت، وينام كل وقت، وبعد ذلك أهله يريدون بعضاً من وقته فلا يجدون، وكلما طلبوا منه شيئاً قال: لا أستطيع أنا مشغول، زوجته معه في عذاب، تتمنى زوجته أن ينتكس من أجل أن يعود ليجلس معها بل تدعو عليه -والعياذ بالله- فلابد من إعطاء النفس حقها؛ لأن هذا سبب من أسباب التثبيت إن شاء الله.

    عدم تهيئة النفس لمواجهة معوقات وصعوبات العمل في طريق الله

    السابع: من أسباب الانتكاس: عدم تهيئة النفس لمواجهة معوقات وصعوبات العمل في طريق الله، يتصور بعض الناس أن الالتزام وأن الدين طريق مفروش بالزهور، وهذا مخالف لسنة الله، والله قد قال في سورة العنكبوت: ألم * أَحَسِبَ النَّاسُ أَنْ يُتْرَكُوا أَنْ يَقُولُوا آمَنَّا وَهُمْ لا يُفْتَنُونَ * وَلَقَدْ فَتَنَّا الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ فَلَيَعْلَمَنَّ اللَّهُ الَّذِينَ صَدَقُوا وَلَيَعْلَمَنَّ الْكَاذِبِينَ [العنكبوت:1-3] أي: أيظن الناس أنهم سيتركون بسبب قولهم هذه الكلمة ولا يقدم لهم ابتلاءات وامتحانات، إذا ظن هذا الظن سيسقط، لكن إذا هيأ نفسه، وأعدها لمواجهة أي صعوبة، يتوقع أنه يسجن، يتوقع أنه يمرض، يتوقع أنه يفقر، يتوقع أن امرأته تخرج من بيته، يتوقع أنه يقتل، يتوقع كل شيء في سبيل الوصول إلى مرضاة الله تبارك وتعالى، فإذا ما جاء هذا الأمر المتوقع، يجد النفس مهيأة لاستقباله فيكون الوقع هين، والأثر بسيط، لكن حينما لا تكون النفس متهيئة له، كيف يكون الأثر؟!

    النبي صلى الله عليه وسلم لما أخبره ورقة بن نوفل وقال له: (ليتني معك إذ يخرجك قومك، قال صلى الله عليه وسلم: أومخرجي هم؟ قال: نعم. ما جاء أحد قومه بمثل ما تأتي به إلا أخرجه قومه وآذوه، فقال: الله المستعان) استعان بالله عز وجل.

    أيضاً عثمان بن عفان لما أخبره النبي صلى الله عليه وسلم في الحديث الذي في الصحيحين يقول أبو موسى الأشعري : (تبعت رسول الله بعد أن خرج من المسجد ودخل بئر أريس -يعني: بستان أريس في المدينة - يقول: فجلس على شفير البئر ودلى رجليه ثم قال: يا أبا موسى! لا تأذن لأحد إلا بعد أن تخبرني، يقول، فقلت: الحمد لله أنا اليوم بواب رسول الله صلى الله عليه وسلم، يقول: فجاء أبو بكر فقلت: يا رسول الله! أبا بكر، قال: ائذن له وبشره بالجنة، يقول: وبعد قليل طرق الباب طارق، قلت: من؟ قال: عمر، قلت: عمر يا رسول الله! قال: ائذن له وبشره بالجنة، يقول أبو موسى فقلت: ليت أبا عامر يأتي) يقول: يا ليت أخي يأتي، يظن أن كل من جاء دخل، وهي ليست هكذا إنما هي لأناس معينين، يقول: (فليت أبا عامر يأتي، يقول: فجاء ثالث وطرق الباب، قلت: من؟ قال: عثمان ، قلت: يا رسول الله! عثمان، قال: ائذن له وبشره بالجنة على بلوى تصيبه، فقال عندما بشره: أبشر بالجنة على بلوى تصيبك، فقال: الله المستعان).

    هذه تهيئة الرسول صلى الله عليه وسلم هيأ نفسية عثمان لقبول البلاء، ولذا كان عنده يوم أن قتل أربعمائة عبد في حراسته وهم مملوكون وقد كان تاجراً، فقالوا: ندافع، قال: من ألقى سلاحه فهو حر، فوضعوا السلاح كلهم يريدون الحرية، وأعتقهم لوجه الله، وجلس على مصحفه لا يدفع عن نفسه حتى دخلوا إليه وذبحوه وسال دمه الشريف على المصحف، رضي الله عنه وأرضاه.

    فلا بد أن تتوقع وأن تهيء نفسك، للابتلاء، ولا تسأل الله البلاء وسل الله العافية، فالرسول صلى الله عليه وسلم يقول: (لا تتمنوا لقاء العدو ولكن إذا لقيتموه فاثبتوا) نسأل الله العافية، ولكن نسأل الله أن يثبتنا إذا لقينا ذلك.

    صحبة الأشرار والعصاة

    الثامن: من أسباب الانتكاس: صحبة الأشرار والعصاة، مثل صحبة ذلك الرجل الذي أضل نفسه وأضل غيره معه؛ لأن القرين السيئ يعدي كما يعدي الصحيح الأجرب، أدخل جملاً أجرب في مائة جمل سليم، هل تعديه بالعافية أم يعديها بالجرب؟ يعديها بالجرب؛ لأن المرض ينتقل، والعافية لا تنتقل، وضع تفاحة معفنة في صندوق صحيح هل التفاح الصحيح يصلح المعفنة أم المعفنة تعفن الصندوق كله؟ كذلك ضع شخصاً خبيثاً مع عشرة صالحين يفسدهم كلهم، ولهذا في الحديث في الصحيحين يقول عليه الصلاة والسلام: (مثل الجليس الصالح والجليس السوء كمثل حامل المسك ونافخ الكير، فحامل المسك إما أن يحذيك أو تجد منه ريحاً طيبة، ونافخ الكير إما أن يحرق ثيابك أو تجد منه ريحاً خبيثة) فإياك -يا أخي- من مجالسة رفقاء السوء فقد قيل عن جليس السوء:

    عن المرء لا تسل وسل عن قرينه     فكل قرين بالمقارن يقتدي

    إذا ما صحبت القوم فاصحب خيارهم     ولا تصحب الأردى فترد مع الردي

    ***

    ويقول الآخر:

    فلا تصحب أخا الفسق     وإياك وإياه

    فكم من فاسق أردى     مطيعاً حين آخاه

    يقاس المرء بالمرء     إذا ما المرء ماشاه

    وللناس على الناس     مقاييس وأشباه

    وللقلب على القلب     دليل حين يلقاه

    كن مع شكلك، هل رأيت حمامة تمشي مع الغربان؟!

    هل رأيت كلباً يمشي مع الغزلان؟! لا يمشي معها إلا لأنه يريد أن يفترسها، لا تمش إلا مع من هو مثلك على الدين والاستقامة، وإذا مشيت مع قرناء السوء أهلكوك.

    ارتكاب المعاصي والاستهانة بصغائر الذنوب

    التاسع: من أسباب الانتكاس: مقارفة المعاصي والاستهانة بصغائر الذنوب: يقول الله عز وجل: كَلاَّ بَلْ رَانَ عَلَى قُلُوبِهِمْ [المطففين:14] أي: غطى القلوب: مَا كَانُوا يَكْسِبُونَ [المطففين:14] تستهين بنظرة أو بأغنية أو بكلمة أو بخاطرة أو بمعصية فتنكت في قلبك، يقول عليه الصلاة والسلام والحديث في صحيح مسلم قال: (تعرض الذنوب على القلوب كالحصير عوداً عوداً فأي قلب أُشربها -أي: قبلها- نكت فيه نكتة سوداء، وأي قلب ردها نكت فيه نكتة بيضاء، حتى تصير القلوب على قلبين: قلب أسود مرباد كالكوز مجخياً، لا يعرف معروفاً ولا ينكر منكراً، إلا ما أشرب من هواه، وقلب أبيض كالصفاء لا تضره فتنة ما دامت السماوات والأرض)

    فأنت اجعل في قلبك حاجزاً ضد الذنوب، كلما جاء ذنب رده، لماذا؟ حتى لا ينكت في قلبك نكتة سوداء ثم تتراكم هذه النكت السوداء ثم يصير راناً، فيكون قلبك مرباداً ثم ينكسر القلب وينتهي، وهذه الردة -والعياذ بالله- والكفر.

    1.   

    علاج الانتكاس

    أما العلاج من أجل أن تثبت في الطريق؛ لأن الطريق إلى الجنة ليس سهلاً، أشعر نفسك أنك تريد الجنة، عمير بن الحمام لما قال عليه الصلاة والسلام: (قوموا إلى جنة عرضها السماوات والأرض، قال: جنة عرضها السماوات والأرض؟! قال: نعم. قال: بخٍ بخ، قال: ما حملك على هذا؟ قال: أريد أن أكون من أهلها ثم رمى تمرات كانت في يده وقال: إنها والله لحياة طويلة أن أمكث حتى آكل التمرات وقام وقتل في سبيل الله) هذه طريق جنة حافظ على نفسك من الآن؛ لأن الطريق هنا صعب، والأصعب منه الصراط، والأصعب منه العرصات، والأصعب منه تطاير الصحف، والأصعب منه الطرد من الحوض، والأصعب منه خفة الميزان، والأصعب من ذلك السحب على الوجه إلى النيران.

    اضبط نفسك الآن وداوم واصبر وقل: يا مقلب القلوب والأبصار ثبت قلبي على دينك، وقل: يا رب سلِّم سلِّم، وإذا أصبحت فلا تنتظر المساء، توقع أنك سوف تموت ذلك اليوم، وإذا أمسيت فلا تنتظر الصباح، توقع أنك تموت في الليل، وإذا صليت فصل صلاة مودع، فقد تصلي العشاء ولا تستطيع أن تصلي الفجر، هكذا المؤمن خطوة خطوة، إلى أن يقف عند جدار الموت وينزل إلى الجنة بإذن الله، وعلاج هذه الظاهرة بتسعة أمور:

    الحرص والمواظبة على الطاعات

    أولاً: الحرص الكامل والمواظبة على الطاعات: حرص كامل ومواظبة، لا يؤذن إلا وأنت في المسجد، وإذا كنت عبد سوء فتأتي بعد الأذان، أما بعد الأذان، ما معنى الأذان، معنى الأذان أن تقوم، لكن بعضهم يؤذن المؤذن فينام، جاء في الحديث الذي في صحيح مسلم : (من سمع المنادي فقال مثلما يقول ثم سأل الله لي الوسيلة وجبت له شفاعتي يوم القيامة) يعني: تقول مثلما يقول، أي: أنك تؤذن، ولهذا جاء في الصحيحين قوله عليه الصلاة والسلام: (لو تعلم أمتي ما في النداء والصف الأول، ثم لم يجدوا إلا أن يستهموا عليه لاستهموا).

    فأنت تؤذن مع المؤذن وتأتي أول شخص، ولا بد أن تكون الأول دائماً في الطاعات، وفي مكة في الحرم إذا استطعت وكل مكة حرم إن شاء الله، في أصح أقوال العلماء، لكن تتفاوت مكة أيضاً فالذي بجانب الكعبة يختلف عمن هو بعيد منها، وأيضاً الصف الأول ليس مثل الصف الثاني، فخير صفوف الرجال أولها، ويتفاوت الناس فاحرص دائماً أن تصلي في الحرم، وأن تصلي في مسجد الكعبة، وإذا صليت في مسجد الكعبة فاحرص على الصف الأول، ليكن عندك هم وحرص، فأنت طالب آخرة، كل ما تعلم أنه يوصلك إلى الآخرة ويزيد من درجتك عند الله فاحرص عليه، ولا تفرط وتتساهل به، إذا سمعت بجنازة يصلى عليها فاقعد، وتجد بعض الناس يسمع بالجنازة يصلى عليها ويمشي وكأنه أمر عادي ولا يعلم أنه محروم من أجرها، وفي الحديث: (من حضر الجنازة حتى يصلى عليها كتب له من الأجر قيراط، وإذا حضر أحد الدفن كتب له قيراطان قيل: وما القيراط؟ قال: مثل جبل أحد) أي: حسنات.

    فلا بد من الحرص على الطاعة بكل صورها وأشكالها، طاعة الصلاة، وطاعة الصيام، وطاعة القيام، طاعة الزكاة، طاعة النافلة، طاعة الحج، طاعة العمرة، طاعة بر الوالدين، طاعة ذكر الله، طاعة قراءة القرآن، طاعة الدعوة إلى الله، طاعة الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، طاعة الحب في الله والبغض في الله، طاعة إكرام الضيف، طاعة الزيارة، هذه اسمها طاعات، فاحرص عليها وزد من الاهتمام بأمرها.

    البعد عن المعاصي

    ثانياً: البعد عن المعاصي دقيقها وجليلها: من أي باب ومن أي طريق، من باب النظر إلى الحرام، أو من باب سماع الحرام، أو من باب الغيبة والنميمة والسب والشتم الحرام، أو من باب الفرج والزنا واللواط، أو من باب البطن -أكل الحرام- أو من باب اليد -البطش الحرام- أو من باب الرجل -السير إلى الحرام- أقفل كل أبواب المعاصي، وضع من قلبك جندياً عليها، وقل: يا عين خافي من النار، يا أذن لا توجد أغانٍ، فالله ما خلق هذه الأذن للغناء، يقول الله: إِنَّ السَّمْعَ وَالْبَصَرَ وَالْفُؤَادَ كُلُّ أُوْلَئِكَ كَانَ عَنْهُ مَسْئُولاً [الإسراء:36].

    يا لسان قف! قل خيراً تغنم، واسكت عن الشر تسلم، يا رجل لا تحمليني إلا إلى طاعة الله وإلى المساجد وإلى حلق الذكر، وإلى الزيارة في الله، يا يد لا تمتدي إلى حرام، أقفل أبواب الشر من أجل أن تتعالج (100%).

    الوسطية والاعتدال

    ثالثاً: الوسطية والاعتدال: عن طريق الرجوع إلى الكتاب والسنة، لا تقصر ولا تقفز؛ لأن تجاوز الدين خطأ والتقصير عنه خطأ، والحل هو الوسطية، والوسطية تعرف عن طريق العلماء الموثوق في علمهم، من تثق في علمه ودينه وأمانته تستشيره، وتحاول أن تأخذ دينك ممن هو على علم وعلى بصيرة.

    ملازمة الصالحين وصحبتهم

    رابعاً: ملازمة الصالحين وصحبتهم وملازمة الجماعة وعدم العزلة: فإن الشيطان يفترس الإنسان إذا كان منفرداً.

    الاستعداد وتهيئة النفس لمواجهة المصائب

    خامساً: الاستعداد وتهيئة النفس لتلقي ومواجهة أي صعوبة عن طريق الله عز وجل.

    البعد عن قرناء السوء

    سادساً: البعد كل البعد من قرناء السوء وإخوان الضلال وإخوان الشر والأشرار، انتبه! اقطع صلتك بهم مهما كان حبك لهم وحدد موقفك منهم بصلابة، وقل لهم: لستم مني ولا أنا منكم، كما قال إبراهيم: (كفرنا بكم). لابد أن يكون موقفك قوي: إِذْ قَالُوا لِقَوْمِهِمْ إِنَّا بُرَآءُ مِنْكُمْ وَمِمَّا تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ كَفَرْنَا بِكُمْ وَبَدَا بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمْ الْعَدَاوَةُ وَالْبَغْضَاءُ أَبَداً حَتَّى تُؤْمِنُوا بِاللَّهِ وَحْدَهُ [الممتحنة:4] زميل دراسة أو جار، إذا رأيته تاب امشِ معه وإذا لم يتب اهجره في الله عز وجل؛ لأن الهجر في الله والبغض في الله من أوثق عرى الإيمان.

    إعطاء النفس حقها

    سابعاً: إعطاء النفس حقها، فلا تقصر في هذا الجانب وتمنعها حقها من المباحات، ومداعبة الأهل، ومداعبة الأولاد، إذا دخلت باب البيت من حين أن تدخل خذ الولد وارفعه إلى فوق ولاعبه واضحك معه، كان الأطفال يركبون على ظهر رسول الله وهو في الصلاة، وقد صعد الحسن على ظهره، فأطال في السجود حتى كاد الصحابة يسبحون، فلما رفع رأسه اعتذر وقال: (إن ابني هذا ارتحلني) يقول: ركب علي.

    من وسائل العلاج: التكامل في حياة المسلم لإعطاء النفس حقها، وإعطاء الأهل حقهم، وإعطاء الأولاد حقهم، بالمداعبة وبالنكتة البريئة، وبالنزهة وبالرحلة وبالسمر اللطيف في المباحات، يروي الإمام مسلم عن حنظلة الأسدي أنه قال لـأبي بكر وقد لقيه، قال: (نافق حنظلة ! قال: ما ذاك؟ قال: نكون مع رسول الله صلى الله عليه وسلم فتكون قلوبنا في غاية الرقة، ثم نخرج فنعافس النساء والأولاد فتقسوا قلوبنا، قال أبو بكر : وأنا مثل ذلك -الذي عندك أنا أحس به، هيا بنا إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم- فذهبوا إلى النبي صلى الله عليه وسلم فأخبروه فقال: لا يا حنظلة ! ساعة وساعة) يعني: القلوب لا تبقى دائماً على وتيرة واحدة وإنما ساعة وساعة، ساعة تكون رقيقة، وساعة ينبغي للإنسان أن يعود فيها إلى مباحاته وإلى شئونه العامة، ثم قال: (أنتم بشر لستم ملائكة) يقول: (لو أنكم تبقون في الطرقات وفي الشوارع وعند أهلكم كما تبقون يوم أن تكونوا عندي لصافحتكم الملائكة في الطرقات) يعني: لانقلبتم عن بشريتكم ولأصبحتم ملائكة، ولكنكم بشر والبشرية ملازمة للإنسان، ففي حدود ما أباح الله لا ينبغي للإنسان أن يقصر، وأن يضيع هذا مدعياً أنه من الدين، فإن هذا قد يؤدي إلى ردود فعل عكسية قد لا تكون سليمة مع بعض الناس، قد تكره الإنسان في الدين، وتكره الزوجة في الإسلام، وتكره الأولاد، وينشئون معقدين لا يريدون أن يكونوا مثل أبيهم على الالتزام بأسباب تقديمه الصورة المعتمة القاتمة عن الدين، وإلا فإن في ديننا فسحة، وفي ديننا مجال لإظهار ذلك، والذين يمارسون الحياة الكاملة الطيبة الإسلامية مع زوجاتهم ومع أولادهم، يعيشون أكرم عيشة.

    نعم. بعض النساء تتصور أن ما في الدنيا أعظم من زوجها، ملتزم لكن يقوم بالحق الكامل، يدخل وهو مبتسم ويضع يده عليها يضمها ويقبلها ويلاعبها ويخرج معها، وهنا هو الصحيح، لكن بعضهم يدخل عندها كأنه عسكري لا يبتسم ولا يضحك ولا يمزح، وإذا دخل أخذ الكتاب وجلس يقرأ، تقول: الله أكبر عليك مع الكتاب ليل نهار، -يا أخي- اجعل للكتاب وقتاً، وللنكتة وقتاً، وللسمر وقتاً، أما أن تعقدها وتقدم هذا الشيء فهي تتصور أن هذا هو الدين فينعكس ذلك في نفسها تقول: ما هذا الدين الذي أتيت به أنت؟ لكن لو قدمت الدين بالقالب الصحيح، وقت الجد اقرأ، ووقت الأنس تجلس مع زوجتك وتلاعبها، فقد كان صلى الله عليه وسلم وهو أكرم خلق الله يداعب أهله، وقد سابق عائشة مرة فسبقته ومرة سبقها، من منا يسابق زوجته الآن، هل هناك أحد يسابق زوجته الآن؟ لو أن شخصاً آخر قام بهذا لقالوا: هذا أخبل مجنون، سبحان الله! ما أقسى قلوبنا.

    يا أخي! سابقها، داعبها، العب رياضة أنت وإياها، ابتسم لها، قبلها، خذها معك للمسجد الحرام تصلي معك، اخرج بها في نزهة، عوضها إذا منعتها من الحرام، بعض الشباب يقول: لا أدخل بيتي جهاز تلفزيون ولا فيديو ولا دش نقول: جزاك الله خيراً حميتهم لكن أوجد البدائل؛ لأن هذا يحدث فراغاً عندها، فإذا حدث الفراغ هذا وما ملأته أنت بالحق ملأته هي بالباطل، وإذا لم تأت بالتلفزيون تضطر أنها تسمع التلفزيون ولو بالتليفون، تقول لزميلتها: ضعي السماعة بجانب التلفاز حتى نسمع المسرحية، لماذا؟ بسبب سوء التطبيق من قبل بعض الناس، فوسائل العلاج أنك تعطي أهلك حقهم من المباحات.

    تذكر الموت

    ثامناً: تذكر الموت: اجعل ذكر الموت بين عينيك، ألست ستموت؟ نعم. متى؟ لا تدري. أليس ممكن الآن؟ نعم. ممكن الليلة؟ نعم. ممكن في كل لحظة، هل جهزت نفسك؟ بعد كل لحظة ممكن أن تموت، يخبرني أحد الإخوان في رسالة لي هنا، يقول: هناك شاب حضر محاضرة للشيخ/ عبد الله الحماد الرسي وخرج من المسجد وذهب إلى البيت ونام، ومات بعد ساعة من نومته، مات لكن بعد خروجه من المسجد وبعد طاعة وبعد محاضرة، وبعد أيام رؤيت له رؤية حسنة، رآه بعض رفاقه فقالوا: ما صنع الله بك؟ قال: بشر أهلي أنني في الجنة، نسأل الله أن تكون هذه الرؤية حق، وأن يجعله في الجنة، ولا نقول إلا خيراً؛ لأنه خرج بعد الطاعة إن شاء الله، فأنت توقع الموت بعد كل لحظة، يمكن يقع هذا الكلام علي الليلة، ويمكن على أحد منكم.

    كم من إنسان ركب سيارته وما نزل منها باختياره، وكم من إنسان لبس ثوبه وما خلعه هو بل قطعت أزراره من رقبته، وكم من إنسان نام على فراشه وما استيقظ منه، وكم من إنسان خرج من بيته وما عاد إليه، فتذكر الموت؛ لأنك إذا تذكرت الموت تضبط نفسك وتمشي على الطاعة وتترك المعاصي.

    محاسبة النفس ومراقبتها

    تاسعاً: محاسبة النفس ومراقبتها على فترات: إما يومياً أو أسبوعياً أو كل ليلتين، فلابد من جلسة مع النفس، محاسبة كما تحاسب الغريم، فتشارطها وتحاسبها وتتابع سيرها، تحاسب عينك، أين أنت يا عين؟ أين نظرتي ؟ أين الإيمان؟ نظرت اليوم تقول: أستغفر الله وأتوب إليه، يا أذن ماذا سمعتي اليوم؟ سمعت غيبة أستغفر الله وأتوب إليه، يا لسان تكلمت اليوم في موضوع ما كان لي أن أتكلم فيه وليس لي علاقة به، أستغفر الله العظيم وأتوب إليه، وهكذا .. هذه المحاسبة لها أصل في الدين، قال تعالى: يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَلْتَنْظُرْ نَفْسٌ مَا قَدَّمَتْ لِغَدٍ [الحشر:18] هذه -أيها الإخوة- مجمل الوسائل التي يستطيع المسلم بها أن يثبت على دين الله، ومن حصلت له انتكاسة أو ضعف أو تراخٍ أو كسل في الدين يستطيع بالأسباب التسعة الأخيرة أن يعالج ضعفه وتراخيه وكسله، وأن يعود إلى الجدية والاستمرارية في طريق الله، وأن يسأل الله الثبات ويصبر على هذا الطريق، فإنه وإن كانت فيه صعوبة فإن نهايته مشرقة وهي الجنة.

    نسأل الله الذي لا إله إلا هو أن يجعلنا وإياكم من أهلها، وأن ينجينا وإياكم من النار، وأن يثبتنا على هذا الدين حتى نلقاه، وأن ينصر دينه وأن يعلي كلمته وأن يبرم لهذه الأمة أمر رشد يعز فيه أهل الطاعة ويذل فيه أهل المعصية، ويؤمر فيه بالمعروف وينهى فيه عن المنكر إنه سميع الدعاء، والله أعلم، وصلى الله على نبينا محمد، وعلى آله وصحبه وسلم.

    والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.